دور الملك عبدالعزيز في نشأة الإخوان




سيطرت النظرة السياسية على كثير من المقالات التي كتبت عن تاريخ حركة الإخوان ، وسلمت تسليما مطلقا بفكرة إنشاء الملك عبدالعزيز لحركة الإخوان خدمة لمآربه السياسية ، وهذا التسليم في تصوري ليس إلا تأثرا بالتحليل الغربي لتاريخ الحركات الإسلامية ، وإلباس أي تطور في تاريخها أو فكرها بأن خلفه بعدا سياسيا وسعيا للوصول إلى منفعة مادية حاضرة . ويصعب على القاريء إحسان الظن عند قراءة الدراسات والتحليلات التي تحدثت عن الإخوان في الفترة الأخيرة وعلاقاتها الفكرية بداعش ، لأن المصادر التي اعتمد عليها البعض في التحليل تنقل أيضا عدم وجود دور رئيسي للملك عبدالعزيز في تأسيس حركة الإخوان وأن علاقة الملك عبدالعزيز بالإخوان لم تبدأ بشكل فعلي إلا بعد وقت متأخر سواء من جانب نشأة الإخوان أو جانب نشأة الدولة الجديدة  . وفي هذا يقول ديكسون في كتابه " الكويت وجاراتها " : ويمكن القول بشكل عام أن دعوة الإخوان كانت إحياء للوهابية وأنها لم تكن هرطقة .. وإنما حركة دينية بين مسلمين نجديين من أجل إحياء تعاليم المدرسة الحنبيلة .... وفي حدو علمي ، بدأت هذه الدعوة بالشيخ عبدالكريم المغربي ، وهو رجل من رجال الدين ثاقبي الفكر وكان في وقت من الأوقات كبيرا للعلماء لدى فالح السعدون باشا شيخ قبيلة المنتفق ، وبعد فترة كان يمارس نفس الدور لدى مزعل باشا والد إبراهيم بك السعدون ... وعندما ترك العمل لدى مزعل باشا ، رحل إلى نجد وبدأ يمارس نشاطه سرا كمعلم ومصلح ديني في بلدة " الأرطاوية " .. "

بل إن المؤلف ينقل عن الملك عبدالعزيز بأن العلاقة بين المؤسس وحركة الإخوان لم تبدأ إلا متأخرة " كما لم يكن لابن سعود أي علاقة بها عند ظهورها ولم يحدث إلا بعد استرداده للإحساء من الأتراك أن أحس بهذه الحركة وتنبه لوجودها كما ذكر لي بنفسه " ولجون حبيب رأي مختلف في كلام ديسكون هذا ، ينظر له في كتابه " الإخوان السعوديون " 

ويؤكد عدم علاقة الملك عبدالعزيز بإنشاء حركة الإخوان صاحب " تاريخ العربية السعودية " : " لم يكن لدى عبدالعزيز سند متين وواسع بالقدر الكافي في أواسط الجزيرة رغم نجاحاته الأولى . فلم يكن يتمتع بدعم الدعوة الدينية السياسية التي رصت صفوف السكان وجعلتهم يلتفون حول آل سعود في عهد أجداده . كان آل سعود مرتبطين بفكرة دينية باركت النضال من أجل المركزية صالح الأمير والوجهاء الحاكمين وباركت النضال من أجل المركزية لصالح الأمير والوجهاء الحاكمين وباركت الغزوات تحت راية (الإسلام الحقيقي) .
وفي تلك الأثناء ظهرت في نجد حركة الإخوان . ومن المستبعد أن يكون عبدالعزيز من واضعي فكرة الإخوان أو من مؤسسي هذه الحركة . فإن المؤسسين الروحيين للحركة هم قاضي الرياض عبدالله بن محمد بن عبداللطيف من آل الشيخ وقاضي الإحساء الشيخ عيسى والمدعو عبدالكريم المغربي الذي وصل إلى الجزيرة العربية في أواخر القرن التاسع عشر واستقر في منطقة صارت فيما بعد هجرة الأرطاوية . " ( تاريخ العربية السعودية - فاسيلييف 269-270 ) 

وهذا الغموض في نشأة الإخوان وعدم وجود دليل قاطع عليه هو ما انتبه إليه ديفيد كمنز في " الدعوة الوهابية " : " إن من تبنى بالضبط فكرة جمع البدو في مستوطنات زراعية وتعليمهم ليكونوا بشكل صحيح ليس واضحا ، وتنسبها بعض المصادر للملك عبدالعزيز نفسه ، بينما تعتبر أخرى أنها بدأت لدى العلماء ثم نالت دعمه . وربما كانت ابتكارا فرضته الضرورة لتهدئة مناطق الجزيرة العربية الداخلية ... " ( الدعوة الوهابية 140 )

وفي هذا السياق أحب أن أنقل هذا النص المهم جدا لأنه أقرب الروايات إلى المنطق والعقل وإلى عفوية العربي البدوي وهو من سلسة مقالات إبراهيم الدميجي عن الإخوان والتي نشرها متتابعة في مجموعة عبدالعزيز قاسم : ” إن بداية ظهور الإخوان, أنّ جماعة من حرب, قدمت إلى حَرْمة, ومن أعيانهم سعد بن مثيب, ومعهم أفراد من قبيلة مطير, للاستقرار, وللتفقه في الدين, وذلك عام (1330) قلت: ويذكر أن المهاجرين الأوائل الذين أسّسوا البلدة قد قدموا من بلدة حرمة (70كيلاً) إلى الجنوب من الأرطاوية وهم حوالي عشرين بيتاً ومعهم عبدالمحسن بن عبدالله العبدالكريم من آل معمر من العناقر من بني تميم الذي اختاروه برضاهم أميراً عليهم بعد أخذ موافقة الملك عبدالعزيز رحمه الله - ثم انتقلوا في العام نفسه للأرطاويّة, الّتي كثر نزول مطير لها, وسمّوها هجرة, إشارة إلى هجرتهم من نمط حياتهم الأوّل, إلى حياة دينيّة جديدة. " ( نقلا عن مقال لإبراهيم الدميجي عزاه للعثيمين  )


وفي تصوري أن نشأة الإخوان وعلاقتهم بالملك عبدالعزيز لاينبغي النظر إليها بالعين الغربية البراغماتية ، وأن الأمر لايتعدى أن يكون توافقا عفويا حصل في فترة من التاريخ ، دون حساب دقيق لما ستؤول عليه الأمور بعد ذلك الاتفاق . ومهما تكن عقلية الملك عبدالعزيز وحنكته إلا إن فوضى القبائل وطبيعة العرب عصيتان على الانضباط والترتيب بسهولة كما يريد ويخطط ، ما لم تكن البيئة مهيئة من قبل وجاهزة ومعدة بكل عفوية وتلقائية . فالتقاء حركة الإحياء الجديدة والملك عبدالعزيز في المنتصف هو التفسير الأقرب للعقل والمنطق ، فالملك الشاب قادم بحماسه وعنفوانه لاسترداد ملك أجداده السياسية مع وجود نزعة دينية واضحة لديه ، في مقابل حركة " دينية " بحتة لم يكن البعد السياسي ضمن أولوياتها . وكل ما حصل بعد ذلك من اختلاف وتمرد ثم القضاء عليه وإخماده لم يكن أيضا إلا ردة فعل للاختلاف بين الملك وجيشه المتدين . والزعم بأن الملك تعمد صناعة هذه الحركة لاستخدامها ثم القضاء عليه لايمكن أن يصدر إلا من العقول الغربية التي تظن أن البدوي البسيط يمكن أن يفكر كما تفكر الأمبراطورية البريطانية في أوج عظمتها وجبروتها ، ثم أعيد تكرار هذه التحليل في كثير من المقالات والدراسات التي تتحدث عن تاريخ الدولة وعلاقة الإخوان بمؤسسها ، وكأنها حقيقة ثابتة لايمكن النقاش حولها .

رمضان - ١٤٣٤ هـ

تعليقات

ضع بريدك هنا ليصلك ما ينشر في هذه المدونة من وقت لآخر..

* indicates required

المشاركات الشائعة