أيام في مراكش
أحاول ما استطعت أن أدون أسفاري وخواطري العابرة في الرحلات الطويلة. وكل مرة يتأكد عندي أن الكتابة مهمة صعبة. ويتأكد عندي ان صاحب المجلدات الطويلة والانتاج العلمي أو الأدبي المتتابع هو بل شك صاحب نفس ملتزمة وثبات دائم وصبر عظيم. أكتب أحيانا السطر والسطرين ثم أقف. يغلبني العجز ويأخذ بقلمي العي كأنني لم اكتب حرفا من قبل. زرت أسبانيا قبل فترة وتنقلت في أراضي العرب العظيمة وقفت على أطلالنا الدراسة الباكية. وبكيت على مدخل الحمراء وأغرقتني سحابة حزن وأنا أسير في أروقة جامع قرطبة. قطعت جسر قرطبة عشرات المرات ووقفت أتأمل النهر العظيم والمآذن الساحرة. ووقفت على سواحل مالقة. وتعلق قلبي بنقوش بني الأحمر تصرخ صادقة : ”لا غالب إلا الله“ في كل زاوية وعلى كل سارية، لكنني أعود فلا أقوى على كتابة شيء. الكتابة تأتيك أحيانا بلا استئذان ولا خبر فتجد نفسك منطلقا كالنهر. وأحيانا تتقصد مواضع القطر فلا تجد إلا الجفاف القاسي والحجارة الصماء. ومن جرب الكتابة يعرف ما أعني. أكتب أحيانا مرغما نفسي على الكتابة. آخذها بالعزيمة والصبر والتجلد. فأجد سطورا ثقيلة سامجة. العدم عندي أحسن منها. فأمحو أو أقدم وأؤخر لعل الله يفتح بفتح من عنده.
جالس في مقعدي في الطائرة بين اسطنبول ومراكش. تختلط في أذني الأصوات: صوت محرك الطائرة الرتيب. وضحكات السيدة المزعجة خلفي. وخطوات المضيفة تتنقل بين المقاعد. ولوحة المفاتيح المتكاسلة. بين لحظة وأخرى أسمع صوت الشفاط الذي تعرف. يقذف ما أكله الناس في مكان ما. مررت في طريقي على اسطنبول. تشجعت لطول وقت الانتظار على الخروج إلى منطقة السلطان أحمد. شجعني كذلك صديق تعرفت عليه في المطار. مشينا كثيرا كثيرا بعد أن ألقانا سائق الأجرة أمام المسجد الأزرق. تقهوينا ومشينا وأكلنا وتقهوينا مرة أخرى ثم عدنا للمطار لنتقهوى ونأكل مرة أخرى قبل أن نركب الطائرة. لا أريد أن أقول لك أننا تذاكرنا هذه النعم التي نحن فيها والجوع الذي هم فيه أطفال غزة. ثم نسينا كل شيء وعدنا للأكل والقهوة. وإنا لله وإنا إليه راجعون. كنت في أسطنبول في بداية الصيف قبل أشهر ولم نكن بهذه الحرارة. مررنا كذلك بالمسجد الازرق والزحام عليه من كل الناس = مسلمهم وكافرهم. التعري أفسد وقار المسجد وصار المنظر مقززا غريبا. وهكذا هو المال يفسد كل شيء. ويصير كل شيء سلعه تباع وتشترى حتى المساجد أطهر بقاع الله. لكن لعل الله يخرج من أصلاب هؤلاء من يؤمن بالله واليوم الآخر.
متجه كما قلت للمغرب وكلما علم أحد أنني ذاهب للمغرب ضحك ضحكة غريبة أو أطلق مزحة ساخرة. أفسد بعض نساء المغرب تصور الناس عن المغرب العربي وأهله ودينه ودين رجاله ونسائه الطيبين والطيبات. صار الناس لايذكرون عن المغرب إلا الجانب الذي تعلم وهم قلة قليلة من شرارها. والرحلة طويلة جدا. لك أن تعلم انني خرجت من بيتي في أبها الساعة ١٢ ليلا. والآن الساعة ٨ ليلا من اليوم التالي ولما أصل بعد. رفيقي في الرحلة : ”هروبي إلى الحرية“ لعلي عزت بغوفيتش. ولم أكن أعلم أن الكتاب فقرات وخواطر مفرقة لايربط بين كثير منها رابط. شدني منها أشياء كثيرة. منها رأي بدأت أميل إليه من قريب وأجد نفسي أحيانا أمارسه - وأستغفر الله -. ذكر ما معناه أن الكذب شر. لكنه أحيانا ضروري لتسير الحياة الإجتماعية بسلام دون خصام أو خلافات. ولا أوصيك هنا بالكذب والخداع. لكن أوصيك أن تحسن القول حال القول. وان تتعلم الصمت فلا تفصح عن كثير مما تعلم. والثرثرة قرينة البراءة أو قرينة الخبث. فلا تبادر إلى قول ما يفتح عليك باب أسئلة ليس لها نهاية. وربما اضطررت أحيانا إلى التورية والتعريض ، فيما تظن أن الصراحة فيه باب إلى الخلاف والجدل العقيم. هذا الأمر يسير على حديثك مع أصحابك في عملك ومع مديريك ومع أهل بيتك. ولو قال الإنسان كل ما يعلم لما بقي له صديق. ولو صدق الأنسان الناس فأسمعهم ما يحبون وما يكرهون لتقاتل الناس في الشوراع. بل تعلم الصمت والهدوء والإجابات المتأنية كما تتعلم حروف الهجاء. ودعك ممن يقول لك كن صريحا ولا تخف من أحد. فالصراحة باب عداوة وحنق. فلست ملتزما للإفصاح عن مالك وعن نفاصيل حياتك وماذا طعمت وماذا شربت وكيف حالك مع أهلك. وتحفظ ما استطعت التحفظ. على أن الإنسان بحاجة للافصاح لمن يثق به. إفصاحا يشتكي همه ويشارك الناس بعض أفكاره مما يخجل من ذكره أو يخشى من ذكره أو يرى أنها أفكار لم تنضج بعد. وتخير لكل حديث صديق. فما يصلح أن تقوله لفلان لايصلح لغيره. وقد تعرف في بعض أصدقائك حبا للتنافس وربما حسد يخفيه ويبديه. فلا تقل في حضرته ما يفسد نفسه وربما أفسد عليك صحبتك. ولا تغرق في المثالية وتقول ليس لي أصدقاء حسدة ، أو أصدقائي لا يطرق الحسد قلوبهم. بل إن الحسد والتنافس قد يكثر من المتقاربين. ولا تخلو نفس من حسد كما يقول الحسن البصري رحمه الله. فالكريم يخفيه والكريم يبديه.
قضيت أربعة أيام قصيرة في مراكش. ما انطبع في نفسي منها أن الناس طيبون كرام مضيافون. والصدق فيهم بارز والصراحة بينة. والمدينة قديمة ويظهر الفقر على أهلها في كل زاوية. مررت بسوق الكتب المستعملة فوجدت أكثرها كتبا مدرسية وفهمت أن الفقراء يقصدونها ليشتروا الكتب المدرسية المستعملة بأقل من نصف القيمة. ووجدت كتب حسن أوريد كاملة ويبدو أنها رائجة في المغرب. واتكيت تكوة مع صاحب إحدى هذه الدور. شاب فصيح مليح مريح. فأخرج مخطوطات قديمة بعضها لأجزاء من القرآن يبدو أنها من قرن ١٢٠٠ للهجرة. سقاني كوبا من الشاي الأخضر المغربي. ودعا أصحابا له وزملاء وتساقينا الشاي الأخضر والأحاديث في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم الطاقة. ووضعنا نظريات مهمة تحل كثيرا من مشاكل العالم. كانت نصف ساعة وسط الشمس لكنها كانت غنية بالحياة. دعك من النظريات التي نظرناها. لكنها كانت مليئة بالتواصل الإنساني البسيط. وهذا المجلس بأصحابه لن يتكرر في هذه الدنيا إلا بمعجزة. ولذلك أدعو الله سبحانه أن يجمعنا بهؤلاء الناس في الجنة.
من أجمل ما في السفر عندي هذه العلاقات الإنسانية الهامشية. علاقات بلا مصالح ولا أهداف مشتركة. بريئة نقية. يحييها الإيمان بالله سبحانه ومرؤة العرب وفطرة الإنسان. وإلا لما يضيع الإنسان من وقته ونفسه وجهده دقائق مع من لا يراه بعد هذه اللحظة. ولحظات تنشغل فيها عن زبائنك لتعد كوب شاي لغريب لن تراه بعد اليوم لا يزينها إلا اعتقاد بإن هناك أبعاد في هذه الحياة أهم من التعاقد المادي المجرد. ولذلك تنتعش روحي بالجلوس مع من لا أعرف. نتبادل الأحاديث العميقة وربما العناق الساخن. ندعو لبعض بالسعادة والتوفيق والحياة المطمئنة. تغرقني هذه اللحظات وتملؤني بالبهجة لأنني كل يوم أصبحت أرى الجحود في الناس كثير. والامتنان يضمحل. والأنانية المفرطة تطغى. ومشاعر ”الاستحقاق“ تسطير على كثير من تعاملك اليومي مع الناس. في كل مكان بلا استثناء. يثقل علي والله أن يأخذ مني موظف الفندق شنطتي في الاستقبال ، أو يتولى السائق حمل حقيبتي عند باب المطار. وأجد نفسي أحمل الأشياء مع عامل المحل. أشعر أنهم يمتنون علي بفضل لا أقوى على رده بسهولة. وأقول والله لأنني أسمع كثيرا من يقول: وظيفته وشغله. هو هنا من أجل هذا! . ولعل من يقول هذا لايستحضر أن كل ما يجنيه هؤلاء المساكين في سنة يحصله في أيام معدودة. وأن هذه الوظيفة أو هذا الشغل هي ليبقى متماسكا أمامك يسد جوعته وجوع من خلفه من زوج وولد. والعشاء الذي تتناوله أنت وأسرتك في المطعم الفاخر يفوق نصف ما يجنيه هذا المسكين في شهر. والمناسبة التي تقدمها لضيوفك هي ما يجنيه عدة أشهر. صدقت! هي وظيفته وشغله لكنني لا أطلب منك إلا قليلا من الإنسانية والإمتنان. لذلك آنس كثيرا بالغرباء البسطاء. يكفيه منك لتملأ يومه ابتسامة صادقة ودعوة صالحة وأحيانا زيادة بسيطة على السعر المتفق عليه. ومن حولك من الناس ينهشونك ولا يشكرونك. ويستهلكون وقتك وعمرك وصحتك ونفسك ولا تجد منهم إلا قليل شكر عند السعة أو عند الرضى. ولذلك: اسوأ الخواطر الذي يداهمك يقول : أنت تضيع وقتك مع من لا يستحق. وأنت لا تنال من بعض من حولك إلا الخسران الذي لن يتبين لك إلا بعد سنين. وسنواتك العابرة لا تغير الحجر. وبعض الناس أقسى من الحجر.
١٤٤٧ هـ
الحمدلله على السلامة والله يكثر من سفرياتك من غير شر على هذا السرد الرائع
ردحذفسلمك الله وحفظك
حذف