دعني أقول لك أنني من قريب بدأت أميل إلى حالة من ”اللارأي“ مع معظم ما يدور من نقاش في مجالسنا واجتماعاتنا. ولم يكن هذا الميل بنية مبيتة. بل أمر بدأت أراه في نفسي واكتشفه اكتشافا . وصرت اتتبع عقلي أمام القضايا المطروحة فأجد نفسي بلا رأي قاطع. فالأمور متشابهة جدا. فيمكن للإنسان أن يشرب الشاي مرا أو عليه كيلو من السكر. ويمكن أن يفضل مطعم على آخر أو فريق على أخر. وهذه أمثلة لتبسيط المعنى. والحقيقة أنني في كثير من الأحيان أجد نفسي أجاري من يحدثني في أمر ما دون قصد واضح ولا عزم مسبق. ثم إنني وجدت أن هذا الأمر أريح لي ولمن يحدثني لأسباب منها أن غالب كلامنا لا يحتاج إلى إثبات ولا تدليل ولا محاججة. بل هو تنفيس وفضفضة واستعانة على طول الوقت بطول الكلام. واللغة تأخذنا كل مأخذ. واسمع حديثَ صاحبٍ لك ملازم، عن أمر ما وتأملْه، ثم لن تلبث طويلا حتى تسمع عكسه وخلافه وكله مصحوب بالأيمان المغلظة والآهات والزفرات أو الضحك والقهقهة. ولست بحاجة للتأمل إن كنت صاحب ذاكرة قوية لتدرك تقلب آرائك وآراء الناس حولك في كل شيء. والإنسان يشتكي لك من ماله وأهله وولده وعمله وجاره وسيارته وهو أعرف الناس بهم. وأنت كذلك تشتكي وأنت أعرف الناس بحالك. والمشكلة العارضة تأتي سريعا وتذهب سريعا. فليست بحاجة إلى حل، فهي تحل نفسها. وكثير من المشاكل الكبيرة يحلها الزمان. فرأيك لو عرضته وقاتلت من أجله سيبقى في الهامش. وأرجو أن تفهم أنني أعني ما يظهر من مشاكل وأحاديث يتشاكاها الناس ويتحاكونها في المجالس. ولست أعني أن يقصدك أحدهم لرأيك يطلبه فتتمسك بحالة ”اللارأي“ هذه. إلا إن لم يكن لك فيها رأي فسيكون حديثك مضيعة للوقت. أو أنت جاهل بما يطلب. وربما قصدك أحدهم يستشيرك وهو عازم على رأي في ذهنه. فتقول ما لديك وتعرضه وتحلله فيصر على رأيه فتضطر للعود لحالة ”اللارأي“ مرة أخرى. وتتمثل بقول شوقي: عليك النُّصْح إن صادفت أهلًا وليس عليك في النُّصْح الجِدال. والأمر عندي يزيد أحيانا فأجد نفسي بلا رأي قاطع في العمل أو الجامعة أو المستشفى. وربما كان ظرف الاجتماع يحتم أن تدلي برأيك فتقول كلاما ملفقا بلا معنى وليس فيها حدة ، ولا عزيمة على موقف ف ”كله يمشي“. وكل الطرق تؤدي إلى روما.
وهذه الحالة تقلقني أحيانا. لأنني أجدني في كثير من الأحيان بلا رأي. ولا أقطع بشيء. وحتى رغباتي في كثير مما يتنافس عليه الناس صارت تتضاءل. وأعرف من نفسي أنني أقدر على أشياء كثيرة ولا تخيفني بفضل الله التجمعات والمحافل. لكنني أصبحت وأنا أراها مضيعة للجهد والوقت. وأحيانا أسأل نفسي كيف وصلت لهذا القدر من ”البلادة“ فلا أجد جوابا. وقبل يومين رأيت صورة لرجل شابت لحيته في الحياة جالس في مجمع من مجامع التطوير والريادة الشبابية. فاستغربت غرابة شديدة. ثم عدت إلى نفسها ألومها وأقول: وماذا عليك؟. فقالت: أحق بهذا أن يقضي وقته الضايع في زواية الحوش يحتسي كوب الشاهي الأحمر وحده أو مع من يحب. رغبتي في تطوير شيء ما أو الخروج بمجد من أمجاد الحياة محدودة وضيقة جدا. أماشي وأساير من حولي وأتصنع الإهتمام لكنني في كثير من الأحيان لا أهتم. لعل ما يدفعني لكثير من الأمور في هذه الحياة هو أنني إذا طلب مني أمر قلت: لم لا؟. ولو جمع الله علي البلادة والإحجام لما أقدمت على معظم ما أقدم عليه من أمور الحياة. والله كريم عليم حكيم. هل أنا مكتئب؟ ربما. غير أني مشغول بأشياء كثيرة تبعدني عن السقوط الكامل في الاكتئاب؟ الله أعلم. واسأل الله دائما الهداية والرشاد. وأن يصلح قلبي وعملي. وأن يدلني إلى كل خير. ضايع أنا وأنت بدونه سبحانه. حيارى تائهون. لا دليل ولا مرشد. الطريق مظلم غاية الظلام. والليل أليل ما يكون، وقطاع الطريق كما ترى في كل زواية، والعقل مكينة أفكار لا تتوقف. والهمة تتناوشها العزائم، وتتخطفها الخواطر. وأنا وأنت في التيه لانبصر إلا بنور الله. ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.
١٤٤٧