وكان ممن لا يصفو اللقاء إلا به


عرفت أناسا بقلوب أصفى من الماء وألطف من النسيم، بأرواح منطلقة وأنفس مرحة باشّة. كانوا أنسا للخليل المستوحش، وطمأنينة للصديق المفزوع، ومقصد المصاب والحائر. دمعاتهم حاضرة لا يحجزها شيء، يطربهم البيت الشارد، وتحركهم الكلمة العابرة وتهزهم المأساة.. أمينين مأمونين. فبقيت أشتاق للقاء بعضهم شوق الظاميء، أطالب الأيام أن تنطوي فاختلس من الزمن ساعة أنس، وأرجو المشاغل أن تهدأ فاسترق ساعة من الهدوء.  ثم لقيته فإذا الوجه غير الوجه وإذا الهموم غير الهموم.. وغابت الابتسامة المشرقة وعلا الوجه شحوب لا يمكن أن تخطئه العين، وقادتنا الأحاديث إلى أن عرفت إنسانا غير ذلك الذي كنت أعرف، وأخلاقا غير الأخلاق.. وقد كنت أطالب الأيام أن تنطوي حتى أظفر بهذه الساعة فصرت أتوسل الدقائق أن تمر ليزول عني ثقل هذا اللقاء. وذكرني بهذا مقالا لعبدالوهاب مطاوع يروي عن صديقه الذي كان يقضي معه الليالي يقرآن الأدب والشعر، فيتقطع قلب هذا الصديق الرهيف، ثم أخذتهما الدنيا كل مأخذ ثم تلاقيا بعد سنين فإذا الصديق قد صار تاجرا جشعا لا يرحم، وكان من جشعه أن سرق إرث زوجته اليتيمة وعبث به، ثم تشاكي هو وأخو زوجته في المحاكم .. 
والحياة أحيانا قد تقسو على الإنسان فيستحيل حجرا صلدا كل همه نفسه وأن يصل إلى ما يريد، لأنها أوهمته أن الأخلاق والقلوب الرهيفة لا تصلح لشيء. نسأل الله السلامة من هذا. 


halal guys


شباب الحلال سلسة مطاعم شاورما بدأت في الانتشار في أمريكا ببركة الله..
وهي أقل جودة من شاورما الغامدي (لمن يعرف شاورما الغامدي)


سيرا على نهج halal guys ( شباب الحلال ) ، سأطلق مشروعا جديدا بعنوان halal guide
والسبب أنني بدأت أشعر بحاجة المسلمين إلى دليل حي ومتفاعل ومتنقل لكثرة ما أتلقى من الأسئلة في الأماكن العامة. يتكرر كثيرا أن أسير بسرعة وعجلة لأدرك ما يُمكن أن يدرك من هذه الأشياء، فيستوقفني أحدهم: 
سلام عليكم ( برذر )، هل هناك مسجد قريب؟ أو هل تعرف مطعم حلال في هذه المنطقة؟ .. ومثل أي دليل سياحي خبير أبدأ في التدفق بالإجابة وطرح الخيارات ونسأل الله القبول. 
وربما كنت أسير مع مجموعة من الزملاء فيأتي أحدهم إلينا فيقصدني مباشرة بالسلام والسؤال عن مسجد أو مطعم ثم إذا ذهب، أبدأ ساخرا بإلقاء محاضرة على من معي بأهمية المحافظة على الهوية في مجتمعات ما بعد الحداثة. والعلامة المميزة للهوية هنا هي اللحية، وإن كانت موضة إعفاء اللحية عبثت بالهويات وصنعت فضاء من اللاتمييز. ومع وجودي هذه الأيام في نيويورك شعرتُ فعلا بأن هويتي مكتوبة على جبهتي -الكبيرة- لكثرة العابرين الذين يلقون عليّ السلام، وأصحاب عربات الطعام المتنقلة الذين أبدأ الحديث معهم بالإنجليزية  فيتجاهلون ذلك تماما ويبدأون بالحديث باللغة العربية، أو أبدأ بقول هاي فيقولون وعليكم السلام ورحمة الله إن كانوا من غير العرب.
ومن هنا أعبر عن سعادتي البالغة بكون وجودي في هذا العالم يشكل طعنة في نحر العولمة، وصخرة عصية في طريق بلدوزر تكسير الهويات. 

:)

ابن عقيل الظاهري .. مثقف خارج القوالب.



        فات جيلنا الحالي شيء كثير حين لم يدرك جيلا سابقا من الأدباء والمفكرين والكتاب ، جيل كان يملك شيئا يقدمه ، ويملك تاريخا علميا وسيرا حافلة من البحث والدراسة والتحقيق ، فكانت خلافاتهم أو " معاركهم الفكرية "  جديرة بالاعتبارة والاحترام أو بالاستمتاع - على الأقل -  لأنها صادرة عن جهد وبحث وقراءة ، وفيها جمال وبلاغة ، لا جمع لمصطلحات ورصف لكلمات .
وأتصور قاريء ذلك العهد واجدا من المقالات المنشورة " مقالات حقيقية " تزيده ثقافة واطلاعا ، لا مقالات  كحديث العامة ، لا تزيد القاريء إلا جهلا وحيرة واضطرابا . وهذا مما جناه على جيلنا غلو حياتنا الأدبية في " الفساد"     - كما يعبر أبو فهر رحمه الله - الذي ظهرت براعمه بجلاء في أوائل عهده ، واستوى على سوقه في عهدنا .. فامتلأت " حياتنا الأدبية " بمصطلحات رنانة وأسماء براقة و " عار فاضح وعبث رزين متعقل "
أتأمل في الاصدارات التي كانت تصدر تحت مسمى " الكتاب العربي السعودي "  ، فأجد فيها ثروة عظيمة لم يعد لها رواجا لدى جيلنا اليوم ، فقد أصبح معظمنا يستصعب قراءة العسير ، هانئا بقراءة القصة والرواية ويراها جهدا علميا ضخما يستحق الفخر والمباهاة ، وتصدّر المجالس والمنتديات الثقافية ، منتظرا فرصة سانحة لصحيفة سائرة كي يمد الناس بعلمه العظيم  ، وهو والله وجه آخر من وجوه الفساد في حياتنا الأدبية .. ويؤسفني أن هذه الكتب لم تعد ترى في المكتبات ، ومن يسعى لها فليتحمل عبء الإستعارة من المكتبات العامة ، أو عبء تتبعها في مكتبات المستعمل والأسواق الشعبية ، وإنه حظ عاثر آلت إليه .
من بقية ذلك الجيل  الشيخ ابن عقيل - حفظه الله وأمد في عمره - وهو ظاهرة غريبة ، كان قد اختار طريقا مختلفا في قراءته وبحثه وكتابته ، يظهر هذا جليا في كتابه " هكذا علمني وردزورث " ، فتجد فيه بحثا لمسألة أصولية ، ثم تحريرا لمصطلح لغوي ، فحديثا عن الجمال والفلسفة ، ثم تحليلا لفيلم" عريس بنت الوزير " .. فسطورا من أجمل السطور عن العبقرية والجنون ، وقس على هذا .. متبعا في كتابه هذا - كما يقول -  طريقة الحصري في " زهرة الآداب " لتظهر في التجميع إفادة الاجتماع ، وفي التفريق لذاذة الامتاع .
فينقلك في كتابه هذا من صفحة تظنها حلقة مهيبة لعالم سلفي يفصّل ضرورة " سيادة النص " ، إلى حديث فيلسوف ماتع عن الإيجابية والإطرادات والثوابت من ناحية فكرية ، ثم يحملك على بساط من الريح مرح إلى " كفر أبي صير " ليحدثك عن فيلم لـ"عبدالوهاب " وأغنية غناها الأطرش .. وبعدها يقول لك : " صح لنا باللفظ قطعي الدلالة والثبوت من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن حلق اللحية حرام .... " !
أسمعُه يقول : " لقد حاولت أن أربي فكري - منذ أول تمييزي - على الحرية التي لا يحد منها إلا  صدق النية في تحري الحق والخير والجمال " ص316 .. وهنا تظهر ملامح هذه الظاهرة التي فهمت الحرية كما ينبغي فلم يمنعها القول برأي ابن حزم في الغناء من التصريح بحرمة حلق اللحية ، ولم يمنعه حبه للتفكير وإطلاق العقل من تقديس أدلة الكتاب والسنة وتقديمها على كل شيء ، وهذا التحري الحر الساعي إلى الحق هو من جعله بعد ثلاثين سنة من كتابه يكتب مقالا بعنوان " الغناء جميل ، ولكن غدا أجمل " ، ويستغفر لابن حزم لرأيه الذي تابعه عليه  ..
الإشكالية التي يعاني منها كتاب اليوم وجيل اليوم هو تجسيده للحرية الفكرية في قالب واحد قليل من شذ عنه ، تتميز ملامحه في قضايا متلازمة لا يمكن أن تنفصل ، فأصبحت الحرية تعني مخالفة السائد مطلقا أو القفز مباشرة من شكل إلى شكل جديد دون نظر ولا بحث ولا قراءة ولا استدلال ففر هؤلاء منن تقليد الحق إلى تقليد الهوى والباطل كما يشير الغزالي رحمه الله ، وأصبح "الأحرار" نسخا مكررة  ، أو كما يقول صاحبنا : " يعادون ما يجهلونه ، ويدعون ما لا يعلمونه ، ولا يملكون رؤية كونتها خبرة ثقافية ، ولا يملكون رأيا كونه فكر نير "  .. وهذه القولبة والتكرار  أكبر دليل على أن هذه الحرية المدعاة ما هي إلا وهم من الأوهام ، وسير في طريق المخالفة للمخالفة ذاتها ، دون بحث ولا تمحيص.
الحديث هنا عن ابن عقيل كظاهرة ليس للتركيز على آرائه التي ذهب إليها قديما أو التي عاد منها ، لكن للتركيز على المنهج الذي ينبغي أن يتبعه المثقف المسلم في حياته ، من وجود ركائز ومنطلقات واضحة ، وسعي للحق بتجرد ، واعتزاز بالثقافة ، مع علم وبحث وجهد يدعم كل هذا ، وحين نتأمل الظاهري نجد أنه ينطلق من منطلقات واضحة ، ساعيا سعيا صريحا للحق لا يخجل حتى من توبيخ نفسه ، معتزا بثقافته وأصوله .. واقرأ له إن شئت ما كتبه قبل فترة حول اكتشافه لنفسه ، وحديثه في كتابه الذي سبق ذكره حين يقول : " ما تلقيت الإهانة في حياتي قط إلا بعد ما جنت علي ّ الصحافة فقعدت عن مجالسة العلماء فهذه واحدة ، وكتبت هذرا كثيرا فهذه ثانية ، وكان ما كتبناه غير نافع ولايراد به وجه الله فهذه ثالثة ..... " لقد كان صادقا مع نفسه ومن كان صادقا مع نفسه صدق مع الناس وفي سعيه و " لن تقرأ المعرفة الصحيحة في قلب غير صادق " كما يقول هو .  وهذا ابن عقيل يعلمنا أن الحرية الفكرية واطلاق العقل ، قبلهما مفاوز من دراسة وبحث واطلاع ومكابدة الكتب بالليل والنهار، وأصول ثابتة ومنطلقات لا تهرم ، وإلا كانت الحرية رق للهوى ، وكان اطلاق العقل نوعا من الجنون .. ويعلمنا أن على من ادعى الحرية الفكرية ، أن يسلك عقبات كؤود ، ويعاني حياة عسيرة ، ويجهد في طلب العلم والدرس نفسه ، وأن يجعل الديانة قصده ، ثم ليختلف بعدها كيف شاء ..
صلّيت مع هذا الرجل الحر في مسجده ، منتظرا مجلسه الأسبوعي الذي تمنيت لو أنه أقامه .. وسألته عن كتابه العجيب هذا ، فنكس رأسه وقال : " ذاك من كتب السفاهات " !
 ألا غفر الله لك يا يا والدنا الوقور ، أي شيء نقوله عن الكتب التي ملأتنا بما تعلم ؟
وددت يا أبا عبدالرحمن أن يقرأ جيلنا اليوم مما أسميته  كتاب السفاهات  مقالك الشجي " أنا مغترب والراحلون هم ُ " ليعلم أي شيء كان جيل الراحلين عليه ، و"ثالوث المؤرخ الحديث " ليفهم أن العلم لا يأتي " دون مكابدة لأعباء الكتب ويأبى الله ماظننتم " ، وأن يقرأ " أنا شرقي إذن أنا أبكي " ليشعر بما " يشغل الساحة اليوم من أوشاب أدبية وفنية تظهر في عناد طفولي مغتصب لمشاعر الجماهير " و" عصر الإرهاب الفكري أو أصنام بيكون " ليتخلص من وباء " الأنصاف " ، وأن يتذوق " الجمال بين النظرية والتطبيق " لتسمو لديهم قيمة الحق على قيمة الجمال ، وأن يفهموا " الاطرادات الفكرية " ليعلم هذا الجيل على أي أصل هو يتكيء .
وأجزم لو قرأنا هذه وفهمناه ، لعلمنا بحق أين تعشعش " السفاهة " في يومنا هذا وتفرخ ، ولقضينا وقتا مع "صلوات قلب " لنقرأ قلوب الصادقين ، ونشهد تبتل العارفين المؤمنين .
أي شيء نجنيه على مجتمعاتنا حين نحن نغفل عن علماء أعلام عظام ، ونضع في مقامهم أعلاما من وهم ، وغفر الله لك يا ابن عقيل وغفر لهذا الجيل الذي يسمع طنين اسمك في أذنيه فيظنك من علماء القرن الخامس الهجري !

عمر بن سعيد - من الرقيق المسلم في أمريكا







الأبحاث والدراسات المتعلقة بتاريخ الإسلام والسود في أمريكا فيها لطائف جميلة ومدهشة، بقدر ما تجد فيها من الألم والمأساة والمعاناة التي لقيها أبناء القبائل الأفريقية البسطاء ممن أخذوا من أرضهم ومزراعهم وجناتهم عبيدا رغما عنهم إلى العالم الجديد. 
وهذا الرجل عمر بن سعيد، كان من أبناء القرآن وحفاظه في قريته الهادئة في السنغال.. حتى أتت جحافل العالم المتقدم فأخذته من بين كتبه وقرآنه وباعته في أمريكا. وهو من القلة الذين دونوا تجربتهم في سير ذاتية صغيرة، وبعض آثاره والمخطوطات التي كتبها بالعربية من القرآن محفوظة في مكتبة جامعة نورث كارولاينا حيث مات رحمه الله. وقد درست سيرته كثيرا بخلاف غيره ممن طواهم النسيان من المسلمين وغير المسلمين الذين ولدوا أحرارا وماتوا عبيدا.

هل تعرف طالبان؟!



الصورة من نافذتي قبيل الشروق - شيكاغو





مواقفي الغريبة مع محطات النقل العام لا تنتهي، واليوم كنت واقفا في محطة ( آدم وديربون ) واكتشفت بعد أن طال وقوفي أن الباص الذي أريد قد مر من أمامي مرات عديدة وأنا جالس على كرسي الانتظار أنتظر السراب والمشرد القادم .. أتى - المشرد طبعا - تفوح منه رائحة لا يمكن وصفها، وطلبني سيجارة فاعتذرت منه، ويبدو أنه حين لم يجد ما يرجو مني أراد أن يتسلى بعض الوقت فسألني : هل تتحدث الإنجليزية؟ فقلت: نوعا ما.

فقال : هل تعرف طالبان؟ .. قلت له: من يكون هذا الشخص؟ متصنعا الجهل التام ومتجنبا نوعا من النقاش لا أعرف كيف سيكون مع شخص لا أدري إن كان في كامل قواه العقلية أو لا. إجابتي يبدو أنه كانت صادمة للرجل الذي كان يبحث عن شيء يتسلى عليه في فراغه، فملأني بنظرة متعجبة حائرة فيها قدر قليل جدا من العداء ثم سأل سؤالا أكثر ذكاء: هل أنت عربي؟ فأخترت أن أمعن أكثر في الجهل والغباء فقلت: من هؤلاء؟ ولغتي الإنجليزية ضعيفة جدا يا رجل! .. صمت وبقي يحوم حولي وأنا أحوم حول نفسي وحين لم يجد ما يرجو ذهب إلى حيث لم أعد أراه.



مرت لحظات ثم عاد ومر من أمامي مطرقا تفوح منه الرائحة القاسية تلك، على وجهه عناء السنين ، وإنحناء ظهره يخبرك بتتابع الأيام، ورائحته تنم على ضعف الإنسان وهشاشته أمام أبسط الأشياء .. تمنيت لو بيدي شيء يمكن أن أفعله أو أقدمه لهذا البناء الإنساني المتهالك أمامي وأمام العالم، لكن لا أدري كيف تكون العواقب، فانزويت على نفسي واخترت سبيلا أكثر سهولة وسلامة: طريق مالك وما للناس؟!. والطرق الأخرى محاطة بالأسيجة والحواجز التي لا تدري هل أنت تزيحها من الطريق أم أنها ستسقط على رأسك !




10-5-1436 شيكاغو

عمق اللغة


من الأدلة على عمق اللغة الأولى في نفس صاحبها أنك ترى الأستاذ الذي عاش جزء كبيرا من حياته لا يكاد يتحدث إلا الإنجليزية ، يشرح لطلابه الدرس بلغة علمية جميلة صارمة ، فإذا انفعل وسط الدرس خانته الإنجليزية وعاد للعربية لتعبر عن خوالج نفسه . سواء كان هذا الانفعال غضبا أم سرورا أم تعجبا .. إلخ وهذا أمر مشاهد وغالب وربما كان لهذه القاعدة شذوذ . وربما كنا مجموعة من الأصحاب نتحدث العربية في موضوع طبي أو غير طبي ، فيعرض ذكر عورة أو شيء يخجل من ذكره ، فيجد أحدنا نفسه أقل تحفظا حين يلفظ اللفظة بالإنجليزية . لأن اللفظ العربي عميق ومتجذر ومحمل بحمولة كبيرة وثقيلة ، بينما الكلمة الإنجليزية مجرد أداة ووسيلة للتعبير عن اللفظ وحروف مجردة من أي شيء ، نستخدمها كما نستخدم اسم الإشارة هذا . فأي جناية يجنيها العرب على أنفسهم وهم يتعلمون العلوم بهذه السطحية . 

CPR إنعاش




غسلت النوم عن وجهي ومسحت بقاياه بما وجدت من مناديل، ووصلت إلى باب المستشفى الساعة السادسة والنصف تقريبا، الصباح يحب أن يتأخر هذه الأيام فلا تشرق الشمس إلا بعد السابعة .. فأذهب للمستشفى في الظلام وأعود في الظلام ولا أبصر هذه النهار إلا من زجاج المصعد في رحلات الفريق الطبي اليومية. 
وصلت الغرفة طبيبا جديدا في يومه العاشر تقريبا، قُذف به في قسم عناية القلب..قيل لي حين دخلت أنني سأتولى الاهتمام بمريضة جديدة كانت في قسم آخر لكن تردت حالتها الصحية، وهي فيما يبدو تعاني من نزيف داخلي بسيط  وقد تلقت العناية أثناء الليل وحالتها الآن مستقرة .. قلت لامشكلة لأن هذه الأمر المعتاد وحتى لو كانت الحالة حرجة فهناك أطباء آخرين أكثر خبرة أعود إليهم.. لم استقر على مقعدي حتى جاء الاتصال من العناية أن المريضة تشتكي من ألم شديد في أسفل بطنها والضغط منخفض.. هي علامة غير جيدة لكن ظننت أن الأمر من بقايا الأمس. 
نزلت بهدوء وسكينة وأظن أن كوب القهوة كان في يدي حتى وصلت للغرفة. حين وصلت كان ضغط الدم منخفض جدا، والمريضة تتلوى من الألم، وجه باهت جدا يقترب من الموت، وشفاه جافة وجبهة متعرقة… بخبرتي الطبية القليلة أدرك أن هذه المريضة راحلة إلى عالم آخر. أمسكت بيدها أجس النبض واسألها عن شكواها، فشدت على يدي ببقايا الحياة فيها .. وهي تقول: يا دكتور ساعدني أنا سأموت .. أرجوك ساعدني! كررت هذه القاسية الجملة أكثر من مرة. وهي تظن أنني حبل النجاة المعلق أمامها.. أعطتها الممرضة جرعة من سائل الوريد، واتصلت على الطبيب الاخصائي سريعا وأخبرته فجاء وضغط الدم قد تحسن … لحظات وإذا النبض يتوقف تماما. 
بدأت رحلة الإنعاش القلبي لمدة نصف ساعة، وعاد النبض ضعيفا منهكا.. أُخذت بعده المريضة للعمليات للم أشتات الحياة فيها لعل وعسى ولا جدوى. رحلت روحها ظهرا .. وبقايا قبضتها ما زالت بيدي، وتوسلها الضعيف ما زال يطوف حولي.. وددت أنها علمت أنني لم أكن قادرا على فعل شيء!

كادت دمعاتي تنهمر أكثر من مرة وأنا أدافعها بعنف وقسوة، لأن واقع المستشفيات يقول لك يجب أن تتحول أيها الطبيب إلى آلةأوماكنةبلا مشاعر وعواطف.. تتعامل مع أرقام و حالات مجردة من أي شيء ..

كيف تواجه اختبارات الرخصة الأمريكية بالآلة الحاسبة؟



طلبني بعض الأصدقاء أن أكتب تجربتي في الاختبارات الأمريكية الطبية وأهم النصائح التي قد يستفيد منها البعض ليختصر الوقت والجهد، وأنا الآن في الطائرة بعد سنة حافلة بالأحداث والمواقف والأسفار والأصدقاء، أشعر أن هناك أفكار كثيرة تتزاحم على منفذ رأسي إلى أصابعي لكي تكتب فاستللت جهازي من حقيبته وبدأت أكتب لا يقطعني إلا تلصص جاري في المقعد على شاشتي وهو يرى حروفي تتقافز أمامه يود لو يفك شفرتها أو لو ينسخ بعض منها فيضعه في مترجم قوقل! .. الحقيقة أنني أكتب هذا الكلمات وأنا أشعر بالخجل فقد يكون جاري هذا ممن يحسن العربية فيقرأ سخريتي منه ، ولا داعي للقول أن موقفي سيكون مخجلا لي وله 🙃
هناك قاعدتان  مهمتان جدا جدا ولم أتبين أهميتهما  إلا بعد أن رأيت كثيرا من الأصدقاء لا ينتبه لهما، ولا أبالغ إن قلت أنني لم أعرف إلا أشخاصا معدودين على أصابع اليد الواحدة ممن يفهم هاتين القاعدتين ويعمل بهما : 
١) لا توجد طريقة للمذاكرة بمثابة الدستور الذي لا يمكن خرقه. - حتى مقالي هذا -  
٢) لابد أن يكون هدفك اليومي واضحا لك تماما، أعني هنا أن يكون مقدار ما تريد أن تقرأ واضحا تماما وضوح الشمس كما ونوعا. 
هذا الإجمال ويلي التفصيل،
 الغرض من الخطط التي يقترحها الزملاء والأصدقاء مشكورين هو الصورة التالية :
Image title
   
وهذا يعني أنه لو تحقق الفهم بأي صورة مختلفة فذلك هو المرجو من كل الخطط والنصائح.  قبل أن أفتح الكتاب الأول للتحضير لاختبار الخطوة الأولى، جلست مع أكثر الأشخاص الذي أعرفهم معرفة وخبرة بالامتحان وسألتهم عن المصادر المتوفرة وخرجت بالجدول التالي :

Image title
خرجت بهذا الجدول واستشرت الزملاء فيه
  

وكان السؤال الذي كررته كثيرا على الزملاء ولم أجد له إجابة هو: كم يجب أن أقرأ “ بالتحديد “ كل يوم؟ وكم يجب أن أتابع ساعة من الفيديوهات كل يوم؟
 وهذا السؤال لم أجد له إجابة ليس نقصا في عبدالرحمن ووائل وسالم ومهند، بل لسبب آخر مختلف وهو أنه لا أحد يستطيع أن يجيب على سؤالي إلا أنا. ولو سألت أنت نفس السؤال فلن يجيب على سؤالك إلا أنت -رضي الله عنك-.
كيف يمكن أن تجيب على السؤال المهم جدا؟

تحتاج أمرين:
١) آلة حاسبة.
٢) مدة معينة من الزمن لنقل أسبوع أو اثنين. 

لديك ٢٧٠٠ صفحة هي مجموع صفحات كتب كابلان للخطوة الأولى، الكتب التي يتفق على جداوها جمهور العلماء، وبمعرفة عدد الصفحات تستطيع عمل معادلة رياضية بسيطة لمعرفة المدة التي يمكنك فيها الانتهاء من الكتب جميعها بشكل كامل. 
قبل هذه الخطوة تحتاج لمعرفة كم صفحة تستطيع إنجازها يوميا، وهذا الأمر يتفاوت فيه الناس جدا، بسبب الاختلاف في سرعة القراءة وفي الاستيعاب وفي الخلفية العلمية .. إلخ. وهنا يظهر سؤال مهم جدا: 
ما هي الطريقة التي يمكنني معرفة كم صفحة أستطيع إنجازها كل يوم؟
هنا تأتي أهمية المدة الزمنية المعينة التي ذكرتُها قبل عدة أسطر. والطريقة هي أن تذاكر كل يوم بجهدك الذي ترجو أن تستمر عليه كل يوم وتأتي كل يوم وترى كم استطعت أن تنجز من المادة العلمية، وسترى التفاوت من يوم لآخر وخلال هذه المدة المعينة سيظهر لك رقم تستطيع أن تقول باطمئنان أنك تستطيع إنجازه كل يوم. لنقل كان الرقم : ٢٥ صفحة. ولدينا ٢٧٠٠ هو عدد صفحات جميع الكتب وبالتالي : 
٢٧٠٠\٢٥ = ١٠٨ يعني ثلاثة أشهر ونصف تقريبا.
وغني عن الذكر أنه كلما زاد عدد الصفحات التي تقرأها كل يوم كلما فرغت من الكتب في فترة أقصر. لو كنت تقرأ كل يوم ٤٠ صفحة تنتهي من الكتب في : شهرين ونصف! وهذه المدة التي أنهيتُ فيها الكتب - لم أشاهد الفيديوهات -.
هذه الطريقة أوصي بها بشدة وبقسوة وبعنف لأسباب كثيرة منها:
١) مهما قل عدد الصفحات التي تقرأ كل يوم ستجد أنك ستنتهي يوما ما في مدة واضحة بالنسبة إليك. 
١٥ صفحة =تنهي الكتب في ٦ أشهر، وهي مدة مقبولة جدا.
٢) أنك تبدأ يومك ولديك مهمة واضحة لهذا اليوم وليس هدف مبهم ربما تمر السنوات ولم تصل إليه.
٣) أنها لقاح فعال جدا ضد الـقلق والاكتئاب والخوف غير المنطقي فأنت ترى النتائج كل يوم.
٤) أنك ستجد لديك وقت فراغ واسع للأنس والمتعة والقراءة والخروج مع الأصدقاء، لأنك ستنجز بعض الأيام أكثر من المهمة المحددة فتجد أن لديك متسع من الوقت قد تمارس فيه ما تحب.
وهناك - كما تعلم - مذهب آخر في المذاكرة والقراءة يجعلك أسيرا ومقيدا بها، يقول أصحاب هذا المذهب: 
اقرأ ١٠ ساعات أو ١٢ أو ١٤ وربما ٢٤، وهو مذهب ضعيف ومرجوح لأنه يجعلك أسيرا للهم والقلق ووهم الإنجاز وربما مضى يومك وأنت تنظر إلى كتابك لا تقرأ ثم توهم نفسك أنك قرأت ١٢ ساعة وأنت لم تقرأ إلا ما يقرأه غيرك في ساعتين وتمر الأيام وأنت حبيس ساعاتك وغرفتك. وهذا المذهب ربما نجح مع أشخاص لكن في تصوري أن المتضررين أكثر من المنتفعين به.

إلى هنا مضى الجزء الأول من تجربتي البسيطة التي أحببت كتابتها والجزء الثاني هو،
طريقة التعامل مع الفيديوهات:
عودة إلى الدساتير المقدسة التي لا تُخرق، من الدساتير التي تنتشر بين علماء خطوات الاختبار الأمريكي، أن الفيديو أمر لابد منه، وهذا قانون فيه صواب وخطأ .. لأن كثير من الفيديو لا تضيف لك شيئا إلا ضياع الوقت والجهد، فما فائدة أن تسمع محاضرة كاملة طويلة عريضة لنص مكتوب في الكتاب لا تستغرق منك قراءته وفهمه نصف وقت المحاضرة! وهذا ما حصل لي مع علم السلوك وهو أول كتاب بدأت به فوجدت أن المكتوب مفهوم وواضح لكن خوفا من خرق القوانين شاهدت الفيديو كاملا، ثم تأملت فوجدت أن النص المكتوب لو قرأته وحده وفهمته لحفظت نصف الوقت وأكثر، فقررت أن أترك الفيديو للأزمات فقط وللنقاط التي لا أفهمها أبدا، مثلا:
في علم وظائف الأعضاء هناك كثير من الكلام الواضح المفهوم الذي لا يحتاج إلى عقل اينشتاين لفهمه، لكن أحيانا تكون هناك جزئيات تستعصي على الفهم .. هنا مباشرة مرر شريط الفيديو حتى تصل للنقطة الغامضة فإذا فهمته، أغلق الفيديو بكل شجاعة
صحيح أن الناس يتفاوتون في خلفياتهم العلمية، فقد أكون جيدا في علم التشريح لكنني ضعيف جدا في الكيمياء الحيوية، فما المبرر المنطقي الذي يجعلني أقضي يومي أستمع إلى محاضرات التشريح المملئة في شيء أفهمه وأعرفه من الكتاب، وسأقرأه في بنك الأسئلة مرة أو مرتين ومن الكتب الأخرى كذلك؟! لا مبرر إلا الخوف من خرق الدستور :)
تقريبا هذه أبرز ملامح تجربتي مع الاختبارات الأمريكية ولأختصرها مرة أخرى: 
(( أعرف ما تريد أن تقرأه كل يوم ولا تنس استخدام الآلة الحاسبة في البداية ))
تمنياتي ودعواتي للجميع بالتوفيق.. 
وأسعد بأي استفسار أو أسئلة على إيميلي أو حسابي في تويتر.
mohd.shehri@gmail.com

صديقي الذي لم يعد يعرف شيئا ..



رأيته صدفة وهو يتسكع في مساء دافيء، كنت على عجل لكنني وقفت وحييته فشعرت وأنا أنظر إلى عينيه أنه عالق يبحث عن خلاص .. اطفأت كل محفزات العجلة داخلي وجاريته في تسكعه الذي بدا بلا هدف وبلا نهاية. أذكر أنه قال لي بعد أن تحدثنا في أشياء كثيرة :
الجميع مدرك بأننا نعاني من مشكلة كبيرة وعميقة جدا، وربما بادر كل واحد منا بطرح الحل الذي لا يتجاوز أن يكون حلال سخيفا للجانب الذي يمكن له أن يراه. مشكلة الواقع أو ما نسميه واقعا أنه هلامي جدا وعصي،كل من ظن أن يمسك به لا يدرك أن يمسك بجزء صغير وجد نفسه قريبا منه أو ظن نفسه كذلك.

هو يعلم أنني أشاركه هذه النظرة وأن مِن أكره ما أكره سماع الأحكام العامة التي تطلق بلا تردد ولا هيبة ولا خجل، لكنني بقيت أمارس دور النابش للمتلجلج الخافي بين جنبيه فسألته وما الذي يمكننا فعله؟

كعادته عندما يفكر ويحاول تفكيك المتشابكات في ذهنه بدأ يتعلثم. ثم انطلق :”منذ فترة ليست قصيرة أعترف أنني لم أعد أبصر شيئا، حتى الجزء الذي كنت أزعم أنني كنت أمسك به من هذا الواقع الهلامي لم يعد لدي القدرة على تبينه وإدراكه، لم يعد في يدي شيء منه. هناك تيار أو لأقل تسونامي أكبر منا جميعا، أكبر من قدرتنا على فعل شيء، لا يأذن لك حتى بالتفكير والتأمل، ومشكلته كذلك أنه صامت وناعم لدرجة أنك لا تدري أنك الآن في هذه اللحظة ضحية من ضحاياه وأنه قد ابتلعك من زمن!
تحاول المقاومة والسباحة خارجه ؟!
سيمنحك مسابح كبيرة وجميلة وشواطيء مفتوحة داخل جوفه الكبير ويمنحك كامل الحرية أن تسبح كما تشاء. طبعا كما تشاء لكن دون أن تتجاوز هذه الشواطيء التي صنعها لك.

صاحبي يتحدث والشاطيء الكبير أمامنا وبدأت أتخيل نفسي قافزا نحوه بكل مرونة كدولفين ناعم، ربما كنت سأهم بالقفز لولا ذكرياتي السيئة مع السباحة وخوفي منها منذ أن دفعني المدرب في حوض عمقه خمسة أمتار. صاحبي ما زال يتفلسف ومخاوفي بدأت تزداد من هذا البحر الممتد أمامي ودون أدنى لباقة قلت له وهو ما زال منطلقا في حديثه : يا ولد قم .. خلنا ندور شاهي.