رحلتي إلى الآسكا - ٩ (الأخيرة)

لم يقتحم أحد باب غرفتي وأنا نائم. وإطلاق النار ليلة أمس ذكرني بطبيب سعودي قابلته صدفة في مسجد وسط مدينة شيكاغو. قَدِم هذا الاستشاري غفر الله له حيا أو ميتا لحضور مؤتمر، لكنه حين رآني وعرف أنني من بني جلدته، انطلق في الحديث، ثم استطرد فيه، ثم مشى معي إلى الباب، ثم تغدينا سوية، ثم -ولا أدري كيف فعل- أخذني إلى أخطر أحياء شيكاغو ليشتري هارديسك قرأ في الجريدة أن عليه خصم كبير. دخلت أنا وإياه الحي بالباص وكنت قبله أتجنب ركوب باصات شيكاغو. ثم نزلنا إلى السوق المقصود. وقد كانت الأنظار علينا في الباص، وحين نزلنا منه، وأثناء وجودنا في السوق. ومع بالغ الأسف لم يجد الشيخ مبتغاه. فاستأذن أنه سيذهب للحمام على أن نلتقي في هذه النقطة من السوق. ثم اختفى!. وأنا والله لا أدري أين هو إلى يومي هذا!

بقيت أنتظر وأنتظر لعل الرجل يعود فما عاد. ولم يكن معه من فرط حرصه وشدة قبضه على المال وسيلة للاتصال. فلما طال الأمد طلبت سيارة تعيدني إلى شيكاغو. فجاءت السيارة تقودها سيدة سمراء. فما إن ركبت حتى سألتني: مالذي أتى بك هنا؟ فأجبتها إجابة عامة، وإلا قد كان يليق أن أقول : الحمق والبلاهة!. فقالت ما معناه: والله إنك منت صاحي. أتدري أنك في مكان قد يتخطفك الناس في وضح النهار. فقلت: أدري ولكن! .. ولم أحر جوابا.

عدت بفضل الله إلى شيكاغو لكن العربي بداخلي ما زال يؤنبني ويقرعني على تركي الرجل حيث كنا. فاتصلت على سالم الفيفي. فكان أشد مني عروبة وحمية. وربما ”شيء آخر“ فقال : قابلني الآن!. فنزلت إليه فأخذنا سيارة أخرى إلى وادي الذئاب وقد غربت الشمس. وطلبنا السائق أن ينتظرنا، فقال: ما أنا بمنتظر إلا إن بقي أحدكم معي. فنزلت أبحث عن الرجل وانتظر سالم. فكدت أقلب السوق علبة علبة وكيسا كيسا، فما وجدت له أثرا ولا أدري أهو فوق الأرض أم تحتها!. وإن مات فهو شهيد الهارديسك. غفر الله لنا وله.

خرجت من هذا النُزل الذي كنت فيه. واتجهت جنوبا الى مدينة ” وتيير“ وهي تبعد ساعتين تقريبا من أنكوريج. وكانت في السابق ثكنة عسكرية. وبها سجن قديم. وهي تقع خلف جبال ضخمة ولا يمكن الوصول إليها إلا بنفق كسم الخياط يخترق جبلا أصما عظيما. وطول النفق ما يقارب ٤ كلم. لايمكن أن تعبره سيارتان متقابلتان. فالسير فيه متبادل بين المقبلين والمغادرين. والقطار قد يأتي فيتوقف الجميع. والمدينة صارت وجهة للناس للجمال العجيب والطبيعة الساحرة. وبها سفن ومراكب تأخذ الناس إلى الأماكن المنقطعة.

قضيت في المدينة يومي كله حتى اقترب المساء فعدت ولم أقرر بعد أن سيكون مبيتي هذه الليلة.

وعلى امتداد الطريق ترى البيوت المتنقلة ينام فيها أصحابها، وهي عادة مألوفة ومنتشرة في أمريكا. وهناك محطات مهيأة لأصحاب البيوت المتنقلة تؤجر بمبالغ بسيطة للعابرين والسائحين.

وجدت في الطريق سيدة تبيع ”التشاي“، وهو أقرب ما يكون للكرك - المشروب المعروف -. فقالت إن صاحب المحل من أوروبا الغربية وهذا المشروب منتشر في هذه المنطقة خصوصا في فصل الشتاء. وكانت تبيع معجنات أشبه ما تكون بالمعجنات الشامية والتركية.

وأنا جالس في مقهى هذه السيدة وجدت مكانا بالقرب يملكه شيخ وعجوز، فاتجهت إليه. فكانت دارا في غاية اللطف والرقة. كأنما نما مع الطبيعة حين نمت. وكانا في غاية التدين المسيحي. فتجد الإشارات الدينية في كل زاوية. حييته وحياني. لكنه ما لبث أن أخذني في الحديث حول الأديان والسياسة وإيران واليمن وأسامة بن لادن وداعش. وكأن الرجل خشي على نفسه فأراد أن يطمئن. فطمنته حتى تطمن. لكن لم يزل في شك في ما هو الإسلام الصحيح بين الخيارات الموجودة. سألته إلى أي مدرسة مسيحية ينتمي فتهرب بذكاء وقال أنه لا ينتمي إلى أي مدرس. وقد كذب. وقلت له أن يقرأ القرآن.

كانا لطيفين رغم أنني لم أحتج منهما إلا القهوة في أوقات غير معتادة. مثلا الساعة السابعة مساء. وكانت قهوة طيبة. قضيت في دارهما يومين. وقد وضعا نسخة من الإنجيل على طاولة الغرفة هدية للزائر. ودفترا لتكتب فيه ما تشاء فكتبت لهما آية سورة الحجرات: ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفو، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير“.

كل شيء إلى زوال. وكل الأشياء تنتهي. كل اللحظات تتلاشى. كل المشاعر تختفي. لا شيء يبقى إلا وجه الله سبحانه. رحلتي غدا إلى واشنطن. وكأنما وصلت هنا الأمس. ورغم وضوح حقيقة زوال الأشياء إلا أننا قليلا ما نراها جلية وواضحة. ولذلك نحزن عند الفراق. وتؤلمنا وفاة حبيب. ونفرح باللقاء. ولو أننا نستحضر حتمية الرحيل عندما نلتقي لما سعدنا باجتماع.

وهذه الأرض العجيبة تذكرني بالثراء الذي تملكه أمريكا في كل شيء. وآلاسكا كغيرها من الأراضي الأمريكية أرض من ذهب. والفجوة التي بين أمريكا وغيرها من البلدان ليست فجوة في المعرفة والعقل فقط بل في الثروات والتنوع الذي لا تكاد تجده في مكان آخر. ومن الطريف أن هذه الولاية الفائضة بالثروات، اشترتها أمريكا من روسيا بمبلغ زهيد فهي من أغبى الصفقات في التاريخ. وروسيا أقرب إلى آلاسكا من معظم الأراضي الأمريكية!

على أن الفقر تراه في ملامح الناس في هذه المدينة وبعضه بسبب المخدرات والرغبة في البقاء في عالم الوهم. فوسط المدينة مليء بالسكارى والمشردين. ولا أظن أنني رأيت هذا المنظر في أي مكان آخر في أمريكا.

كانت هذه آخر سطور كتبتها قبل أن تقلع رحلتي إلى واشنطن مرة أخرى.

جربت فيها نمطا من الكتابة لم أجربه من قبل. فإن وجدت فيها خيرا فخير وإن غير ذلك فالعذر عند كرام الناس مقبول!. وسأتبع هذه التدوينة بتدوينة منفصلة في الأيام القادمة لصور التقطتها من أماكن متفرقة.

واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب.

١٠ محرم ١٤٤٢ هـ

رحلتي إلى آلاسكا - ٨

 سألني صديق. ما الذي دفعك للسفر وحدك؟ 

أحمد الله الذي منحني عددا لا ينتهي من الأصدقاء والأحباب. وعدد أكبر ممن أعرف معرفة قريبة. وآنس بالسفر مع الأصدقاء والأحباب. ويساورني الشك في كل من يشتكي من خيانة الأصدقاء لأن الناس الطيبون كثيرون جدا.  لكن الوحدة لها لذتها وطعمها الخاص. لا تٌثقل ولا تَستثقل. وأنا بطبعي لا أحب السياحة - بشكلها المعروف- ولا أحب كثيرا السفر المخطط له. وأكره أن أغدو إلى متحف وأروح إلى حديقة وأبيت في فندق فخم. وأسكن حيثما أتفق ما لم أكن مسافرا في رفقة زوجتي وأبنائي. وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم يدعو أن يعيش مسكينا ويموت مسكينا وأن يحشر في زمرة المساكين، ونمط السفر  هذه الأيام فيه من كل شيء إلا المسكنة. ومن مزايا الوحدة في السفر أنك تنجز ما تريد أن تنجز وتدع ما تريد أن تدع. قد تصحو صباح يوم فتقرر أن تقضي يومك حيث أنت بلا حراك ولا عمل كفقمة ممتلئة على شط المحيط الهاديء. أو تصحو فتجد نفسك تحت رغبة ملحة لقراءة كتاب أو كتابة شيء، ومن يقنع رفاق السفر المتطلعين للعالم بأفكارك الكسولة! 

الكاتب يكتب ليقرأ الناس. ولا تصدق من يقول أنه لا يهتم قرأ الناس أم لم يقرأوا. فهل تتصور أن يخطب خطيب في الفضاء الفسيح ويلقى خطبه كل يوم وهو لا يهتم سمعها أحد أم لم يسمعها؟! 

فالكتابة نشاط اجتماعي متكامل. ولا أجمل من القدرة على الكتابة إلا إدراكك أن هناك قاريء جيد يقرأ كتاباتك في خلوته فتوقد في ذهنه فكرة أو تصنع في يومه أثرا. الكتابة - مرة أخرى - كأبريق من الشاي. تبدأ بتنسيق مكوناته بعناية فائقة للحاضرين، وتتركه أحيانا يتقلب على نار هادئة حتى ينضج. ثم تسقي الحاضرين وتتأمل ملامحهم مع الرشفة الأولى. سيقول لك أحدهم أنه متقن، ويقول لك آخر أن يحتاج إلى قليل من السكر ويقول ثالث أن يحبه أقل تركيزا. ولكل كاتب نكهة مميزة لا تُنسى. وربما قرأت َ نصا للجاحظ غير منسوب في كتاب ضخم فترى روح الجاحظ تتسلل من بين حروفه. وغيره كثير. وسعدت كثيرا بالرسائل التي أتتني تفاعلا مع هذه التدوينات من بعض الأصدقاء وممن يمر على هذه المدونة من قراء كرام. 


وعودا على ما نحن فيه، عدنا برعاية الله ووصلنا للمطار فطن جوالي بطنين اتصال صاحبنا. وكان قد عَقَدَ الأيمان المغلظة أن العشاء سيكون عنده هذا اليوم. ذهبت حيث أنزل وتخففت من ملامح السفر وانطلقت لبيت صاحبي الذي لا يبعد عن مكاني أكثر من عشر دقائق. فإذا سفرة عامرة فيها من كل من لذ وطاب، ومزيج من أطباق سعودية ومحلية.  



صورة للمائدة العامرة


بدأ صديقنا رحلته إلى أمريكا قبل خمس سنوات تقريبا كطالب في إحدى الجامعات حتى تخرج منها مهندسا. انتهى من الجامعة فعمل في شركة في شمال آلاسكا حيث تصل درجة الحرارة إلى ٦٠ تحت الصفر. وبعد أن شعر أنه قادر على البداية في مشاريع تجارية اتجه للتجارة ووجد الشركاء فانطلق. فتح له باب الزرق هنا فاستقر وتزوج وعمره لم يبلغ الثلاثين. عجبت كثيرا من روحه المنطلقة ونهجه المختلف. فالخليجيون في الآسكا منعدمون والحياة هنا رغم إمكانية التعايش فيها قاسية إلى حد ما. فهي بعيدة عن أمريكا التي نعرف، والمواصلات فيها إما بالبحر أوبالجو. والطقس متقلب تقلبا عجيبا. وهذه الأيام أجد نفسي في صيف وشتاء وربيع وخريف.


تأتي لفحات باردة مع مطر شديد فيطول حتى تظن أنه لن ينتهي وفي لحظات تجد نفسك في صيف منعش فتتخفف من بعض ما عليك. وقصته ذكرتني بقصة خليل الرواف مع فارق الزمان والمكان - كتبت عن الرواف تدوينة قصيرة تجدها هنا.

ورغم تقديري لمثل هذه الجرأة، أرى أن المبالغة في الحديث عن الطموح والتغيير ودفع الشباب للاختلاف، هو جريمة في حق الأجيال. وكم من فتى سمع قصة لشيء غير مألوف فسعى لمحاكاتها فظل حياته يلاحق السراب. وكثير من أبناء أجيالنا الحديثة أو ما بعد الحديثة هي ضحية للعيش في العوالم الوهمية. ولا أعدد القصص البائسة غاية البؤس التي كانت بسبب الركض خلف وهم السعي للاستقلال وبناء الذات. ونصف ما نسمع من قصص أناس يحكون كفاحهم ونجاحهم هو كذب ودجل. أو هو كحديث العارفين، فيه قليل من حق وكثير من باطل.       

صاحبنا صنع نفسه بطريقة عجيبة. وكان السير معه في وسط المدينة مضحكا جدا. فهو يعرف كل الناس ويعرفونه كل الناس. وكأنه استطاع الوصول إلى الشفرة الخاصة التي استطاع بها حل الأشياء في هذه المدينة العجيبة. لايمر من جانبنا أحد إلا ويلقي عليه التحية ويصير بينهما حديث عابر. وقد أخجلني بكرمه ولطفه والمبالغة في الإحسان. 


وقصص اليمنيين والصوماليين في هذه المدينة مما يستحق أن يُروى. وأحدهم تنقل في حياته بين ألمانيا وإيطاليا ثم المكسيك. ومن المكسيك دخل عبر الأنفاق إلى أمريكا تسللا. والحياة مليئة بالقصص لمن أراد أن يستمع.


انتهى يومي هذا بعد وجبة دسمة في بيت كريم. وانطلقت لمنزلي. قبل ذلك حدثني مضيفي أن المنطقة التي أسكن فيها قد لا تكون آمنة. فما أعطيت الأمر اهتماما. وما إن ولجت الباب واتجهت إلى غرفتي واغلقت الباب حتى سمعت طلقات نار متتالية من الشارع المقابل. تبع ذلك صمت مريب. نمت منتظرا اليوم التالي وهو إما أن أفرغ مما في يدي من أوراق أو انطلق لمكان آخر.. والعلم عند الله. 



٩ محرم ١٤٤٢ هـ   


رحلتي إلى آلاسكا - ٧

وصلت في الليلة السابقة إلى حين التفت الدب الضخم إلينا ثم عاد إلى حاله في التأمل في الأشياء بلا عبث. فتركنا الهياط وبحثنا عن طريق آخر.

في المنطقة شلال منخفض تلتقي عنده أسماك السلمون في هذا الوقت من السنة وتتقافز بطريقة عجيبة أمام التقاء الشلال بماء النهر. ولسمك السلمون قدرة عجيبة على الترحل لمسافات تصل إلى ٣٠٠٠ ميل. فهي تنشأ في المياه العذبة ثم ترحل إلى المحيط فتعيش فيه حتى تقترب من الموت فتعود إلى البحيرات التي خرجت منها وتبيض ثم تموت. وهذا المكان هو الذي حدثني عنه الفهيد رضي الله عنه. وللسلمون هنا سوق رائجة. وبعض الشركات تأخذك في رحلة للصيد، فتعلمك الصيد، ثم تصيد ما شاء الله أن تصيد، وبعد أن تجمع حصتك، تشحنها لك إلى منزلك حيث كنت في أمريكا إذا أردت.

تقصد الدببة هذه البقعة فتجلس على حافة الشلال فتلتقط ما تستطيع أن تلتقط من هذا الصيد الثمين. وصلنا هناك في اللحظة التي ألتقط دب ضخم سمكة سلمون وبدأ يلتهمها بكل حنان دون مبالاة بنا وكأننا لسنا في الجوار. لم أبحث لأفهم تصرف الدببة بهذه الغرابة لكنها تتعامل بغفلة تامة عنا. حضر للمشهد دب جديد من بين الأشجار واقترب من الدب القابع أمامنا ثم بدأ صراع ناعم تحول إلى اشتباك لمدة لا تقل عن عشر دقائق. كان الصراع كما قالت أحدى العاملات في المكان لعبا وعبثا. والدببة تفعل ذلك دائما. وهذان الدبان غالبا هم أخوان اختارا البقاء سوية بعد أن قررت الأم تركهما لمواجهة الحياة.


في الصورة الأولى: الدبان في بداية الصراع "لاحظ الدب الثاني في زواية الصورة العليا يسارا". 
 الصورة الثانية: دب آخر يتغدى سمكة

قضينا سبع ساعات في المكان نتنقل من مكان إلى آخر أنا ورفيق الرحلة. ويبدو أن رفيقي يشاركني نفس الطبع فهو لم يأكل شيئا منذ قدمنا إلى هذا المكان فقررنا العودة. فأكل هو سنيكرس وأكلت كيسا من الكاجو. ثم بقينا حول المكان استعداد للعودة.

توضأت من هذه البحيرة الممتدة التي تدعوك إلى تأمل كيف ستكون الجنات - اسأل الله الجنة لي ولكم وكل من نحب-. وجلست على الحافة انتظارا لرحلة العودة بعد نصف ساعة. وهذه الرحلة ستكون على طائرة عائمة تأخذنا إلى منطقة أخرى في المنتصف لتأخذنا طائرة صغيرة أكبر من العائمة إلى مدينة أنكوريج مرة أخرى.

هل تعرف صوت الشاص ٨٤ عندما يكون ”الكربيتر“ مليء بالرمل؟

لمن لا يعرف الشاص هو سيارة صلبة من انتاج شركة تايوتا وكانت لها نسخة غاية الصلابة وهي السيارة المعتمدة في جبالنا في الجنوب لصلابتها وقوة عزمها. و“الكربيتير“ هو جزء من السيارة يمر عبره الوقود لتسير السيارة كما يجب أن تسير. من يعرف الشاص سوف يعرف تماما ما أعني.

جاءت الطائرة العائمة التي ستأخذنا إلى المحطة الأولى فكان صوتها كالشاص تماما دون مبالغة ولدي تسجيل مصور لمن يريد الاثبات. قائدها في نهاية الستينات من عمره. وأظن أن الطائرة أكبر منه سنا. سعة الطائرة (٤ ركاب) أحدهم سيكون بجوار الطيار. وكان حظي المقعد الأخير الذي جلست عليه متربعا. وسائل السلامة في هذه الطائرة شبة معدومة. الطيار لم يربط الحزام. أنا لا أدري أين الحزام. ستر النجاة مجمعة تحت مقعد الراكب الذي أمامي. نظرنا الأربعة في بعض وانفجرنا بالضحك. لأنه بقدر ما كانت بداية الرحلة مفزعة ، كانت تدعو للضحك والسخرية من هذا الشي العجيب. قال أحدهم أنه ممرض وقلت لهم أنني طبيب وكأن هذا سيمنعنا من شيء ما لم يحفظنا الله بحفظه. لم يتمكن الطيار من اغلاق الباب إلا بعد عدة محاولات وقد تركه مفتوحا لفترة ونحن نعوم على الماء حتى ظننت أنه ينوي تركه مفتوحا طيلة الرحلة، لكن يسر الله له فانغلق الباب قبل الاقلاع بلحظات. كان سائق الشاص أو الطائر يمازحنا فيقول إنه لم يقد طائرة من سنوات طويلة وأنه سيجرب هذه المرة. كان يقول كذلك إن الطائرة ليس فيها ما يكفي من الوقود لكن سيحاول الاقتصاد. وصل ”الشاص“ الطائر بأمان بعد نصف ساعة تقريبا.


صورة للشاص وسائق الشاص والمنظر من الطائرة .. 


صورة للغابات والبحيرات الممتدة من نافذة الشاص 

سمعت أحدهم يتحدث بعد أن وصلنا للمحطة الأولى عن حادث طائرة مماثلة لطائرتنا قبل عدة أشهر فمات كل من عليها ولم يتمكن الإنقاذ من الوصول إليهم حتى هذه اللحظة لوعورة المكان واستحالة الوصول إليه. رواية القصة كانت في توقيت غير مناسب لأنني على وشك ركوب الطائرة الصغيرة التالية وإن كانت لا تقارن بالشاص الذي نجوت من قبل لحظات.

عدنا إلى أنكوريج بعد ١٢ ساعة من الانفصال عن العالم. وما إن وصلت حتى رن جوالي برقم صاحبنا السعودي الجميل.

٨ محرم ١٤٤٢ هـ

رحلتي إلى الآسكا - ٦

لكل انسان على هذه الأرض قصة طويلة ذات تفاصيل لا تنتهي. وأعني ”كل إنسان“ بما تحمل الجملة من معنى مباشر. كل ما نحتاجه لندرك نذلك أن نتجاوز الطواف حول ذواتنا والانصات لقصص الناس، ومنح من حولك مساحات للحديث والتعبير عن الذات. وقد تدرك أحيانا ما لايدرك الإنسان من نفسه. أحيانا يغلب علي الاستغراق في هذه الفكرة فأرى الناس تتحرك والقصص تسير أمامهم كنوتات موسيقية. وللكلام شهوة كشهوة الطعام والشراب والإنسان لا يقوى دائما على أن يجوع ويظمأ ويصمت ولكن يسدد ويقارب.

أكتب الآن من طائرة صغيرة لا تقل أكثر من تسعة أشخاص متجها إلى حدائق كيتامي الوطنية. قبل سفري بليلتين دلني حبيبنا الدكتور محمد الفهيد على مقطع فيديو لهذا المكان فأضفته على القائمة. والحدائق أو المنتزهات الوطنية في أمريكا ليست حدائق بالمعنى الدرج بل غابات فسيحة تنقطع فيها الركبان. لكن عليها صيانة معقولة وتجرى فيها أبحاث وبها موظفون دائمون أو موسميون.


كما ترى الطائرة كبيرة جدا 


يجاورني على الطائرة صديق تعرفت عليه قبل خمس دقائق، يقصد نفس المقصد وهو غزو الدببة في عقر دارها. السماء تحت الطائرة بيضاء تماما من كثافة الغيوم فلا نرى شيئا إلا الأفق الأبيض. صديق السفر منطلق في الحديث فتحدثنا حول أشياء كثيرة. كان يعمل في عرعر لمدة طويلة عاش خلالها وسط الصحراء. لا يعرف من السعودية إلا الصحراء. قرر هذا الرجل قرارا جميلا وأغبطه عليه. مع بداية أزمة كورونا تحولت كثير من الأعمال إلى العمل عن بعد وتحولت بعض المنازل إلى سجون مصغرة خصوصا في المدن المزدحمة. فكر هو وزوجته في شيء مختلف. عمله كل عن بعد، وزوجته تكمل الدكتوراة ومنشغلة بالرسالة وهما وطفلتهم يسكنون في شقة في العاصمة واشنطن.

قررا أن يلغيا عقد الشقة وأن يتجها للطبيعة فهما يقضيان هذه الفترة من منتزه وطني إلى آخر ويسكنان في شقق airbnb ويترحلان بين المدن بالبر أو بالبحر أو بالجو. وإيجار الشقة العالي في واشنطن تحول إلى سياحة في أرض الله. وهو هنا يلاحق مناظر الدببة والطيور والحيوانات البرية.

ابنته الآن وعمرها خمس سنوات زارت أكثر من ٤٥ ولاية في أمريكا. ومن يعرف أمريكا يعرف مايعني ذلك. فأمريكا قارة ضخمة ومتباعدة الأركان. ولك أن تعلم أن الرحلة من واشنطن العاصمة إلى إلى الاسكا استغرقت عشر ساعات وفارق التوقيت بيننا هنا وبين العاصمة أربع ساعات.

صرنا ”أصدقاء“ في فترة قصيرة. تحدثنا في أشياء كثيرة ولدى ”كرق“ القدرة على فتح أبواب للحديث ومشاركة تجاربه ولعل كثرة أسفاره ومعاشرته للناس في دول وأقطار مختلفة، هي ما منحه هذه القدرة على الاستطراد وفتح أبواب الحديث والاستماع والاهتمام بالناس حوله. والناس ”كلهم“ طيبون لكن قلة من يحسن التعبير عن طيبته وإيصالها للناس بتوسط. فكما أن الانطواء سيء فإن المبالغة في الاقتراب من الناس لا يصلح والتوسط خير في كل شيء ”لمن يحسنه“.

صورة تجمعني بـ"كرق"

نسيت أن أقول انني اتصلت على الرقم الذي أُعطيته الليلة السابقة. فرد علي صوت يمني جميل يرحب ويهلل. قلت له هدفي من الاتصال. فرحب وسهل أكثر وأكثر. ثم قال: أبشر، أكلم الرجّال. بعد عشر دقائق تقريبا جاء الاتصال من صاحبني الخليجي وهو يردد: ” هلا بريحة هلي!“ :). استطردنا في الحديث وأخبرني أنه من السعودية وأنه يعمل هنا تقريبا من عام ٢٠١٤ وأن لم يتلق أي شخص من السعودية من عدة سنوات. ثلاث أو أربع، نسيت. تواعدنا على الساعة السادسة مساء في اليوم التالي. والسادسة مساء هي منتصف العصر هنا وقد أشرت أن أذان المغرب ٩:٣٠. أخذ عنواني لطفا منه قائلا: ” ما تدري وش يصير في الحياة، لا قدر الله“ وقد كنت مطمئنا فأرهبني. لكنه غمرني باهتمامه ولطفه.

ومنذ أن غادرنا المطار صباح اليوم التالي انقطع اتصالنا بالعالم -أو على الأقل اتصالي- فالمنطقة ليس فيها شبكة اتصال. وبقينا كذلك حتى عدنا بعد ١٢ ساعة. ويبدو أن صاحبي كان يتصل طوال اليوم حتى خشي أنني صرت من أمس الغارب.

نزلت طائرتنا الصغيرة بعد أن عبرت جنات وأنهار تسلب الألباب. وهذه الجنات تتحول إلى بياض قاس بمجرد ما يقترب الشتاء. نزلنا في مطار صغير في أرض لا تظن أن فيها مطار. البساطة هنا علامة لكل شيء فأنت تركب الطائرة وكأنك تركب سيارة أجرة في أمواج الخليج أو البطحاء - منطقتان لسيارات الأجرة في أبها والرياض-. لم يسألني أحد عن جواز سفر أو بطاقة هوية. تأكدوا من اسمي كما هو في ورقة الحجز ولا أكثر من ذلك.

انتقلنا من الطائرة الصغيرة إلى ”طائرة عائمة“ أقل حجما وقد رأيت ” ملفا صغيرا“ أمامي فكان طريفا ومخيفا في الوقت ذاته. فقد كُتب عليه ”دليل الطائرة“ لأنني شعرت أنها غسالة قديمة. وحركات يد الطيار أمامي كذلك توحي أنك في غسالة ضخمة. طارت الطائرة بعد سمعنا التعليمات من ”الطيار“ و ”المضيف“ و ”حامل الأمتعة“. وهذه الثالوث حل في شخص واحد وهو القابع أمامي على المقعد يحرك شيئا مثل ” القير ” يرفعه ويبسطه، ومرة أو مرتين كانت يده تطوف في المكان وكأن الرجل لا يدري ما يفعل. لم أخف لكن كان شكله لا يليق.

القائد الموقر ويده الحائرة تبحث عن شيء ما 


هذه الطائرات فيما يبدو تطير على ارتفاعات منخفضة فكان المنظر تحتنا يسلب الألباب، المياه من تحتنا صافية، ثم خضراء، ثم زرقاء وتنوع بيئي لا مثيل له. فأنت بين محيط فجبال فأنهار فبحيرات، ثم سهول ممتدة مد البصر. مررنا بدبة و“ديسمين“ - الديسم صغير الدب- يلعبان حولها. رأيناهم بعيدين على شاطيء البحيرة والطائرة تبتعد عنهما.

وصلنا للمقصد فأُلقيت علينا محاضرة في التعامل مع الدببة. كان العامل في الغابة يقول : إذا رأيت الدب فلا تقترب منه أكثر من خمسين ياردة. وتوقف في مكانك ولا تحدث جلبة غير الحديث المعتاد. تحدث في هذه المنطقة مع نفسك لأن الدب يعرف صوت الإنسان فلا يعتبره عدوا والمشكلة حين لا يدري الدب ما الشيء الذي أمامه فيدفعه فضوله للاقتراب منك ثم قد يحصل ما يحصل كأن تهرب أو تتصرف بحماقة أو يتصرف الدب بحماقة. إذا شعرت أنه يقترب أو يسير باتجاهك فهو غالبا لا يقصدك. حاول أن تحتفظ بمسافة كافية وارجع قليلا قليلا حتى تراه يبتعد. إن اقترب اكثر ابتعد أكثر وهكذا. حفظنا الدرس.

صار بيننا من العلاقة الإنسانية أنا و“كريق“ ما جعلنا نتساير بقية الرحلة منذ بدايتها حتى نهايتها. والرحلة هي ان تسير على قدميك في مسارات غير مسيجة ولا محمية، ويقد يخرج عليك الدب من أي جانب. لكن المنطقة في كل حال آمنة والناس حولك في المنطقة يسيرون كما تسير في أماكن متفرقة.

مشينا ما يقارب عشر دقائق وإذا بسراب بني يسير في الطريق. وقد كان دبا ضخما هائلا. كان رفيقي أكثر شجاعة مني فمشي خلفه يريد أن يقترب أكثر فاقتربنا واقتربنا. حتى توقف الدب البني العظيم في الطريق. وكان جديرا لو أٌستحضرت المقامة البشرية لبديع الزمان ومطلع قصيدة بطل القصة:

أفاطم لو شهدتِ ببطن خبت وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا..

إذا لرأيت ليثا زار ليثا هزبر أغلبا لاقى هزبرا.

التفاتة الدب علينا

٦ محرم ١٤٤٢ هـ

رحلتي إلى آلاسكا - ٥

صليت الفجر فتنفس الصباح وتنفست قهوتي الأولى. وفتحت شنطتي فوجدت الهيل وإبريق القهوة ولم أجد بن القهوة العربية فسخرت من نفسي مرة أخرى. جلست على الكمبيوتر الساعة السابعة والنصف تقريبا وأغلقته الساعة الحادية عشر والنصف تقريبا بعد أن سلمت الورقة إلى الدكتور ويكليكس. ولعلي أتحدث عن ويكليكس في قابل الأيام إذا مد الله في الأعمار. مررت على مطعم لا يؤبه له في زاوية من المدينة فأفطرت ثم توجهت إلى الجبل.

جبل القمة المسطحة من بعيد. ويبدو كأحد جبالنا الجميلة

الطريق يبدو سهلا وممهدا لكن يزداد صعوبة شيئا فشيئا. هون على الأمر أنني أرى أطفالا صغارا عائدين من جهة القمة في رفقة والديهم. أكملت المسير فزاد الجبل حدة والطريق ارتفاعا. الناس هنا يصعدون بأطفالهم هذا الجبل ولا أظنني أتجرأ على فعل ذلك، أعني الصعود بأبنائي إلى قمة هذا الجبل. كدت أن أتوقف أكثر من مرة وأعود من حيث أتيت لكن القروي الجبلي الذي بداخلي كان يدفعني للاستمرار. الجبل خطير جدا خصوصا على الصغار وكبار السن ولا أفهم جرأة الأمريكان على الصعود بأطفالهم إلى هذا المكان. رأيت أطفالا على القمة لا يتجاوزن الخامسة. إحدى النساء انزلقت من على السلم وألتوى كاحلها فسقطت وهي تحمل رضيعا على ظهرها. سَلِمَ الرضيعُ وسلمتْ فيما يبدو. غادرتهما وهي تبكي ومعهما رجل قد يكون زوجها.

على حافة الجبل اختار البعض التقاط التوت البري. لم أكن أدري ماذا يفعلون فسألتهم فأعطاني أحدهم بعضا منه.

عائلة تجمع التوت

حبات من التوت البري هدية من هذه العائلة، وتأمل الاتقان في التصوير :)

الطريق إلى القمة بين مسارات مهيأة وسلالم خشبية قديمة وفي النهاية صخور بلا معالم واضحة.


سلالم قديمة قد يكون أحيانا ضررها أكثر من نفعها. لسهولة الانزلاق عليه إلى الفضاء الفسيح

قبيل القمة

صورة من القمة وتظهر المدينة ثم المحيط الهاديء 

وصلت للقمة وقضيت عليها ماشاء الله ثم اخذت طريقا نازلا. سمعت ثناء من أحدهم لطريقتي في النزول فتحمست فيما يبدو وتشجعت فأسرعت فشققت كفي وأنا أنزلق من على الصخور. ولأن الدورة الدموية في جهد عال بسبب الحركة والجهد لم يتوقف الدم عن النزيف ببطء، حتى ضغطت بكفي على صدري فوق مستوي القلب. ثم بقيت رافعا كفي طوال الطريق حتى وصلت للأرض. هذا بعض ما يمكن فعله خصوصا مع الجروح البسيطة في الأطراف: رفع الطرف فوق مستوى القلب والضغط على المكان.

النهر يبعد تقريبا ٣٠ دقيقة مشيا من أسفل الجبل

وصلت للأرض المستوية فأخذت المسار المتجه للنهر. وهو مسار جميل ولطيف كذلك. ولكن النهر أجمل من كل هذا. توضأت منه فصليت العصر والمغرب وبعثت لأمي توثيقا للمكان وأخبرتها أنني صليت العصر والمغرب هنا لأنني أعلم أنه سيسرها. ثم اتجهت صوب محل من محلات الحلال التي وجدت على الخريطة واسمه ” مركز سلام للحلال“، ومرة أخرى يقابلني الصوماليون الجميلون. وما إن دلفت حتى وقعت قعت عيني مباشرة على أكياس بنية خلف الرجل فكانت قهوة عربية قادمة من جدة كما يقول الرجل فكانت غنيمة ما حسبت حسابها.

مدخل المحل


جارتنا إن غريبان هاهنا.. ولم تكن الجارة ذات جودة عالية


صاحب المحل منشرح الخاطر منطلق الحديث فبادرته فسألته عن المنطقة وعن السؤال السابق: لماذا الصوماليون هنا؟. قال لي: أن الحكومة الأمريكية فتحت باب الهجرة إلى آلاسكا تحديدا لجنسيات أفريقية منها الصومال والسودان. ونحن نتحدث دخل حسن السوداني الذي قدم من دارفور فأكد ما يقول صاحبنا. يعمل معظم هؤلاء في شركات الزيت وشركات الصيد أو في شركات التكسي. وبسبب صعوبة الجو تدفع الشركات أحيانا إلى حدود ٤٥ دولار في الساعة للعمال وهذا مبلغ كبير جدا. والصوماليون يبادرون في الأعمال التجارية ومحلات ”الحلال“. يقول لي: أنه في غاية السعادة في هذه الولاية وأنه أكثر يكون سعادة عندما يأتي الشتاء. جرب حرارة صيف الصومال وحرارة صيف جدة التي عاش فيها سنوات طويلة لكنه الآن لايريد بهذه الأرض بدلا كما يقول. أصبح يحب الشتاء أكثر من الصيف. درجة الحرارة في الشتاء تصل إلى ٣٠ تحت الصفر لكنه يقول إنها محتملة وسهل التعايش معها، وأصدق هذا لأن درجة الحرارة كانت تنخفض جدا في شيكاغو وفي غرب فيرجينيا لكنها تحتمل ما دام لك بيت يؤيك وسيارة تحملك. من الطريف أنه يقول أن الناس القادمين من المناطق الأشد برودة وذكر تحديدا مدينة ”فيربانك“ يتسغربون لماذا يلبس الناس في انكوريج كل هذه الطبقات وبعضهم يطلب تخفيض درجة حرارة المكيف الدافيء في السيارة لأنه الحر لا يُحتمل -ونحن هنا ما زلنا نتحدت عن درجة حرارة ثلاثين تحت الصفر-. يمكن فهم هذا لأن درجة الحرارة في تلك المناطق تصل إلى ٦٠ تحت الصفر!

أتيت هنا للفصل الأشد طرافة - بالنسبة لي - وهو أنني عرفت من خلال حديثي مع الناس هنا في المحل أن في المدينة شاب خليجي مستقر هنا من سنوات ويعمل في التجارة وله محلات تجارية. رغبت في الحديث مع الشاب الخليجي ولكن لا أحد من الموجودين يعرف طريقة للتواصل معه. وحين هممت بالخروج دخل أحدهم فسمع النقاش فأعطاني رقم أحد العاملين مع الشاب الخليجي. أخذت الرقم وانصرفت .

٥ محرم ١٤٤٢ هـ

رحلتي إلى آلاسكا - ٤

قلت آخر التدوينة السابقة أنني في طريق العودة من دينالي انتبهت أنني لم آكل وجبة حقيقية منذ يومين. وأنني أعيش على القهوة والماء! وهذه عادة حسنة لكنها سيئة لعدة أسباب. منها أنني أحيانا أتصور أن الذي معي في السفر مثلا لايريد أن يأكل كذلك. فإن كان ممن يخجل من المبادرة قضى يومه جائعا. زوجتي تعرف ذلك مني جيدا إذا كنا على سفر فتذكرني أن البشر يأكلون فنتوقف فناكل. أذكر صديقي طارق الفلقي عانى من ذلك كثيرا. صديقي علي السنبقي أيضا بعد التدوينة السابقة بعث رسالة تشير إلى أنه قد ذاق مرارة الجوع معي.

ومن مساويء هذه العادة أنني أحيانا أسير في المستشفى في نهاية يوم طويل فأشعر بخمول عام وضعف وصداع، فابدأ بالبحث عن الأسباب فأتذكر كل شيء إلا الجوع! وماهو إلا لقمة أو لقمتين فتختفي كل هذه الأعراض. والأشياء أحيانا تكون من الوضوح بمكان لدرجة أن الانسان لا يراها.

ظهر معي في الخريطة أحد مطاعم الحلال في المدينة وهي ثلاثة أو أربعة فقصدت أحدها، وحين وصلت شعرت أنني في في بقالة في السوق الشعبي في محايل عسير، فالملابس المعلقة، ونوعية العطور، والبهارات، والنسق العام كله كان يشير إلى سوق محايل الشعبي. وما كان والله أجمل لو أضيف إلى هذا ”النسق“ أحد الرجلين: بن عواض أو جابر امريشي. وهذان من أعلام صناعة الحنيذ في العصر الحديث فالحنيذ عندهم بطعم اللحم لكنه في قوامه ولونه كالآيسكريم!

صور متفرقة من المحل 

الله يا أحمد - أحد الأصدقاء -.. أتذكر حين كنت تتعطر بأحد هذه العطور، فتخرج بين الناس تمشي الخيلاء وكأن على رأسك ريشة؟!. أتذكر يوم كانت تفوح هذه الرائحة منك على بعد أمتار عديدة لأنك كنت تفرغ نصف العلبة على شماغ البسام الذي تعرف موديلاته كما تعرف موديل "هايلكوسك“ الجميلة؟ شماغ البسام الذي تبدو حين تسير به وكأنك سمكة قرش تمخر المحيط! والآن يا أحمد لا يرضيك إلا ديور أو شانيل؟.. :)

وجدت كل شيء في هذا الهجين الصغير ( أعني هجين ما بين مطعم وبقالة ) ، لكنني لم أجد قهوة عربية للأسف. ومن المخجل أن أقول أنني أتيت بكل شيء معي هذه المرة مما يخص القهوة العربية: الهيل، دلة صغيرة، خلطة القصيم، التمر … لكنني نسيت القهوة. ولعلي أقضي الأيام القادمة كلها بلا قهوة عربية.

المحل يملكه صوماليون والعاملون فيه كذلك. وقد سألتني الموظفة من أين أنت؟ فقلت من السعودية؟ فقالت: وانتا إيش جابك هنا؟ .. فقلت:الطائرة ، فضحكت. تأملت قائمة الطعام فإذا فيها شورما بلحم البقر!

هل يمكن أن أطلب شورما من مطعم صومالي يا أختي الفاضلة؟

وهذا ليس ذما ولا عيبا. ومثل ذلك لو تطلب مرقوق من مطعم لبناني؟ أو عريكة من مطعم كشري. كلها خيارات لا تتسق مع النسق الذي كنا نتحدث عنه. وليس للإنسان إلا أن يستسلم للأنساق من حوله ولذلك طلبت لحم ماعز مع الرز، وقد كان لذيذا جدا رغم أنني كنت أضطر لاستخدام كل طاقتي مع كل قطعة منه، ثم ألوكه كمطاط. لكنه كان لذيذا وغني بالنكهة و .. البصل.

تمنيت أنني سألت عن سبب وجود الصوماليين الملحوظ في هذه المدينة. لكن لعل الله يأذن بذلك في قادم الأيام.

سأقول لي ولك شيئا: إنني من أقل الناس تخطيطا في حياتي. يتحدث الناس عن الخطط السنوية والخمسية.. إلخ. فأتصور انهم يتحدثون عن خيال. أحاول أن أنجز ما في يدي وأن يكون لدي تصور عما أريد فعله لكن لا أكثر من ذلك. هذه الجداول والخطوط والمربعات التي يحسنها بعض الأصدقاء - كما يقولون!- لم تصلح لي. ولا أدري إن كانت سأحول تجربتها مرة أخرى.

أقول هذا لأن الخطة الوحيدة التي أقدمت عليها بلا تردد قبل سفري إلى هنا أنني حجزت تذكرة ذهاب وعودة. دون أي شيء آخر في المنتصف. ثم بدأت أملأ الفراغات. وأجاهد نفسي من فترة طويلة على أن أتعلم اللامبالاة والرفق بالذات حين تعيش لحظات ”اللاشيء“. اللاشيء هنا مثلا أن تحدق في السقف، أن تقرأ كتابا غير مفيد، أن تقضي وقتا طويلا على وسائل التواصل بين فترة وأخرى.. أن تسافر ساعات طويلة إلى آلاسكا ثم تقضي يومك في الفندق تقرأ كتابا عن تاريخ النسوية في الأديان. هذه "اللأشياء" لا تصلح أن تكون طبعا، فلا شيء أجلب للسعادة ، واطرد للأمراض النفسية من شغل تحبه، وإنجاز تنجزه. لكن لا يصلح أن يقسو الإنسان على نفسه.

وإن كنت في كل حال لا أشجع على السفر إلى هذه المنطقة بلا تخطيط خصوصا لمن يسافر بالأهل والأولاد. لأن المناطق متباعدة ووسائل التنقل محدودة أحيانا. وقد أتحدث عن هذا إذا انطلق الخاطر.

عدت لغرفتي فقابلت ”سام“ القادم من سياتل وهو يسكن في غرفة مقابلة فحدثني عن جبل يبعد ٤٠ دقيقة تقريبا واسمه جبل القمة المسطحة. وكما ذكرتُ لك فيما يتعلق بالتخطيط، عزمت على الذهاب للجبل ووضعته على القائمة لليوم التالي. ومن الطريف أن سام وغيره ، قدموا إلى آلاسكا وتركوا منازلهم واختاروا هدوء هذه المنطقة مع الاستمرار في أعمالهم عن بعد. فهو يعمل حتى الثالثة أو الرابعة ثم يبقى لديه قدر كبير من النهار يفعل فيه ما يشاء. وهذا تعامل ذكي مع الأزمة خصوصا لمن يعيش في المدن الكبيرة. فتكلفة إيجار الشقة في مدينة مزدحمة يغطي تكاليف السفر والعيش في مناطق هادئة. فيسكن أحدهم على هوامش المدن ويمارس العزلة الاجتماعية كما يحب. وإذا انتهى يومه خرج يستكشف المنطقة ويتأمل في الدنيا من حوله.

والنهار هنا طويل والليل قصير، فالشمس تشرق ٦:٣٠ تقريبا وتغرب الساعة ٩:٣٠. وقد كان النهار أطول من هذا بكثير إلى فترة قريبة، والليل أقصر بكثير فلا يتجاوز ٣ ساعات. وقد كان المسلمون هنا يصومون ٢١ ساعة في رمضان الماضي. وبعض المناطق التي لا تبعد أكثر من ٣ ساعات من هنا كانت لا تغرب عليها الشمس مطلقا. وعلى ذكر الصيام خطر في بالي شيئا علمته اليوم وهو أن المركز الإسلامي الذي وضعت صورته قبل أيام كان من بناء الحكومة السعودية قبل عدة سنوات. والمهم أنني سأتجه غدا للجبل الذي حدثني عنه سام!

٤ محرم ١٤٤٢ هـ

رحلتي إلى آلاسكا - ٣

نزلتْ علي مشاعر قاسية هذا الصباح بسبب خطأ ارتكتبه في حق أحدهم قبل أشهر طويلة. ومن بين الأخطاء التي يرتكبها الإنسان في حياته ويندم عليها، لا أجد موقفا يلح علي مثل هذا الموقف. مر المشهد أمام عيني كشريط ذكريات بطيء جدا وأنا في الطريق خاليا من الناس إلى منطقة دينالي وجبالها المهابة. لو عقل الإنسان لشكر الله على نعمة النسيان كما يشكره على نعمة التذكر. والإنسان كله خطأ يتحرك، خطأ في حق نفسه، وحق ربه، وحقوق الناس من حوله. موقف آخر لايمكن أن أنساه حدث وأنا في منتصف الابتدائية: جاءت أمي مشتاقة لي بعد سفر لتهديني ثيابا جديدة ، فرفضت أن أرتديها بحجة أنها لم تعجبني، فدمعت عين أمي. يمر علي أحيانا هذا الموقف مرورا سريعا وقد جاوزت الثلاثين أحيانا فتدمع عيني.

قرأت يوما سطورا لرسول حمزاتوف : "كان والدي يقول أيضا الإنسان الذي قام بعمل معيب ويأخذ بالندم عليه بعد سنوات يشبه إنسانا يريد أن يسدد دينه بأوراق نقدية قديمة تعود إلى ما قبل الإصلاح النقدي ”. هذه الذكرى وهذه الجبال حولي تذكرني بـ“بلدي“ لرسول حمزاتوف. رواية غاية في الجمال وزادتني انتماء وحبا للجبال. أتأمل دينالي أمام عيني فأرى فيه ريمان الشامخ وأرى بطحة وتهوي وبركوك. تلك الجبال الشامخة الكريمة التي خالطت أرواحنا وأحبتنا وأحببناها.

من الأشياء التي لفتت انتباهي في هذه المدينة هي كثرة ” المقاهي“ على جانب الطريق. فتجد غرفة صغيرة تقدم القهوة على النمط المعروف على الخطوط السريعة في السعودية بل وفي داخل المدن. ويبدو أن أهل المدينة أصحاب ”كيف“ لأن المقاهي في كل مكان ومحلات الحشيش في أماكن متفرقة من المدينة! والحشيش مسموح في ولاية آلاسكا كما يبدو.

محلات القهوة منتشرة بهذه الطريقة في المدينة وما حولها

نعود إلى دينالي: الطريق إلى هناك من وسط المدينة ٤ ساعات تقريبا ولكنه طريق جميل وتحيط به الأنهار والغابات من كل جانب، توقفت على الطريق أمام بحيرة اسمها ”بحيرة المرآة“. هذا المزيج من الجبال والأشجار والماء يتكرر في أمريكا في أماكن كثيرة لكن مبهر في كل مرة تتأمله وتقترب منه. رغم إنني أقول لنفسي للأحباب أن بيني وبين جمال الطبيعة في أمريكا حاجز من الزجاج وقليلا ما أشعر بذات الشعور الذي أشعره وأنا جالس في ظل صخرة في بطحة أو ريمان - من جبال بني شهر-.

بحيرة المرآة أو mirror lake

ودينالي مرة أخرى هي أعلى قمم جبيلة في أمريكا الشمالية وهي بمظهرها البهي أيقونة لهذه المنقطة من العالم. وهي تبعد عن أنكوريج مدة ما يقارب أربع ساعات بالسيارة وبعدها تحتاج أن تمشي لمدة طويلة للاقتراب من الجبل.

أفسد جمال الطريق إلى منظر الجبال المتثلجة أعمال الطرق التي عطلت السير لساعة على الأقل. لكنك كلما اقتربت ظهر الطود الشامخ مهابا عزيزا. وللجبال في نفسي مكانة عظيمة فهي عنوان للمنعة والعزة والثبات والاكتفاء والعزلة والوقار. وتأمل في تاريخنا ولقصتنا مع جبل النور وأحد ويا سارية الجبل، فجبل طارق، وانظر إلى الجبال في الأدب وفي أشعار المحبين والهاربين والصعاليك.

المنظر جميل جدا ولكن أكرر ما قلته أعلاه أن كثيرا من المناظر الطبيعية هنا لا تتدخل إلى أعماق نفسك، فجمال الطبيعة هو في الامتزاج بها والاتحاد والحلول فيها :). وإلا صرت متفرجا على فيلم في صالة منزلكم الكريم. ورغم هذا كان منظر ”دينالي“ بهيا جدا حتى خطر في بالي بيت من الشعر كبداية لقصيدة وأنا أتأمله ” يذكرني دينالُ ريمان َ حينما … ” لكنني تعوذت بالله من شر كل شر. فالقصيدة مثل الأحجية والإنسان ليس بحاجة إلى مزيد من الأحجيات في الحياة.

في طريق عودتي اكتشفت أنني لم آكل وجبة حقيقية لمدة يومين. وللحديث بقية بإذن الله :)

٣ محرم ١٤٤٢ هـ

رحلة آلاسكا - ١

رحلة آلاسكا - ٢

رحلتي الى الآسكا - ٢

لم يسبق أن كتبت بهذه الطريقة.. أعني طريقة سرد الأحداث متعاقبة متتالية. لكنني سأجرب هذه المرة لأجل التجربة ولأجل أنني أشعر أنني بحاجة ماسة للكتابة. دعني أحكي لك ماذا حصل: استوعبت وأنا أمام موظف أمن المطار أنني نسيت رخصة القيادة، ورخصة القيادة هي بمثابة بطاقة الهوية في أمريكا لكنني احتياطا كنت قد أخذت جواز السفر. ناولت الموظف وأنا أفكر كيف يمكن أستأجر سيارة إذا وصلت لوجهتي؟. خطر في بالي العودة للبيت لكن الرحلة أوشكت على الاقلاع.. المنطق يقول استمر في الطريق متمثلا بقول الشاعر: ” إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا .. أو تنزلون فإنا معشر نُزلُ!“

نفضت محفظتي سبع مرات إحداهن بالتراب ولم تظهر رخصة القيادة. وجدت بين بطاقاتي مخطوطات وعملات قديمة لكنني لم أجد الرخصة. انتهى الأمر وركبت الطائرة وفي ذهني صوت ”علي خلوفة“ وهو يصفني بالغفلة وأخذ الأمور بسهولة، وقد كنا: أنا وعلي وعمار الحداد الليلة التي قبلها قد عقدنا القمة الأسبوعية في فيرجينيا لحل مشاكل الأنظمة الصحية في العالم وتقديم حلول لمشكلات العصر الحديث والاحتباس الحراري. بعثت لعلي رسالة وأنا في الطائرة أخبره ساخرا أنني نسيت الرخصة فرد علي بأيموجي ”تعبير“ واضعا يده على رأسه، ويبدو أنه لم يجد ما يقول من هول الفاجعة !

رافقني في الطريق كتاب قراءة القراءة للحمود وهو كتاب خفيف لطيف أعارني إياه الصديق الجميل عبدالرحمن الوشلي فما تركته حتى فرغت منه. وقد عودت نفسي عادة في كل رحلة طويلة أن آخذ كتابا فلا أدعه حتى أفرغ منه وهو عمل يزيد عندي هرمون السيروتونين بشكل كبير!

منظر ثلوج آلاسكا على قم الجبال في منتصف ظهيرة اغسطس

هذه سماء الآسكا كما تراها في منتصف شهر أغسطس. تبدو بيضاء ممتدة تحيط بها هيبة طاغية. اقتربنا من الأرض نحو مطار مدينة أنكوريج. وكلما اقتربنا أكثر عادت إلى ذهني ”رخصة القيادة“ وكيف يمكن أن أقضي أيامي في هذه الأرض الخالية بلا سيارة. في المدن الأمريكية الصغيرة تصبح السيارة أمرا لابد منه ولايمكن الاستغناء عنها بوسائل النقل العام، ومع إلحاح الفكرة ظهرت الخطة ”ب“. والخطة ”ب“ هي أنني دائما احتفظ بنسخ إلكترونية للوثائق المهمة في مجلد على جهاز الكمبيوتر. وهذا في الحقيقة ما حصل. عرضت على الموظفة صورة الرخصة فاعطتني مفتاح السيارة. سهل الله عليها في الدنيا والآخرة.

وإن كنت ترجو أن تخرج بفائدة من هذه التدوينة فاجعلها في نسخ كل ملفاتك المهمة كنسخ إلكترونية في مكان آمن فقد تحتاجها يوما ما.

قبل هذا كان من إجراءات ولاية آلاسكا للحد من فيروس كرونا هو إلزام كل القادمين إليها بإجراء مسحة قبل السفر بمدة لا تزيد عن ٧٢ ساعة وتحميل نتيجة الفحص على موقع مخصص لهذا الغرض. كانت فكرة جميلة جدا لكن النتيجة لم تكن جميلة أبدا لأن الناس تكدست لا تدري ماذا تفعل ، والحمد لله لم أضطر للانتظار لأنني كنت قد أنهيت كل هذه الاجراءات قبل السفر.

تكدس الناس - نسبيا- عند الخروج من المطار

مدينة أنكوريج:

عدد سكان المدينة بحسب ويكبيديا أكثر من ٢٠٠ ألف. فيها مسجدان وعدة مطاعم للمسلمين. ومن عادتي في أي مدينة أزورها أبادر إلى مسجدها وذلك لأن أهل المسجد يختصرون عليك الكثير من الأشياء ويجيبون على كل تساؤلاتك بناء على خبرة ومعايشة. كل هذا بلا تفضل عليك ولا منة ولا أذى. يدلك أهل المسجد على أماكن تستحق الزيارة وأماكن لا تستحق الزيارة، تسمع قصة ويروي لك أحدهم خبرا عابرا، تظفر بصديق .. إلخ. والمسجد كذلك ملجأ أرواحنا في كل أرض وفي كل بقعة. المهم توجهت إلى مسجد الرشيد فوجدته مغلقا بسبب كروونا. فاتجهت إلى المسجد الكبير كذلك فوجدته مغلق..

المركز الإسلامي من الخارج ويبدو وكأنه مركز ختبة الصحي :)

عدت أسحب اذيال الخيبة..وأنا الآن أتهاوى أمام بطش النوم.. و ” إنما العيش لمن أغمض عينيه فناما! ”

تصبحون على خير..

الثالث من محرم ١٤٤٢ هـ .

آلاسكا

رحلتي إلى آلاسكا (١)


عصر الأربعاء غرة ١٤٤٢ هـ خرجت من البيت قاصدا السوق لشراء حقيبة سفر صغيرة تناسب الرحلة المفاجئة. كنت أقود السيارة على الطريق المعتاد بكل هدوء والتزام كمواطن صالح ومهذب. وجدت الإشارة أمامي خضراء ونظرت أمامي وعن يميني وعن شمالي فإذا الطريق سالك والأمور تسير في صالحي، ملت بالسيارة يسارا وكلمح البصر أرى دراجة نارية تنطلق نحوي كالبرق.. و طااااخ .. واختفى الرجل واختفت دراجته. كانت لحظات سريعة كالبرق نزلت من السيارة بسرعة فإذا الرجل يتحرك ثم قام يردد عبارات الغضب. ساعدته حتى وصلنا للرصيف، صببت الماء على راسه واصبعه التي كان ينزف منها الدم. حصلت سلسة معتادة من الأحداث بعد ذلك
: الشرطة، شركات التأمين، شركة شحن السيارة.. مهاتفات وإتصالات وغباء مفرط من بعض الموظفات في شركة التأمين، وما زالت الصورة لم تتضح بشكل نهائي حتى هذه اللحظة وأنا استقل الطائرة المتجهة من واشنطن إلى دالاس ومنها بعد ذلك إلى مدينة أنكوريج في ولاية آلاسكا. لا أدري الآن حقيقة أين سيارتي بعد كل هذه المكالمات طويلة لكن كل شيء سيكون بخير بإذن الله.  


سماء واشنطن ١.١.١٤٤٢ 



قبل أي شي أود أن أقول إن لدي حساسية من فكرة السياحة والسفر للمتعة وقد يتفق معي البعض أو يختلف حول هذا   لكنني أذكره عرضا. وقد دونت عنه مدونتين سابقتين تجدها هنا: 


١) لماذا يسيح الناس في الإجازات؟

٢) التفكير بعقلية السائح




ويقيني أن المتعة والبهجة أو السعادة هي حالات من الاطمئنان والاستقرار والتعايش مع الروتين بتصالح. وإن السفر للمتعة أو البحث عن البهجة هو حالة طارئة وغير طبيعية. وأن السفر هنا يظهر كمورفين مسكن ما يلبث أن يزول أثره على الجسم ثم يعود الألم كما كان. ووجدت أمرا في غاية الطرافة أن الطبقة الراقية من المصريين أيام الملكية - مثلا - كانت تتجنب الإشارة إلى السفر للمتعة فيستخدمون كلمات مثل الاستشفاء. وأنا هنا لا أقدم مبررات للسفر وإنما أتحدث والحديث قد يأخذ الإنسان كل مأخذ. 

دعك من كل هذا. وجدت أن لدي ١٤ يوما من رصيد إجازتي السنوية كنت قد أجلتها حتى يأتي الصيف فتكون إجازتنا في السعودية كالمعتاد لكن كروونا قطع الله أوصاله كان بالمرصاد. بيني وبين السفر للسعودية حواجز وسدود: رحلات محدوة من واشنطن، تأشيرة منتهية ، احتمال الخضوع للحجر، فكرة أنك ستأخذ معك هذا الرفيق السيء كرونا لبعض من تحب، اضطرارك لطلب أذن من وزارة الداخلية بالسفر … إلخ. وهذه الـ١٤ يوما ستقضيها بين حجر ومراجعات لأوراق ثبوتية دون الغاية من القرب من الوالدين والأحباب وإطفاء بعض نار الشوق للوالدين والأخوة والأصدقاء. حاولت وفكرت وأقدمت وأحجمت ثم .. استسلمت. زوجتي وأولادي في السعودية وهدوء صاخب يملأ البيت يعيد ذكريات أيام كنت فيها خفيفا كريشة ، في شقتي الهادئة على طريق السودة. وهأنا خفيف كريشة مرة أخرى. 

أين أذهب؟ .. 

البيت خيار رائع جدا وأنا معتاد على البقاء في البيت أياما معدودة دون الخروج إلا للصلوات. وهذا الفراغ فرصة للقراءة الحرة والانتهاء من بعض الأشياء العالقة، والتحديق في السقف، وقص أظافري كل يوم مرة أو مرتين، إعداد الشاهي والقهوة العربية والتركية بتركيز واخلاص، تنقية البريد الإلكتروني، الرد على بعض الإيميلات، إكمال بعض مذكراتي، تعلم إجراء الميتا انلايسس، أخذ دورة في الـSPSS، قراءة كتاب أو كتابين علميين مع الأصدقاء، كتابة مقالة أو مقالتين في التخصص، الإنتهاء من فصول الكتاب الموكلة إلي، تركيب ستارة غرفة النوم، تعليق الرف، رمي بقايا الكنبة، الإلتزام أكثر ببرنامج الرياضة والمشي، اكتشاف أماكن جديدة في دي سي، اقتراب أكثر من الأصدقاء، زيارة خاطفة لغرب فيرجينيا…. إلخ. قائمة تطول بالأشياء التي يمكن عملها في هذه الـ ١٤ يوما. 

الخيار الآخر هو الذهاب إلى مكان جديد تماما للتجربة وليس للمتعة. ولهذا قررت الذهاب للاسكا! .. 


هذه مقدمة طويلة فيما يبدو سأحاول الاختصار وسأحاول التدوين بشكل يومي عن هذه الرحلة..