صناعة الواقع لمحمد علي


في حياتي مررت  بكتب وشخصيات أعتبرها بمثابة النوافذ الواسعة على عوالم وآفاق جديدة للفهم والإدارك ، وربما مرت بك سيارة الحياة على كتاب أو إنسان فقادك إلى كتب قيمة وعقول عظيمة ما كنت لتعرفها لولا هذا المرور ، ففهمت وأدركت وأبصرت ما لم تكن تفهم ولاتدرك ولاتبصر . وربما حامت الفكرة فوق رأسي فأتبينها مرة وتغيب عني ملامحها مرات ،  واثق كل الثقة بقوتها مرة ، متزعزع الثقة ضعيفها مرات . حتى يقع هذا الكتاب أو ذاك في يدي فيجلو عنها الغبش والغبار وكأنما قرأ صاحبها صفحة من الغيب واتبع سببا من الأسباب يوصله لما يجول في عقول الناس من أفكار لم تنضج ولم تتضح ، فينضجها ويبينها . 


ومن هذه الكتب صناعة الواقع لمحمد علي .. وكنت أقتنيته منذ أشهر وألقيته في غيابة الرف حتى اختلست قبل أيام ساعات من الزمان قرأته فيها . فامتلأت بشيء من السعادة على أن قرأت هذا الكتاب الثمين ، وشيء من الغبطة لأن كثير من أفكاره كانت تدور في رأسي لكن أقعدني الجهل والكسل عن البحث والتأمل . وهو والله مهم لمن يود أن يفهم شيئا من هذا الزيف الذي نعيشه .

المريض والطبيب - علاقة التاجر والزبون في النظام الأمريكي



حتى تكون الصورة لدينا واضحة عن النظام الصحي الأمريكي بشكل عامل والعلاقة بين الطبيب والمريض بشكل عام، يجب علينا ألا نغفل عن طبيعة الرأسمالية التي تسيطر على تفاصيل الحياة في أمريكا. العلاقة بين الطبيب والمريض في أمريكا هي علاقة بين تاجر ومستهلك زبون ، ولهذا كل ما يمكن أن يتعلمه موظف العلاقات العامة في شركة تجارية يجب أن يتعلمه الطبيب الذي يود النجاح في بيئة كهذه . يحتاج أن يتعلم فن الإقناع، وطرق إرضاء العميل، وفن التفاوض ، وبناء الثقة إلخ.. وهذه كلها أشياء جميلة ورائعة وحسنة. وليست المسألة هنا للقدح في هذا النظام أو الإنتقاص منه، بل محاولة لفهم صورته الحقيقية والظروف التي ظهر فيها ومنها. أن تخسر مريضا معناه أن تخسر عميلا وأحد مصادر الدخل لديك، وكما تحرص دمينوزو بيتزا أو بيتزا هت على رضى العميل وتقديم كل التخفيضات والعروض في حالة الخطأ، يجب أن يتصرف الطبيب بهذه الطريقة حتى يرضى العميل/المريض ويكسب ثقته الدائمة.. ليس من أجل المريض ذاته بل من أجل السمعة والـتقييمالعالي ، وربما وصل المريض إلى قدر أعلى من الثقة فيدعو من حوله وزملاءه إلى زيارة هذه العيادة المميزة أو الطبيب المميز، فيكثر الزبائن للطبيب، ولن يحرم صاحب الدعوة من آيباد أو تخفيض يمنحه الطبيب باسم العيادة شكرا له على الثقة وعلى دعوة العملاء الآخرين. وأظن -والعلم عند الله- أن تعاملنا مع كتب الأخلاقيات الطبية يجب أن يكون مصحوبا بفهم النظريات ضمن السياق التي نشأت فيه وألا نعتبرها قوانين كونية تصلح في كل مكان وزمان.

قهوة ١



قال لي الموظف : هل في حقيبتك أشياء عضوية ؟ . قلت : نعم ، تمر وقهوة . 
قال : فقط ! . شعرت أن فقط هذه في غير مكانها ، وقد كان يستحق درسا لغويا وأخلاقيا حتى يفهم أن القهوة والتمر لعربي لا يسأل عنها بـ فقط . تسير الحقائب على سيرها البطيء المتكاسل بنغمته المملة الثقيلة وانا أقف ألاحق الحقائب بعيني الكسلاوين لعلني أقتنص حقيبتي ولكن بلا جدوى . مللت الانتظار فاخترت أن أدور حول المكان ، لكن قدماي ساقتني إلى الزاوية تلك وأمامها موظف المطار ، اقتربت منه وقلت له : حقيبتي خلفك بين هذه الكومة من الحقائب . قال لي : لايمكن هذه حقائب قادمة من رحلة أخرى . قلت : لكنني متأكد تماما أن حقيبتي خلفك . فأذن لي بالدخول باستغراب ودهشة فدخلت ومشيت حتى وصلت لحقيبتي التي نمت عليها رائحة القهوة التي تسللت من كيسها الكبير فملأت المكان برائحة زكية عطرة يعرفها ابن القهوة ، ما خطر ببالي أن أتأكد من رقم حقيبتي ووجود اسمي عليها لأن القهوة تطارد العربي أينما كان . جررت حقيبتي المضمخة بالقهوة ، العابقة بالهيل وسرت أعطر المكان وزوايا المطار بثقة عربي يسير وحيدا في قريته وصحرائه .. كنت أرى هالات مضئية من القهوة تطوف حولي ، شعرت أنني أطعن العولمة في نحرها بهذه الرائحة ولهذا بدلا من أنام بعد هذه الرحلة الطويلة ، قررت أن أصنع قهوة .. لكنني نمت وصحوت بعد أن احترق الأبريق.