سبعة كتب (٢)





خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.




١) 
التصوير الفني في القرآن - سيد قطب
يخطر في ذهني هذا الحديث كلما قرأت تفسيرا لمعنى من معاني القرآن:  " هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه" !
في هذا الكتاب سار المؤلف مسارا مختلفا يزعم أنه لم يسبق إليه وفتح الكاتب عيني على معان في آيات نقرأه ونرددها كثيرا لم أكن أستشعرها من قبل. والكتاب صغير الحجم وسهل القراءة ولايخلو من الاستطراد المعتاد من سيد قطب.

٢) 
الوهابيون : تاريخ ما أهمله التاريخ - المؤلف
الكتاب فيه رسائل متفرقة عن تاريخ الدولة السعودية الأولى وأبرز حروبها ولم يأت الكتاب بجديد والعنوان أكبر بكثير من الكتاب. لم أخرج من هذا الكتاب بانطباع معتبر. خصوصا بعد أن عكفت فترة أقرأ في تاريخ تلك المرحلة.
-


 ٣)
 مع أبي العلاء في رحلة حياته - عائشة بنت الشاطيء 
أبو العلاء المعري - رحمه الله - من الشخصيات التي كثر حولها الحديث والاختلاف في حياته وبعد مماته. وقد كانت حياته كلها آلام منذ طفولته وعماه وإصابته بالجدري ويتمه ثم عزلته الاختيارية لملله من الناس عامتهم وخاصتهم. وقد عز على من حوله هذه العزلة واحتال بعضهم بالحيل فما استطاع ثم إنه خرج من عزلته بعد حوالي ثلاثين سنة وجلس للطلاب ووجد بعضهم خصومه مدخلا عليه من حياته الغامضة وبعض أشعاره فاتهموه بالزندقة والإلحاد ثم توارث الناس هذه الفرية بلا دليل ولا برهان. وهذا الكتاب وإن كان محاولة لتقصي رحلة حياته كلها إلا أن الجزء الأخير حول فرية الإلحاد واتهامه بالزندقة، عندي جوهرة ما في الكتاب. وقد ظهر الكتاب في ذروة الاهتمام بتراث المعري فكتب عنه تلك الفترة كثيرون منهم طه حسين، ولويس عوض، ومحمود شاكر - جمعنا الله به في الجنة - ، وآخرون كثيرون. والكتاب خفيف سهل يصلح كمدخل لحياة المعري منذ طفولته حتى مماته رحمة الله والمعالم البارزة فيها، وفيه مختارات لذيذة من شعره. والكتاب اشتريته من مكتبة للكتب المستعملة في الرياض وعليها اسم : محمد عبدالله المشوح - رفعه الله وباركه -. والعلم نسب بين أهله.


٤)
القوقعة - لمصطفى خليفة. 
قرأت عددا من روايات أدب السجن لكن هذه من أشدها وأقساها في وصف التعذيب. لكتب عرب آخرين كتابات أخرى عن سجون مختلف في العالم العربي أذكر منها تلك العتمة الباهر لبن جلون. ورواية ابن جلون تتميز باللغة العالية والاستعارات في الوصف وأرجو أن تكون الذاكرة دقيقة في هذا لأن عهدي بالرواية قديم. هذه الرواية مباشرة. تشعر أن من كتبها وجد نفسه مرغما على الكتابة فهو يدون أحداثا ويصف ما رأى في غيابٍ لنفس الروائي الذي يهتم بالعبث باللغة والتلاعب بالبيان. ولم تظهر روح الكاتب بشكل بارز إلا في نهاية الرواية بعد أن خرج من السجن وبدأ يتنفس!.  الراوية تدور معظم أحداثها في سجن تدمر في سوريا أحد سجون النظام السوري الكثيرة, والكتاب مسيحي كان من أعضاء الحزب الشيوعي فنال ١٥ سنة في السجن ذاق ورأى فيها صنوف العذاب. الرواية تُرجمت لعدة لغات منها الفرنسية والإنجليزية والألمانية والتركية بالإضافة للغات أخرى. والكاتب وجد طريقه للخروج من سوريا عام ٢٠٠٦ فاستقر في الإمارات ثم لما انتشرت روايته مع الثورة السورية جاءته تهديدات بالقتل ففر إلى فرنسا وما زال هناك.

٥)
How Doctors Feel: Danielle Ofri
كيف يشعر الأطباء: دانيل أورفي.
الكتاب يتحدث عن مشاعر الأطباء وعواطفهم أثناء تعاملهم مع المرضى وأثر النظام الصحي الأمريكي على صناعة الاحتراق الوظيفي وهروب الأطباء من هذه الوظائف. وبين فصل وآخر تحكي المؤلفة قصة مريضة عرفتها عن قرب، أصيبت بـضعف في عضلة القلب وكانت تحتاج لزراعة لكنها واجهت كثيرا من الحواجز بسبب كونها مهاجرة وكون النظام الصحي القائم على التأمين لا يمكن أن يغطي تكاليف عالية لعملية مثل هذه مريض دون تأمين صحي. والكتاب فيه كثير من "الدراما" ، وتُحسن الظن بالطبيب في كل حال وكل الأوقات وهذا أمر لاتحسن المبالغة فيه. فالطبيب وإن كان لديه مشاعر وعواطف إلا إن معظم الأطباء خصوصا  في أمريكا ليسوا بهذه الصورة المثالية. وجهة نظر الكتاب في هذا أن قلة التعاطف مع المريض من الأطباء هو بسبب النظام الصحي وتعقيده وتحميل الطبيب ما لا يحتمل وهذا في تصوري أمر لايمكن التسليم به. الكتاب بشكل عام عادي جدا.


٦)
 العود الهندي عن أماليّ في ديوان الكندي - علامة حضرموت عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف
لو ألقي إلي هذا الكتاب دون غلاف لما علمت أن المؤلف من المعاصرين لولا إشارات متفرقة في الكتاب عن حضرموت وبعض الأعلام المعاصرين. فالمؤلف هو مفتي حضرموت عبدالرحمن السقاف ( 1300 - 1375 هـ). والكتاب عبارة عن مجالس أدبية لشرح ديوان المتنبي لكن المؤلف يستطرد في إيراد الشواهد والشوارد من الشعر والحوادث التي لا تُمل في لغة عربية عالية كأنك تقرأ لابن قتيبة في عيون الأخبار أو أدب الكاتب. وهو تحفة أدبية بحق، أنتشلني من جفاف الطب والتحضير لاختبار الزمالة. فكنت اقرأه على مهل وأحفظ ما أستطيع من البيت والبيتين منه. ومثل هذا الكتاب وما فيه من شوارد على ما فيه يشعرني بالحسرة لأنني لا أقوى على إدراك كل هذا ولا حتى استذكار بعض الشواهد الجميلة التي تعبر عن خبايا في نفسي عندما أريد. والكتاب وإن كان طويل إلا أنه سهل لذيذ لمن أعتاد قراءة كتب الكتب ولديه حصيلة معقولة من اللغة العربية. 



٧)
Medical Professionalism Best Practices: Professionalism in the Modern Era
هذا الكتاب أقترحه علينا الدكتور ماكيل تشوي: المشرف على برنامجي التخصص. والفرق كبير بين أن يقترح عليك  رجل من أهل العلم والمعرفة وبين أن يقترح عليك واحد من طرف الناس. أعترف أن الكتاب أتى إليّ في توقيت حرج جدا وفي فترة تنشأ فيها كثير من الأفكار الجديدة التي أخشى أن يكون بعضها لم ينضج بعد. لدينا خلل كبير وعميق في بنية نظامنا الصحي - إن كان لدينا نظام صحي-، ولدينا أنظمة صحية حول العالم أبرزها نظام رأس مالي جشع ومتوحش أجد أننا في مستشفياتنا الخاصة أخذنا أسوأ ما فيه دون وجود أنظمة شفافة وواضحة تبين الحقوق والواجبات. والكتاب عبارة عن مجموعة مقالات مركزة تركز على الجانب الأخلاقي والإنساني للطبيب ، والعزف على هذا الوتر لايُكاد يسمع مع ضجيج مكائن النظام الرأسمالي الذي يركز على الانتاج والكم ومعايير الجودة والأرقام والاحصائيات والغفلة تماما عن الجانب الإنساني للطبيب والمريض على حد سواء. أحد الأمثلة التي أراها ماثلة أمامي لتقهقر العلم أمام المال هو ما حصل لأحد أبرز المستشفيات الجامعية البحثية في أمريكا. منذ أن نشأت هذه الجامعة وهي تركز على البحث والتعليم لكن الذي حصل أنه لم تستطع المقاومة في السوق فبدأ المستشفى بالإفلاس وهنا انقض رأس المال واشترى المستشفى وصار جميع الأطباء والباحثين تبعا لرأس المال الجديد. الذي حصل أن رأس المال بدأ بالمطالبة بأرقام معينة من المرضى يجب على الطبيب أن يراهم كل أسبوع وعدد معين من الأهداف المالية التي يجب على الأساتذة أن يصلوا إليها. نجح رأس المال وارتفعت الإنتاجية لكن على حساب التعليم والبحث وعدد الأبحاث المنشورة وعلى حساب الجانب الإنساني لهؤلاء العلماء والباحثين فصار أحدهم يقضي معظم وقته لتحقيق الأهداف والأرقام بدلا من العكوف على أوراقه وأبحاثه.
أعرف أننا بعيدون كل البعد عن مثل هذا، لكن الشاهد من كل هذا أن هذا الكتاب جعل نظرتي لما يجب عليه أن يكون عليه نظامنا أقل إلحاحا وحدة. لأنني في هذه اللحظة من التجربة أرى أن نظام التأمين الصحي وتحويل المستشفيات إلى ما يشبه الشركات التي تعامل المرضى كعملاء هو النظام الأنسب من بين خيارات أخرى كثيرة. أحد الأسباب وراء هذه الفكرة أن الطب الحديث غارق في الرأسمالية إلى أبعد حد وهي في الحقيقة ما يحرك عجلته. وسبب آخر وهو أن النزعة التجارية بين الأطباء منتشرة جدا وتكاد تكون غالبة ولن يهذب هذا النزعة إلا القوانين التي توضح العلاقة بين التاجر والعميل وتحمي كل طرف من الآخر مع بقاء التقدير للمهنة ولوجود الجانب الإنساني العميق الذي يتفاوت فيه الأطباء ما بين مقل ومستكثر. وحتى لايطول الحديث ويخرج عن فكرة هذه السلسلة أقول: إن هذا الكتاب جيد جدا لمن يهمه من الأطباء ما يحصل  حوله من تحولات كبيرة في نظامنا الصحي ويفتح نافذة للتأمل والنظر لأشياء يُشغلنا عنها الانغماس في العمل و"الإنتاجية"!


هذه سبعة كتب كاملة. ولعلي أستمر بإذن الله.


واشنطن دي سي، غرة محرم ١٤٤١ هـ




تعليقات

ضع بريدك هنا ليصلك ما ينشر في هذه المدونة من وقت لآخر..

* indicates required

المشاركات الشائعة