لماذا تتحجر قلوب الأطباء أمام الموت؟

 






تخرجت من كلية الطب قبل عام ١٤٣٣-٢٠١٢. رأيت الكثير من القصص المحزنة، وضعفت نفسي أمام كثير من الأحداث والمواقف. في زوايا الذاكرة زوايا ما زلت أذكرها حيث دمعت عيني فدافعتها فدفعتها، أو غلبتني عيني فذهبت حيث لا يراني أحد فبكيت حتى ارتويت. لا أنسى الفتاة السمراء في التاسعة من عمرها في مدينة الملك فهد الطبية. جاءت للمستشفى صبحية يوم عيد الأضحى وقد أصابتها جلطة في المخ فصارت يدها هامدة لا تتحرك ورجلها كذلك. كنت أتحدث معها غافلا لكنني تهاويت حين رأيت الحناء على كفيها. كانت تنظر إلى كفها الهامدة دون أن تعي لماذا اختارت يدها ألا تتحرك!. منظر الحناء على اليد الهامدة أصاب تماسكي في مقتل. فبكيت كطفل. مرت السنوات وما زالت صورتها في ذهني تتكرر. مات أمامي  بعدها - حال كثير من الأطباء - عشرات وربما مئات. يمر بعض هذه الوفيات مرورا عابرا لا يكاد يبقى في الذاكرة منه شيء. وربما صعب على غير الإطباء إدراك هذا المعنى لكن نعمة التأقلم والتعود من فضل الله العظيم على العقل البشري وإلا استحالت حياتنا إلى جحيم لا يُطاق. 

أقول تمر بعض الوفيات مرورا عابرا وبعضها يعود كالمفاجأة ، كالتجربة الجديدة، كالشيء الذي لا تعرف! 

اتصلت علي ممرضة في مناوبة ما تقول: لدينا مريض توفي قبل ثواني، هل يمكن أن تأتي لتأكيد الوفاة؟. اتجهت للغرفة بلا مشاعر وكانت ساعة متأخرة من الليل. كان الميت يحدق في السماء، وقعت عيني علي عينيه. شعرت أنه يحدق فيّ.. صرفت عيني ووضعت سماعتي على صدره. كنت على يقين تام أنه متوفي لكنني كنت أتوهم أن قلبه ينبض. أعدت السماعة على صدره أكثر من مرة وقد أحاطت بي رهبة عميقة ووحشة قاسية. أدركت بعدها أن قلبي الذي كان ينبض وكان صدى نبضات قلبي يصل لسماعتي. كان ذلك موقفا موحشا ولعل نظراته الميتة التي اخترقت عيني هي ما أحاطني بكل هذه الوحشة.



قل لي ما الذي يربط الأنفس بالأنفس؟ وما الذي يجلعنا نتوقف لنسمع القصص؟ كيف نرى الأسرار في عيون ولا نراها في عيون؟. كنت أرى هذه العجوز الطيبة كل يوم كما أرى غيرها من المرضى. كان الحديث كل يوم عابرا قصيرا فهي مع ألمها وجراحها في شغل. في منتصف يوم اثنين هاديء ساكن كنت أسير بلا هدف، فصادف ذلك مروري بجوار غرفتها فطرقت الباب ودخلت لا أدري لما فعلت ذلك. كانت هادئة ساكنة. 

قلت لها : كيف حالك اليوم؟ 

قالت: أنا في غاية الألم.. لكني بخير. وسأكون بخير. 

- اسألي إن كنت بحاجة إلى شيء!

- لا! أبدا. بارك الله فيك! لكن قلي: هل أنت مسلم؟ 

- نعم!

- عرفت ذلك! هل تدري إن حفيدي في السجن؟!. هو في السجن بسبب جريمة كبيرة. ما كان أشقى ذلك الفتى واقساه! زرته قبل عدة أشهر فرأيته بغير الوجه الذي أعرف. لا أدري كيف أصف لك ماذا حصل. لكنه كان مختلفا تماما. سألته يا فلان. ماذا حل بك؟ تبدو شخصا آخر. قال: عرفت الإسلام فأصبحت مسلما! 

لكن قل لي يا دكتور هل لديك أسرة وأطفال؟ أنا متأكدة أن لك زوجة جميلة وأطفال رائعون؟ أليس كذلك؟! بارك الله فيكم. بارك الله فيك. أنت رجل طيب.. 

- نعم لدي زوجة وطفلان.

- عرفت ذلك. بارك الله فيكم. أتعرف لدينا جميعا هم واحد مشترك. آه أشعر بألم شديد لكنني سأكون بخير أعرف ذلك بل متأكدة. 

نظرات هذه العجوز ما زالت تخترق قلبي. صرت أتعمد ألا أزورها لأنني أحاط بغمامة رمادية من الحزن والشفقة كلما اقتربت منها. فالعلم الجاف يقول لي أن مدتها في الحياة قصيرة ومحدودة. اسأل الله لك الشفاء يا سيدة اتش”. قبل ذلك بفترة قصيرة كانت تتكرر على المستشفى عجوز أخرى طيبة (السيدة دبليو) ، كان لا تمل من الحديث وكانت ظريفة ذات نكتة حاضرة. تكررها على المستشفى بسبب جراح تظهر في مرضى الكلى أحيانا. كانت دائما متفائلة وباسمة وساخرة من الحياة وتبحث عن أي خيط تمسك به ليبدأ حديثها الذي لا ينقطع . تحسنت جراحها بتدرج وبطء فزادها ذلك تفاؤلا ثم اختفت وانشغلت أنا في أقسام أخرى خارج التنويم. رجعتُ للمستشفى فإذا هي في غيبوبة دائمة .. توقف الحديث، ذهبت النكتة، انطفأ التفاؤل.. اختفى كل شيء. وما زال جسدها الضعيف يتعلق بالحياة لكن بعد ان اختفت كل المعاني. حزنت كثيرا حين رأيتها في هذه الصورة. صرت أحاول تشتيت أفكاري حين أقلب ملفها الطبي. إن المستشفيات مليئة بملاحم إنسانية لا تنتهي، وقد كنت بداية معرفتي بالطب أعجب من التحجر العاطفي لدى بعض الأطباء ثم أدركت أن الطبيب يجب أن يتحجر وإلا مات كمدا.



أشياء كثيرة على طاولتي. وهذا تعبير انجليزي كناية عن تراكم الأعمال وكثرتها. وطاولتي مليئة بالأشياء التي لا تكاد تنتهي. أغالبها وتغالبني وتتكاثر علي حتى يكاد رأسي ينفجر ، فأكر عليها فإذا هي من أمس الغابر فارتاح قليلا ثم يعود الأمر كما كان. ولا تزال الحياة كلها كر وفر ومد وجز حتى يلقى الإنسان أجله. وتمر بي لحظات يداهمني فيها سؤال في غاية القسوة: ثم ماذا؟ فأشعر بالضياع. ولعل ذلك بسبب أن لدي - بشكل عام - عزوف عن كثير مما يُتسابق عليه. والحياة لا تزداد إلا قبحا، والشر يزداد غلبة. وهذه مشاعر عابرة لا تغلبني بفضل الله وإن كنت لا أزال أقول ساخرا لبعض من أحب: أنا متشائم في العموم، متفائل على الخصوص. وأعني بذلك إن العالم كله دعوة صارخة للكآبة والتشاؤم. فالقيم تتلاشى. والخير ينحصر في الزوايا والأخبية، والأرض تتهيأ للدجال. ولا يخرجني من لحظة الضياع هذه إلا إيماني أن الحكيم الخبير له حكمة من كل هذا. وان الحياة مليئة بالمباهج والتفاصيل التي إذا تأملها الانسان خرج من ركام الكآبة التي لا أشك أنها لابد أن تمس كل عاقل حكيم. ومن نعمة الله علينا أن عقولنا مفطورة على الغفلة والنسيان. وقد يكون من أحسن ما يحسن الإنسان به إلى نفسه أن يتأمل في الأشياء الجميلة والحسنة، ويتتبع واحات الخير في هذه الصحراء القاحلة. ويلاحق مواقع القطر فيرى العشب الذي ينبت ببطء وبهجة، فيبتهج. وما من عاقل إلا وهو يخدع نفسه كما يقول ابن المقفع. 



ربيع الأول ١٤٤٢

تعليقات


  1. أعطيتني روحا من التفاؤل أخي محمد، فعلا الدنيا كلها تدعو للكآبة لكن ما لنا الا ان نتمسك بالتفاصيل الجميلة، ذكرتني بالنفوس الطيبة التي كنت ألقاها مرارا في رحلاتي في الباص العمومي في قرية مورجانتاون، كم كنت أتسمّع لقصصهم البريئة وأشاركهم القهقهات الغير محتشمة وأبادلهم الابتسامات العريضة، وها أنا الان في منتهى السعادة وأنا أقرأ ما كتبت.

    ردحذف
    الردود
    1. وأنا هنا في غاية السعادة وانا أقرأ تعليقك الجميل وروحك اللطيفة.. ومورجانتاون زينها الكرام أمثالك سقى الله أيامها وأيامك.

      حذف

إرسال تعليق

ضع تعليقك هنا

ضع بريدك هنا ليصلك ما ينشر في هذه المدونة من وقت لآخر..

* indicates required

الأكثر قراءة