الدائرة التي اكتملت: وداعًا يا أبا عمر

الدكتور غسان العسكر يتحدث في محاضرة طبية بمشفاه في عسير

الصورة من تصوير د.محمد الفيفي

في يوم عابر من أيام ٢٠١٢ م دخلت قسم باطنية الرجال (MMW) - لمن يعرفه - وقادتني الصدفة إلى الوقوف أمام د.غسان العسكر. وقتها كنت أخطو خطواتي الأولى في مسار الباطنة الطويل الذي لا ينتهي. وكان غسان يشرح ببساطة يفهمها مثلي عن المدرات وأماكن عملها في مسارات الكلى الطويلة التي لا تقل تعقيدا وغموضا عن غموض الباطنة الكبير. كان موقفا قصيرا عابرا وانتهى وكاد أن يمحى من الذاكرة.

سارت الأيام كما كتب الله لها أن تسير. وبلطف من الله وتيسير وجدت نفسي ٢٠١٥ م مبتعثا في أمريكا. ثم غرقت في بحر الباطنة الكبير، حتى هداني الله واهتديت وتعلقت بقارب طب الكلى الذي لا يخيب أصحابه. وتنطوي السنوات بتيسير الله ولطفه، حتى وجدت نفسي استشاريا واقفا مع الدكتور غسان مرة أخرى في نفس المكان والله، (MMW) - لمن يعرفه - نتحدث عن المدرات وأماكن عملها في مسارات الكلى الطويلة. لكن اختلفت اللغة هذه المرة وصار النقاش أكثر تعقيدا.

يغادر المنطقة الدكتور غسان بعد ١٥ سنة من خدمة المنطقة وأهلها. تدريبا وتعليما وعلاجا وحرصا وأمانة ودينا وصدقا. وعلى كثرة من قابلت في الخمسة عشرة سنة الماضية .. أقول: قلة والله أمثال الدكتور غسان في علمه وحرصه وشغفه بالعلم وتواضعه واهتمامه. وإن كنت أنسى فلن أنسى صباحات الجمعة والسبت التي نبدأ وحيدين مبكرا نمر على المرضى معا فيأخذنا الحديث كل مأخذ فلا ننتبه إلا وقد ذهب نصف اليوم. لقد أهدتنا سوريا فلذة من فلذات أكبادها. وأخا عزيزا وطبيبا خرج على يديه مئات من أطباء منطقة عسير. فرأوا مثالا على الطبيب الذي جمع بين سعة العلم، والشغف الدائم بالمعرفة، والحرص على المرضى.

واليوم يودع غسان مستشفاه الذي عرفه وربما قضى فيه وقتا أكثر من الوقت الذي قضاه بين أهله وأحبابه منتقلا كالغيث إلى مكان آخر فيأتي بالخير والنفع والبركة. وهذا من ذكر أهل الفضل حتى لا نناسهم مع تقادم الأيام. وأمثال أبي عمر د.غسان بيننا كالشموس. نفع الله بنا وبهم.