بقيت فترة طويلة مأسورا بالعلاقة بين الطب والأدب، وبارتباط الطب بالشعر خصوصا. وكنت أتلقط الكتب التي تتحدث عن هذا وأبحث عن أعمال الأطباء من شعر أو نثر. وأذكر أنني كتبت قائمة طويلة بأعمال الأطباء، دونتها في أوقات متفرقة ثم فقدت هذه القائمة مع ما يفقد الإنسان في طريق حياته من أشياء وأفكار واهتمامات.
بين الطب والفلسفة/المنطق
بقيت فترة طويلة مأسورا بالعلاقة بين الطب والأدب، وبارتباط الطب بالشعر خصوصا. وكنت أتلقط الكتب التي تتحدث عن هذا وأبحث عن أعمال الأطباء من شعر أو نثر. وأذكر أنني كتبت قائمة طويلة بأعمال الأطباء، دونتها في أوقات متفرقة ثم فقدت هذه القائمة مع ما يفقد الإنسان في طريق حياته من أشياء وأفكار واهتمامات.
إعادة تعريف لمفهوم الحب
عالق بين دالاس وشيكاغو
كيف تكون طبيب امتياز " ناجح وقوي ومتميز " ..

كيف تكون طبيب امتياز " ناجح وقوي ومتميز " ..
( وصفة للنجاح الشخصي ، ولتحويل حياة الطبيب المقيم السيء والمستغل إلى جحيم " )
قبل أن أشرع في كتابة هذه السطور ، عشت لحظات صمت أستحضرت فيها الآثار والأخبار في حرية الإنسان وملكه لنفسه ، وقرأت سريعا بيان الشيوعي " يا عمال العالم اتحدوا "
وقبل اتخاذ أي خطوة عملية -أخي العظيم طبيب الامتياز- ، يجب أن تعلم أن هذه السطور تحوي على أسلحة محرمة " أخلاقيا " ودوليا ، وفيها خطوات وأمور يجب أن تمارس بالحذر التام ومع من يستحق فقط من الظلمة والمستبدين ومن يحاولون ممارسة " السادية " على " المستضعفين " ، واستخدام ما تحوي هذه السطور القادمة مع البشر " الطبيعيين " يخرجني من أي مسؤولية أخلاقية أو قانونية .. (( ولذا وجب التنبيه ))
أصدقكم القول أن أحد الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها أثناء بداية الامتياز ، هو التعامل مع الطبيب المقيم بتقدير مبالغ فيه ، أعني بحذر ومحاولة والتعامل معه وكأنه " شيء عظيم ومختلف عني " ، وحين أتذكر ذلك الشعور الذي كان ينتابني أشعر بتأنيب الضمير وشيء ما يوبخني ويشعرني أنني كنت " أبلها " - مع الأسف الشديد - ، لأنني مع الأيام اكتشفت أن الطبيب المقيم هو " طبيب امتياز + " ، وأنني كطبيب امتياز وأي طبيب مقيم مجرد " طلاب طب متخرجين " ، وهذه المعادلة البسيطة يغفل عنها أو ينساها الكثير منا .. سواء " الممتازين أو المقيمين " .. وهناك كثير من الحمقى من " الممتازين أو الأطباء المقيمين على وجه الخصوص " يجدون منا كأطباء أمتياز أو من طلاب الطب ما يشبع " الحمق والكبر " لديهم .
مثلا ، قبل أيام جاءنا أطباء امتياز مستجدين .. أحدهم كان يتحدث مع أحد " أطباء الامتياز+ " ، بصوت منخفض ورأس مطرق للأسفل وكأنه يتحدث مع إنسان يختلف عنه .. هذا الموقف أعاد لي صورتي في بداية الامتياز وكيف مارست نفس " البلاهة " .. - الله المستعان ضميري بدأ يؤنبني من جديد - !!
نعم ، " ياحبيبي " - أقول حبيبي لاستدرار ثقتك - ستجد الكثير من الأطباء المقيمين الذين يحسنون " ضبط الكرفتة بشكل جيد " ، ويحسنون الاستعراض في الاجتماع الصباحي ، والقادرين على " إظهار تميزهم " العلمي " عليك بينما هم من " جنبها " تماما .. وأنا أعني ما أقول ، وأن الفرق بينك وبينهم هو أنك تنظر إليهم وأنت فاقد الثقة في نفسك ، وهذا ما يجعل " اللي شايف نفسه " ينظر إليها بتعظيم أكبر . ولدي كثير من القصص والمواقف المضحكة لهذه العينات التي لا تستحق إلا أن تسحب وتوضع في متاحف مغلقة لا يطلع عليها أحد .. هذا كل من قبيل الاستطراد ، وهو يستهدف الجانب السيء من الأطباء المقيمين - وأنتم كذلك أطباء الامتياز لديكم عينات تستحق ان تدخل هذه المتاحف - ، أما الجانب المضيء والأطباء الرائعين فهم موجودون بكثرة والحمد لله ..
أقول مستعينا بالله :
أولا : .. المريض أولا .
ستجد كثيرا من النصائح قبل الامتياز وأثناءه تقول لك " احرص على تشبيك الاستشاري الفلاني " ، " حاول تعمل مع فلان " ، " إذا قدرت تأخذ توصية من فلان " .. وعبارات كثيرة من هذا النوع ، فأرجوك أرجوك يا " حبيبي " - مرة أخرى - لا تفسد عملك وتعبك وذهابك إلى المستشفى بمثل هذا النوع النيات الهابطة ، التي تجعلك في موقف لا يليق أمام نفسك وأمام الناس .. فالنفس لا يقوى أحد على خداعها ، كما أن الناس أعقل من أن ينال إعجابهم متكلف متملق .
ستجد الكثير حولك من أصحاب هذه النوايا وأصحاب نوايا أخرى مختلفة ، ووالله والله لن تتميز حقيقة أمام نفسك ثم أمام الناس إلا بإصلاح نيتك ورفعها عن هذه الهبوط ، وكل شيء يأتي بعد ذلك ..
من المضحك أن ترى البعض لا هم له إلا كيف يرضي الإستشاري الفلاني ، وكيف " يظهر " نفسه أمام القسم ، وكيف يضمن لنفسه القبول في " البروقرام " وكيف يصل لأن يعمل في الفريق الطبي الذي يشرف عليه " البروقرام دايركتور " !
من القصص المضحكة - والامتياز قصص لا تنتهي - ، أنني ذهبت برئيا لقسم الأطفال في أحد المستشفيات الكبيرة ، وفي اليوم الأول كان اجتماع بأطباء الامتياز ، استغربت فيه حرص الغالبية من الطلاب على تخصص الأمراض المعدية ، والتنافس الشديد القائم الذي وصل إلى حد " الاقتراع والاستهام " ، واستهموا .. وخرج البعض منتصرا سعيدا وآخرون خروجوا خائبين مقهورين .. ومضت الأيام وأنا " يا غافل لك الله " .. وبعد فترة علمت أن المسؤول عن الأمراض المعدية هو مشرف البرنامج في المستشفى .. وأن ذلك الاحتراب على الأمراض المعدية لم يكن حبا في التخصص بل " تملقا " وخداعا ، إلى هنا لا مشكلة ، المشكلة أنه بعد شهر تقريبا من ذلك الصراع والاقتراع تغير مشرف البرنامج ليصبح مشرفا جديدا .. وكأن شيئا لم يكن .. ويا خيبة المنتصرين .
عذرا للاستطراد المتكرر ، ولكي لا يتكرر من جديد .. سأتبع أسلوب : أولا ، ثانيا ، ثالثا ,, إلخ . وأرجو أن يجدي نفعا !
أولا : .. عفوا أقصد " ثانيا " - هناك " أولا " مهمة قبل ما يقارب عشرة أسطر - .
ثانيا-من جديد-:
قلت أن من الأخطاء الكبيرة هي إعطاء الطبيب المقيم أكبر من حجمه ، وللتفصيل أكثر .. " كما أن الحط من أقدار الناس ظلم لهم ، فإن رفع الناس فوق أقدراهم هو ظلم لهم كذلك " ، فلا يوجد أي مبرر علمي ولا نظامي ليتفرغ طبيب الامتياز " لمرافقة " الطبيب المقيم حيث ما حل وارتحل .. يوزع معه الابتسامات ويحاول أن يتصنع الانبساط لبعض " الحكايا السامجة والثقيلة " ،
ولا مبرر نظامي ولا أدبي للاستئذان المتكرر " عفوا دكتور سأذهب لأتناول القهوة ، عفوا دكتور أحتاج دورة المياه ، عفوا دكتور سوف أزعجك بعطسة طارئة .. عفوا ، عفوا .. لو سمحت ، لوسمحت .. " ، لماذا كل هذا ؟!!!!!
صحيح ، هناك نوعية من الأطباء المقيمين يحب أن يُمارس معه هذا النوع من الاحتفاء ، لا عليك منهم ما دمت َ تؤدي عملك بشكل جيد ، إذا رأيت أن أحدهم يمارس الاستعراض بك وأنت تسير معه .. قل له عفوا دكتور : لدي أعمال ومرضى كما لديك أعمال ومرضى ، - ولتلطيف الجو - لو احتجت شيئا سأتواصل معك .. " مع السلامة بابتسامة جافة " كهذه ( :| ) .
تستطيع بكل وضوح أن تقول لمن يسعى لاستهلاكك : عفوا دكتور دعني أنهي عملي أولا وأكتب المطلوب مني أمام الفريق الطبي ، وأعود إليك - وحاول ان تخلص وتتقن عملك جيدا - .
ثالثا :
أجمل ما يجده طبيب الامتياز ، أن يرزقه الله فريقا طبيا يهتم بمناقشة الحالات وتوزيع المهام العلمية ، والبحث فيما أشكل من المواضيع والتكليف بالتحضير والقراءة .. هذا الجانب الجيد يحوله بعض " المقيمين " إلى جانب سلبي جدا جدا ومقزز ومثير للإشمئزاز . المعلومة حين تعرض بطريقة استعلائية متكبرة " تتحول " إلى قذفية ورصاصة تخترق إحساسي - وربما غيري كذلك - .. من يشعر بهذا الشعور خصوصا عندما يأتي من " طبيب امتياز + " يتحدث عن تجربته ويبدأ بسرد كلمات كـ :
in my practice
this is first time in my life
very rare presentation per my knowledge
هنا .. يجب أن تبتسم ابتسامة بلهاء ، وتهز رأسك ، وتبدأ في البحث عن شيء يشغلك يمينا أو شمالا . تستطيع أن تسأل سؤال غبيا وذكيا في الوقت ذاته : كم حالة رأيتها يا دكتور ؟ يعني المرض منتشر ؟ .. امممم ..
هذا النوع من الناس لن يكتفي بهذا بل سيبدأ بسؤألك بعض الأسئلة الاستعراضية ، لا تضيع وقتك معه قل مباشرة بهدوء
وغفلة : I don't knooow فقط . ثق أنها قاتلة بما فيه الكفاية ، لا تسأل ولاتطالب بمزيد إيضاح وإن كنت فعلا لا تعلم عليك بـ emdicnie إنه يمنحك المعلومة بلا من ولا أذى ..
رابعا :
أثناء " الراوند " وحين يكون هناك نقاش حول حالة معينة أو أسئلة تثار .. قل ما تعرفه جيدا في الوقت الجيد دون تردد ، اسأل عما تجهل ، طبعا لا يغرنك من يقول لا تسأل الاستشاري مباشرة ، بل - اسمعني يا حبيبي - لا تسأل في وجود الاستشاري إلا الاستشاري واسأل في وقت مناسب بأسلوب مناسب ، واقصد البحر وخل القنوات والفروع النهرية الصغيرة .. ربما سيقول لك أحدهم - كما قد قيل لغيرك يوما ما - لا تعطي معلومة وأنت غير متأكد منها أثناء النقاش ..
هنا يجب أن تسأل " ببلاهة " : لماذا ؟ .. ستسمع سببا سخيفا بلا شك ، عندها يجب أن تقول ببلاهة أيضا : أها .. بسيطة !
هنا وصفة خطيرة وسامة جدا وقاسية جدا لكنك قد تحتاجها أحيانا مع بعض النوعيات من الناس :
من الأدب ألا يجيب الإنسان على سؤال إذا لم يوجه إليه ، أما إن كان السؤال عاما فالمشاركة حق للجميع كبر أم صغر ،
هذا شيء نتفق عليه جميعا . الجديد هنا : أن السؤال قد يُوجه إلى صاحبك الذي " فقع قلبك " .. ولم يجب عليه ، هنا
لابد للأفكار الشيطانية أن تطل برأسها من أجل شيء واحد فقط أن تثبت لهذا النوع من الناس أننا سواسية في الطريق للعلم . اسمعني بحرص يا صديقي : إن كنت تعلم الإجابة جيدا أو بعضها فانظر لعيني السائل - وعادة ما يكون الاستشاري - مباشرة ، ثق أنه سيحول السؤال إليك مباشرة .. هذه تحول لحظة الطبيب المقيم الذي يحاول الحط من قدرك إلى جحيم !
سادسا :
سوف يراك هذا النوع من الأطباء المقيمين السيئين نموذجا لطبيب الامتياز السيء والمغرور ، - في نظري القاصر - أن نظرة هذه النوعية من الناس لا يُعتد بها ولا تستحق الاعتبار ، ولكني على ثقة - وبتجربة :) - أن هذه النوعية من الناس لا يمكن أن تحترمك وتقدرك إلا إذا تعاملت معها بهذه الصورة ، وفي الوقت ذاته أسبغ على " الغالبية الطيبة " بالغ احترامك ، وكل تعاونك وتقديرك لهم .. اسألهم ، تعلم منهم ، استشرهم ، كن السهل اللين ، بادرهم بما تظن أنهم خجلوا من سؤالك إياه حياء منك ، حضر جيدا لما تُكلف به أمام القسم أو أمام الفريق ..واخلص في عملك لله أولا وآخرا .
أولا - ثانيا - ثالثا - رابعا - خامسا -سادسا :
من المفارقات الغريبة أننا نغفل مع مرور الأيام أن كليات الطب بطلابها ، وأساتذتها ، ومختبراتها ، والمستشفيات ، والمدن الطبية ، والأموال التي تنفق على كل هذا لم تكن إلا لشيء واحد وهو لب هذا كله وغايته أعني " المريض " ، وفي النهاية
نجد أن " المريض " في أحايين كثيرة هو الرقم الخاسر في هذه المعادلة ! قد تجد مريضا قد مُهر ملفه بـ ( DNR ) ، أو في وضع لا يُرجي له برء ، وليس له عائلة ذات اسم أو رسم ، فأرجوك يا صديقي لا يجعلك هذا تغفل عنه ويمنعك من ( دقائق ) عابرة تنظر إليه مباشرة دون وسائط أو إسناد ، فتلقى عليه التحية ، وتدعو له إن ألهمك الله التعبد بالدعاء .. فالمرضى ليسوا أوراقا مرقمة نكتب عليها ونرحل .. حتى ترحل !
نسأل الله ألا تموت قلوبنا ومشاعرنا .. فتصبح كتلك التي نراها كل يوم .
الرياض - ١٤٣٢ هـ
