بين الطب والفلسفة/المنطق




بقيت فترة طويلة مأسورا بالعلاقة بين الطب والأدب، وبارتباط الطب بالشعر خصوصا. وكنت أتلقط الكتب التي تتحدث عن هذا وأبحث عن أعمال الأطباء من شعر أو نثر. وأذكر أنني كتبت قائمة طويلة بأعمال الأطباء، دونتها في أوقات متفرقة ثم فقدت هذه القائمة مع ما يفقد الإنسان في طريق حياته من أشياء وأفكار واهتمامات. 
لكنني كلما ازددت ممارسة للطب كلما كبرت في عيني العلاقة بين الطب من جهة والفلسفة والمنطق من جهة ثانية. وتتضاءل الأفكار والتصورات في ذهني التي تربط بين الطب والأدب. فالطب جاف وقاسي وصارم ومليء بالمناطق الرمادية التي تتمايز فيها العقول والقدرات كالمنطق والفلسفة. والأدب منطلق ومرن ومتماوج ولايحتاج كثير معرفة ولا فهم بل ربما كان التفكير المنطقي شرا على الشاعر والأديب، فهو يكف انطلاقه وانسياب خياله.  وفي الطب كلما زاد علمك كلما قل إنكارك لكثير مما كنت تنكر، وكلما ازداد اهتمامك بالصورة الشاملة الكبيرة مع الاهتمام ببعض التفاصيل باختلاف التخصص، كذلك الفلسفة والمنطق. والأدب كله تفاصيل دقيقة وكلما أمعنت في التفاصيل وجعلت من التفاصيل صورا كبيرة كلما اكتسب الأديب ميزته واختلافه. 

ولايكاد المتكيء على التاريخ يسلم من السقوط في التحيز لأن التاريخ يعطيك أدلة لكل ما تريد لكنني سأتصنع السلامة منه وأقول: إنني أصبحت أظن أو أرىفي أثناء المحاولة لتمرير شريط التاريخ سريعا، أن البشرية عرفت الطب والمنطق كقرينين لا ينفكان. وانظر تاريخ الطب وأهله فلا تكاد ترى إلا فلاسفة. بل إنك تقرأ في كتب الطب إلى فترة قريبة -قريبة نسبيا في عمر التاريخ- وكأنك تقرأ منطقا وفلسفة. بل هذا من أبرز  المثالب التي تُحمل على الطب السابق للطب الغربي أنه طب مكتبات لا طب مستشفيات وأنه طب مغرق في التنظير حتى ظهرت مدرسة باريس وحولت الطب من طب مكتبات إلى طب أكثر واقعية  library medicine to hospital medicine
وهذا الأمر كذلك واضح غاية الوضوح لمن لديه قليل إطلاع على تاريخ أطباء الحضارة الإسلامية فلا تكاد تجد طبيبا إلا وهو منطقي أو فيلسوف أو فقيه أو شيء من كل هذا. وتسمية ابن سينا لكتابه القانون بهذا الاسم لوحدها دلالة واضحة على الارتباط العميق. وتأمل مثلا اسم كامل الصناعة لابن عباس المجوسي، فردوس الحكمة للطبري ، الكليات لابن رشد فتشعر وكأنك مقدم على قراءة كتبا في الفلسفة لا في الطب. 

ولا يمكن أن يكون هناك طبيب جيد دون أن يكون لديه قدرة على الحس النقدي والتحليل المنطقي سواء موهبة أو اكتسابا. وربما يتفق معي بعض الأصدقاء من الأطباء أن من أجمل الأشياء أن تعمل مع طبيب خبير لديه قدرة نقدية عالية وحس فلسفي عميق فتشعر أنك في تمرين منطقي وفلسفي لا يشكل الطب المجرد فيه إلا القدر البسيط. ولهذا لاتستغرب لو وجدت طبيبا ذكيا قد يثبت لك الشيء وعسكه بقوة البرهان والدليل القاطع خصوصا في المناطق الرمادية التي تعجز التوصيات ( guidelines ) عن الوصول إليها أو الإحاطة بها. 
وما تقدم يقودني إلا تأييد رؤية من يرى ضرورة تدريس المنطق وبعض الفلسفة لطلبة الطب، فيفهموا كيف يمكن أن يسير الإنسان بين الأشياء والأفكار وكيف يمايز بين ما يريد وبين ما هو الواقع. وكيف يتسلح بالفهم الذي يجعله أقل عرضة للمغالطات والتحيزات التي لا يسلم منها أحد. 



: مصادر

Nineteenth-Century Medicine: The Paris School of Medicine. Yale open courses on history of medicine. 

Teaching Clinical Reasoning to Medical Students: A Case-Based Illness Script Worksheet Approach Michael Levin, MD, David Cennimo, MD, Sophia Chen, DO, Sangeeta Lamba, MD
العلاقة بين الفلسفة والطب عند المسلمين- مجلة الجمعية الفلسفية المصرية ١٩٩٦ نقلا عن موقع حكمة. 


Philosophy for medical students—why, what, and how, P Louhiala

إعادة تعريف لمفهوم الحب


استطاعت الدراما على مدى عقود طويلة أن تصنع في تصور الأجيال ، صورة مشوهة ومزورة لمعاني كثيرة من أبرزها معنى الحب ، وماهو ؟ وكيف يشعر المحبون ؟ وكيف يعيشون ؟ وبماذا يفكرون ؟ .. إلخ . 
وإن كان الشعر العربي عامرا بالكثير بالمعاني المشوهة والمزورة عن الحب ، إلا أن تأثيره لم يكن بحجم التأثير الذي صنعته الدراما في عقولنا . وهذه المفاهيم والتصورات أنتجت مشاكل وتداعيات كبيرة في حياتنا ، شعر بذلك الناس أم لم يشعروا 
أصبح هم الفتى أو الفتاة ، البحث عن سر الحب المجهول والسعي لنيل شيء من هذا الحلم الجميل الذي تصوره الدراما بصورة الاكسير الغامض ، المازج بين المرارة والحلاوة والخلود ، وبين معاناة الشوق الجميل ، وهناء الوصل واللقاء ، ليختزل معنى الحياة في صورة من العاطفة العمياء التي إن أتت أتى بعدها كل شيء
ولذلك يقابل الكثير من أبناء جيلنا وبناته مشاكل كثيرة ومقعدة وصعبة بحثا عن هذا الحب القيسي الأسطوري . ويقبل الفتى الطيب والفتاة الطيبة على الزواج بخيالات رومانسية لاتصلح للحياة . فيرون أن الحياة ليست كما صورتها الدراما المصرية أو التركية ، وأن العاطفة البشرية من طبيعتها التردد والتموج ، والشهوة الطبيعية تنطفيء في لحظات قصيرة ، وتبقى بعد ذلك الحياة الحقيقية التي تشكل الجزء الأكبر من اهتماماتنا وتفكيرنا ، فتبدو الحياة جافة قاسية شديدة التعقيد. 
وهذا الإغراق في تضخيم الحب يقود إلى إزاحة الحكمة والقيم عن الطريق ، فينطلق جيلنا الطيب في البحث عن الحب بكل ما يملك في طريق صحيح أو في طريق خاطيء ، وفي طريق البحث عن ” الحب الدرامي ” تزول المعاني والقيم
إن الحياة وإن كانت تحلو بالحب والعاطفة ، إلا إن الحب وحده لايمكن أن يسير الحياة ، والاستغناء عن الحب أيسر من الاستغناء عن الأخلاق والرحمة والمعاشرة بالمعروف . وهذا ما يجب في تصوري أن يفهمه الجيل الحالم

عالق بين دالاس وشيكاغو





وأنا عالق في مطار دالاس بسبب تعطل الرحلات، تذكرت سفرة من مطار شيكاغو.. 
كنت أسير في المطار بسكون وطمأنينة أقلب عيني في الناس والأشياء بغفلة وانغماس عميق.. لم يكن يسرقني من عمق اللحظة إلا نظرات الناس التي تتجه إلى منتصفي.. 
حاولت أن أفهم السبب فعجزت، وقلبت بصري أبحث عن بقعة قهوة في أيسر الأحوال أو أن يكون سحاب السروال مفتوحا في أسوأ الأحوال.. ولم يكن هذا ولا ذاك..وقد كنت أرتدي لباسا رسميا، ففسرت هذه النظرة التي لم تتوقف بأناقتي الجذابة وتفاءلت فألا حسنا بأن أناقتي وحدها كفيلة بأن أقبل في البرنامج الكندي.. بقيت أسير بكل ثقة ثم اتجهت للتفتيش فكان يسيرا سريعا ولم يطن الجهاز كما يفعل عادة.. وصلت المطار الكندي وكان في استقبالي أحد الأصدقاء وكان عينيه تتنقل بين وجهي وبين منتصفي.. 
وبعد أن تحدثنا وركبنا السيارة قال لي صاحبي: محمد وش فيك بدون حزام؟!
فهممت أن أترك كل هذا اللباس الذي لا أنتمي له ولا ينتمي لي وأذهب للمقابلة بالثوب والشماغ ..

كيف تكون طبيب امتياز " ناجح وقوي ومتميز " ..

كيف تكون طبيب امتياز " ناجح وقوي ومتميز " ..

( وصفة للنجاح الشخصي ، ولتحويل حياة الطبيب المقيم السيء والمستغل إلى جحيم " )

قبل أن أشرع في كتابة هذه السطور ، عشت لحظات صمت أستحضرت فيها الآثار والأخبار في حرية الإنسان وملكه لنفسه ، وقرأت سريعا بيان الشيوعي " يا عمال العالم اتحدوا "

وقبل اتخاذ أي خطوة عملية -أخي العظيم طبيب الامتياز- ، يجب أن تعلم أن هذه السطور تحوي على أسلحة محرمة " أخلاقيا " ودوليا ، وفيها خطوات وأمور يجب أن تمارس بالحذر التام ومع من يستحق فقط من الظلمة والمستبدين ومن يحاولون ممارسة " السادية " على " المستضعفين " ، واستخدام ما تحوي هذه السطور القادمة مع البشر " الطبيعيين " يخرجني من أي مسؤولية أخلاقية أو قانونية .. (( ولذا وجب التنبيه ))

أصدقكم القول أن أحد الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها أثناء بداية الامتياز ، هو التعامل مع الطبيب المقيم بتقدير مبالغ فيه ، أعني بحذر ومحاولة والتعامل معه وكأنه " شيء عظيم ومختلف عني " ، وحين أتذكر ذلك الشعور الذي كان ينتابني أشعر بتأنيب الضمير وشيء ما يوبخني ويشعرني أنني كنت " أبلها " - مع الأسف الشديد - ، لأنني مع الأيام اكتشفت أن الطبيب المقيم هو " طبيب امتياز + " ، وأنني كطبيب امتياز وأي طبيب مقيم مجرد " طلاب طب متخرجين " ، وهذه المعادلة البسيطة يغفل عنها أو ينساها الكثير منا .. سواء " الممتازين أو المقيمين " .. وهناك كثير من الحمقى من " الممتازين أو الأطباء المقيمين على وجه الخصوص " يجدون منا كأطباء أمتياز أو من طلاب الطب ما يشبع " الحمق والكبر " لديهم .

مثلا ، قبل أيام جاءنا أطباء امتياز مستجدين .. أحدهم كان يتحدث مع أحد " أطباء الامتياز+ " ، بصوت منخفض ورأس مطرق للأسفل وكأنه يتحدث مع إنسان يختلف عنه .. هذا الموقف أعاد لي صورتي في بداية الامتياز وكيف مارست نفس " البلاهة " .. - الله المستعان ضميري بدأ يؤنبني من جديد - !!

نعم ، " ياحبيبي " - أقول حبيبي لاستدرار ثقتك - ستجد الكثير من الأطباء المقيمين الذين يحسنون " ضبط الكرفتة بشكل جيد " ، ويحسنون الاستعراض في الاجتماع الصباحي ، والقادرين على " إظهار تميزهم " العلمي " عليك بينما هم من " جنبها " تماما .. وأنا أعني ما أقول ، وأن الفرق بينك وبينهم هو أنك تنظر إليهم وأنت فاقد الثقة في نفسك ، وهذا ما يجعل " اللي شايف نفسه " ينظر إليها بتعظيم أكبر . ولدي كثير من القصص والمواقف المضحكة لهذه العينات التي لا تستحق إلا أن تسحب وتوضع في متاحف مغلقة لا يطلع عليها أحد .. هذا كل من قبيل الاستطراد ، وهو يستهدف الجانب السيء من الأطباء المقيمين - وأنتم كذلك أطباء الامتياز لديكم عينات تستحق ان تدخل هذه المتاحف - ، أما الجانب المضيء والأطباء الرائعين فهم موجودون بكثرة والحمد لله ..

أقول مستعينا بالله :

أولا : .. المريض أولا .

ستجد كثيرا من النصائح قبل الامتياز وأثناءه تقول لك " احرص على تشبيك الاستشاري الفلاني " ، " حاول تعمل مع فلان " ، " إذا قدرت تأخذ توصية من فلان " .. وعبارات كثيرة من هذا النوع ، فأرجوك أرجوك يا " حبيبي " - مرة أخرى - لا تفسد عملك وتعبك وذهابك إلى المستشفى بمثل هذا النوع النيات الهابطة ، التي تجعلك في موقف لا يليق أمام نفسك وأمام الناس .. فالنفس لا يقوى أحد على خداعها ، كما أن الناس أعقل من أن ينال إعجابهم متكلف متملق .

ستجد الكثير حولك من أصحاب هذه النوايا وأصحاب نوايا أخرى مختلفة ، ووالله والله لن تتميز حقيقة أمام نفسك ثم أمام الناس إلا بإصلاح نيتك ورفعها عن هذه الهبوط ، وكل شيء يأتي بعد ذلك ..

من المضحك أن ترى البعض لا هم له إلا كيف يرضي الإستشاري الفلاني ، وكيف " يظهر " نفسه أمام القسم ، وكيف يضمن لنفسه القبول في " البروقرام " وكيف يصل لأن يعمل في الفريق الطبي الذي يشرف عليه " البروقرام دايركتور " !

من القصص المضحكة - والامتياز قصص لا تنتهي - ، أنني ذهبت برئيا لقسم الأطفال في أحد المستشفيات الكبيرة ، وفي اليوم الأول كان اجتماع بأطباء الامتياز ، استغربت فيه حرص الغالبية من الطلاب على تخصص الأمراض المعدية ، والتنافس الشديد القائم الذي وصل إلى حد " الاقتراع والاستهام " ، واستهموا .. وخرج البعض منتصرا سعيدا وآخرون خروجوا خائبين مقهورين .. ومضت الأيام وأنا " يا غافل لك الله " .. وبعد فترة علمت أن المسؤول عن الأمراض المعدية هو مشرف البرنامج في المستشفى .. وأن ذلك الاحتراب على الأمراض المعدية لم يكن حبا في التخصص بل " تملقا " وخداعا ، إلى هنا لا مشكلة ، المشكلة أنه بعد شهر تقريبا من ذلك الصراع والاقتراع تغير مشرف البرنامج ليصبح مشرفا جديدا .. وكأن شيئا لم يكن .. ويا خيبة المنتصرين .

عذرا للاستطراد المتكرر ، ولكي لا يتكرر من جديد .. سأتبع أسلوب : أولا ، ثانيا ، ثالثا ,, إلخ . وأرجو أن يجدي نفعا !

أولا : .. عفوا أقصد " ثانيا " - هناك " أولا " مهمة قبل ما يقارب عشرة أسطر - .

ثانيا-من جديد-:

قلت أن من الأخطاء الكبيرة هي إعطاء الطبيب المقيم أكبر من حجمه ، وللتفصيل أكثر .. " كما أن الحط من أقدار الناس ظلم لهم ، فإن رفع الناس فوق أقدراهم هو ظلم لهم كذلك " ، فلا يوجد أي مبرر علمي ولا نظامي ليتفرغ طبيب الامتياز " لمرافقة " الطبيب المقيم حيث ما حل وارتحل .. يوزع معه الابتسامات ويحاول أن يتصنع الانبساط لبعض " الحكايا السامجة والثقيلة " ،

ولا مبرر نظامي ولا أدبي للاستئذان المتكرر " عفوا دكتور سأذهب لأتناول القهوة ، عفوا دكتور أحتاج دورة المياه ، عفوا دكتور سوف أزعجك بعطسة طارئة .. عفوا ، عفوا .. لو سمحت ، لوسمحت .. " ، لماذا كل هذا ؟!!!!!

صحيح ، هناك نوعية من الأطباء المقيمين يحب أن يُمارس معه هذا النوع من الاحتفاء ، لا عليك منهم ما دمت َ تؤدي عملك بشكل جيد ، إذا رأيت أن أحدهم يمارس الاستعراض بك وأنت تسير معه .. قل له عفوا دكتور : لدي أعمال ومرضى كما لديك أعمال ومرضى ، - ولتلطيف الجو - لو احتجت شيئا سأتواصل معك .. " مع السلامة بابتسامة جافة " كهذه ( :| ) .

تستطيع بكل وضوح أن تقول لمن يسعى لاستهلاكك : عفوا دكتور دعني أنهي عملي أولا وأكتب المطلوب مني أمام الفريق الطبي ، وأعود إليك - وحاول ان تخلص وتتقن عملك جيدا - .

ثالثا :

أجمل ما يجده طبيب الامتياز ، أن يرزقه الله فريقا طبيا يهتم بمناقشة الحالات وتوزيع المهام العلمية ، والبحث فيما أشكل من المواضيع والتكليف بالتحضير والقراءة .. هذا الجانب الجيد يحوله بعض " المقيمين " إلى جانب سلبي جدا جدا ومقزز ومثير للإشمئزاز . المعلومة حين تعرض بطريقة استعلائية متكبرة " تتحول " إلى قذفية ورصاصة تخترق إحساسي - وربما غيري كذلك - .. من يشعر بهذا الشعور خصوصا عندما يأتي من " طبيب امتياز + " يتحدث عن تجربته ويبدأ بسرد كلمات كـ :

in my practice

this is first time in my life

very rare presentation per my knowledge

هنا .. يجب أن تبتسم ابتسامة بلهاء ، وتهز رأسك ، وتبدأ في البحث عن شيء يشغلك يمينا أو شمالا . تستطيع أن تسأل سؤال غبيا وذكيا في الوقت ذاته : كم حالة رأيتها يا دكتور ؟ يعني المرض منتشر ؟ .. امممم ..

هذا النوع من الناس لن يكتفي بهذا بل سيبدأ بسؤألك بعض الأسئلة الاستعراضية ، لا تضيع وقتك معه قل مباشرة بهدوء

وغفلة : I don't knooow فقط . ثق أنها قاتلة بما فيه الكفاية ، لا تسأل ولاتطالب بمزيد إيضاح وإن كنت فعلا لا تعلم عليك بـ emdicnie إنه يمنحك المعلومة بلا من ولا أذى ..

رابعا :

أثناء " الراوند " وحين يكون هناك نقاش حول حالة معينة أو أسئلة تثار .. قل ما تعرفه جيدا في الوقت الجيد دون تردد ، اسأل عما تجهل ، طبعا لا يغرنك من يقول لا تسأل الاستشاري مباشرة ، بل - اسمعني يا حبيبي - لا تسأل في وجود الاستشاري إلا الاستشاري واسأل في وقت مناسب بأسلوب مناسب ، واقصد البحر وخل القنوات والفروع النهرية الصغيرة .. ربما سيقول لك أحدهم - كما قد قيل لغيرك يوما ما - لا تعطي معلومة وأنت غير متأكد منها أثناء النقاش ..

هنا يجب أن تسأل " ببلاهة " : لماذا ؟ .. ستسمع سببا سخيفا بلا شك ، عندها يجب أن تقول ببلاهة أيضا : أها .. بسيطة !

هنا وصفة خطيرة وسامة جدا وقاسية جدا لكنك قد تحتاجها أحيانا مع بعض النوعيات من الناس :

من الأدب ألا يجيب الإنسان على سؤال إذا لم يوجه إليه ، أما إن كان السؤال عاما فالمشاركة حق للجميع كبر أم صغر ،

هذا شيء نتفق عليه جميعا . الجديد هنا : أن السؤال قد يُوجه إلى صاحبك الذي " فقع قلبك " .. ولم يجب عليه ، هنا

لابد للأفكار الشيطانية أن تطل برأسها من أجل شيء واحد فقط أن تثبت لهذا النوع من الناس أننا سواسية في الطريق للعلم . اسمعني بحرص يا صديقي : إن كنت تعلم الإجابة جيدا أو بعضها فانظر لعيني السائل - وعادة ما يكون الاستشاري - مباشرة ، ثق أنه سيحول السؤال إليك مباشرة .. هذه تحول لحظة الطبيب المقيم الذي يحاول الحط من قدرك إلى جحيم !

سادسا :

سوف يراك هذا النوع من الأطباء المقيمين السيئين نموذجا لطبيب الامتياز السيء والمغرور ، - في نظري القاصر - أن نظرة هذه النوعية من الناس لا يُعتد بها ولا تستحق الاعتبار ، ولكني على ثقة - وبتجربة :) - أن هذه النوعية من الناس لا يمكن أن تحترمك وتقدرك إلا إذا تعاملت معها بهذه الصورة ، وفي الوقت ذاته أسبغ على " الغالبية الطيبة " بالغ احترامك ، وكل تعاونك وتقديرك لهم .. اسألهم ، تعلم منهم ، استشرهم ، كن السهل اللين ، بادرهم بما تظن أنهم خجلوا من سؤالك إياه حياء منك ، حضر جيدا لما تُكلف به أمام القسم أو أمام الفريق ..واخلص في عملك لله أولا وآخرا .

أولا - ثانيا - ثالثا - رابعا - خامسا -سادسا :

من المفارقات الغريبة أننا نغفل مع مرور الأيام أن كليات الطب بطلابها ، وأساتذتها ، ومختبراتها ، والمستشفيات ، والمدن الطبية ، والأموال التي تنفق على كل هذا لم تكن إلا لشيء واحد وهو لب هذا كله وغايته أعني " المريض " ، وفي النهاية

نجد أن " المريض " في أحايين كثيرة هو الرقم الخاسر في هذه المعادلة ! قد تجد مريضا قد مُهر ملفه بـ ( DNR ) ، أو في وضع لا يُرجي له برء ، وليس له عائلة ذات اسم أو رسم ، فأرجوك يا صديقي لا يجعلك هذا تغفل عنه ويمنعك من ( دقائق ) عابرة تنظر إليه مباشرة دون وسائط أو إسناد ، فتلقى عليه التحية ، وتدعو له إن ألهمك الله التعبد بالدعاء .. فالمرضى ليسوا أوراقا مرقمة نكتب عليها ونرحل .. حتى ترحل !

نسأل الله ألا تموت قلوبنا ومشاعرنا .. فتصبح كتلك التي نراها كل يوم .

الرياض - ١٤٣٢ هـ

أنا وأبي في التفاصيل الصغيرة..


هذي صورتي كما تراها بنتي ميرة 


أنا وأبي بدأنا الرحلة ذات يوما معا. هو وقتها كان في على باب الأربعين. وأنا على باب ثانيتي الأولى في هذه الحياة…وقتها كان يعرف تفاصيل تفاصيلي الصغيرة، البقع الداكنة على جسدي الصغير، مقاس حفاظتي، عاداتي في النوم والصراخ، أسهل الحلول لنيل رضاي فيتمتع هو وأمي بساعات نوم هادئة، نوع الحليب. يعرف كذلك حينما تبدأ أعراض التهاب الحلق المتكرر، أول سن ظهر، السن الذي حاولا جاهدين أن يعتدل بدلك لثتي كل يوم، محاولاتهم المتكررة لتعليمي كيف اعتمد على نفسي عندما أحتاج للحمام، متى أكذب، ومتى أخفي شيئا ما، متى أعود من المدرسة وقد ضربت وأنا أدعي العكس، الحلوى التي سرقتها من البقالة المجاورة عبثا وتمردا، حين تركت الصلاة منشغلا بالكرة وقلت له أني كنت في المسجد .. حين بدأت أشعر بضرورة الاستقلال وتفردي بآرائي وذاتي، أجادله فيما لا يستحق .. كنت أظن أنه لا يعرف ما هي دوافعي.. 
وهأنا أكبر .. ابني وبنتي يكبران أمامي، أعرف التفاصيل الصغيرة: 
البقع الداكنة على جسديهما الصغيرين، مقاس حفاظتها، عاداتهما في النوم والصراخ، أسهل الحلول لنيل رضاهما فأتمتع وأمهما بساعات نوم هادئة، نوع الحليب. أعرف كذلك حينما يبدأ أحدهما بالمرض، محاولاتنا المتكررة لتعليمه كيف يعتمد على نفسه عندما يحتاج للحمام، متى يكذبان، ومتى يخفيان شيئا ما!
أمشي في صالة البيت فتطأ رجلي على إحدى سمكات القرش الصغيرة، فأقول له: يا ابني كم مرة قلت لك خل الألعاب في غرفتك. كدت أسقط بسبب هذه السمكة! .. فأفهم تذمر أبي كل مرة تطأ قدمه على معكباتي الصغيرة فيقول: يا محمد الله يصلحك شيل هذي بغت تفقع رجلي. 
أدخل مكتبي فأجد علامات التسلسل والعبث ببعض أوراقي وكتبي، فأنفعل وأهم بالتصرف بحماقة كما أفعل أحيانا، فأتذكر تذمر أبي حين كنت أتسلل إلى خزانته وأقلب أوراقه الجديدة والقديمة فضولا وعبثا. عبثي القديم على الغداء عندما أشبع بعد يوم عمل مرهق له، وعبثهما عندما نجلس على المائدة بعد يوم عمل مرهق لي. 

البطاطس والفشارالذي لاينسى عبدالله أن يطلبني كل مرة أخرج فيها للصلاة، والبطاطس الذي كنت أطلب أبي كل مرة يخرج فيها للصلاة أو أخرج معه..
تفاصيل كثيرة ومتفرقة تعرض كل يوم .. أتحاشاها وأهرب منها خوفا من سطوة الحنين ومن مشاعر متفرقة.

إلى ابن العشرين: رسالة من على بوابة الثلاثين للمسافر القادم.

“ هذه الرسالة قد تكون طويلة - إذا كنت مشغولا الآن احفظ الرابط لديك واقرأها على سعتك”

منذ فترة وأنا أعزم على كتابة رسالة لابن العشرين، وحتى أكون أكثر دقة أعني رسالة لنبيه ذكي في العشرين وما قبلها بقليل أو بعدها بقليل. هذه الأيام سوف تمضى وهذا العمر سيرحل.

أقولك لك: عندما تطرق باب الثلاثين سترى كل شيء قد تغيّر ليس لأنه تغير في ذاته بل لأنك أنت من سيتغير وإن ظننت غير ذلك. هؤلاء الأصدقاء من حولك الذين يملؤون حياتك بطعهما حلوه ومره لن يبق لك منهم إلا القليل، فهمك للعلاقات والصداقات سيتبدل، هذه الأفكار في ذهنك عن الحياة ستتلاشى، مفاهيمك ستختلف، هذه الأشياء التي تراها من أولوياتك في الحياة ربما ستختفي ويحل محلها أشياء جديدة لم تكن تحسب لها حسابا.

أترى هؤلاء “ المجرمين “ الذي تسمع عنهم كل يوم؟ لقد كانوا يسيرون بأحلام كأحلامك، وهذا الفقير الذي اتكأت على ظهره الدنيا كان له قائمة من الأمنيات لا تنتهي وهاهي تتضاءل أمام عينيه كل يوم، وهذا البائس الوحيد الخالي من الأهل والأصدقاء والناس كان له حياة ممتلئة بهؤلاء وغيرهم، وهذا المريض الذي يصعب عليه حتى النَفس كان له ملعب في آخر الحارة كجميع الأولاد.

هذه المقابر ممتلئة بأحلام وأمنيات لم يُكتب لها أن تتحقق، وإن الراحلين رحلوا وأيديهم تفيض بقوائم من الطلبات قصر عنها رصيد العمر.

الدين:

مهما حاولت هذه المادية وحاول المادييون أن يقولوا لك خلاف ذلك .. اجعل الدين وإيمانك بالله هو محور الأشياء لديك، أعد تعريفك للأشياء بناء على تعريف القرآن لها ما استطعت. سترى أن كثيرا مما يراه الناس كبيرا، صغيرا ضئيلا في عينيك مع إيمانك بالله. اجعل رحلتك في هذه الحياة متعلقة بخالق الحياة ومبدع نواميسها .. أنت في عالم يتضاءل فيه الإيمان فإذا رأيته كذلك فاجعل الإيمان يتمدد في قلبك ويتوسع. خصص لنفسك لحظات خالية من كل شيء تجلس فيها مع القرآن، تقرأه بتسليم مطلق.. دع القرآن ينساب إلى روحك ويملؤك بمعانيه.

وإن اصابتك لوثة من ظن أو شك فاقرأ “قصة الإيمان بين العلم والفلسفة والقرآن” للجسر، “واقرأ أفي الله شك؟” للمرزوقي، واقرأ رحلتي من الشك إلى اليقين لمصطفى محمود، واقرأ مقالات العلامة ابن عقيل الظاهري. وقبل ذلك اجعل القرآن وفهمه الدواء لصدرك المتعب. وتيقن أن معظم الشكوك إنما تأتي من الجهل فزود نفسك بالعلم ولا تظن بنفسك أنك وعيت العلم كله.

وإن سألت كيف تتعامل مع التساؤلات التي تأتيك والتي تراها؟

كل التساؤلات المطروحة اليوم مما يقدح في الدين وعظمته هي تساؤلات وأشياء قديمة، وكل ما تحتاجه هو أن تبحث عن الإجابات لدى أهل العلم والحكمة. ولن تجد شبهة تنتشر اليوم إلا ولها مثيل في الماضي. والساعي الحثيث للحق لن يضيعه الله. فإذا اشغلتك شبهة أو شك فابحث واسأل واجعل الحق نصب عينيك وحاول أن تنسى الانتصار لنفسك أو لما تحب وانس الناس كذلك ، إن كنت فعلا ساع لحق أو يهمك الفهم الصحيح للدين .. وإن كان غير ذلك ورأيت نفسك مشغولا بالفكرة السائدة أو ما يقوله لك الإعلام والناس في المجالس ومواقع التواصل فإن هذا الكلام ليس لك.

العلاقات:

الصداقة من أجمل العلاقات الإنسانية .. وربما تكون في ذروتها نشوء واتساعا في أوائل العشرين وما قبلها بقليل. سترى فترات من عمرك تأخذك الصداقات فيها من كل شيء. وفي ضجيج هذا الانطلاق لا تنس والديك أبدا، قدم رضاهما على كل شيء ما استطعت .. قدم رضاهما على موعد مع الأصحاب قد لا يتكرر، على سفرة معدة بعناية، .. والله لتجدن أثر الرضى في حياتك وفي نفسك وفي مالك. وستحفك الدعوات أينما ذهبت. قد ترى آراءهما عجيبة، وربما يزعجك توقيت بعض الطلبات، وربما مع اطلاعك وقراءتك ستنصدم ببعض الآراء ..

مهلا يا صاحبي.. إذا رأيت أن النقاش حول أمر ما، يزعجهما أو يعكر صفوهما فتوقف ما استعطت. مارس قدراتك في النقاش أينما أردت ولكن ليس مع والديك .. ستقول ولكن أبي مختلف ومتحجر أو أمي مختلفة .. نعم يكون ذلك حقا، لكن تذكر أنهما شخصان مختلفان عن الناس وأن القوانين تتغير في حضرتهما ولن يضيع الله أجرك وصبرك.

مع البهجة بالصدقة والانتشاء بالصحبة .. ربما تجد نفسك تعلق أمالا كبيرة على الناس من حولك، وأحب أن أقول لك: لا تعلق آمالك بأحد من الناس ما استطعت. توقع من الناس ما تحب وما لاتحب.. وهؤلاء من حولك وأحب الناس إليك من أصدقاء وأصفياء ممن لا يخلو يوم من اتصال أو لقاء بهم، سيأتي عليك أيام وليس حولك منهم أحد .. فلا تجزع لبعد أحد أو وطن نفسك على ذلك.. وقد أفلح من علق كل آماله بالله وحده.. ومن يستطيع!

الزواج

الزواج ليس علاقة حب حالمة وليس قصة مستنسخة من مسلسل تركي أو مكسيكي. الزواج رحلة طويلة فيها من الجمال والصعوبة والمرارة والحلاوة والمسؤولية والالتزام، وهو ميثاق غليظ كما سماه الله. وإذا أردت زواجا مباركا فانس عالم المسلسلات وأوهامها فكلها كذب ووهم ، واعمل على اصلاح نفسك في دينك وصحتك وأخلاقك ما استطعت. لن تجد زوجة كاملة ولن تجدين زوجا كاملا، وكفى بالإنسان كمالا أن تقل مساؤه وعيوبه.

أنت في عالم يتكاثر فيه الناس بالألقاب والملابس والمقتنيات .. فإن استطعت أنت وشريك حياتك أن تغمرا الحياة بالمعاني الكبيرة والقرب من الله والتذاكر والتواصي وتعريف الأشياء كما ينبغي فتلك هي السعادة والفوز.. أما التكاثر في الممتلكات والأموال فمهما بلغ حظك من الدنيا فستجد من هو أكثر حظا منك.

الثقافة:

إن كنت ممن يشغله عالم الأفكار ويشعر بالحيرة من هذه الصراعات التي لا تنتهي، وربما شاركت بحماس في مواقع التواصل حول قضايا فكرية وشرعية مختلفة ..وربما تغرقك كثرة الآراء والاختلاف الذي لا ينتهي. فأرجوك توقف عن هذا وعد لبناء نفسك أنت وبناء معرفتك ولا تنشغل بالخلاف، وعد لأصول الأشياء. مواقع التواصل ونقاشاتها ستمنحك القدرة على الدخول في جمهور، تماما كتشجيع فريق معين دون أن يكون لديك القدرة على التمييز المعرفي والنقد .. قل لنفسك دائما أن الحقيقة هي ما تريد أنت أن تصل إليه وليس ما تريد أن يظن الآخرين أنك وصلت إليه.

هذه المرحلة من عمرك ليست للانشغال بما يقول الناس عن آرائك فأنت في مرحلة بناء الآراء وبناء المعرفة .. اقرأ بوعي وبتنظيم وأقول لك: لن تستطيع أن يكون لك حكما صحيحا أو قريبا من الصحيح ما لم يكن لديك قدرا من العلم الشرعي وفهما لأصول التشريع. ولن تعدم من يدلك على طريق لبناء ذاتك إذا عزمت!

قبل أن تفهم أي ثقافة أخرى افهم ثقافتك وملامح هويتك:

اقرأ للجاحظ، ولابن المقفع، وابن قتيبه وغيرهم من الأقدمين. اقرأ للطنطاوي ، المنفلوطي ، الرافعي، المازني وطه حسين وغيرهم من الآخرين. ارجوك اقرأ “رسالة في الطريق إلى ثقافتنا “ لمحمود شاكر وهو كتاب يجدر بالكبير والصغير أن يقرأه. اقرأ في الأدب والشعر العربي واسع لفهمه، احفظ الجميل من الشعر، تنعم بجمال هذه اللغة العظيمة واسع لفهم اسرارها. وإن كنت تجد صعوبة في قراءة ما أكتب الآن أو فهمه فأرجوك ابدأ الآن بالقراءة اليومية فلا يوجد حلول قصيرة في هذه الحياة.

المال

المال أمره عظيم عند الناس وربما أدركت هذا أو لم تدرك بعد. فإن استطعت أن تستغني عن ما في أيدي الناس -كل الناس- ما استطعت فافعل. وستجد أنه مما ابتلي به الناس هذا الزمان سهولة طلب المال ثم المماطلة في رده بعجز أو تساهل. فإن استطعت تأدية حقوق الناس حتى أقرب الأصدقاء إليك في أقرب فرصة ولو ضيقت على نفسك فافعل.. ولا تخجل من السؤال عن حقك كما يجب بتيسير وسماحة.

الصحة

الأكل:

من الأشياء التي نغفل عنها جميعا ونغفل تأثيرها علينا رغم بداهتها أن الأيام تمشي بسرعة ومعنى ذلك أن ما تفعله اليوم ثم غدا ثم اليوم الذي يليه سيصنع أثره بعد سنة وربما أقل أو أكثر. أن يكون أكل السكر والحلويات والوجبات السريعة ضمن جدولك اليومي يعني أن أبشرك بصحة مهترئة وسمنة وصعوبة في الحركة وأمراض مزمنة لا تنتهي. وأن تخفف من كل هذا وتأكل بحكمة وتكثر من الخضروات والفواكه وتقلل السكريات وتتحرك كل يوم بقدر جيد معناه أن تقلل من السمنة والأمراض المزمنة وصعوبة الحركة.

أسنانك:

اهتم بأسنانك وتعاهدها بالتنظيف ومراجعة الطبيب إن احتجت لذلك .. لا يمر عليك يوم دون سواك أو فرشاة. أجعلها عادة لا تنقطع أو فابشر بالالتهابات والتسوسات وربما تفكك الأسنان.

الرياضة:

تحرك كل يوم ما استطعت، إن لم تستطع المشي فقم بالتمارين المنزلية .. جرب ما تحب وربما يعجبك تمرين السبع دقائق HIIT إن كنت مشغولا جدا. ستعرف أهمية أن تتحرك وأن تكون نشيطا عندما تطرق باب الثلاثين .. فلا يصعب عليك بعض ما يصعب على الكثيرين غيرك. ستكون بنفس أكثر انشراحا وبجسد أكثر نشاطا.

إن كانت عاداتك السابقة قد فعلت فعلها ووجدت أن وزنك ليس كما ينبغى وأن حركتك قليلة فابدأ من الآن: غير عاداتك، اجعل المشي أو الرياضة جزء لا يتجزء من يومك .. ولن ترى الأثر في يوم أو يومين .. سترى الأثر بعد سنة أو سنتين.

التقنية:

اهرب من هذا “الجوال” ما استطعت، استخدمه بحكمة وإلا كان أثره عليك في صحتك ونفسيتك وعقلك أكبر مما تصور. سينمّي فيك الكسل والبلادة والتذمر والرغبة في الوصول لكل شيء بسرعة، سيعلمك كيف تكون مستهلكا أحمقا ومعتمدا ومشغولا بما لا يستحق.

سيعلمك أن البقاء ساعتين على السناب شات لمتابعة ما يحدث في زوايا العالم أهم من نصف ساعة تقرأ فيها من القرآن أو من كتاب أو عشر دقائق تفكر فيها بلا مشتتات.

سيحولك إلى مدمن متلهف للإشعارات على حساب بناء نفسك وذاتك، وعلى حساب صحتك وعقلك. ستقول لك برامج التواصل: أن يبقى يومك مليئا بالإشعارات والريتويت أهم من أن تتعلم كيف تبرمج أو تصمم أو تكتب أو تصنع شيئا مختلفا.

ستعلم وأنت على باب الثلاثين وربما بعدها أنك مسلوب من كل قيمة حقيقية وأن هذا الأشياء أخذت منك ولم تعطك إلا البهجة اللحظية التي تسلب منك الامتلاء والزهو العاقل الذي تمنحه إياك المعرفة!

تعلم التصميم والبرمجة واحترف الطباعة السريعة ودع غيرك ينشغل بمتابعة حسابات المشاهير وما يلبسون وما يقتنون. ستجد نفسك غنيا بالأشياء الثمينة حين يرى غيرك أنفسهم أغنياء بالشتات والشعور بالنقص.

عاداتك:

خذ هذه القاعدة وضعها أمام عينيك: “ لا يوجد طرق مختصرة في هذه الحياة”.

- لا يوجد طريق مختصر لتخفيف الوزن.

- لا يوجد طريق مختصر لتعلم اللغة الإنجليزية.

- لا يوجد طريق مختصر لبناء جسم رياضي “ معتدل” ( أنت لا تحتاج إلى مدعمات بروتين لبناء جسم صحي).

- لايوجد طريق مختصر لبناء معرفة رصينة.

صادف أني كنت أتحدث مع ابن صديق لي عمره في الثامنة عشر عن تخفيف الوزن فقلت له إنه ليس أمرا صعبا لكنه يحتاج إلى عمل يومي. فقال لي: “ مشكلتي أن طبعي ما أقدر أسوي شيء بنفسي لازم أحد يقول لي أسوي كذا”.

يا صديقي أنت الآن في مرحلة بناء العادات وليس في مرحلة الطباع، هذه الكلمة قد تُستوعب من رجل شارف على السبعين وليس ممن لم يطرق العشرين. دع هذه القوانين والطباع الوهمية جانبا وانطلق .. أنت في عمر لم تترسخ فيه القوانين بعد، أنت في عمر الانطلاق والمرونة، خشونة المفاصل يصعب أن تصيب ركبتيك فكيف تصيب خشونة الأفكار عقلك الغض!

الدراسة:

لا تصدق من يقول لك أن المعدل الدراسي غير مهم. صدقني .. ستندم على كل فرصة ضاعت عليك في لهو وقد كنت قادرا على أن تستثمرها في درس أو قراءة أو تعلم ينفعك في دينك ودنياك. ستجد حولك الآن الكثير من الفارغين ممن يحضك على تساهل أو يدفعك لإهمال، لكن ستجد نفسك خاليا من الناس حين تواجه عالما قاسيا لا يعترف إلا بالمتميز ومن لديه ”أوراقا ثبوتية“ تؤكد تميزه رضيت بهذا أم لم ترض! ..

سواء كنت طالبا في الثانوية أو الجامعة أو أقل من ذلك أو أكثر .. ضع في يقينك أن تميزك يفتح أمامك الأبواب حتى لو كانت أحلامك وآمالك محدودة هذه اللحظة. أن تواجه العالم وأمامك أكبر عدد من الخيارات بسبب تميزك خير من أن تعض أصابع الحسرة وأنت تضع قدميك في مكان ما ظننت يوما أنك سترضى بمثله .. ويداك توكي وفوك ينفخ فأحسن الأمرين!

أخيرا:

هذه أفكار من على بوابة الثلاثين .. لم أجدها قبل مجموعة في مكان واحد، بعضها مما اعتادت نفسي عليه وبعضا مما أغالبها عليه. وعلينا البذل والأعمار بيد الله.

أوائل رمضان - ١٤٣٩ هـ

• • •

كتبتُ هذه الرسالة من على بوابة الثلاثين. وبعد سنوات، صدر لي كتاب من على البوابة التالية: «من على بوابة الأربعين» — خواطر الغربة والابتعاث.

عالم من زيف











لم أعد أحفل بكثير مما يقول الناس ويكتبون في هذه الشوارع العامة وعلى هذه الأرصفة. بل ربما أصبحت أراها كما أرى الجداريات التي يصنعها أطفال الحارات القديمة في لحظات الملل. تلك الجداريات تُقرأ بعيون بلهاء دون جهد من عقل ولا فكر، ومع هذا قد تجذبك عبارة فلتت من أحدهم على حين غرة منه وجهل .. كل هذا الكلام هو زيف وإسهال كلامي لا قيمة له. كل هذه الأشياء قشور لا معنى لها ولا جوهر. هذه الأشياء هي عبء على اللغة والمعرفة، هذه الأشياء هي سيل جارف من “البيانات” الرقمية التي تملأ هذه العالم المقعد بلا إضافة. اقرأ أيها الجيل، اقض يومك هنا في هذه الشوراع، تسكع كما يحولك لك آناء والنهار، تسلل على موائد المترفين ومن يقضون حياتهم تشبها بالمترفين، نم هذه الليلة في منتجع جميل في زاويا هذه الكرة واقض احلامك فيه ثم استيقظ متذمرا من عالمك ومن حالك الذي لا يشبه حلمك الجميل في شيء، اركب السيارة الجميلة واليخت الفاره، وأنت تمشي بملل تنتظر سيارتك المعطلة في الصناعية القديمة، اقرأ هذه الأوهام، تابع هؤلاء المرضى والمهووسين بالكاميرات، تلق هذا التدفق المعرفي الذي لاينقطع من السناب شات، ولاتنس أثناء ذلك أن ترى كيف يكون الحب والجمال في شوارع مانهاتن ولاس فيغاس، وكيف يمكن أن تقضي عطلة صيفية حالمة تمام كما يفعل نجوم هوليود، ابحث عن زوجك في عيون البغايا وملامحهم الحارقة، وفي أجساد الرياضيين الممشوقة المحقونة بالهرمونات، تعلم كيف لا تدري ما الفرق بين المعرفة وبين عزيف الجن وسجع الكهان، ولا بين الليل والنهار، ولا بين الوهم والحقيقة.

ثق بي كما تثق بكل هذه الأشياء: مستقبلك مبهر ومليء بالأمل!

كانوا بشرا



عرفت أناسا بقلوب أصفى من الماء وألطف من النسيم، بأرواح منطلقة وأنفس مرحة باشّة. كانوا أنسا للخليل المستوحش، وطمأنينة للصديق المفزوع، ومقصد المصاب والحائر. دمعاتهم حاضرة لا يحجزها شيء، يطربهم البيت الشارد، وتحركهم الكلمة العابرة وتهزهم المأساة.. أمينين مأمونين. فبقيت أشتاق للقاء بعضهم شوق الظاميء، أطالب الأيام أن تنطوي فاختلس من الزمن ساعة أنس، وأرجو المشاغل أن تهدأ فاسترق ساعة من الهدوء.  ثم لقيته فإذا الوجه غير الوجه وإذا الهموم غير الهموم.. وغابت الابتسامة المشرقة وعلا الوجه شحوب لا يمكن أن تخطئه العين، وقادتنا الأحاديث إلى أن عرفت إنسانا غير ذلك الذي كنت أعرف، وأخلاقا غير الأخلاق.. وقد كنت أطالب الأيام أن تنطوي حتى أظفر بهذه الساعة فصرت أتوسل الدقائق أن تمر ليزول عني ثقل هذا اللقاء. وذكرني بهذا مقالا لعبدالوهاب مطاوع يروي عن صديقه الذي كان يقضي معه الليالي يقرآن الأدب والشعر، فيتقطع قلب هذا الصديق الرهيف، ثم أخذتهما الدنيا كل مأخذ ثم تلاقيا بعد سنين فإذا الصديق قد صار تاجرا جشعا لا يرحم، وكان من جشعه أن سرق إرث زوجته اليتيمة وعبث به، ثم تشاكي هو وأخو زوجته في المحاكم .. 
والحياة أحيانا قد تقسو على الإنسان فيستحيل حجرا صلدا كل همه نفسه وأن يصل إلى ما يريد، لأنها أوهمته أن الأخلاق والقلوب الرهيفة لا تصلح لشيء. نسأل الله السلامة من هذا. 


مورغانتاون ١١- ١٤٣٨

تاريخ القذارة


توصية سائق وبر .. 


دق المنبه الساعة الخامسة فجرا، والضجيج أسمعه من غرفتي وكأننا في وسط النهار، وقد أُخبرت من قبل أن نيوأورليانز لاتنام وخصوصا إن وجدت نفسك في شارعها الشهير بالضجة والرقص والموسيقى الصاخبة. توضأت سريعا وصليت فلملمت أغراضي ميمما وبر. في لحظة الانتظار على الرصيف يتناثر الثملون والمجانين كالذباب .. أنا وحدي المدرك في هذا الشارع. المهم وصل سائق وبر من أصول أفريقية وتحدثنا في كل شيء والرجل يحمل ثقافة واسعة جدا أكثر مما يبدو للناظر.. المهم أن أوصاني بقراءة هذا الكتاب. وأنا هنا أبلغ الرسالة.


Dirt: A Social History As Seen Through The 

Uses And Abuses Of Dirt


والكتاب يتحدث عن مقدار التلوث والقذارة التي كانت تعيشها أوروبا قبل حوالي قرن أو قرنين. والتوصية بلا شك عندي متحيزة فالسائق متحيز كل ما هو أبيض لكن كأن الكتاب يستحق القراءة للاستمتاع . 

أول سعودي يسافر إلى أمريكا ..



قصته أشبه ما تكون بالخيال ..


من أبناء القصيم ومن العقيلات تحديدا ، بدأ حياته ابنا لأب مهنته تجارة الابل ، وخطا خطواتها الأولى في الحياة مسافرا مع عمه يتعلم منه أصول هذه التجارة ، ثم تاجرا للإبل يتنقل بها حاله حال أسرته وأقاربه ، بين نجد والعراق والشام ومصر . ابن الصحراء تمضي به الأيام حتى ينقل لنا ما دار في مجلس من مجالس الأشراف في المدينة وهم يستعدون لحربهم مع الملك عبدالعزيز ، ثم علاقته بالملك عبدالعزيز وتفويض الملك له في بعض الأعمال والمهمات . وهذ الفتى الذي أصبح رجلا عاف الوظيفة وعاف التجارة وأحب أن يكون مغامرا ، فكان له ما أحب فقابل امرأة أمريكية في في فندق في العراق وما زالت به تميله إليها حتى وافق على الزواج منها والسفر معها إلى أمريكا عام ١٣٥٤ هـ .. ليقضي معها متنقلا سائحا بين الولايات الأمريكية حتى أستقرا في أريزونا . وفي لحظة كرامة كره منها ما كره ، فقرر الانفصال ، فذهب وحيدا إلى لوس أنجلوس ، فعمل فترة في مصنع للسجاد ثم ممثلا في هوليود !

ابن العقيلات النجدي ، وابن الصحراء حقيقة لاخيالا .. ينتقل لعالم الخيال ليكون ممثلا في فيلم أمريكي لدور شيخ القبيلة الثائر على الاحتلال البريطاني . ونفسه المتقلبة الشغوف المتشوفة ، صنعت منه معلما وإماما فأسس عدة مدارس للعربية والإسلام وألف كتابا للتعريف بالإسلام وأسلم على يديه ما يزيد عن الألف ، والتاجر الممثل عامل السجاد أصبح معلما يعلم الناس . ويمر به قطار حياته الغريب ليصبح مجندا في الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثانية ، ومذيعا في إذاعة صوت أمريكا العربية .

ثم يتزوج من فتاة أمريكية ، فيقضي معها سنوات ثم يفترقان لأسباب يراها " سياسية " .. وقد أنجب منها ابنها نواف ، الذي حُرم منه .. لتتزوج زوجته من الشاعر المعروف أحمد زكي أبو شادي ، فيتغير مه هذا الزواج اسم ابنه إلى " ميكليف أبو شادي " إلصاقا بعائلة الزوج الجديد . ويغيب عن ابنه ٤٥ عاما حتى تبلغه الأخبار أن ابنه قد أرسل مجندا يخدم الجيش الأمريكي في حربه مع فيتنام !

" ألا تشبه حياتي فيلما سينمائيا ؟! .. أدخل الخدمة العسكرية كمجند في الحرب العالمية الثانية ، ويدخل ابني الوحيد الى الحرب القاسية في فيتنام " ..

هذا هو السعودي " خليل الرواف " أول سعودي يسافر لأمريكا وصاحب السيرة السينمائية التي هي أقرب ما تكون للخيال .. تجد بعضا منها في كتيب صغير أسطرته وزارة الثقافة " نجدي في أمريكا " ، وتجد سيرته مطولة في كتاب بعنوان : " صفحات مطوية من تاريخنا العربي الحديث " من إصدار دار جداول .

أيام في مونتريال .



الصورة ملتقطة من الحديقة النباتية في مونتريال ١٤٣٤



أيام في مونتريال .

دائما أقول لنفسي ولأصحابي إنه لايوجد حكم صحيح على الشعوب والمجتمعات ، وأن كل أحكامنا هي مجرد انطباعات شخصية بسبب وجودنا في لحظات معينة وفي مواقف معينة ومع نوعيات ضيقة من الناس . ودائما أتسلح بهذه الفكرة قبل دخولي لأي مجتمع جديد أو بلد جديد فأسعى قدر الإمكان لتجنب الانطباع الأول والسعي لنقده وعرضه على مقياس إحصائي عقلي سريع ليكون لدي مساحة واسعة للاستكشاف .
جاءتني الدعوة لحضور مقابلة في جامعة مقيل في مونتريال .. فقررت السفر مباشرة ، وبعد أن قررت بدأت بالبحث عن الرفيق لعلي أجد أحد يتحمل معي وعثاء السفر ويشاركني جمال الطبيعة والمنظر ، وبقيت فترة أتقلب بين أصحابي .. وأنادي : الصحبة ، الصحبة .. فلم أظفر منهم سوى بالأماني وليت ولعل ولو .. إلخ وهي خير كثير

قبل السفر بأيام جاءتني زوجتي بعد أن قررت أن تكون رفيق السفر ، رغم ظرفها الصحي ، وبدأنا بخوض تجربة جديدة وهي السفر لبلد غربي لأول مرة كعائلة ، زوج ملتحي وامرأة منقبة .. وكانت تجربة جميلة وفيها من المواقف الطريفة والغريبة والقاسية أحيانا . 

وصلنا مطار تورنتو كمحطة وصول أولى بعد ساعات طويلة في الطائرة ، وعلى عجل انطلقنا لنقتحم صالة الحقائب لنأخذها ونقوم بشحنها إلى مونتريال .. انتهينا من هذه الخطوة فقابلنا امرأة سعودية في الأربعينيات من عمرها ومعها بنية شقية جدا جدا ، تدعو الأم عليها مرة وتدعو لها مرات .. وأنا أدعو في نفسي أن يصلح ولدي عبدالله . تشبت بنا المرأة لأنها غريبة ولا تعرف لغة القوم وكأنها تتمثل قول الشاعر : 
أجارتنا إنا غريبنا هاهنا وكل غريب للغريب نسيب . 

ورافقتني وزوجتي في رحلة طويلة مشيا على الأقدام من صالة الوصول إلى صالة الإقلاع للرحلات الداخلية ، نحن متجهان إلى مونتريال وهي متجهة وهذه البنية الشقية إلى فانكوفر . البنية تعبت من طول الطريق فقررت أن تعبر عن تعبها بقذف الأشياء والعبث بالأجهزة والصراخ على أمها وعلينا ، وكنت قد خرجت من الرياض بعائلة مكونة من شخصين ، لأجد العائلة تتسع فنصبح أربعة أشخاص في تورنتو . 
وصلنا لموظفي التذاكر فذهبت المرأة وبنيتها نحو الموظفة وتوليت الترجمة ، لنكتشف أن المرأة بحاجة إلى عودة إلى الصالة الأولى وحمل حقائبها ثم شحنها ثم العودة لهذه الصالة .. وأنا أحكي الخبر المزعج للمرأة ، قفزت البنية على السير الذي ينقل الحقائب وكادت أن تذهب هناك مع الحقائب بدلا من أن تذهب على أحد مقاعد الطائرة .

بقي على طائرتنا دقائق معدودة ونحن مع هذه المرأة نسعى لإيجاد حل لمشكلتها المستعصية ، ووقعنا في حرج شديد هل نذهب وندعها ، أم نبقى وتدعنا الرحلة وبعد تقديم وتأخير قررنا أن ندرك الرحلة وللبيت رب يحميه . ذهبنا ووصلنا وبقيت زوجتي أياما تدعو للمرأة وترثي لها وتتأسف عليها . والأمر بسيط بإذن الله . 


النقاب في مونتريال  :


ما زالت زوجتي في عباءتها السعودية وحجابها السعودي الكامل بلا تبديل ولا تغيير ولم تجد مواقف مضادة لا من عامة الناس ولا من أمن المطار .. بل كان الأمر يسير وكأننا في أحد البلدان الإسلامية ، كان هذا حتى وصلنا إلى الفندق واستلمنا الغرفة . كانت الغرفة في الدور الخامس لكننا بالخطأ توقفنا في الدور الثالث ، عدنا مرة أخرى للمصعد وانتظرناه قليلا حتى فتح فدخلت زوجتي وكان أمامها إحدى العاملات .. دخلت بعد زوجتي فإذا العاملة تتصبب عرقا وترتجف من الخوف وعلى وجهها ابتسامة بلهاء ، وهي تمسك على وجهها مرة وعلى رأسها مرة ، ولم يهديء من هذا الهلع إلا ضحكي وتطميني لها .. وتركنا المصعد وهي لم تخرج من حالاتها العجيبة هذه بعد . كان هذا الموقف الطريف الأول .. وقد لقيت هذه المسكينة عددا من الدعوات بأخذ الروح وبالموت وما إلى ذلك . 

خلال سبعة أيام ومع تجولنا في مونتريال وزوجتي وهي ترتدي النقاب والعباءة ، خرجت بانطباع أن المجتمعات كلها تتشارك ذات الصفات . أقول هذا لأن هناك مبالغات حول تقبل المجتمعات الغربية للآخر وعدم التدخل في شؤونه ، وتناقل صورة مثالية حول هذا . فلم نخرج للشارع إلا وجدنا إشارات بعضها ناعمة وبعضها حادة تقول أننا لا نقبل بوجود الغرباء ، الغرباء في الشكل والصورة والهوية . تأتي هذه الإشارات أحيانا على شكل نظرة ساخرة وأحيانا على شكل صراخ من سيارة عابرة وأحيانا في صورة هجوم حاد . ولا أنسى كثرة المواقف الإيجابية والترحيب واللطف والتعاون الذي نلقاه من مكان إلى مكان .. وأذكر أننا تهنا مرة في الطريق إلى حديقة كبيرة “  Botancial garden “ فتوجهت بالسؤال إلى رجل في الأربعين تقريبا من عمره ومعه فيما يبدو أبوه وأمه وزوجته .. فأخبرني أنه متوجه إلى هناك وأن علي فقط متابعته ، وتحدثت العائلة كلها معنا وأظهرت الترحيب والود وأقترحت علينا زيارة الحديقة في الصيف .. والأمثلة الجيدة كثيرة . في ذلك قابلني رجل كبير في السن ويبدو أنه متأثر بالخطاب السياسي في كندا هذه الأيام والجدال المحتدم حول داعش .. فهو ما إن رآني ملتحيا وزوجتي مرتدية الحجاب الكامل حتى بادرني بالسؤال : من أين أنت ؟ .. فأخبرته أنني من السعودية . فقال لي : هل ما يحدث في العراق وسوريا جيد ؟ هل هو شيء جيد ؟.. ثم مرر يده على رقبته يحكي الذبح لأن لغته الإنجليزية لم تأذن له بالإفصاح أكثر .. فالغالب في مونتريال يتحدثون الفرنسية . طمأنته بكل أمانة وعمق وصدق أنه أمر غير جيد .. وقد بدا لي أن السؤال محور عن تساؤل أكبر في ذهنه وأخطر : هل انا من داعش أم لا ؟ 
هكذا بدالي ولذلك ضحكت كثيرا بعد أن فارقته لأنني كنت أرى الخوف والشك في عينيه.  


شيء عن التفكير والعقل البشري

العقل البشري ليس " آلة " بسيطة ، بل هو كون هائل ومعقد ، محاط بأكوان هائلة ومعقدة من المعطيات والأسئلة وإجاباتها وما يظن العقل أنها إجاباتها .. والعقل البشري يطوف ويجوب العالم ويضع المشاكل ويفترض لها الحلول دون إدراك كامل منا في أغلب الأحيان . فالإنسان يسير في الشارع المزدحم ، بالناس والسيارات والمراكز التجارية ، يسير والصور تعبر إلى عقله ، وعقله يميز بينها ويصنفها ويصنع روايات وأحداثا ومشكلات وأحلاما بلا إدراك كامل ولاجهد .. وهذه التلقائية التي تشكل الجزء الأكبر من عمل عقلنا البشري تصنع بوابات هشة ، وفجوات غير مدركة تتسلل منها المعلومات التي بلا برهان ، والأخبار الواهية ، والإشاعة المكشوفة .

والسياسيون وصناع الإعلام يفهمون ذلك جيدا ، ويعلمون أن السواد الأعظم من الناس لايتعاملون مع الأخبار بمنهج نقدي دقيق ولايستطيعون التمييز بين الصواب والخطأ ، وعندما يستغرب البعض القليل كيف صدق معظم الناس الخبر الكاذب الذي نشرته إحدى وسائل الإعلام ، فذلك لإنهم لايدركون أن التصديق هو الطريقة الأسهل والأريح في التعامل مع الأخبار وأن من طبيعة العقل البشري التلقائية والتلقائية يتبعها التصديق والبعد عن " وجع الرأس " الذي ينتجه التشكيك والتأمل ومحاولة البحث عن الأدلة الخافية . والأدهى من ذلك أن المعلومة الكاذبة قد يتصدى لها من يفضحها ويكشف زيفها لكن هذا لايحل المشكلة لأن أثرها قد حصل ووقع ، ومعظم من سمع الخبر الأول وصدقه لم يعد يهمهم شيء إلا التأكيد على أنه صحيح وواقعي مهما كانت الأدلة التي تناقضه وتكشف زيفه ! .

قانون التوافر :

هناك قاعدة ذهبية يكررها الفقهاء : " عدم العلم ليس علما بالعدم " ، وهي تمثيل معاكس لقانون التوافر الذي تسير عليه عقولنا البشرية بشكل يومي دون أن نشعر . عندما تسأل طبيب جلدية مثلا عن توقعه لنسبه أورام القولون مثلا فالرقم غالبا سيكون أقل بكثير من الرقم الذي يتوقعه طبيب يعمل في جراحة القولون والمستقيم ، وعندما تسأل احدما يعمل في مجال التحقيق عن توقعه لنسبة الجريمة سيكون الرقم كبيرا مقارنة بشخص طيب ومسالم حياته من عمله إلى بيته إلى مسجده .

وبحسب ما يتوافر لدى ذاكرة الإنسان من مواقف وأحداث التي لاتعد مقياسا إحصائيا سيظهر الرقم أمامنا أكبر وأكبر . وصاحب كتاب " Thinking , Fast and Slow " ذكر مثالا جميلا لتوضيح كيف يعمل هذا القانون العقلي التلقائي فذكر أن حصول حادثة طيران كبيرة تغطيها وسائل الإعلام ستجعل الخوف يتسلل إلى أعماقنا والأسئلة تتوارد علينا حول أمن الطيران ، وحصول فيضانات كبيرة في مكان ما تزيد نسبة الاتجاه لشركات التأمين للتأمين على المنازل والسيارات ضد الفيضانات . والمثال الأكثر تكررا في واقعنا أن رؤيتنا لحادث مفجع على جانب الطريق ونحن نسير بسرعة هائلة ستجعلنا بلا إدراك نقلل السرعة لمدة لا تطول " خوفا من حصول حادث " ، وعندما يقل تأثير الحادث الذي رأيناه نبدأ بالعودة إلى ما كنا عليه ! ..

هناك دراسة طريفة ذكرها صاحب الكتاب المذكور على عدد من الأزواج ، وجد أن كل زوج يفترض أنه أكثر مساهمة من الآخر في استمرار الحياة الزوجية سعيدة وسالمة .. والتفسير سهل وواضح وفقا لهذا القانون وهو أن الإنسان يتذكر أفعاله ومواقفه أكثر مما يتذكر أفعال ومواقف الآخرين !

هذه أمثلة بسيطة لكنها تقودنا إلى أمثلة أكبر وأعمق ، حول قناعتنا وأفكارنا ومنطلقاتنا .. وتجعلنا أكثر حذرا وأقل ثقة في أحكامنا على الأشياء والأفكار والناس .

خدعة الأرقام الصغيرة :

كل يوم يمر علينا عدد من الإحصائيات التي تدرس جانبا من جوانب حياة الناس ، أو جانب من جوانب مجتمع معين . والأرقام عادة لها هيبة وتقدير وشيء من القداسة تجعلنا نقبلها دون تمحيص أو تدقيق ... قبل سنوات كنت مشاركا في دراسة مع مجموعتي الدراسية حول نسبة الأطباء المدخنين في منطقة عسير ، وكنت من المكلفين بالتوجه إلى أحد المستشفيات خارج أبها . كانت صدمتي كبيرة حين وجدت أن 50 % من الأطباء مدخنين . هذا للوهلة الأولى لكن الحقيقة أن عدد الأطباء الذين جرى عليهم الاستطلاع في ذلك المستشفى كان 10 فقط وكانوا عددا قليلا جدا من عدد المشمولين بالدراسة . للأسف كثير من الأرقام المنشورة في وسائل الإعلام هي على هذه الصورة ، عدد قليل من المشاركين وتظهر على أنها دراسات علمية تستحق النشر والتعميم ! وهذا خطأ منهجي كبير .

الطريف أنني اكتشفت من نفسي يوما ما ميلا إلى البحث والتدقيق خلف الأرقام والإحصائيات المنشورة في الإعلام حين تأتي النتيجة عكس ما أميل إليه ، في المقابل وجدت نفسي أقل حرصا على ذلك حين تأتي إحصائية تؤكد لي قناعات سابقة لدي .. وهذا شيء يقودنا لنوع من التفكير يسمى

" الانحياز للتأكيد " .. والرقابة الصارمة على تلقائية العقل البشري صعبة جدا بل مستحيلة ، لكن نحتاج القليل منها على الأقل لنكون أكثر صدقا وأحكامنا أقرب للعدل .

الانحياز للتأكيد :

عقلنا البشري بطبيعته ميال إلى ما يجعله أكثر راحة وهدوء واستقرارا لنسلم من عناء التفكير بل من عناء العقد النفسية أحيانا . ولدى العقل البشري وسائل دفاعية كثيرة جدا تضمن للإنسان العيش بهدوء وراحة ضمير وسلامة من التأنيب والندم والقلق . ربما نتساءل كيف يمكن لإنسان ما أن يؤمن بخرافة من الخرافات ويتمسك بالإيمان بها ؟ وبأي طريقة يفكر المريض الذي يترك الطب القائم على دراسات أو أدلة ويتجه لعلاج قائم على حكايا الجدات ؟ .

عندما يرغب الإنسان في الاقتناع بشيء ما فإنه يصبح أعمى عن كل ما يناقضه ، ولايرى ما حوله إلا من الأشياء إلا ما يؤكد قناعته ويؤكدها أكثر ، وهذا هو الانحياز للتأكيد . وفي هذا أجرى بعض الباحثين دراسة على جمهوري فريقين متنافسين ، ووجه لهما سؤال واحد : ما الفريق الذي يلعب بخشونة ؟ فكان الجواب من كل جمهور أن الفريق المنافس هو الأكثر خشونة .. فحب الجمهور للفريق وتعصبهم له جعلهم لايرون أي شيء إلا ما يؤكد سوء الفريق الخصم !

هذا نراه كل يوم في تويتر مثلا ، كيف يأتي الخبر العابر سواء كان صحيحا أم مصنوعا ، فيتلقاه المنتفعون منه لقناعتهم بالنشر والتضخيم والتعميم ليشمل التيار المنافس دون تحر للصدق والعدل أو طلب للحق !

أثر التكرار :

" الطريقة المثلى لتجعل الناس يؤمنون بكذبة معينة هي أن تكررها دائما ، لأن الفكرة المألوفة من الصعب تمييزها عن الحق " ! داني كينمان .

وهذا أثر خطير جدا ، وانتبه له الفقهاء المسلمون ، وتتكرر عبارة عمر رضي الله عنه : أميتوا الباطل بعدم ذكره ، وإن لله عبادا يميتون الباطل بهجره . وخطورة التكرار أن تنشأ أجيال على شيء تظنه حقيقة فتؤمن به ويصعب عليها التشكيك فيه أو هجره ، لأنه أمر صار من الإلف بمكان يصعب معه أن يوضع على مشرحة النقد وقد ذكر الطاهر بن عاشور كلاما مهما في تعليقه على قول الله تعالى : " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون " قال ابن عاشور :

((لشيوع أخبار الفواحش بين المؤمنين بالصدق أو بالكذب مفسدة أخلاقية ؛ فإن مما يزع الناس عن المفاسد تهيبهم وقوعها وتجهمهم وكراهتهم سوء سمعتها وذلك مما يصرف تفكيرهم عن تذكرها بله الإقدام عليها رويدا رويدا حتى تنسى وتنمحي صورها من النفوس، فإذا انتشر بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تذكرتها الخواطر وخف وقع خبرها على الأسماع فدب بذلك إلى النفوس التهاون بوقوعها وخفة وقعها على الأسماع فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تقدم على اقترافها وبمقدار تكرر وقوعها وتكرر الحديث عنها تصير متداولة. هذا إلى ما في إشاعة الفاحشة من لحاق الأذى والضر بالناس ضرا متفاوت المقدار على تفاوت الأخبار في الصدق والكذب))

ومن هذا نجد تفسيرا للانحطاط الأخلاقي الذي وصلت إليه بعض مجتمعات اليوم ، بالتدرج والتكرار والإلف .

والإنسان " العاقل " الساعي للحق والعدل مطالب بأن لا يستسلم " لهواه " والرسائل التي يتلقاها ، وأن يضع أحكامه على مشرحة الدين والأخلاق الفاضلة والعلم المثبت ، وإلا كان واحدا كأبسط الناس لايملك أداة صحيحة للتمييز والنقد . والاعتماد على ما نسميه عقل هو اعتماد على ركن ضعيف هار ، لأن من العسير جدا التمييز بين ماهو هو عقل وماهو هوى أو رغبة مجردة .

والحقيقة أن هذا المجال شيق ومفيد ، ويبين ضعف الإنسان وضعف العقل البشري وهشاشته مع ثقته بذاته وأحكامه ! وما كتب هنا ليس إلا جزء يسير من عالم كبير ومعقد . ومادة هذا المقال أوحاها إلي كتاب : " التفكير ، بسرعة وببطيء " ، ومنهج دراسي على موقع جامعة هارفرد التعليمي بمسمى " علم التفكير اليومي " .. وربما يكون للحديث بقية .