سبع عجاف

هذه أبيات كتبتها في السنة الخامسة من كلية الطب .. ولها محل عزيز في نفسي ..

صورة لجامعة الملك خالد

الهم والغم والإثقال والملل

ماذا أتى بك هذا الدرب يا رجلُ ؟

**

سبع عجاف ستقضيها بلا كلل ..

أمسك الجن ، أم قد نابك الخَبَلُ ؟

**

سنين يوسف قد درات عليك كما

دارت عليهم رحى الأيام والمحل !

**

ماذا يضيرك لو ألقيت ما حملت

هذي الكواهل ، واغفل مثلما غفلوا

**

تمشي الرواحل في لهو وفي دعة

وأنت وحدك هذا الراكب العَجِلُ ..

**

يقضي السهارى لياليهم على سمر

حلو ، وأنت بشؤم الكتب منشغل ..

**

" أشغلت نفسك " " قد أنشبتها " صعدا ..

أما تراهم إذا ما أُثقلوا انفتلوا ؟

**

وأنت وحدك كالمنبوذ ما رويت

منك الحياة ، وما أودى بك الملل ..

**

" اقذف من العشر تسعا " إن أردت هوى

صبابة ، يرتجيها العاشق الثمل !

**

صمت ، أسمع ما تحكي محدثتي ..

بأعين قد عراها الجهد والكسل !

**

جميلة ، قد كستها الشمس حلتها

وهام شوقا إليها عاشقا زحل !

**

رقيقة ، مثل أنسام الصبا ولها ..

سحر ، يخر له المستكبر البطل

**

تقول عاذلتي هذا وقد يئست

مني وخامرها الإعياء والكلل ..

**

تقول في نفسها والعين تفضحها ..

" واهٍ عليك ، وواهٍ منك يا رجل ُ ! "

**

كانت كوعل أتى صخرا ليوهنه

فلم يهنه ، وأوهى قرنه الوعل ..

**

يا عالم الطب يأنسي ويا ألمي

يا علقما يا مذاق السم ، يا عسل !

**

يا أعذب اللحن ، يا أنشودة صدحت

يا زهرة القلب ، يا أشواك ، يا علل

**

أخذت مني زهور العمر ، أجملها

وجاءني العلم والتاريخ والأمل

**

هذا الشباب بهم الطب منشغل

والشيب - إن مدت الأعمار - منشغل

**

يا ناشيء الحلي ، يا عشقي وسيدتي

عذرا إليك ، وأنت الشعر والجمل ..

**

الطب روحي فلا تجني عليه إذا

أردت وصلي ، وإلا : إنني رجل ُ:

**

تنتابه عزة بالنفس إن شمخت

أنثى عليه يقل : للعاشق الشلل !

**

هذي العجاف - التي قلت ِ - حديث منى

أنشودةُ الحلم ، والأنغام ُ والنفل ُ

**

أحلى القصائد ما كانت " مسبعة "

مزهوة قد كسا أزهارَها البلل !

**

يكفي من السبع ، دعْوات ترددها

أمي بحب ، وستر الليل منسدل ..

**

ياربي فاحفظ فؤادي كلما شرقت

شمس ، وطاف عليها السعد والأمل ..

**

" رعاك ربي " " حماك الله " يا ولدي ..

سلمت َ ، فزت َ ونلت الخير يا بطل ُ

**

يكفي من السبع إبصاري وتذكرتي

إيماني الحق ، هذا المعجز الجلل

**

ما النفس ، ما القلب ، ما الأسماع ما لغتي ..؟

ما الحب ما البغض ، مالتفكير ما المقل ؟

**

ما وجهك ِ البض ، ما ثغر به درر ؟

ما ذلك السحر في عينيك يعتمل ُ ؟

**

لولا العجاف التي قلت لما بلغوا

علما ، وإن رددوا قولا وإن عملوا ..

**

آمالنا كسحاب مثقل هَطِلٍ ..

لكن تناوشه ريح فيرتحل !

**

ياربي فيك رجائي منك أمنيتي

وفيك أعظم ما أرجوه والأمل ُ

الأحد 22/10/1430

حفل انطلاقة الأنشطة - كلية الطب

ماذا رأيت في عالم الموت ؟ - ألفرد آير (ترجمة)

قبل أيام قليلة دخلت على مريض عائد من سكتة قلبية، وقليلا ما يعود الإنسان لوعيه الكامل وصحته وكان صاحبي هذا من هؤلاء القليل. كان غاضبا جدا على الطاقم الطبي كله لأنه قد أشار بكل وضوح في وصيته أنه لا يريد أن يُجرى له أي نوع من أنواع الإنعاش. كان الرجل منطلقا في حديثه فبدأ يحكي ماذا رأي على حافة الموت. يقول: بدأ ضوء أبيض يحيط به من كل جانب وبدأ يشعر بسعادة غامضة وفجأة حصل ما حصل وجُر مرة أخرى إلى هذه الحياة.. كان يتحسر وهو يروي قصته هذه ويكرر عبارات الغضب على هؤلاء الذين حرموه رفقة هذا الضوء الأبيض. وفي لحظات كهذه قد يرى الإنسان أي شيء وقد يتخيل أي شيء ولايمكن أن تؤخذ قصة مثل هذه بجدية. تذكرت مباشرة مقالة ألفرد آير وكنت قرأتها قبل أشهر وتذكرت حديثه عن الضوء الأحمر الذي رآه عندما اقترب من حافة الموت . والمقالة تحمل من الطرافة ما تحمل فهي صادرة من فيلسوف كبير وقد زعزعت هذه التجربة إنكاره للغيب وإنكاره لوجود حيوات أخرى بعد الموت - ولو لوقت محدود-.

ومن الواضح أن الرجل لم يمت وإن ظن أنه فعل، وقد كتب حينها أستاذ علم وظائف الأعضاء في جامعة كامبريدج ”كولن بلاكمور“: ” ما حدث لألفرد آير كان بسبب نقص الأكسجين الذي أثر على وظائف القشرة الدماغية وقادت للحظات من الهلوسة“. ورغم هذا فقد أحدثت المقالة ردات أفعال متفرقة من أضداد متفرقين وكان من بينها تحليلات تقول أن الملحد العنيد قد تراجع عن إلحاده فاضطر لكتابة مقال استدراكي حاول أن يؤكد فيه أنه ما زال ”مؤمنا بالإلحاد“-. والكاتب بريطاني المولد والوفاة ( ١٩١٠-١٩٨٩ م ) وعرف بتبنيه للفلسفة الوضعية المنطقية من خلال كتابه: " اللغة والحقيقية والمنطق“. لكنه بقي مخلصا للمدرسة التجريبية وبرفضه المطلق للغيب وكل ما لايقاس بالتجربة ، وعُد من أكثر الفلاسفة البريطانيين تأثيرا في القرن العشرين.

المقالة:



ماذا رأيت في عالم الموت؟

ألفرد أير.

كنت في الولايات المتحدة حين أصبت بالتهاب رئوي أقعدني عشرة أيام في إحدى مستشفيات نيويورك. قرر بعدها الأطباء أن صحتي تؤهلني للخروج من المستشفى. لكنهم قبل ذلك أجروا أشعة لصدري جعلت أكثر هؤلاء الأطباء حرصا يوصيني بالبقاء في المستشفى لعدة أيام أخرى، لكنني كنت قد تهيأت نفسيا وجسديا للخروج فقررت المغامرة ومغادرة المستشفى. قضيت الأيام التي تلي خروجي في شقة زوجة ابني ثم رحلت إلى بريطانيا.

عندما وصلت بريطانيا كنت على قناعة أنني تعافيت تماما فانغمست بلا شعور في عاداتي الاجتماعية التي تعودت عليها قبل سفري إلى أمريكا. وفي الثلاثين من شهر مايو خرجت لغداء أكلت فيه وشربت بشراهة وانطلقت في أحاديث لاتنتهي. ذلك المساء عادت علي نوبة أخرى فلم أتمكن من أكل شيء من طعام أحضره أحد الأصدقاء وطبخ لي شيئا منه.

كان اليوم التالي يوم من أيام الإجازات في بريطانيا، وقد خططت قبل فترة طويلة مع إحدى الصديقات أن نلتقي في هذا اليوم، وقد كانت حريصة على هذا الموعد حتى ألتقي بابنها. ربما لو كان لدي طريقة للتواصل معهما لأجلت الموعد أو ألغيته لكن هذه الصديقة كانت قادمة من إكستر ولم يكن لدي طريقة للتواصل معها أثناء وجودها في لندن. كان الموعد في فندق سافوي فاستأجرت سيارة أجرة وحين وصلت لم أكد أقوى على جر قدمي في بهو الفندق. طلبت سمكا مشويا وأجبرت نفسي على الأكل منه وقضيت الوقت في محاولة للاستمرار في الحديث حتى النهاية. لكنني اضطررت للمغادرة مبكرا مستقلا سيارة أجرة مرة أخرى.

ازددت سوء ذلك المساء. ومرة أخرى لم أستطع أكل شيء من عشاء أحضرته صديقة أخرى، وحين لاحظتْ ضعفي قررت أن تقضي ليلتها معي. عندما أتى الصباح والحال على ما هو عليه اتصلتْ بطبيبي وبابني جوليان. أما الطبيب فقد ذكر أنه سيحاول الاتصال بالأخصائي، وأما جوليان الذي اعتاد أن ينجز الأشياء بصمت فقد اتصل بالاسعاف الذي حضر بسرعة وانطلق بنا إلى المستشفى الجامعي . الذي أتذكره مما حصل بعد ذلك لايكاد يُذكر. أخذوني إلى غرفة كان قد حجزها الاخصائي قبل وصولي في جناح خاص. ثم نقلوني بعد ذلك إلى العناية المركزة بعد أن أجريت الأشعة والتحاليل التي بينت إصابتي بإلتهاب رئوي حاد مرة أخرى. كان من حسن حظي أن الطبيب الشاب الذي يرعاني كان طالبا في الكلية الجديدة بأكسفورد عندما كنت زميلا بها وهذا ما جعله حريصا أكثر على صحتي. كان تقديره وحرصه علي مبالغا فيه حتى إنه كان يفسد علي راحتي التي يراها “ الأخوات “ والممرضات المتمرسات ضرورية جدا لمريض مثلي.

بدأت أتعافى تحت رعايته ورعاية الأخوات والممرضات وكان من المفترض أن أُنقل خارج العناية المركزة خلال أسبوع. كان خطأي أنني لم أحاول أكل طعام المستشفى فالعائلة والأصدقاء كانوا يحضرون كل أنواع الطعام الذي أحبه، وتحديدا السلمون المدخن الذي أجد نفسي مولعا به. وفي إحدى الليالي قذفت قطعة من السلمون في فمي بكل تهور، فأخطأت طريقها ومباشرة بدأت نبضات قلبي بالتوقف على ورق تخطيط القلب. هرعت الأخت المعنية بالجناح لتنقذني لكنها لم تفلح. أخبرتني بعد ذلك هي والطبيب أنني رحلت عن الحياة لمدى أربع دقائق. والحقيقة أنني لم أجد سببا للإنكار. تحدث الطبيب مع ابني نيكولاس الذي وصل من نيويورك ليكون بجانبي في المستشفى وأبلغه بأن احتمالية الشفاء ضعيفة بل إنني حتى لو تحسنت جسديا فإن قدراتي العقلية لن تعود كما كانت. هذا التحذير كان مختلفا عن رأي الممرضات الذين كانوا أكثر تفاؤلا، واختار نيكولاس بحكمته الميل لهذا الرأي.

لا أتذكر شيئا أبدا مما حدث لي خلال ذلك الوقت. قال لي أصدقائي إنني كنت محاطا بالأنابيب من كل جانب. أنابيب كثرة لا أعلم ماهي وما الفائدة منها إلا الأنبوب الذي قيل لي بعد ذلك إنه وضع في حلقي لإخراج البلغم العالق في رئيتيّ. لم أكن أعلم أن الغرفة اكتظت بالناس حتى إن أختي اضطرت لتنظيم الزيارات وتقسيم الوقت بين الزوار. الذي علمته جيدا أن الأطباء والممرضات استغربوا من سرعة تحسني ، بل عندما بدأت أتكلم عبّر الإخصائي عن دهشته كيف يمكن لشخص بهذا القدر القليل من الأكسجين في رئتيه أن يكون صافي الذهن بهذا القدر.

أول عبارة تلفظت بها، وجعلت مَن حولي يدرك أنني لم أفقد حسي الفكاهي: “ كلكم مجانين!”. لا أدري كيف يمكن تفسير هذه العبارة لكن ربما اعتقدت أن كل حولي هم من المسيحيين المؤمنين وأردت أن أقول لهم إنني لم أجد شيئا في عالم الغيب. التفسير الآخر أنني أعتقدت أن كل من حولي هم من المتشككين وأردت أن أخبرهم أنني بالفعل وجدت شيئا بعد مماتي. وأظن أن التفسير الأول هو الأقرب وإلا كان من المفترض أن أقول: “كلنا مجانين” إن كان التفسير الثاني هو الصحيح. وفي كل حال لا أمكن أن أجزم بشيء.


أولى العبارات التي بيّنت عودتي للوعي والإدارك قلتُها بعد عدة ساعات من عودتي للحياة وكانت في حديثي مع صديقة فرنسية عرفتها منذ خمسة عشر عاما. استيقظت لأجدها جالسة جوار سريري فبدأت بالحديث معها بالفرنسية. وأنا أتحدث الفرنسية بطلاقة ووضوح فبدأت أقول: “ هل تعلمين أنني كنت ميتا؟. عندما حاولت عبور النهر للمرة الأولى كنت مترددا محبطا، لكنني نجحت في محاولتي الثانية. كان تجربة استثنائية ، وحتى أفكاري استحالت إلى شخوص“.

هذه العبارة تشير إلى أنني لم أنس تعليمي القديم بشكل كامل، فالأسطورة الإغريقية تحكي أن أرواح الموتى تُجبر على عبور نهر “ستيكس” لتصل إلى هاديس إله الأرواح. ولتعبر النهر لابد من أن تدفع “ أوبل” إلى المراكبي “شارون”. وربما تذكرت “ديفيد هيوم” الفيلسوف المفضل عندي في مرضه الأخيره و“شارون” يناديه: بـ “الكسول المتسكع الشقي”. وهيوم أجاب بلطفه المعتاد أنه رأى الموت يقترب منه ولم يبذل أي جهد لتأخيره. لقد كان هذا الموقف من من المواقف القليلة التي فشلت فيها في اقتقاء أثر “هيوم” ، لأنني حاولت أن أطيل حياتي خلافا لفعل هيوم.

الشيء الوحيد الذي أتذكره جيدا وجربته عن قرب في طريقي إلى الموت كان غامضا جدا:

واجهني شعاع أحمر مشع بالغ الإشعاع ولم يكن مشعا فقط بل كان مؤلما جدا، حتى عندما كنت أحرف وجهي عنه. كنت أشعر أن هذا الضوء هو المسؤول عن التحكم في الكون كله، وله وزراء وٌكلت لاثنين منهم مسؤولية “الفراغ”. هذان الوزيران يتفحصان الفراغ باستمرار وللتو انتهيا من أحد فحوصاتهما المستمرة ، لكنهما لم يقوما بالعمل كما ينبغي فاختل نظام الفراغ فصار كأحجية صور لم تُحل بشكل صحيح ولم تُشبك بعناية. توقفتْ قوانين الطبيعة عن العمل وشعرتُ أنني مكلف بإعادة النظام للأشياء مدفوعا بالرغبة لإطفاء هذا الشعاع المؤلم. كنت أفترض أن مسار الكون قد اختل وأنه سيعود لطبيعته لو عاد النظام كما ينبغي. لم يكن لدي أي فكرة عن المكان الذي سأجد فيه حراس هذا الفراغ وكنت تحت سطوة الخوف من إنني حتى لو وجدتهم فلن أكون قادرا على التواصل معهم. ثم خطر في ذهني فجأة قبول الفيزئايين حتى هذا القرن للفصل الذي أفترضه نيوتن بين الزمن والفراغ حتى صار أمرا من المسَلّمات، حتى ظهر قانون اينشتاين للنسبية الذي يتعامل مع الزمن والفراغ كشيء واحد. ولهذا فكرت بأنني قد أعيد الفراغ لنظامه بمعالجة الزمن. كان لدي إحساس مبهم أن الوزراء المسوؤلين عن الوقت موجودون بالقرب مني فبدأت بالصراخ والنداء ولكن لم أجن من ذلك إلا الإحباط، لأنهم إما لم يسمعوا نداءاتي أو ربما سمعوها لكنهم اختاروا أن يتجاهلوها. وربما سمعوا لكنهم لم يفهموا ما أقول. وبلا تفكير بدأت أمشي في كل اتجاه وبدأت ألوح بساعتي لعلهم ينتبهون للوقت فيها لكن أيضا بلا نتيجة. حاصرني اليأس أكثر وأكثر حتى انتهت هذه التجربة فجأة!

هذه التجربة ربما ليست إلا محض وهم، لكنّ قصة حكتها لي صديقتي الفرنسية عن أمها جعلتني قد أظن أن ما خضته كان تجربة حقيقية. فصديقتي تقول إن أمها قد أصيبت مرة بـتوقف مفاجيء لقلبها وحين عادت للحياة كان تقول إن هذا الضوء الأحمر هو ما كل رأته. إن النظرة الأولى لهذه التجارب على افتراض أنها ليست مجرد أوهام وضلالات = تُعتبر أدلة قوية على أن الوعي لا ينتهي بالموت. ولكن هذا لايقودنا ضرورة إلى القول بأن هناك حياة أخرى لأن معايير تعريف الموت حتى وإن كانت متماسكة منطقيا إلا إنها قد لاتكون متوفرة جميعا في الوقت ذاته. ولقد فهمت من هذا المثال أن توقف القلب لايقتضي منطقيا ولا سببيا توقف المخ. وعندما نعتمد على على الأدلة القوية التي تدلل على أن الأفكار تدور في المخ، فالفرضية الأقرب إليّ أن عقلي كان يعمل على الرغم من أن توقف قلبي في تلك الدقائق الأربع.

أقول: إن كنت قد توصلت إلي تفسير جيد للإيمان بحياة مستقبلية فلن يكون هذا التفسير مقيدا بي وحدي، ولنعترف أن الإشكال الفلسفي في تفسير إيمانِ أحدِنا الواثق بوجود ”عقول أخرى“ وما تحتويه من أفكار لم يتم حله بصورة مرضية. بل ليس هناك فليسوف واحد قد أغرق في الذاتوية -باستنثاء “فيخته” الذي كان يقول أن العالم هو فكرته -وربما لم يعن ذلك حرفيا-. ولا يوجد فيلسوف واحد قرر بجدية أنه لا شيء في الكون على وعي إلا هو. بل إن من البديهي عند كل الناس وليس عند الفلاسفة فقط أن عقول الناس تتماثل إلى حد كبير. وبناء على هذا أقول: إن كان بإمكاني تقديم تصور معقول لحياة أخرى بعد الموت فإن الآخرين كذلك قد يصلون لتصور مماثل.

لنفترض جدلا أننا سنحيا حياة أخرى بعد الموت فعلى أي صورة ستكون؟. أسهل الإجابات أن نقول إنها ستكون امتدادا لتجاربنا دون ارتباط بالجسد. وهذه الإجابة ينبغي أن تعجب التجريبيين المتطرفين فهي بكل تأكيد تتماشى مع مفهوم الهوية الذاتية التي تبناها “هيوم” و “ويليم جيمس”، والتي تقول إن الهوية الذاتية هي سلسة من التجارب الشخصية التي حفظتها الذاكرة وليست عبارة عن روح خالدة. وهم رغم هذا لم يُنزلوا نظريتهم على حياة مستقبيلة ، لأن ”هيوم” مثلا لم يكن يؤمن بحياة مستقبلية من الأساس.

الإشكالية التي تواجهني وتواجه كل من يميل إلى هذه النظرية هو كيف يمكن أن نكتشف الرابطة - أو الروابط- التي تربط بين هذه التجارب وتجعلها منتمية لشخص بعينه!. لقد اعترف “هيوم” أنه لم يجد طريقة لحل هذا الإشكال بينما اعتقد “ويليم جيمس” أنه وجد الإجابة في الشعور بالمعية والاستمرارية الذي نجده في أفكارنا وأحاسيسنا، مع الاعتماد على الذاكرة لجمع التجارب المتفرقة. ورغم إننا لا نختلف حول ضروة الذاكرة هنا، إلا إنها غير كافية تماما.

لقد قد قمت بنفسي بإجراء دراسة وتطوير لهذه النظرية في كتابي “أصول البرغاماتية” وكنت مجبرا على الاستنتاج بأنني لن أتمكن من تفسير الهوية الذاتية دون الاعتماد على هوية جسد واحد أو عدة أجساد قد يسكنها “الشخص” عبر الزمن. بل أعترف أنني لم أستطع إيجاد تفسير مُرضِ للطريقة التي يمكن لسلسة من التجارب أن ترتبط بجسد واحد في نقطة معينة من الزمن. هذا الاعتراف -بأن الهوية الذاتية عبر الزمن تتطلب هوية لجسد معين- هو من الملامح العجيبة في المسيحية. وأقول عجيبة لأنه يظهر لي أن المسيحيين اختاروا طوعا أن ينسوا بأن الإيمان ببعث الأجساد هو جزء من عقيدتهم. وليس صعبا السؤال عن الكيفية التي تستمر فيها الهوية الجسدية على فترات متباعدة من الزمن،لأن الإجابة قد تكون بالتسليم بأن ذرات الجسد سوف تتحد مرة أخرى، فيحصل ما يمكن أن يقال إنه تماثل جسدي كبير لا أكثر، مزيّنا بتشابه في السلوك.

هناك أغلوطة شائعة تفترض أن اثبات حياة بعد الموت هو أيضا اثبات لوجود إله. وهذا أمر بعيد جدا. وكما قد أكدت سابقا: إن كان لايوجد سبب منطقي للإيمان بإله خالق أو مدبر للعالم، فإنه لايوجد سبب منطقي للإيمان بإله خالق ومدبر لعالم مقبل، على فرض مرجح بوجود عالم مقبل. ومن السهل تصور أن تجربة شخص لحياة بعد الموت سوف تكون وسيلة إلى الاستدلال على وجود إله، لكننا في الوقت ذاته لانملك الحق في افتراض ذلك بناء على هذا الدليل، وخصوصا عندما لا نمتلك تجارب متعلقة بوجود إله.

ويستحق أن أذكر هنا اثنين من أهم الفلاسفة في هذا القرن “ميكتاقرت” و”برود”. ممن آمنوا بأنهم سيعيشون بعد الموت رغم كونهما من الملاحدة. فميكتاقرت استنتج إيمانه بذلك من ارتباطه بالميتافيزيقا التي تقول إن الأشياء المادية التي نراها هي في الحقيقة أرواح خالدة تقابل بعضها بعض مع شيء من الحب.

“برود” كان أقل انطلاقا مع الخيال من ميكتاقرت وكان في الوقت ذاته متأثرا بدراسة السحر. وكان أذكى من أن يعتقد بالحياة بعد الموت بناء على القدرة الخارقة التي يمتلكها البعض في تخمين ماهي الورقة المخفية ضمن أوراق اللعب- وإن كان قد توصل بعد بحث دقيق بأن هناك من يملك هذا النوع من القدرات الخارقة-. لذلك أعتقدُ أن إيمانه بحياة أخرى كان بسبب تأثره بشهادة السحرة حوله، فقد كان مقتنعا بأن بعض هؤلاء يملكون تجارب حقيقية على الرغم من إدراكه الكامل بأن الخداع هو الغالب على مايصنعون. وقناعاته هذه لم تجعله متفائلا بل كان يرى هذا العالم مليء بالقبح ، وأن العالم بعد الموت - إن وجد- لن يكون أقل قبحا. فإيمانه بحياة أخرى لم يكن لرغبة عارمة لديه في العيش بل لأنه أعتقد بصورة احصائية مجردة أن فرصة وجود الحياة بعد الموت تتساوى مع ضدها. كان من إحدى حكمه الجميلة: لو صدَق الإنسان أن الحياة بعد الموت ستكون كما يصورها السحرة ، لكان بمثابة عشاء انتصار دائم في إحدى جامعات وليز.

وإن كان “برود” ملحدا فإن صديقي الدكتور “ألفرد إيونق” لم يكن كذلك. لقد كان إيونق أصيلا، ومنصفا حتى بالمعايير الأكاديمية، ومثقفا حاذقا، وصادقا غاية الصدق، وكان مسيحيا مخلصا كذلك. كنت أداعبه يوما فسألته:” ألفرد! أخبرني ماهو أكثر شيء تتطلع إليه في العالم المقبل؟” ، فأجابني مباشرة: “ أن يخبرني الإله إن كانت “ القضايا القَبْلية” شيئا حقيقيا”. لقد كانت إجابة مضحكة جدا لأنها جاءت ساخرة من نقاشنا الغريب.

أبرر ذكري لهذه القصة بأن الإشكالات الفلسفية المماثلة تقوم على السؤال إن كانت الافتراضات قائمة على التحليل الاستدلالي analytic أو على التركيب الواقعي synthetic. خصوصا في المنطق والرياضيات البحتة. فإن كانت تحليلية: فإن السؤال يأتي إن كانت صحيحة بناء على العرف العام وليست في حاجة للحل بمعلومات إضافة، وأن كل ما نحتاج إليه هو أن ننجح في الوصول إلى تصور أكثر وضوحا لهذا النوع الإشكالات!. قد يطمح الإنسان بأننا سنكون أكثر ذكاء إذا انتقلنا لحياة أخرى، لكنني في الحقيقية لا أجد سببا منطقيا للإيمان بمثل هذا. بل حتى أكثر “الربوبيين” حماسالايمكن أن يعتقد أن الإله -إن وجد- سوف يمنحنا مقدارا عاليا من الذكاء في الحياة الأخرى!.

إن الإشكالية الفلسفية الوحيدة التي قد تُحل لو وجدنا أنفسنا في حياة مستقبلية هي إشكالية فهم العلاقة بين العقل والجسد وما إذا كانت الحيوات المستقبلية ، هي شيء من إطالة سلسة تجاربنا الحاضرة وليست بعثا للأجساد من جديد. وفي تلك الحالة سنشهد انتصارا “للثنائية” ، ثنائية تختلف عن الثنائية التي ظن “ديكارت” أنه قررها. وإذا كانت حيواتنا المستقبلية عبارة عن سلسلة من التجارب الممتدة فلا يوجد سبب منطقي لنعتبر أنفسنا كائنات روحية.

وأخيرا أقول: إن تجاربي الأخيرة قد زعزعت يقيني بأن الموت هو نهايتي الحتمية وإن كنت أرجو أن يكون الأمر كذلك، ولكنها لم تزعزع يقيني في عدم الإيمان بوجود إله. إنني أعتقد أن استمراري كملحد سوف يقلل من قلق زملائي الداعمين للجمعية الإنسانية البريطانية، وجمعية الصحافة العقلانية وجمعية ساوث بليس الأخلاقية.

هذه الترجمة نشرت من قبل في مجلة حكمة على هذا الرابط

ماذا رأيت في عالم الموت - ترجمة محمد الشهري

  1. Edwards, Paul, ed. Immortality. Prometheus Books, 1992.

  2. Ayer, Alfred J. "Postscript to a Postmortem." http://archive.spectator.co.uk/article/15th-october-1988/13/postscript-to-a-postmortem

  3. Macdonald, Graham and Krishna, Nakul, "Alfred Jules Ayer", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2018 Edition), Edward N. Zalta (ed.)“ Sir A.J Ayer” by Ben Roger, Encyclopaedia Britannica.

  4. The Stanford Encyclopedia of Philosophy.

  5. فندق تاريخي في لندن

Solipsism

  1. (7) فيلسوف إنجليزي ميتافيزيقي. كان مهتما بتراث هيغل ت : 1925 م.

McDaniel, Kris, "John M. E. McTaggart", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.)

(8) تشارلز دونبر برود فيلسوف إنجليزي كذلك. كان له اهتمامات فلسفية واسعة ومنها الاهتمام بالسحر والظواهر غير الطبيعية. انظر أيضا:

Gustavsson, Kent, "Charlie Dunbar Broad", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.))

(9) أقرب ترجمة أستطعت الوصول إليها لهذه العبارة!

“ One of his better epigrams was that if one went by the reports of mediums, life in the next world was like a perpetual bump supper at a Welsh university.”

10) priori proposition وهي المعارف التي لم تنتج عن تجربة مباشرة

(11) هناك مقال بعنوان : ملحد يلتقي بمدبر الكون لـ Peter Foges يشكك في كثير من تفاصيل هذه المقالة ويذكر تفاصيل لحوار دار بين آير والطبيب الذي أشرف على حالته، لم يشر إليه آير في أي من مقالاته، انظر مقال Foges هنا :
http://web.csulb.edu/~plowentr/Ayer%20NDE%202.pdf

سبعة كتب ( ٣ )

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.


١) - إلى الجيل الصاعد : أحمد السيد.

أظن أن هذا الكتاب من الكتب التي يجب أن يُوصى بها أبناء هذا الجيل الحائر… والكتاب على صغير حجمه جميل ثمين. وأوصي به لكل من هم أقل من الثلاثين.

٢)- الشاعر حمد الحجي:محمد بن سعد بن حسين.

أول معرفتي بهذا الشاعر كانت خلال دراستي للطب النفسي في الكلية عام ١٤٢٩ هـ تقريبا وكنت قرأت عنه مقالا عابرا لا أدري أين، وقرأت قصيدته التي يصف فيها شقاوته واكتئابه.

أأبقى على مر الجديدن في جوى

ويسعد أقوامٌ وهم نُظَرائي؟

ألستُ أخاهم قد فُطِرنا سويّةً

فكيف أتاني في الحياة شقائي؟

أرى خَلْقَهم مثلي وخلقيَ مثلَهم

وما قصّرتْ بي همّتي وذكائي

يسيرون في درب الحياة ضواحكاً

على حين دمعي ابتلّ منه ردائي

وهل لهمو جودٌ بما في أكفّهمُ

وإني مدى عمري من البخلاء؟

وهل كلُّهم أوفَوْا بكل عهودِهم

ومن بينهم قد غاض ماءُ وفائي؟

….

….,

لقد نظروا في الكون نظرةَ عابرٍ

يمرّ على الأشياء دون عناء

وأصبحتُ في هذي الحياة مُفكّراً

فجانبتُ فيها لذّتي وهنائي

ومن يُطِلِ التفكيرَ يوماً بما أرى

من الناس لم يرتحْ ونال جزائي !

المهم قرأت عنه وجمعت مادة للكتابة عنه لكنني انشغلت وسارت بي الأيام حتى دخلت مكتبة نائية هنا في فيرجينيا ووجدت هذا الكتيب لقصائد جمعها المؤلف للكاتب رحمه الله. وله ديوان أجمع جمعه محمد بن أحمد الشدي بعنوان عذاب السنين. فيه قصائد تفيض بالألم والحزن الحسرة. والشاعر ممن لا يكاد يذكر حين يأتي ذكر الشعراء السعوديين.

٣) - حلم رجل مضحك ، ديستوفيكسي

قصة في عدة صفحات.

لم تعجبني. وكأنه ليس ديستوفيسكي الذي أعرف.

٤) على خط الانتاج: جميل الرويلي.

الكتاب وإن لم يكن كتاب موعظة إلا أنه مليء بالمواعظ البليغة لمن كان له قلب. وفيه من الأفكار التي تكاد تختفي حول علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقته بالوظيفة والعمل والمال .. إلخ. أعرف أن الكاتب ليس يساريا ولا علاقة له بذلك لكن قاريء الكتاب قد يظن أن الرجل من بقايا اليسار العربي. وقد تلذذت بالكتاب كثيرا وأثار في ذهني تساؤلات أحاول تثبيطها لأن الإجابات عليها ليست يسيرة، وهو قصير وخفيف في مئة صفحة.

٥) مقنعة السائل عن المرض الهائل:

الكتاب رسالة عن طاعون وقع في الأندلس عام ٧٤٩ هـ وهو قصير جدا. المحقق أضاف في أوله وفي آخره. وكان من الملفت أن ذلك الطاعون جاء من الصين كما نُقل عن الرواة، وذكر المؤلف وغيره ممن نقل المحقق بعض نصوصهم عن ضرورة العزلة والقرار عند وقوع الطاعون كما جاء في الحديث كذلك.

٦) نظام التفاهة - ألان دونو:

المترجِمة قدمت الكتاب بتقديم جميل جدا وغني لكن الترجمة جاءت جافة جدا وقد تضطر لقراءة العبارة عدة مرات حتى تفهم المراد. بل أحيانا كنت أضطر للقفز عدة أسطر والعودة عدة أسطر لمحاولة فهم ما يراد. وهذا للأسف حال كثير من الكتب الفكرية المترجمة.

شدني من الكتاب أشياء كثيرة أبرزها الآتي:

أ. نقده الشديد للنظام الجامعي بشكله الحالي، وكيف أن “النشر” بحد ذاته صار غايةً يسعى إليها الأستاذ. هو يقول ذلك وأنا أرى كثير من الأطباء حولي ممن ينشر بشكل مكثف لكنه ضعيف جدا في التعامل مع المرضى. وكان صادقا في ملاحظاته الدقيقة حول غلبة الشللية على العمل الأكاديمي.

ب. مصطلح الفن التخريبي. وهو الفن الذي يتقصد استفزاز وإثارة “المؤسسات القائمة”. و”المؤسسات” هو مصطلح يكرره المؤلف كما يكرره غيره، ويعني بالمؤسسات القيم الاجتماعية والدينية التي يتعارف عليها مجتمع معين. والكاتب لم يكن ناقدا للفن التخريبي بشكل عام بل ينقد كيف صار حتى هذا النوع من الفن موجها من الحكومات والمؤسسات بعد أن كان عبارة عن ثورة فنية ضد السائد.

الكتاب خُتم بعبارات حماسية و”أسئلة خطابية” مشحونة بالغضب على الواقع.

“ أنا ، النكرة المسكين، ما الذي يمكنني عمله؟ بهذا الصدد؟”، توقف عن السخط وانتقل إلى السؤال التالي: اعمل بلا هوداة لخلق توليف من القضايا الوجيهة، التق مع الآخرين في تجمعات بخلاف الطائفية والشللية، اسخر من الايديولوجيات، اختزل المصطلحات التي تريد البروباغندا كتابتها في جوهر ذواتنا وحولّها إلى موضوعات مجردة للتفكيرـ تجاوز أساليب السيطرة التي تمارسها المنظمات، وحاول خلق بنى ً تشبهنا.

كن راديكاليا! “

وهذه العبارات لن تفهم بشكل واضح ما لم يقرأ القاريء الكتاب.

الكتاب بشكل عام -رغم جفافه الشديد- يستحق القراءة.

٧) عالم جديد شجاع - هكسلي:

كتُبت هذه الرواية عام ١٩٣١ وهي محاولة لتصوير عالم مستقبلي متخيل لبشرية خالية من المشاعر والقيم الإنسانية، ومنسلخة من القيم والأخلاق. وفيه يكون الإنسان نتاج عمليات كميائية مخبرية، وتصبح الأسرة والأب والأم أشياء من القديم الذي يُعاب ولا يمكن أن يذكر. ويبقى بقية قليلة تدير هذه المجتمعات المقولبة وتعرف حقيقة الإنسان ، لكنها تحرص كل الحرص على إخفاء الحقائق عن هذه الأجيال، وتخفي الكتب السماوية وكتب الأدب والتراث العالمي حتى لا يرى المجتمع المصنوع أي أفكار تخالف ما هو عليه.

من مزايا هذه المجتمع المخبري: الاستهلاك الدائم والانغماس في اللحظة والهرب من الحزن بتناول المهدئات والاستغراق في اللذائذ. فجأة يظهر شخص بدائي يسائل هذا المجتمع ويتصادم معه .. إلخ.

والراوية - كأي رواية أخرى - هي نسخة مبالغ فيها لما يمكن أن تكون صورة المجتمع المادي في أبشع صوره، وتاريخ كتابتها يدل على عقل بصير نظر لمآلات الحضارة في وقت مبكر جدا. كما أنه يُصور كيف يُمكن أن تمحى ذاكرة المجتمعات وتستبدل.

.هذه سبعة كاملة. ولعلي أستمر في تدوينة مماثلة بين فترة وأخرى إذا كتب الله ويسر

شعبان ١٤٤١ هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سبعة كتب - ١

سبعة كتب - ٢

الأعرابي الأخير

https://archaeoadventures.com/6-tips-better-photography-moroccos-sahara-desert/

معاذ الله ما سرقت

يميني بعض دينار ِ

ولم أكذب معاذ الله

في رأيي وأفكاري ..

ولم أزن ِ ولم أقتل

ولم أغتل ..

ولم أشرب - معاذ الله -

لم أسقيه سماري !

فهل تجتاحك الاوهام يا هذا ..

فتحسب أنني المسكين لم أسرق

ولم أقتل ولم أشرب

- معاذ الله -

سوف يظلني الشيطان ، يخدعني ..

لأسرق من بقايا الروم واليونان أشعاري ؟!

ألم تسمع مقال القوم :

" إن تسرق ، فخذ جملا ..

وخذ شيئا سيمحو إن رآك الناس

بعض معرة العار ِ " !

***

أنا العربي ،

شرقي كهذي الشمس

واضحة ...

كهذا الصبح مؤتلق ..

أناجيها ..

فتسعدني ،

لأني واضح كالشمس

مؤتلق كضوء الصبح ..

في جهري وإسراري !

فإن غربت ،

هجوت الليل والظلمات تسمعني ..

بلا غبش وتغشية

وأرفض كل تورية ..

لأني طاعن الظلمات ، قاتلها ..

وجاعل سرها علنا ..

وفاضح كل مكنونِ !

وماذا تصنع الظلمات في مثلي ؟

فلا سر أخبئه ولا شيء أذل به ِ ..

وسلها كي تعرفني ،

تقل في حسرة المغبون :

" قتلت صراحة الأعراب من زمن ..

ولكني إذا خاتلته أهوى ليوقد شعلة

النار ِ .. ! "

فيفضحني ويهتك كل أسراري .

****

أنا العربي لي لغتي ،

ولي جذر تاصل في صخور

الأرض في عز وإصرار ِ ..

ولي سبب تصعد في سماء

الله يعلو كل جبار ِ

إذاما حطموا زهري بوجه الأرض ،

واقتلعوا غضون الورد كيما يقتلوا

ثاري ..

تثور جذور أزهاري ،

وتنشق الصخور الصم عن نثري

وأشعاري ..

وتشتعل الغصون الخضر نيرانا

مؤججة ..

ويصبح مستقر الأرض زلزلة ،

تهز مضاجع الأشرار ،

تسقط كل مكار ِ !

**

يقول نزار في ولع :

لقد ماتت خيول الشام

تحت مذلة العار ِ ..

وظل الصرف والإعراب مزهو

بحلته ..

وظل النحو مختالا بخفض الحال ،

مسرورا بفتحته وضمته ..

فهل يدري نزار بأن

تلك الخيل ما ماتت ..

ولكن غيلة نحرت ؟

وأحلام العروبة في زمان العجم

قد " حرقت " ؟

وحتى الصرف والإعراب ،

في أسواقنا كسدت ؟

***

أتبصرني ؟

أتلمح في عيوني بعض أسراري ؟!

أنا العربي ،

لي فرس ولي ناقة ..

ولي حصن من الأغنام يؤويني

إذا عرتني الفاقة ..

ولي ثوبي ، ولي وجه تزيد

الشمس سمرته ..

ولي سدرة ،

لها ظل أقيل إليه ..

أغفو تحتها ، متوسدا صخرة ..

أتحسبني سأبدل بالصهيل العذب ،

هملجة البراذين ِ ..؟

وأنزع درعي الميمون ، أقذفه ..

وأرعى - مثلما يرعون -

أذناب الخنازير ِ ؟

سأحرق سدرتي يوما ،

وأقتل ظلي الغافي ؟

سأقذف تلكم الصخرة ؟!

****

وشعري ،

ليس تمثالا أعلقه

على داري !

ولا سحرا أخربشه ،

لأبهر بعض أتباعي وسماري !

أتسمع ؟!

إنه نار تحرقني ..

دموع ، آهة حرى تؤرقني ..

وشعري فكرتي ، روحي !

وإيمان تجذر في عروق القلب

أسقيه الدم الجاري ..

**

أنا وحدي ،

وشعر اليوم يقتلني ،

وهذا الراء سكين تقطعني ،

وهذا العين يشنقني

***

وما يعلو فضاء الشين أحجار ستسحقني !

أنا وحدي ،

سأجمع ما تفرق من دم

الأعراب ، أحسوه ليبعثني !

أنا وحدي وهذا العالم

المأفون يلعنني ..

وأحسو مر إيماني ،

ومر الصدق ، مر النبل

في زمن الشياطين ِ !

سأجمع ما تفرق من دم

الأعراب ، كي أبقى ..

وتبقى أحرفي ، خيلي ،

جذوري ، طيب أزهاري !

أبها - ١٤٣١ هـ

تعريب العلوم والطب

هل كان " فان دايك " و "جوهانس " و " جورج جوزيف " أكثر حرصا على العربية من عرب اليوم ؟ فالأول درّس الكيمياء وعلم الأمراض بالعربية ووضع كتابا في تسعة أجزاء حول التاريخ الطبيعي والكيمياء باللغة العربية وسماه النقش في الحجر ، والثاني درّس التشريح وعلم وظائف الأعضاء بالعربية ، والثالث ألف كتابا بعنوان " المصباح الوضاح في صناعة الجراح " ، والأول يقول في مقدمة كتابه النقش في الحجر " خطر ببالي أن أحاول سد هذا العوز وأن أقدم لأهل العربية عدة كتيبات كل كتيب حاو أصول علم من العلوم على كيفية تمكن معلمي المدارس البسيطة من استخدامه في تعليم الصغار ... إلخ " واليوم تعجز مجامعنا السياسية والعلمية عن سد هذا العوز الذي يعاني منه العرب وهم يملكون كل المصادر والطاقات والمتخصصين لتعريب العلوم .

كتب " يوحنا ورتبات " في مقدمة كتابه " التوضيح في أصول التشريح " :

" أما بعد ، فيقول العبد الفقير جامع هذا الكتاب إنني لما دعيت لتدريس علم التشريح في المدرس الكلية التي أنشئت حديثا في بيروت رأيت أنني أخدم أبناء اللغة العربية بوضع كتاب جداد منقول عن أحدث الكتب المعول عليها في المدراس الإنكليزية والأمريكانية فشرعت في التأليف وأفرغت كل جهدي مدة أكثر من ثلاث سنين جامعا فيها كل مسائل التشريح التي "تحتاج" إليها الطلبة " .. ثم بدأ بذكر المراجع التي نقل عنها ثم يتحدث عن موافقته أو مخالفته للمدرسة المصرية في الترجمة ! وهذا كان عام ١٨٧١ حين طبع الكتاب وبجهد شخصي منفرد ، لاتموله وزارة متنعمة ، ولا جامعة الدول عربية . وهذا مما يصعب تصوره على من يرون التعليم باللغة العربية حلما مستحيلا لايمكن الاقتراب منه . واليوم بعد قرن ونصف من الزمان لايكاد يوجد في العالم العربي إلا جامعة أو جامعتين تتبنى تدريس الطب باللغة العربية ، بل زاد الأمر سوء وانحرافا بالعودة للوراء وإلغاء التعليم باللغة العربية في أغلب التخصصات العملية!

بعد مقدمات وممهدات ظهر المعهد الطبي العربي في سوريا كمثال يُخجل كل يشكك في إمكانية تعريب العلوم ، وكل من يرى أننا في واقع لايمكن بأي حال أن ندرك ركب العلوم الغربية المتسارعة ، فقد نشأ المعهد بجهود بدائية فردية ، خلفها أناس مؤمنون وإرادات صادقة ، ولم يكن هناك إلا عالم مخلص عالم بالعربية وعالم باللغات الأجنبية يقضي ليله ونهاره بين هذه وهذه حتى يعرب المصطلح الأجنبي للطالب العربي فيتلقاه دون حواجز ولاسدود ، فخرّجت لنا سوريا أطباء عظام لم تجعلهم " العربية " أقل من غيرهم علما وفهما .. وقد كان ما قدمه علماء المعهد العربي للعربية من ترجمة يشبه ثورة التعريب التي كانت في بغداد أيام الدولة العباسية ، ولم يكن الأطباء الذين درسوا بلغتهم العربية أقل من أندادهم في العالم العربي والعالم عموما بل ربما كانوا وما زوالوا أقرب إلى فهم أسرار الطب وخفاياه ممن يجاهد الساعات الطويلة لفك رموز اللغة التي استعصت عليه !

وهذا ما أكده الدكتور زهير السباعي في تحليله لدرجات الأطباء السوريين في الاختبار الأمريكي في ثلاث مراحل ، فلم يقل مستواهم عن غيرهم من الأطباء في مختلف أنحاء العالم ، فلا تعارض بين دراسة العلوم باللغة العربية لنكون أقرب إلى العلوم وبين ضرورة إتقان لغة أجنبية أخرى لمتابعة الأبحاث والدراسات المتجددة .

ومع هذا التكاسل والتمسك باللغة الأجنبية ، تخرج كلياتنا الطبية والعلمية آلافا من الخريجين كل عام لايتقن منهم اللغة الأجنبية إلا القلة القليلة ، ويبقى معظمهم يتمتع بلغة " هجينة " لاتمكنه من الإفصاح عن معارفه وعلومه ، فلا هو درس بلغته ولاهو أتقن اللغة الأجنبية ، وهذا ليس فقط حال الطلاب بل حال كثير من المتخصصين ، وقد خرج المتحدث في مؤتمر علمي ليس فيه إلا أبناء يعرب يتخاطبون بينهم بلغة أعجمية ، فسأل الحضور من منهم قادر على الخروج والحديث باللغة الأجنبية في أمر عام خارج التخصص لمدة خمس دقائق فلم يكن منهم قادرا على ذلك إلا القليل النادر.

وأنا أكتب هذه السطور بين يدي مرجع من مراجع علم الأدوية ، تقول مقدمته :

" الترجمة للغات الأسبانية والإيطالية والبرتغالية والفرنسية والتشيكية والإندونيسية واليابانية والصينية ، متوفرة الآن كما أن الكتاب سيترجم إلى عدد من اللغات الأخرى وستصدر في طبعات قادمة " ! . كل هذه اللغات الحية والميتة ، والعربية التي يتكلم بها الناس كلغة رسمية في اثنين وعشرين دولة عدا الناطقين بالعربية من غير العرب في أنحاء العالم ، هذه اللغة التي تأتي ضمن اللغات الخمس الأول في سلم لغات البشر لا تجد لها مكانا يناسبها حجمها في التعليم والترجمة ! وفي ظل هذا لايعلم و"كيف يعلم " دارس العلوم العربي أن لدينا شيئا يُسمى " مركز تعريب العلوم الصحية يتبع مجلس وزراء الصحة العرب تأسس عام 1980 م ؟ وله قرارات واجتماعات .. وأتفق وزراء الصحة وعمداء الكليات في الدول العربية قبل عشرين سنة على أن يكون تعليم الطب باللغة العربية وأجمعوا أمرهم على البدء بالتعريب ... على أن يكتمل قبل نهاية عام 2000 م " ومر عام ألفين وستمر عقود أخرى .

قد يرى البعض خصوصا ممن درسوا العلوم بلغات أجنبية أن الحديث عن التعريب هو حديث عن حلم مستحيل ، فلدينا كم هائل من المعارف والمصطلحات ولدينا آلاف الدراسات والأوراق التي تُنشر كل يوم يعجز عن اللحاق بها أي جهد مهما عظم .. (( وهذه حجة باطلة يدحضها في الوقت الحاضر قيام كثير من الشعوب الغربية والشرقية بتدريس العلوم بلغاتها المحلية ، ففي اليابان والصين ودول أوروبا الشرقية وأندونيسا وغيرها من الشعوب تدرس العلوم باللغة المحلية وبعض هذه الدول ذات لغات صعبة وأبجديات غريبة .. ولا حجة للقائلين بترجمة بصعوبة نقل المصطلحات وهي سيل كبير ، إذ أن تجارب أسلافنا وتجارب الأمم الأخرى تشير إلى أن المصطلح يمكن إخضاعه بالتعريب إذا تعذرت الترجمة وذلك بصياغة اللفظ الأجنبي على سنن اللغة المنقول إليها .. )) على مرافيء التراث ١٧-١٨

والحقيقة إن تجربة الترجمة في العهد العباسي ، والمعهد الطبي العربي في سوريا ، وجهود محمد الخاني ، بل حتى فان دايك وجورج جوزيف ، هذه التجارب وغيرها هي حجة على كل المؤسسات والسياسات المنهزمة في العالم العربي .

ـــــــــــــــــــــــ

ينظر :

- تجربة سوريا في تعريب العلوم - د.عبدالله واثق شهيد

- اللغة العربية - نذير حمدان

- مقال : هل تدريس الطب بالعربية يخرج لنا أطباء أضعف ؟ - د.زهير السباعي

- على مرافيء التراث - د.أحمد الضبيب

قصتي مع محمود شاكر.

كانت مكتبة حافلة مليئة بالكتب ، جديدها وعتيقها ، صغيرها وكبيرها . ولم أكن قبل قد رأيت مكتبة تكبرها ، فظننت أن كل العلوم قد حيزت بين جدرانها.علوم هجرها القراء واستغنى بالحديث والإدعاء عنها المثقفون ، وهي فوق ذلك تحفة تتزين بها " المدارس " ، ويتفضلون عليها بقليل وقت " مرة في الأسبوع " ليدخل إليها الطلاب فيزدادون لها مهابة ومنها مللا ولما تحويه بغضا . ادخلها فتصيبني مهابة ويأس ، وأشعر أنني صغير صغير ، أمام هذه الكون المعرفي الهائل ،وهو شعور ما زال يلازمني - وسيبقى - كلما دخلت مكتبة زائرا أو عابرا أو مقتنيا ، فأخرج بقليل علم وقليل مال .. وكثير من حسرة وأسى .

قرر شخص ما أن تقلص مكتبات المدارس وتصبح ضمن " مصادر التعلم " ، فقضي على تلك المكتبة المهابة ، وأخذ منها قليلها .. وبقي الكثير منها حائرا تتقاذفه غرف المدرسة .. وقد تضيق على بقاياها الغرف فتلقى في الممرات ، ليعلو عليها غبار تعب من الترحال .

أصبحت أتتبع أين يقذف بهذه الكتب حظُها العاثر ، فأقرأ بعضها واقفا ، وأقتني منها كثيرا ، حتى وقعت على كتاب أخضر ممزق قد علاه الغبار كتب عليه بخط فارسي مهيب :

أباطيل وأسمار


السفر الثاني


أبو فهر


محمود محمد شاكر

فبهرني العنوان ، وأعجبت بعبارة " السفر الثاني " ، وعجبت لهذه الكنية لاسم يبدو معاصرا " أبو فهر ، محمود محمد شاكر " ..فتحت صفحة الغلاف فإذا بعدها بيتان رائعان منسوبان لاسم أغرب :

هل صح قول من الحاكي فنقبله ... أم كل ذاك " أباطيل وأسمار " ؟

أما العقول ، فآلت أنه كذب .... والعقل غرس لها بالصدق إثمار

شيخ المعرة

فقررت أن اقرأه ، وبعد أن قرأته تحسرت لأنني كنت غائبا زمنا عن كاتب عظيم ، وزادني حسرة أنني لم اسأل أحدا عنه فعرفه. سألت من عرفته من أهل القراءة والإطلاع ، وسألت مدرسي اللغة العربية فما وجدت جوابا شافيا . أذهب للمكتبات - وقليلا ما كانت تأذن الأحوال بالذهاب - فيصدمني أنها كانت هنا نسخا قليلة وذهبت .

فأنساني اليأس البحث عن كتبه عموما ، و " السفر الأول " من الأباطيل خصوصا ، وإن كنت لم أنس عزة حروفه وجمال سبكه وروعة أسلوبه وجزالته .. وبقيت في ذاكرتي أبثها من يهتم بالأدب وجمال الأدب .. ومن أجلها أحببت المعري " شيخ المعرة " وفلسفته ، واقتنيت " رسالة الغفران " التي حولها كانت " الأباطيل ".

***

مكتبة هادئة مغمورة في زقاق من أزقة " المسفلة " ، لا يقلق هدوءها إلا صخب الزمان والمكان ، مررت بها على عجل كي أدرك موطىء قدم في زحام الحرم عمره الله ، قلبت عيني بين عناوينها سريعا ، وانتبهت لحنفيتها الواضحة ، ووجدت بيني وبين ما تحويه حواجز من وقت شحيح ، وعزم كليل ... فيممت الباب .. لتقع عيني على " سفر " ممتليء كتب عليه :

"المتنبي "

ثم :

"رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"

ثم :

"مفتاح كل كتاب فهرس جامع ، فاقرأ الفهرس قبل كل شيء."

بذلك الخط الفارسي المهيب الذي بهرني أول مرة ، ومرة أخرى تقول لي نفسي أما هذا الكتاب فهو كتاب مختلف ، وذلك قبل أن أنتبه لاسم مؤلفه .. أبو فهر محمود محمد شاكر. فلما انتبهت ، كأنما وقعت على غنيمة عظيمة ، وكنز ما حسبت له حسابا ..

تلك الأيام كان يداهمني شيء كالحيرة أعجز اليوم عن وصفه، لم يكن لي سلاح أواجه به هذا الداهم إلا دعاء حفظته من أعظم الدعاء ، كان يدعو به محمد صلى الله عليه وسلم في استفتاحه لقيامه: " اللهم رب جبرئيل ومكائيل وإسرافيل ، ربنا ورب كل شيء ، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " .. فأشعر بهدوء وطمأنينة لا يمنحها قول ولا فكر ولا استدلال .

أقف خلف أئمة الحرم في قنوتهم فيدعون بألطف الدعاء وأعظمه ، فلا يهز قلبي شيء كقول الإمام " ولا حائرا إلا دللته " .. فكأنني ذلك الحائر الضعيف الذي لا بصر له ولا هدى ما لم يمده البصير الهادي بمدد من عنده .

مضت الأيام هادئة متكررة .. أجدني بعدها بين يدي محمود شاكر وهو يتلو رسالته علي ، لم اقرأ كتابا أشعر أنني أدخل بين أسطره ، أتنفس حروفه ، أعيشها .. كـ" رسالة في الطريق إلى ثقافتنا " ..

أقول : لعلي كنت أعيش ذلا وضعفا فانتشلني بعزته ، حائرا فملأني بثقته ، جاهلا فأغرقني بعلمه. لا أعلم!

أذكر أنني قرأته ، فكأنما استيقظت من سبات عميق عميق ، وكأنما كان علي عيني غشاوة فأزالها ، كنت اقرأ بعضها - الرسالة - ، فتملأني بشيء لا أعلمه ، فلا يكون إلا دموعا تتساقط ، فأضحك على نفسي من بكاء في غير موضعه .. وكيف تلتقي عزة محمود والدموع ؟!

وماذا يهم القاريء لهذه السطور من كل هذا ؟!

وماذا يعني القاريء من شخص سحر بمحمود شاكر وبلاغته وعزته " وتذوقه " وعزوفه عن الحياة الأدبية

الفاسدة ؟!

لا شيء ..

لكنها تباريح ومشاعر حبست طويلا ، وانطلقت بلا سابق نذير حين رأت متنفسا تتنفسه.

أبها ١٤٢٩ هـ ( تقريبا)

كلام (١) : مواقف من غرب فرجينيا..


الصورة هذه من رحلة إلى شلالات المياه السوداء في ولاية ميرلاند - مجاورة لغرب فيرجينيا


.... وتمضي الحياة. بين آخر سطر كتُبته وهذا السطر أيام ذوات عدد. لو استحالت صفحات في كتاب لكان عنوانه “فوضى”. ولو كانت هذه الأيام فصلا في رواية لكان فصلا مليئا بالأحداث ولكن بلا شخصيات ولا بداية ولانهاية. ورغم هذه الفوضى إلا أن نعمة الله وفضله تحفني في نفسي وأهلي من كل جانب. لا أقوى على شكره وذكره سبحانه جل وعلا. أخطو خطواتي الأخيرة في برنامج الزمالة فلم يبق إلا أسبوعان. ثلاث سنين من الأحداث المتسارعة والقصص والنجاحات والإخفاقات أخرج منها مغتبطا لأنني أرى الفرق الكبير بين ما كنت عليه وبين ما أنا عليه الآن. عرفت نفسي في هذه السنوات الثلاث كما لم أعرفها من قبل أو بعبارة أقل درامية عرفت نفسي في مواقف الخوف والغضب والرغبة والميل ورأيت فيها نزعات من طغيان الهوى وحب الذات والتعالم والتواضع وما بينهما. رأيتها قاسية في مواقف لم أعهدها قاسية متحجرة فيها ورأيتها رقيقة مضطربة أمام أخرى. رأيتها تهتز وقد ظننتها بها الثبات ورأيت خلاف ذلك والإنسان مع نفسه في صراع ورحلة من الاستكشاف لا تنقطع. طُردت مرة من غرفة مريضة بلا سبب وكان الأمر قاسيا علي لأنني لم أكن وحدي بل كان الطرد أمام عدد كبير من الناس. طردني زوجها بلا سبب أعلمه إلا العنصرية العمياء فأبدله الله طبيبة محجبة حجابا ضافيا ولو طردها هي الأخرى لطُرد من باب المستشفى. ومما تعلمته من هذه التجربة القصيرة أن هناك من لايصلح معه التطلف ولين المعشر. فلا يسهل التخاطب معهم إلا اللهجة الآمرة الحازمة ووضوح الصوت. سلام ووداع بلا مقدمات ولا أحاديث هامشية. وقد ذكرت هذا المثال العنصري القبيح مقدمة لقصة هذه المرأة اللطيفة التي تابعتها في عيادتي منذ الشهور الأولى وبقيت أراها في عيادتي كل شهرين أو ثلاثة حتى كان لقائي الأخير بها قبل أسبوع.

امرأة في أواخر الخمسين، من بسطاء غرب فيرجينيا. حييّة ضعيفة الجانب مأمونة. ترعى ابنا لها مصابا بمرض مزمن وليس لها من الناس عون ولا سند. كنت أراها بشكل متقطع في العيادة ولعمق الأثر الذي انطبع في نفسي من ضعفها صرت أتعاهدها بالتواصل وأطلب من ممرضات العيادة التأكد من الاتصال عليها لحضور العيادة. فعل هذا التواصل فعله وصارت لا تتأخر عن مواعيدها. سافرتُ في إجازة للسعودية وعدت بعد عشرين يوم. وكالعادة بدأت في محاولة إدراك ما فات فإذا برسالة تقول إنها في المستشفى مصابة بجلطة في المخ. في نهاية يوم عمل ذهبت لغرفتها زائرا سائلا عنها ولم تكلفني الزيارة من وقتي ولا جهدي أي شيء لأنني أمر على الجناح الذي هي فيه في اليوم مرات. دمعت عيناها حين قلت لها إنني أتيت زائرا ومؤكدا على موعد العيادة القادم إذا خرجت من المستشفى. جاءت العيادة كما توقعت ومعها ابنها وزوجها. سارت العيادة كالمعتاد وحين قلت لها أنني لن أراك مرة أخرى وسيرعاك طبيب آخر في الموعد القادم، لم تتمالك نفسها وانطلقت تبكي. وقد كنت أظن نفسي قد تبلدت مما رأيت في المستشفيات من المعاناة لكن لم أتمالك دموعي وكلماتي فبكيت. لله البسطاء والمساكين! ثلاث سنين قضيتها هنا، لاتكاد ترى للمعروف أثرل في هؤلاء المتعالمين حولك إلا قليلا. ولاتكاد ترى نفسا بهذا النقاء إلا وهي بين جنبي مسكين أو مسكينة ممن لا يعرف ولايذكر. 
والناس بالناس تُذكر: أذكره جيدا حين أتاني العيادة للمرة الأولى. تكاد ترى عزة النفس والأنفة تتدفق من عينيه. كل إجاباته تقول إنه لا يعول في الدنيا على أحد. كأنه يتمثل قول المتنبي: وإنما رجل الدنيا وواحدها من لايعوّل في الدنيا على رجلِ. نموذج للرجل الأبيض العصامي الذي يفعل ما يريد ولاينصح ولا يستنصح. حاولت أن أقنعه بضرورة أن يجري قسطرة للقلب لكنه أبى واستكبر. حاول قبلي استشاري القلب بلافائدة. حاول الاستشاري الذي أرجع إليه بلا فائدة كذلك. كان ذلك لقائي الأول به ثم اختفى!. حدثني قبل أن يختفي أنه عازم على الزواج من فتاة في الثلاثين وهو يبتسم. مرت الأيام حتى كدت أنساه ثم ظهر فجأة على جدول العيادة. أتى -وما ظننت أنه سيأتي- لكن بغير الوجه الذي جاء به. منهك القوى، زائغ العينين، متعثر الأنفاس. حكى وحكى .. الآن هو بلا مال ولاسند. المرض أنهك قواه فلا يقوى على عمل. وتخالف هو وأسرته فتقطاعوا ولايود حتى الحديث عن أهله. وهو الآن يسكن في شقة مع صديق إلى أجل غير معلوم. وجهله وأنفته أورداه المهالك فترك أدويته. نظام العيادة أن تقضى مع كل مريض نصف ساعة لاتزيد. لكنني قضيت معه مايقارب الساعة. تركته يحكي فلما انتهى حكيت فلم أجد منه إلا أذنا صاغية. رجوته أن يأتي بعد أسبوعين فأتى قبل الموعد بنصف ساعة بوجه غير الوجه الذي جاء به. يفيض بشاشة وانطلاقا وعادت إليه بعض روحه لكنه عاد ناقصا أصبعين!. هذا “الأعرابي” الأبيض لم يستسلم وعاد للعمل فطحن أصبعيه تحت صندوق من حديد.  يروي لي القصة ضاحكا ساخرا من نفسه وأنا أعجب من هذا الجلد. تعانقنا وودعته لكن بلا دموع. 

الأصبعين الناقصين وقصص أخرى كثيرة مشابهة تجعلني أعجب أشد العجب من تقبل كثير من الناس الناس هنا للمصائب والحديث عن الموت، وسهولة أن تتحدث مع المريض في قضايا متعلقة بالخط الفاصل بين الموت والحياة. وأن تسأل أحدهم إن كان يفضل أن يتلقى الإنعاش لو توقف قلبه فجأة أم لا؛ مثل أن تسأله إن كان يريد كأس الشاي بالنعناع أم بالحبق. لا أدعي أنني أملك إحصائية دقيقة لكنها ملاحظة بارزة يراها كل من يشاركني التجربة. 


دعك من كل هذا لأنني أجدني تحت إلحاح شديد للكتابة عن جيل عرفته وعشت معه ودرجت. 

لعل للحديث بقية.

واشنطن ١٤٤٠ هـ 

قصيدة على باب اختبار الأطفال.

مدخل مستشفى عسير- أبها 


كنت أقلب أوراقي فوجدت هذه الأبيات المكتوبة بعد اختبار مادة الأطفال. وكان الممتحن الدكتور فؤاد عباق - مدير المستشفى الجامعي لجامعة الملك خالد- حفظه الله وكانا مهابا بين الطلاب.

إن العسير سيغدو في غد يَسِرا

فأهنا بيومك ، واترك خلفك الضجرا

**

ما كان أكبر همٍ في الحياة لنا

طفلٌ به وجع قد جاء منتشرا

**

أو آخر يشتكي ، زادت حرارته

وأنت لو علموا كم تصطلي جمرا

**

قل للذين أتوا ، في بطنهم ألم:

اهدأ ، أتسمع بطني اليوم منفجرا؟

**

وإن أتاك صبي جف داخله

فقل له: يا حبيبي لم تزل نَضِرا

**

ألا تراني طبيبا مثلما زعموا

وكلُ كلِ عروقي أصبحت حجرا؟

**

ستٌ صبرت عليها دونما وجع

وأنت في لحظات جئتنا ضَجرا؟

**

يا طالب الطب! صبر فاز من صبرا

وأنظر على أمل ، حتى ترى الظفرا

**

نادوا باسمي: يا "شِهريُّ "! أنت لها

هيا تقدم ترى من جاء مخْتَبِرا

**

وقفت بالباب كالمصلوب منتظرا

إشارة الإذن ، قد أرعيتها الحذرا

**

دخلت كاللص والأبصار تلمحنني

كأنني قد غدوت الصبح محتضِرا

**

وجاء عبّاق كالزلزال: حيا هلا

ابدأ لعلك تنهي الحرب منتصرا

**

رفقا بروحي يا “عبّاق” قد سقطت

كل الدروع ورمحي صار منكسرا

**

كل العتاد الذي قد كنت أجمعه

أضحى هباء ، مع الأرياح منتثرا!

أبها - ١٤٣١ هـ

خاطرة حول الصداقة والحياة.


أنا وأحد الأصدقاء في نهر بعيد. 


حول الصداقة والحياة: 

يخطر علي خاطر بين فترة وأخرى يظن أن له في خاطرات ابن المقفع نسب، فهو يأتيني مرتديا عباءة رملية وعمامة بيضاء وله لحية فيها بياض وسواد، وفوق حاجبه الأيمن تجعيدة أو اثنتين. وأظن به أحيانا الظن الحسن فأصغي إليه وربما استوقفته إن وقف واستأذنته في كتابة ما يمكن أن يُكتب حول الحياة وما فيها من الأشياء. وأحيانا أظن به ظن السوء وربما ذهبت بعيدا فجزمت أنه حفيد للشيخ النجدي الذي دخل على قريش في دار الندوة وبئس النسب. وهنا بعض ما يأتي به هذا الخاطر، وافق حسن ظني به.. وغفر الله لي. 

- من أراد أن يبقى له تقدير وثقة في نفوس من حوله فليستغن عن ما لديهم ما أمكنه ذلك، فلا تحمله الثقة بمكانته من قلوبهم على أخذ ما في يديهم، أو التساهل في حقوقهم. وإن كان ولابد فليعط أكثر مما يأخذ وليبذل أكثر مما ينال. وإذا رأى من نفسه تعاليا على المال أو ظن أنه كذلك فليؤد للناس من حقوقهم “الهللة” وليتغافل عن الألف، وإن كان الإنسان يرى الدنيا صغيرة حقيرة - أو توهم ذلك -، فهناك من أقرب الناس إليه من يراها عظيمة جليلة. 

- ومن أراد أن يرى من الأصدقاء أحسن ما لديهم، فلا يكن لهم منه إلا أحسن ما لديه. يحفظهم في غيبهم وعلانيتهم، يهتم بهمومهم، ويخصهم بدعواته وسؤاله. وإذا حزب أحدهم أمرا كان قريبا منه ولو بالرأي والمشورة،
ولا يترفع من أن يعترف بفضلهم عليه في حضورهم وغيابهم، ومن يصعب عليه هذا مع الأقربين فكيف مع الأباعد؟


- لا ينبغي أن يكون زوال الكُلفة مرادفا لزوال التقدير، وهذا خطأ قليل من يسلم منه. وربما رأيت صاحب علم ومعرفة أسقطه أصحابه بالسخرية منه وجهلهم به، ولو كان في غيرهم ممن يقدره لكان له شأن، لكنه وقع بين أصحاب يفهمون الصحبة فهما سقيما. وكم جر هذا الخلق الذميم من شرور وفرق بين مؤتلفين. 

- من الخطأ الذي يقع فيه الأبناء: إغراق آبائهم بالتفاصيل الدقيقة في حياتهم. وأعني هنا الأبناء الذي بلغوا من النضج ما بلغوا وقادرين على إدارة التفاصيل وتجاوزها، فترى أحدهم يخبر والديه عن الهم العارض، والمشكلة العابرة، والاختبار الصعب، والزكام، والشوكة.. إلخ، وربما قضى الوالدان ليلتهم يتقلبون على جمر الغضا، وهذا يتقلب في سريره راضيا هانئا كفقمة على شاطيء البحر، نسي همه الذي ألقاه على أبوين أشغلهما طفلا ويشغلهما الآن كهلا.


.. وهنا أستبد بي سوء الظن حتى رميت هذا الخاطر سبعا، وتعوذت عن يساري ثلاثا، فولى يخطو بوقار وتؤدة، فلا أدري أهو نسيب ابن المقفع فأعتذر منه، أم هو حفيد النجدي فأكسر لوحة المفاتيح على رأسه. 

تركيا ١٤٣٥ هـ 


سبعة كتب (٢)





خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.





٢) 
الوهابيون : تاريخ ما أهمله التاريخ - المؤلف
الكتاب فيه رسائل متفرقة عن تاريخ الدولة السعودية الأولى وأبرز حروبها ولم يأت الكتاب بجديد والعنوان أكبر بكثير من الكتاب. لم أخرج من هذا الكتاب بانطباع معتبر. خصوصا بعد أن عكفت فترة أقرأ في تاريخ تلك المرحلة.
-


 ٣)
 مع أبي العلاء في رحلة حياته - عائشة بنت الشاطيء 
أبو العلاء المعري - رحمه الله - من الشخصيات التي كثر حولها الحديث والاختلاف في حياته وبعد مماته. وقد كانت حياته كلها آلام منذ طفولته وعماه وإصابته بالجدري ويتمه ثم عزلته الاختيارية لملله من الناس عامتهم وخاصتهم. وقد عز على من حوله هذه العزلة واحتال بعضهم بالحيل فما استطاع ثم إنه خرج من عزلته بعد حوالي ثلاثين سنة وجلس للطلاب ووجد بعضهم خصومه مدخلا عليه من حياته الغامضة وبعض أشعاره فاتهموه بالزندقة والإلحاد ثم توارث الناس هذه الفرية بلا دليل ولا برهان. وهذا الكتاب وإن كان محاولة لتقصي رحلة حياته كلها إلا أن الجزء الأخير حول فرية الإلحاد واتهامه بالزندقة، عندي جوهرة ما في الكتاب. وقد ظهر الكتاب في ذروة الاهتمام بتراث المعري فكتب عنه تلك الفترة كثيرون منهم طه حسين، ولويس عوض، ومحمود شاكر - جمعنا الله به في الجنة - ، وآخرون كثيرون. والكتاب خفيف سهل يصلح كمدخل لحياة المعري منذ طفولته حتى مماته رحمة الله والمعالم البارزة فيها، وفيه مختارات لذيذة من شعره. والكتاب اشتريته من مكتبة للكتب المستعملة في الرياض وعليها اسم : محمد عبدالله المشوح - رفعه الله وباركه -. والعلم نسب بين أهله.


٤)
القوقعة - لمصطفى خليفة. 
قرأت عددا من روايات أدب السجن لكن هذه من أشدها وأقساها في وصف التعذيب. لكتب عرب آخرين كتابات أخرى عن سجون مختلف في العالم العربي أذكر منها تلك العتمة الباهر لبن جلون. ورواية ابن جلون تتميز باللغة العالية والاستعارات في الوصف وأرجو أن تكون الذاكرة دقيقة في هذا لأن عهدي بالرواية قديم. هذه الرواية مباشرة. تشعر أن من كتبها وجد نفسه مرغما على الكتابة فهو يدون أحداثا ويصف ما رأى في غيابٍ لنفس الروائي الذي يهتم بالعبث باللغة والتلاعب بالبيان. ولم تظهر روح الكاتب بشكل بارز إلا في نهاية الرواية بعد أن خرج من السجن وبدأ يتنفس!.  الراوية تدور معظم أحداثها في سجن تدمر في سوريا أحد سجون النظام السوري الكثيرة, والكتاب مسيحي كان من أعضاء الحزب الشيوعي فنال ١٥ سنة في السجن ذاق ورأى فيها صنوف العذاب. الرواية تُرجمت لعدة لغات منها الفرنسية والإنجليزية والألمانية والتركية بالإضافة للغات أخرى. والكاتب وجد طريقه للخروج من سوريا عام ٢٠٠٦ فاستقر في الإمارات ثم لما انتشرت روايته مع الثورة السورية جاءته تهديدات بالقتل ففر إلى فرنسا وما زال هناك.

٥)
How Doctors Feel: Danielle Ofri
كيف يشعر الأطباء: دانيل أورفي.
الكتاب يتحدث عن مشاعر الأطباء وعواطفهم أثناء تعاملهم مع المرضى وأثر النظام الصحي الأمريكي على صناعة الاحتراق الوظيفي وهروب الأطباء من هذه الوظائف. وبين فصل وآخر تحكي المؤلفة قصة مريضة عرفتها عن قرب، أصيبت بـضعف في عضلة القلب وكانت تحتاج لزراعة لكنها واجهت كثيرا من الحواجز بسبب كونها مهاجرة وكون النظام الصحي القائم على التأمين لا يمكن أن يغطي تكاليف عالية لعملية مثل هذه مريض دون تأمين صحي. والكتاب فيه كثير من "الدراما" ، وتُحسن الظن بالطبيب في كل حال وكل الأوقات وهذا أمر لاتحسن المبالغة فيه. فالطبيب وإن كان لديه مشاعر وعواطف إلا إن معظم الأطباء خصوصا  في أمريكا ليسوا بهذه الصورة المثالية. وجهة نظر الكتاب في هذا أن قلة التعاطف مع المريض من الأطباء هو بسبب النظام الصحي وتعقيده وتحميل الطبيب ما لا يحتمل وهذا في تصوري أمر لايمكن التسليم به. الكتاب بشكل عام عادي جدا.


٦)
 العود الهندي عن أماليّ في ديوان الكندي - علامة حضرموت عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف
لو ألقي إلي هذا الكتاب دون غلاف لما علمت أن المؤلف من المعاصرين لولا إشارات متفرقة في الكتاب عن حضرموت وبعض الأعلام المعاصرين. فالمؤلف هو مفتي حضرموت عبدالرحمن السقاف ( 1300 - 1375 هـ). والكتاب عبارة عن مجالس أدبية لشرح ديوان المتنبي لكن المؤلف يستطرد في إيراد الشواهد والشوارد من الشعر والحوادث التي لا تُمل في لغة عربية عالية كأنك تقرأ لابن قتيبة في عيون الأخبار أو أدب الكاتب. وهو تحفة أدبية بحق، أنتشلني من جفاف الطب والتحضير لاختبار الزمالة. فكنت اقرأه على مهل وأحفظ ما أستطيع من البيت والبيتين منه. ومثل هذا الكتاب وما فيه من شوارد على ما فيه يشعرني بالحسرة لأنني لا أقوى على إدراك كل هذا ولا حتى استذكار بعض الشواهد الجميلة التي تعبر عن خبايا في نفسي عندما أريد. والكتاب وإن كان طويل إلا أنه سهل لذيذ لمن أعتاد قراءة كتب الكتب ولديه حصيلة معقولة من اللغة العربية. 



٧)
Medical Professionalism Best Practices: Professionalism in the Modern Era
هذا الكتاب أقترحه علينا الدكتور ماكيل تشوي: المشرف على برنامجي التخصص. والفرق كبير بين أن يقترح عليك  رجل من أهل العلم والمعرفة وبين أن يقترح عليك واحد من طرف الناس. أعترف أن الكتاب أتى إليّ في توقيت حرج جدا وفي فترة تنشأ فيها كثير من الأفكار الجديدة التي أخشى أن يكون بعضها لم ينضج بعد. لدينا خلل كبير وعميق في بنية نظامنا الصحي - إن كان لدينا نظام صحي-، ولدينا أنظمة صحية حول العالم أبرزها نظام رأس مالي جشع ومتوحش أجد أننا في مستشفياتنا الخاصة أخذنا أسوأ ما فيه دون وجود أنظمة شفافة وواضحة تبين الحقوق والواجبات. والكتاب عبارة عن مجموعة مقالات مركزة تركز على الجانب الأخلاقي والإنساني للطبيب ، والعزف على هذا الوتر لايُكاد يسمع مع ضجيج مكائن النظام الرأسمالي الذي يركز على الانتاج والكم ومعايير الجودة والأرقام والاحصائيات والغفلة تماما عن الجانب الإنساني للطبيب والمريض على حد سواء. أحد الأمثلة التي أراها ماثلة أمامي لتقهقر العلم أمام المال هو ما حصل لأحد أبرز المستشفيات الجامعية البحثية في أمريكا. منذ أن نشأت هذه الجامعة وهي تركز على البحث والتعليم لكن الذي حصل أنه لم تستطع المقاومة في السوق فبدأ المستشفى بالإفلاس وهنا انقض رأس المال واشترى المستشفى وصار جميع الأطباء والباحثين تبعا لرأس المال الجديد. الذي حصل أن رأس المال بدأ بالمطالبة بأرقام معينة من المرضى يجب على الطبيب أن يراهم كل أسبوع وعدد معين من الأهداف المالية التي يجب على الأساتذة أن يصلوا إليها. نجح رأس المال وارتفعت الإنتاجية لكن على حساب التعليم والبحث وعدد الأبحاث المنشورة وعلى حساب الجانب الإنساني لهؤلاء العلماء والباحثين فصار أحدهم يقضي معظم وقته لتحقيق الأهداف والأرقام بدلا من العكوف على أوراقه وأبحاثه.
أعرف أننا بعيدون كل البعد عن مثل هذا، لكن الشاهد من كل هذا أن هذا الكتاب جعل نظرتي لما يجب عليه أن يكون عليه نظامنا أقل إلحاحا وحدة. لأنني في هذه اللحظة من التجربة أرى أن نظام التأمين الصحي وتحويل المستشفيات إلى ما يشبه الشركات التي تعامل المرضى كعملاء هو النظام الأنسب من بين خيارات أخرى كثيرة. أحد الأسباب وراء هذه الفكرة أن الطب الحديث غارق في الرأسمالية إلى أبعد حد وهي في الحقيقة ما يحرك عجلته. وسبب آخر وهو أن النزعة التجارية بين الأطباء منتشرة جدا وتكاد تكون غالبة ولن يهذب هذا النزعة إلا القوانين التي توضح العلاقة بين التاجر والعميل وتحمي كل طرف من الآخر مع بقاء التقدير للمهنة ولوجود الجانب الإنساني العميق الذي يتفاوت فيه الأطباء ما بين مقل ومستكثر. وحتى لايطول الحديث ويخرج عن فكرة هذه السلسلة أقول: إن هذا الكتاب جيد جدا لمن يهمه من الأطباء ما يحصل  حوله من تحولات كبيرة في نظامنا الصحي ويفتح نافذة للتأمل والنظر لأشياء يُشغلنا عنها الانغماس في العمل و"الإنتاجية"!


هذه سبعة كتب كاملة. ولعلي أستمر بإذن الله.


واشنطن دي سي، غرة محرم ١٤٤١ هـ




بين واشنطن والرياض



الطائرة تسير بضجيجها الصامت، تبعد ساعتين وثمانية عشر دقيقة من سماء الرياض. قبل ساعات في مطار واشنطن قابلت صديقا يستقل نفس الطائرة الآن. قبل الإقلاع شربنا القهوة سويا وتحدثنا عن أشياء كثيرة. علمني كيف أرقي رحلتي لدرجة أعلى بأرخص الطرق. تفرقنا على باب الطائرة وتقابلنا مرة أخرى في المصلى لصلاة الفجر. صديقي محمد أنهى رحلة سبع أو ثمان سنين قضاها في البكالوريا والماجستير . لمحت على وجهه حسرة وشحوب وحيرة. سألته: هل أنت أمام سؤال كبير يطن في رأسك يقول لك : ما كان لك ولهذا؟ أصحابك الآن قد استقرت بهم الحياة وهم يتكاثرون في الضياع والأولاد وأنت عدت بـ”المجد” أو ما تظنه مجدا، والخواء. قال: نعم!. نظرتي في الحياة أن جمالها في الرحلة وليس في الوصول، وأن قيمتها في التجربة العميقة لا الفراغ. وأن لذتها في الحلم لا في تحققه. هذه السنوات الثمان ليست هي الشهادة التي بيديك، بل هي النفوس التي عرفت، وكل لحظة ترددت فيها أمام جديد، وكل خطرة خطرك عليك وحيدا في موقف ضعف، وكل ما رأت عيناك، وكل ذكرى حُفرت في ذاكرتك مما يُروى ومما تحجم عن روايته. أنت لا تملك من الأشياء ما يملكون لكنك حتما تملك من معنى الأشياء ما يعجز القابع في بيته عن الوصول إليه. هم أغنياء بالأشياء أنت غني بالمعاني. لم أقل هذا الكلام حرفيا ولكن قلته بالمعنى وقد كان صديقي يشكو أن أقرانه قد تجاوزوه!. صدقني لا يسبقك أحد ولن تسبق أحد. نحن فقط نكبر في المكان وستدرك ما أقول قريبا.

عيد

أقولها لها : بأن العيد مؤتلقُ ..

وكل مواكب الأحزان تحترق ُ !

وبلبل شعري المخنوق ، يرقص

في فضاء السعد ، ينطلقُ ..

فلا الأكدار تلجمه ..

ولا هم ولا أرق !

لأنكِ

هاهنا بالقرب ،

في نبضي ..

وفي الأنفاس يا عبق ُ !

وداعا أيها الأحزان

كم جرّعتِني غصصا ..

وكم أهديتني حُرَقا !

وكم لاقيتُ في دربي ،

وعشت الخوف والقلقا ؟

دم العربي ثار اليوم

عاف الأسْر والرقا ..

وثرت أنا

أدمر قيد أحزاني ،

أمزق عهدها مِزِقا ..

أقول لها وفي كلماتي

الشغف ُ

فعيدي اليوم مختلف ُ ..

على قسماته البشرى ،

وفي كلماته رهف !

لأنك هاهنا ..

في القلب ، في الذكرى

وحين تُسدّل السجف ُ ..

أقول لها :

وحيد كان هذا العيد ،

خجلان ومرتجفُ ..

وجاء اليوم مبتسما

ومزدانا ..

يزينه شعور الحب

في قلبين تأتلفُ !

فأنت العيد ُ .. يا حبي

وأنتِ الماس والصدفُ !

١٤٣٢ هـ