رحلتي إلى آلاسكا - ٤

قلت آخر التدوينة السابقة أنني في طريق العودة من دينالي انتبهت أنني لم آكل وجبة حقيقية منذ يومين. وأنني أعيش على القهوة والماء! وهذه عادة حسنة لكنها سيئة لعدة أسباب. منها أنني أحيانا أتصور أن الذي معي في السفر مثلا لايريد أن يأكل كذلك. فإن كان ممن يخجل من المبادرة قضى يومه جائعا. زوجتي تعرف ذلك مني جيدا إذا كنا على سفر فتذكرني أن البشر يأكلون فنتوقف فناكل. أذكر صديقي طارق الفلقي عانى من ذلك كثيرا. صديقي علي السنبقي أيضا بعد التدوينة السابقة بعث رسالة تشير إلى أنه قد ذاق مرارة الجوع معي.

ومن مساويء هذه العادة أنني أحيانا أسير في المستشفى في نهاية يوم طويل فأشعر بخمول عام وضعف وصداع، فابدأ بالبحث عن الأسباب فأتذكر كل شيء إلا الجوع! وماهو إلا لقمة أو لقمتين فتختفي كل هذه الأعراض. والأشياء أحيانا تكون من الوضوح بمكان لدرجة أن الانسان لا يراها.

ظهر معي في الخريطة أحد مطاعم الحلال في المدينة وهي ثلاثة أو أربعة فقصدت أحدها، وحين وصلت شعرت أنني في في بقالة في السوق الشعبي في محايل عسير، فالملابس المعلقة، ونوعية العطور، والبهارات، والنسق العام كله كان يشير إلى سوق محايل الشعبي. وما كان والله أجمل لو أضيف إلى هذا ”النسق“ أحد الرجلين: بن عواض أو جابر امريشي. وهذان من أعلام صناعة الحنيذ في العصر الحديث فالحنيذ عندهم بطعم اللحم لكنه في قوامه ولونه كالآيسكريم!

صور متفرقة من المحل 

الله يا أحمد - أحد الأصدقاء -.. أتذكر حين كنت تتعطر بأحد هذه العطور، فتخرج بين الناس تمشي الخيلاء وكأن على رأسك ريشة؟!. أتذكر يوم كانت تفوح هذه الرائحة منك على بعد أمتار عديدة لأنك كنت تفرغ نصف العلبة على شماغ البسام الذي تعرف موديلاته كما تعرف موديل "هايلكوسك“ الجميلة؟ شماغ البسام الذي تبدو حين تسير به وكأنك سمكة قرش تمخر المحيط! والآن يا أحمد لا يرضيك إلا ديور أو شانيل؟.. :)

وجدت كل شيء في هذا الهجين الصغير ( أعني هجين ما بين مطعم وبقالة ) ، لكنني لم أجد قهوة عربية للأسف. ومن المخجل أن أقول أنني أتيت بكل شيء معي هذه المرة مما يخص القهوة العربية: الهيل، دلة صغيرة، خلطة القصيم، التمر … لكنني نسيت القهوة. ولعلي أقضي الأيام القادمة كلها بلا قهوة عربية.

المحل يملكه صوماليون والعاملون فيه كذلك. وقد سألتني الموظفة من أين أنت؟ فقلت من السعودية؟ فقالت: وانتا إيش جابك هنا؟ .. فقلت:الطائرة ، فضحكت. تأملت قائمة الطعام فإذا فيها شورما بلحم البقر!

هل يمكن أن أطلب شورما من مطعم صومالي يا أختي الفاضلة؟

وهذا ليس ذما ولا عيبا. ومثل ذلك لو تطلب مرقوق من مطعم لبناني؟ أو عريكة من مطعم كشري. كلها خيارات لا تتسق مع النسق الذي كنا نتحدث عنه. وليس للإنسان إلا أن يستسلم للأنساق من حوله ولذلك طلبت لحم ماعز مع الرز، وقد كان لذيذا جدا رغم أنني كنت أضطر لاستخدام كل طاقتي مع كل قطعة منه، ثم ألوكه كمطاط. لكنه كان لذيذا وغني بالنكهة و .. البصل.

تمنيت أنني سألت عن سبب وجود الصوماليين الملحوظ في هذه المدينة. لكن لعل الله يأذن بذلك في قادم الأيام.

سأقول لي ولك شيئا: إنني من أقل الناس تخطيطا في حياتي. يتحدث الناس عن الخطط السنوية والخمسية.. إلخ. فأتصور انهم يتحدثون عن خيال. أحاول أن أنجز ما في يدي وأن يكون لدي تصور عما أريد فعله لكن لا أكثر من ذلك. هذه الجداول والخطوط والمربعات التي يحسنها بعض الأصدقاء - كما يقولون!- لم تصلح لي. ولا أدري إن كانت سأحول تجربتها مرة أخرى.

أقول هذا لأن الخطة الوحيدة التي أقدمت عليها بلا تردد قبل سفري إلى هنا أنني حجزت تذكرة ذهاب وعودة. دون أي شيء آخر في المنتصف. ثم بدأت أملأ الفراغات. وأجاهد نفسي من فترة طويلة على أن أتعلم اللامبالاة والرفق بالذات حين تعيش لحظات ”اللاشيء“. اللاشيء هنا مثلا أن تحدق في السقف، أن تقرأ كتابا غير مفيد، أن تقضي وقتا طويلا على وسائل التواصل بين فترة وأخرى.. أن تسافر ساعات طويلة إلى آلاسكا ثم تقضي يومك في الفندق تقرأ كتابا عن تاريخ النسوية في الأديان. هذه "اللأشياء" لا تصلح أن تكون طبعا، فلا شيء أجلب للسعادة ، واطرد للأمراض النفسية من شغل تحبه، وإنجاز تنجزه. لكن لا يصلح أن يقسو الإنسان على نفسه.

وإن كنت في كل حال لا أشجع على السفر إلى هذه المنطقة بلا تخطيط خصوصا لمن يسافر بالأهل والأولاد. لأن المناطق متباعدة ووسائل التنقل محدودة أحيانا. وقد أتحدث عن هذا إذا انطلق الخاطر.

عدت لغرفتي فقابلت ”سام“ القادم من سياتل وهو يسكن في غرفة مقابلة فحدثني عن جبل يبعد ٤٠ دقيقة تقريبا واسمه جبل القمة المسطحة. وكما ذكرتُ لك فيما يتعلق بالتخطيط، عزمت على الذهاب للجبل ووضعته على القائمة لليوم التالي. ومن الطريف أن سام وغيره ، قدموا إلى آلاسكا وتركوا منازلهم واختاروا هدوء هذه المنطقة مع الاستمرار في أعمالهم عن بعد. فهو يعمل حتى الثالثة أو الرابعة ثم يبقى لديه قدر كبير من النهار يفعل فيه ما يشاء. وهذا تعامل ذكي مع الأزمة خصوصا لمن يعيش في المدن الكبيرة. فتكلفة إيجار الشقة في مدينة مزدحمة يغطي تكاليف السفر والعيش في مناطق هادئة. فيسكن أحدهم على هوامش المدن ويمارس العزلة الاجتماعية كما يحب. وإذا انتهى يومه خرج يستكشف المنطقة ويتأمل في الدنيا من حوله.

والنهار هنا طويل والليل قصير، فالشمس تشرق ٦:٣٠ تقريبا وتغرب الساعة ٩:٣٠. وقد كان النهار أطول من هذا بكثير إلى فترة قريبة، والليل أقصر بكثير فلا يتجاوز ٣ ساعات. وقد كان المسلمون هنا يصومون ٢١ ساعة في رمضان الماضي. وبعض المناطق التي لا تبعد أكثر من ٣ ساعات من هنا كانت لا تغرب عليها الشمس مطلقا. وعلى ذكر الصيام خطر في بالي شيئا علمته اليوم وهو أن المركز الإسلامي الذي وضعت صورته قبل أيام كان من بناء الحكومة السعودية قبل عدة سنوات. والمهم أنني سأتجه غدا للجبل الذي حدثني عنه سام!

٤ محرم ١٤٤٢ هـ

رحلتي إلى آلاسكا - ٣

نزلتْ علي مشاعر قاسية هذا الصباح بسبب خطأ ارتكتبه في حق أحدهم قبل أشهر طويلة. ومن بين الأخطاء التي يرتكبها الإنسان في حياته ويندم عليها، لا أجد موقفا يلح علي مثل هذا الموقف. مر المشهد أمام عيني كشريط ذكريات بطيء جدا وأنا في الطريق خاليا من الناس إلى منطقة دينالي وجبالها المهابة. لو عقل الإنسان لشكر الله على نعمة النسيان كما يشكره على نعمة التذكر. والإنسان كله خطأ يتحرك، خطأ في حق نفسه، وحق ربه، وحقوق الناس من حوله. موقف آخر لايمكن أن أنساه حدث وأنا في منتصف الابتدائية: جاءت أمي مشتاقة لي بعد سفر لتهديني ثيابا جديدة ، فرفضت أن أرتديها بحجة أنها لم تعجبني، فدمعت عين أمي. يمر علي أحيانا هذا الموقف مرورا سريعا وقد جاوزت الثلاثين أحيانا فتدمع عيني.

قرأت يوما سطورا لرسول حمزاتوف : "كان والدي يقول أيضا الإنسان الذي قام بعمل معيب ويأخذ بالندم عليه بعد سنوات يشبه إنسانا يريد أن يسدد دينه بأوراق نقدية قديمة تعود إلى ما قبل الإصلاح النقدي ”. هذه الذكرى وهذه الجبال حولي تذكرني بـ“بلدي“ لرسول حمزاتوف. رواية غاية في الجمال وزادتني انتماء وحبا للجبال. أتأمل دينالي أمام عيني فأرى فيه ريمان الشامخ وأرى بطحة وتهوي وبركوك. تلك الجبال الشامخة الكريمة التي خالطت أرواحنا وأحبتنا وأحببناها.

من الأشياء التي لفتت انتباهي في هذه المدينة هي كثرة ” المقاهي“ على جانب الطريق. فتجد غرفة صغيرة تقدم القهوة على النمط المعروف على الخطوط السريعة في السعودية بل وفي داخل المدن. ويبدو أن أهل المدينة أصحاب ”كيف“ لأن المقاهي في كل مكان ومحلات الحشيش في أماكن متفرقة من المدينة! والحشيش مسموح في ولاية آلاسكا كما يبدو.

محلات القهوة منتشرة بهذه الطريقة في المدينة وما حولها

نعود إلى دينالي: الطريق إلى هناك من وسط المدينة ٤ ساعات تقريبا ولكنه طريق جميل وتحيط به الأنهار والغابات من كل جانب، توقفت على الطريق أمام بحيرة اسمها ”بحيرة المرآة“. هذا المزيج من الجبال والأشجار والماء يتكرر في أمريكا في أماكن كثيرة لكن مبهر في كل مرة تتأمله وتقترب منه. رغم إنني أقول لنفسي للأحباب أن بيني وبين جمال الطبيعة في أمريكا حاجز من الزجاج وقليلا ما أشعر بذات الشعور الذي أشعره وأنا جالس في ظل صخرة في بطحة أو ريمان - من جبال بني شهر-.

بحيرة المرآة أو mirror lake

ودينالي مرة أخرى هي أعلى قمم جبيلة في أمريكا الشمالية وهي بمظهرها البهي أيقونة لهذه المنقطة من العالم. وهي تبعد عن أنكوريج مدة ما يقارب أربع ساعات بالسيارة وبعدها تحتاج أن تمشي لمدة طويلة للاقتراب من الجبل.

أفسد جمال الطريق إلى منظر الجبال المتثلجة أعمال الطرق التي عطلت السير لساعة على الأقل. لكنك كلما اقتربت ظهر الطود الشامخ مهابا عزيزا. وللجبال في نفسي مكانة عظيمة فهي عنوان للمنعة والعزة والثبات والاكتفاء والعزلة والوقار. وتأمل في تاريخنا ولقصتنا مع جبل النور وأحد ويا سارية الجبل، فجبل طارق، وانظر إلى الجبال في الأدب وفي أشعار المحبين والهاربين والصعاليك.

المنظر جميل جدا ولكن أكرر ما قلته أعلاه أن كثيرا من المناظر الطبيعية هنا لا تتدخل إلى أعماق نفسك، فجمال الطبيعة هو في الامتزاج بها والاتحاد والحلول فيها :). وإلا صرت متفرجا على فيلم في صالة منزلكم الكريم. ورغم هذا كان منظر ”دينالي“ بهيا جدا حتى خطر في بالي بيت من الشعر كبداية لقصيدة وأنا أتأمله ” يذكرني دينالُ ريمان َ حينما … ” لكنني تعوذت بالله من شر كل شر. فالقصيدة مثل الأحجية والإنسان ليس بحاجة إلى مزيد من الأحجيات في الحياة.

في طريق عودتي اكتشفت أنني لم آكل وجبة حقيقية لمدة يومين. وللحديث بقية بإذن الله :)

٣ محرم ١٤٤٢ هـ

رحلة آلاسكا - ١

رحلة آلاسكا - ٢

رحلتي الى الآسكا - ٢

لم يسبق أن كتبت بهذه الطريقة.. أعني طريقة سرد الأحداث متعاقبة متتالية. لكنني سأجرب هذه المرة لأجل التجربة ولأجل أنني أشعر أنني بحاجة ماسة للكتابة. دعني أحكي لك ماذا حصل: استوعبت وأنا أمام موظف أمن المطار أنني نسيت رخصة القيادة، ورخصة القيادة هي بمثابة بطاقة الهوية في أمريكا لكنني احتياطا كنت قد أخذت جواز السفر. ناولت الموظف وأنا أفكر كيف يمكن أستأجر سيارة إذا وصلت لوجهتي؟. خطر في بالي العودة للبيت لكن الرحلة أوشكت على الاقلاع.. المنطق يقول استمر في الطريق متمثلا بقول الشاعر: ” إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا .. أو تنزلون فإنا معشر نُزلُ!“

نفضت محفظتي سبع مرات إحداهن بالتراب ولم تظهر رخصة القيادة. وجدت بين بطاقاتي مخطوطات وعملات قديمة لكنني لم أجد الرخصة. انتهى الأمر وركبت الطائرة وفي ذهني صوت ”علي خلوفة“ وهو يصفني بالغفلة وأخذ الأمور بسهولة، وقد كنا: أنا وعلي وعمار الحداد الليلة التي قبلها قد عقدنا القمة الأسبوعية في فيرجينيا لحل مشاكل الأنظمة الصحية في العالم وتقديم حلول لمشكلات العصر الحديث والاحتباس الحراري. بعثت لعلي رسالة وأنا في الطائرة أخبره ساخرا أنني نسيت الرخصة فرد علي بأيموجي ”تعبير“ واضعا يده على رأسه، ويبدو أنه لم يجد ما يقول من هول الفاجعة !

رافقني في الطريق كتاب قراءة القراءة للحمود وهو كتاب خفيف لطيف أعارني إياه الصديق الجميل عبدالرحمن الوشلي فما تركته حتى فرغت منه. وقد عودت نفسي عادة في كل رحلة طويلة أن آخذ كتابا فلا أدعه حتى أفرغ منه وهو عمل يزيد عندي هرمون السيروتونين بشكل كبير!

منظر ثلوج آلاسكا على قم الجبال في منتصف ظهيرة اغسطس

هذه سماء الآسكا كما تراها في منتصف شهر أغسطس. تبدو بيضاء ممتدة تحيط بها هيبة طاغية. اقتربنا من الأرض نحو مطار مدينة أنكوريج. وكلما اقتربنا أكثر عادت إلى ذهني ”رخصة القيادة“ وكيف يمكن أن أقضي أيامي في هذه الأرض الخالية بلا سيارة. في المدن الأمريكية الصغيرة تصبح السيارة أمرا لابد منه ولايمكن الاستغناء عنها بوسائل النقل العام، ومع إلحاح الفكرة ظهرت الخطة ”ب“. والخطة ”ب“ هي أنني دائما احتفظ بنسخ إلكترونية للوثائق المهمة في مجلد على جهاز الكمبيوتر. وهذا في الحقيقة ما حصل. عرضت على الموظفة صورة الرخصة فاعطتني مفتاح السيارة. سهل الله عليها في الدنيا والآخرة.

وإن كنت ترجو أن تخرج بفائدة من هذه التدوينة فاجعلها في نسخ كل ملفاتك المهمة كنسخ إلكترونية في مكان آمن فقد تحتاجها يوما ما.

قبل هذا كان من إجراءات ولاية آلاسكا للحد من فيروس كرونا هو إلزام كل القادمين إليها بإجراء مسحة قبل السفر بمدة لا تزيد عن ٧٢ ساعة وتحميل نتيجة الفحص على موقع مخصص لهذا الغرض. كانت فكرة جميلة جدا لكن النتيجة لم تكن جميلة أبدا لأن الناس تكدست لا تدري ماذا تفعل ، والحمد لله لم أضطر للانتظار لأنني كنت قد أنهيت كل هذه الاجراءات قبل السفر.

تكدس الناس - نسبيا- عند الخروج من المطار

مدينة أنكوريج:

عدد سكان المدينة بحسب ويكبيديا أكثر من ٢٠٠ ألف. فيها مسجدان وعدة مطاعم للمسلمين. ومن عادتي في أي مدينة أزورها أبادر إلى مسجدها وذلك لأن أهل المسجد يختصرون عليك الكثير من الأشياء ويجيبون على كل تساؤلاتك بناء على خبرة ومعايشة. كل هذا بلا تفضل عليك ولا منة ولا أذى. يدلك أهل المسجد على أماكن تستحق الزيارة وأماكن لا تستحق الزيارة، تسمع قصة ويروي لك أحدهم خبرا عابرا، تظفر بصديق .. إلخ. والمسجد كذلك ملجأ أرواحنا في كل أرض وفي كل بقعة. المهم توجهت إلى مسجد الرشيد فوجدته مغلقا بسبب كروونا. فاتجهت إلى المسجد الكبير كذلك فوجدته مغلق..

المركز الإسلامي من الخارج ويبدو وكأنه مركز ختبة الصحي :)

عدت أسحب اذيال الخيبة..وأنا الآن أتهاوى أمام بطش النوم.. و ” إنما العيش لمن أغمض عينيه فناما! ”

تصبحون على خير..

الثالث من محرم ١٤٤٢ هـ .

آلاسكا

رحلتي إلى آلاسكا (١)


عصر الأربعاء غرة ١٤٤٢ هـ خرجت من البيت قاصدا السوق لشراء حقيبة سفر صغيرة تناسب الرحلة المفاجئة. كنت أقود السيارة على الطريق المعتاد بكل هدوء والتزام كمواطن صالح ومهذب. وجدت الإشارة أمامي خضراء ونظرت أمامي وعن يميني وعن شمالي فإذا الطريق سالك والأمور تسير في صالحي، ملت بالسيارة يسارا وكلمح البصر أرى دراجة نارية تنطلق نحوي كالبرق.. و طااااخ .. واختفى الرجل واختفت دراجته. كانت لحظات سريعة كالبرق نزلت من السيارة بسرعة فإذا الرجل يتحرك ثم قام يردد عبارات الغضب. ساعدته حتى وصلنا للرصيف، صببت الماء على راسه واصبعه التي كان ينزف منها الدم. حصلت سلسة معتادة من الأحداث بعد ذلك
: الشرطة، شركات التأمين، شركة شحن السيارة.. مهاتفات وإتصالات وغباء مفرط من بعض الموظفات في شركة التأمين، وما زالت الصورة لم تتضح بشكل نهائي حتى هذه اللحظة وأنا استقل الطائرة المتجهة من واشنطن إلى دالاس ومنها بعد ذلك إلى مدينة أنكوريج في ولاية آلاسكا. لا أدري الآن حقيقة أين سيارتي بعد كل هذه المكالمات طويلة لكن كل شيء سيكون بخير بإذن الله.  


سماء واشنطن ١.١.١٤٤٢ 



قبل أي شي أود أن أقول إن لدي حساسية من فكرة السياحة والسفر للمتعة وقد يتفق معي البعض أو يختلف حول هذا   لكنني أذكره عرضا. وقد دونت عنه مدونتين سابقتين تجدها هنا: 


١) لماذا يسيح الناس في الإجازات؟

٢) التفكير بعقلية السائح




ويقيني أن المتعة والبهجة أو السعادة هي حالات من الاطمئنان والاستقرار والتعايش مع الروتين بتصالح. وإن السفر للمتعة أو البحث عن البهجة هو حالة طارئة وغير طبيعية. وأن السفر هنا يظهر كمورفين مسكن ما يلبث أن يزول أثره على الجسم ثم يعود الألم كما كان. ووجدت أمرا في غاية الطرافة أن الطبقة الراقية من المصريين أيام الملكية - مثلا - كانت تتجنب الإشارة إلى السفر للمتعة فيستخدمون كلمات مثل الاستشفاء. وأنا هنا لا أقدم مبررات للسفر وإنما أتحدث والحديث قد يأخذ الإنسان كل مأخذ. 

دعك من كل هذا. وجدت أن لدي ١٤ يوما من رصيد إجازتي السنوية كنت قد أجلتها حتى يأتي الصيف فتكون إجازتنا في السعودية كالمعتاد لكن كروونا قطع الله أوصاله كان بالمرصاد. بيني وبين السفر للسعودية حواجز وسدود: رحلات محدوة من واشنطن، تأشيرة منتهية ، احتمال الخضوع للحجر، فكرة أنك ستأخذ معك هذا الرفيق السيء كرونا لبعض من تحب، اضطرارك لطلب أذن من وزارة الداخلية بالسفر … إلخ. وهذه الـ١٤ يوما ستقضيها بين حجر ومراجعات لأوراق ثبوتية دون الغاية من القرب من الوالدين والأحباب وإطفاء بعض نار الشوق للوالدين والأخوة والأصدقاء. حاولت وفكرت وأقدمت وأحجمت ثم .. استسلمت. زوجتي وأولادي في السعودية وهدوء صاخب يملأ البيت يعيد ذكريات أيام كنت فيها خفيفا كريشة ، في شقتي الهادئة على طريق السودة. وهأنا خفيف كريشة مرة أخرى. 

أين أذهب؟ .. 

البيت خيار رائع جدا وأنا معتاد على البقاء في البيت أياما معدودة دون الخروج إلا للصلوات. وهذا الفراغ فرصة للقراءة الحرة والانتهاء من بعض الأشياء العالقة، والتحديق في السقف، وقص أظافري كل يوم مرة أو مرتين، إعداد الشاهي والقهوة العربية والتركية بتركيز واخلاص، تنقية البريد الإلكتروني، الرد على بعض الإيميلات، إكمال بعض مذكراتي، تعلم إجراء الميتا انلايسس، أخذ دورة في الـSPSS، قراءة كتاب أو كتابين علميين مع الأصدقاء، كتابة مقالة أو مقالتين في التخصص، الإنتهاء من فصول الكتاب الموكلة إلي، تركيب ستارة غرفة النوم، تعليق الرف، رمي بقايا الكنبة، الإلتزام أكثر ببرنامج الرياضة والمشي، اكتشاف أماكن جديدة في دي سي، اقتراب أكثر من الأصدقاء، زيارة خاطفة لغرب فيرجينيا…. إلخ. قائمة تطول بالأشياء التي يمكن عملها في هذه الـ ١٤ يوما. 

الخيار الآخر هو الذهاب إلى مكان جديد تماما للتجربة وليس للمتعة. ولهذا قررت الذهاب للاسكا! .. 


هذه مقدمة طويلة فيما يبدو سأحاول الاختصار وسأحاول التدوين بشكل يومي عن هذه الرحلة.. 

المريض الذي قال لي "لا"!

دعني أقول لك: أنا متيم بهويتي. تحيط بي هالة من النرجسية والغرور حين يأتي الحديث عن الهويات والحضارة والأخلاق. ولهذا أشعر أحيانا أنني لا أرى كثيرا من الجوانب الإيجابية حولي إلا بعد تأمل ومحاولة للتخلي عن التحيزات. وفي نفس الوقت لدي حساسية مفرطة من الانبهار بالآخر ويتكرر على ذهني نص في غاية البيان وجدته في الامتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي: “ قال أبو مسلم صاحب الدولة حين قيل له: أي الناس وجدتهم أشجع؟ فقال: كل قوم في إقبال دولتهم شجعان. وقد صدق؛ وعلى هذا كل أمة في مبدأ سعادتها أفضل وأنجد وأشجع وأمجد وأسخى وأجود وأخطب وأنطق وأرأى وأصدق؛ وهذا الاعتبار ينساق من شيء عامٍ لجميع الأمم …” واستأذن أبي حيان هنا قبل أن يذهب في سجعه أكثر لأنه أحيانا لايتوقف. وعودة على محاولة “عدم الانحياز” لم يبهرني شيء مثل حسن أخلاق من يقود السيارات في الشوارع في غالب المدن الأمريكية التي زرت. فهم يتعاونون ويتسامحون ويتفاضلون بخلاف ماكان يحصل في شارع الضباب في الرياض حين كنت أخرج من مدينة الملك فهد الطبية فلا تكاد تجد من يفسح لك فسحة في المسار حتى تسير مع الناس قاصدا سبيلك. وهنا لا أكاد أشير بإشارة السيارة ذات اليمين أو ذات الشمال حتى يقف أقرب الناس إليك بكل سماحة بلا منة ولا عنف. وهذا الطبع الطيب موجود في كل مدينة ذهبت إليها في أمريكا إلا نيويورك. تشعر في شوارع نيويورك أنك في جدة أو الرياض أو القاهرة. وأذكر أنني عدت إلى جدة بعد أشهر طويلة قضيتها في أمريكا فخرجت من فندقي إلى مكتبة كنوز المعرفة - وهي مكتبة جميلة ومما يقصده القاصدون في جدة- فقد رأيت المسافة قريبة، لا تتجاوز نصف ساعة مشيا. وكان جو جدة ربيعا لطيفا، ومشيت ما شاء الله أن أمشي وبعد ستر الله وحفظه تراجعت بعد أن كادت تلفحني حافلة مرت بسرعة من أمام وجهي. فنظرت إليه باستغراب وكنت أظنه سيعتذر لأنه لم يتوقف حتى أقطع الطريق.. فأخرج رأسه من حافلته وصرخ بأعلى صوته: “مجنون أنت؟! “. فما وجدت جوابا إلا الضحك والله على حالي وحاله وكدت أن أقول له نعم أنا مجنون. وبعد عشر دقائق من المشي عدت لفندقي واستقليت سيارتي.

وحتى لا أذهب بعيدا في هذا أعود فأحكي موقفا عابرا أشجاني كثيرا. جاءني اتصال من قسم زراعة الكبد يطلب استشارة لمريض يعاني من انخفاض شديد في حموضة الدم. قلبت ملفه سريعا على عجل، وافرغت الباقي من كوب القهوة في جوفي ثم مشيت متكاسلا في أزقة المستشفى بغفلة تامة على أمل أن تنتهي زيارتي لهذا المريض سريعا وأعود لمكتبي أكتب ما يُمكن أن يكتب. وصلت لباب الغرفة ٤٠٢٦. طرقت الباب وحيّيت المريض وقدمت نفسي إليه وشرحت له سبب زيارتي له. كان المريض أمريكيا أبيضا ستينيا بملامح هادئة ومريحة جدا، ولحية بيضاء خفيفة، فاسترسلت معه في الحديث وجلست على الكرسي المقابل لسريره. سألته إن كان قد أصيب بأي مشاكل في الكلى من قبل.. فأجابني بـ”لا” عربية جميلة واضحة وقد كان حديثنا كله بالإنجليزية. ظننت أنني لم أسمع جيدا فأكملت الحوار وسألته سؤالا آخرا فأجانبي بذات “ اللا “ الجميلة. هنا توقفت وسألته : هل قلت “ لا” ؟ قال: نعم، باسما. ثم أخبرني أنه عاش مع العرب سنوات طويلة جُلّها في الجزيرة العربية. حين أخبرته أنني من السعودية فاضت عيناه بالدموع وأستغرق يصف لي بملامح تفيض بالعاطفة والود عن الطيبة واللطف الذي عرفه من الناس في الرياض وجدة وأبو ظبي. قال لي: أنتم ناس طيبون جدا جدا، أتمنى أن يعرفكم العالم كما ينبغي. حكى لي عن مجالس القهوة والشاي وجلسات البر مع الأصدقاء. واسترسلنا في الحديث فقال أنه عاش في دبي وأبو ظبي والرياض وأماكن أخرى لكن لم ير الإسلام في دبي لاستغراقها في محاولة ارضاء العالم ففقدت هويتها. قلت له : هل تعلم أننا لا ندرك هذا وأن لدينا نسبة كبيرة من الناس ترى دبي النسخة المطورة التي ينبغي أن نصل إليها؟ قلت له إنني أرى ذوبان الهويات والقيم في كل مكان حتى في أمريكا. فقال لي: دائما أقول لأصدقائي المسيحيين المتدينين إن المسيحية الحقيقة هي في الشرق هناك ويوشك أن يأتي يوم لايجد المسيحي مكانا له في أمريكا بسبب طغيان المادي واللاديني. وقد صدق!.

زرت دبي أول مرة عام ١٤٣٢ هـ، سمعت عنها كثيرا. حدثني عنها المنبهرون كثيرا. سمعت عن برج خليفة الذي لن تراه بشكل مريح إلا وأنت مستلق على ظهرك، عن مطار دبي الرائع. عن أشياء كثيرة ، عن المترو الجميل والسريع والمنظم. رأيت هذا كله. غير أن كل هذا حين رأيته لم يحرك فيّ كثيرا، العالم متشبع بهذا وأكثر . كلنا، البشرية كلها لم تعد بحاجة لمزيد من عمران ومدينة ، لقد وصلت مداها. انسان اليوم وسكينته وهدوئه مهددون بهذا الضجيج وهذا اللهاث خلف العمران والمدنية المادية المجردة. نحن نقيس التطور بجرينا خلف العالم الأول جريا أعمى مجردا من روحنا وهويتنا أعني روح الإسلام وهويته ، وحياء العربي وأخلاقه الأولى. منذ أن وطئت قدمي المطار مرورا بالمول فالمطعم الأمريكي المطل على البحيرة الهادئة ، واللغة الإنجليزية هي اللغة السائدة هنا. اسمها دبي العربية " ولكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان " كما يقول ابن الحسين.

الذي أبكى هذا الغربي بين يدي ليس عمارات دبي ولا فنادقها. بل الود العميق والدفء في العلاقات الإنسانية الذي يملأ حياتنا ولاتكاد تجده إلا قليلا في المجتمعات الغربية المتحجرة. صافحته بحرارة وتفرقنا ثم زرته اليوم الثاني وتحدثنا بود وانسجام. شعرت أن بيني وبينه نسب. اسأل الله عز وجل أن يشفيه ويرفع عنه فقد كان إنسانا لطيفا، وقد خلق في قلبي شعورا لذيذا لا أنساه. والجميل بالجميل يذكر، كنت أسير متثاقلا مرهقا في نهاية يوم عمل طويل، أوقع أوراقا لمريض في الدور الخامس من المستشفى. وقعت عيني في الطريق على وجه شرقي كأنه ابن قريتي، فابتسمت له وألقيت عليه السلام وانصرفت لما أنا فيه. وإذا بي أسمع من يقول : “ يالحبيب!”، قلت: أهلا وسهلا!.

- الأخ من وين؟

- من السعودية.

- ونعم فيكم والله. تعال تفضل معنا.

- الله يكرمك مشغول والله وتشرفت برؤيتك.

- وش دعوة؟ معك فلان الكويت والله تجي نقهويك.

أخذني الكويتي الكريم لغرفته وفيها من كل النعم فسقاني قهوة عربية ولجت إلى عروق مخي وقلبي. لك الله أيها الكويتي الجميل. أغرقني بكرمه وفضله ورواني من قهوته وأطعمني من تمره اللذيذ من حيث لا أحتسب. وما زال يواصلني وأواصله منذ ذلك اليوم. هذا الموقف الإنساني العابر، هو ما يفقده الغربي ولا يمكن أن يدركه.

واشنطن ١٤٤١ هـ

سبع عجاف

هذه أبيات كتبتها في السنة الخامسة من كلية الطب .. ولها محل عزيز في نفسي ..

صورة لجامعة الملك خالد

الهم والغم والإثقال والملل

ماذا أتى بك هذا الدرب يا رجلُ ؟

**

سبع عجاف ستقضيها بلا كلل ..

أمسك الجن ، أم قد نابك الخَبَلُ ؟

**

سنين يوسف قد درات عليك كما

دارت عليهم رحى الأيام والمحل !

**

ماذا يضيرك لو ألقيت ما حملت

هذي الكواهل ، واغفل مثلما غفلوا

**

تمشي الرواحل في لهو وفي دعة

وأنت وحدك هذا الراكب العَجِلُ ..

**

يقضي السهارى لياليهم على سمر

حلو ، وأنت بشؤم الكتب منشغل ..

**

" أشغلت نفسك " " قد أنشبتها " صعدا ..

أما تراهم إذا ما أُثقلوا انفتلوا ؟

**

وأنت وحدك كالمنبوذ ما رويت

منك الحياة ، وما أودى بك الملل ..

**

" اقذف من العشر تسعا " إن أردت هوى

صبابة ، يرتجيها العاشق الثمل !

**

صمت ، أسمع ما تحكي محدثتي ..

بأعين قد عراها الجهد والكسل !

**

جميلة ، قد كستها الشمس حلتها

وهام شوقا إليها عاشقا زحل !

**

رقيقة ، مثل أنسام الصبا ولها ..

سحر ، يخر له المستكبر البطل

**

تقول عاذلتي هذا وقد يئست

مني وخامرها الإعياء والكلل ..

**

تقول في نفسها والعين تفضحها ..

" واهٍ عليك ، وواهٍ منك يا رجل ُ ! "

**

كانت كوعل أتى صخرا ليوهنه

فلم يهنه ، وأوهى قرنه الوعل ..

**

يا عالم الطب يأنسي ويا ألمي

يا علقما يا مذاق السم ، يا عسل !

**

يا أعذب اللحن ، يا أنشودة صدحت

يا زهرة القلب ، يا أشواك ، يا علل

**

أخذت مني زهور العمر ، أجملها

وجاءني العلم والتاريخ والأمل

**

هذا الشباب بهم الطب منشغل

والشيب - إن مدت الأعمار - منشغل

**

يا ناشيء الحلي ، يا عشقي وسيدتي

عذرا إليك ، وأنت الشعر والجمل ..

**

الطب روحي فلا تجني عليه إذا

أردت وصلي ، وإلا : إنني رجل ُ:

**

تنتابه عزة بالنفس إن شمخت

أنثى عليه يقل : للعاشق الشلل !

**

هذي العجاف - التي قلت ِ - حديث منى

أنشودةُ الحلم ، والأنغام ُ والنفل ُ

**

أحلى القصائد ما كانت " مسبعة "

مزهوة قد كسا أزهارَها البلل !

**

يكفي من السبع ، دعْوات ترددها

أمي بحب ، وستر الليل منسدل ..

**

ياربي فاحفظ فؤادي كلما شرقت

شمس ، وطاف عليها السعد والأمل ..

**

" رعاك ربي " " حماك الله " يا ولدي ..

سلمت َ ، فزت َ ونلت الخير يا بطل ُ

**

يكفي من السبع إبصاري وتذكرتي

إيماني الحق ، هذا المعجز الجلل

**

ما النفس ، ما القلب ، ما الأسماع ما لغتي ..؟

ما الحب ما البغض ، مالتفكير ما المقل ؟

**

ما وجهك ِ البض ، ما ثغر به درر ؟

ما ذلك السحر في عينيك يعتمل ُ ؟

**

لولا العجاف التي قلت لما بلغوا

علما ، وإن رددوا قولا وإن عملوا ..

**

آمالنا كسحاب مثقل هَطِلٍ ..

لكن تناوشه ريح فيرتحل !

**

ياربي فيك رجائي منك أمنيتي

وفيك أعظم ما أرجوه والأمل ُ

الأحد 22/10/1430

حفل انطلاقة الأنشطة - كلية الطب

ماذا رأيت في عالم الموت ؟ - ألفرد آير (ترجمة)

قبل أيام قليلة دخلت على مريض عائد من سكتة قلبية، وقليلا ما يعود الإنسان لوعيه الكامل وصحته وكان صاحبي هذا من هؤلاء القليل. كان غاضبا جدا على الطاقم الطبي كله لأنه قد أشار بكل وضوح في وصيته أنه لا يريد أن يُجرى له أي نوع من أنواع الإنعاش. كان الرجل منطلقا في حديثه فبدأ يحكي ماذا رأي على حافة الموت. يقول: بدأ ضوء أبيض يحيط به من كل جانب وبدأ يشعر بسعادة غامضة وفجأة حصل ما حصل وجُر مرة أخرى إلى هذه الحياة.. كان يتحسر وهو يروي قصته هذه ويكرر عبارات الغضب على هؤلاء الذين حرموه رفقة هذا الضوء الأبيض. وفي لحظات كهذه قد يرى الإنسان أي شيء وقد يتخيل أي شيء ولايمكن أن تؤخذ قصة مثل هذه بجدية. تذكرت مباشرة مقالة ألفرد آير وكنت قرأتها قبل أشهر وتذكرت حديثه عن الضوء الأحمر الذي رآه عندما اقترب من حافة الموت . والمقالة تحمل من الطرافة ما تحمل فهي صادرة من فيلسوف كبير وقد زعزعت هذه التجربة إنكاره للغيب وإنكاره لوجود حيوات أخرى بعد الموت - ولو لوقت محدود-.

ومن الواضح أن الرجل لم يمت وإن ظن أنه فعل، وقد كتب حينها أستاذ علم وظائف الأعضاء في جامعة كامبريدج ”كولن بلاكمور“: ” ما حدث لألفرد آير كان بسبب نقص الأكسجين الذي أثر على وظائف القشرة الدماغية وقادت للحظات من الهلوسة“. ورغم هذا فقد أحدثت المقالة ردات أفعال متفرقة من أضداد متفرقين وكان من بينها تحليلات تقول أن الملحد العنيد قد تراجع عن إلحاده فاضطر لكتابة مقال استدراكي حاول أن يؤكد فيه أنه ما زال ”مؤمنا بالإلحاد“-. والكاتب بريطاني المولد والوفاة ( ١٩١٠-١٩٨٩ م ) وعرف بتبنيه للفلسفة الوضعية المنطقية من خلال كتابه: " اللغة والحقيقية والمنطق“. لكنه بقي مخلصا للمدرسة التجريبية وبرفضه المطلق للغيب وكل ما لايقاس بالتجربة ، وعُد من أكثر الفلاسفة البريطانيين تأثيرا في القرن العشرين.

المقالة:



ماذا رأيت في عالم الموت؟

ألفرد أير.

كنت في الولايات المتحدة حين أصبت بالتهاب رئوي أقعدني عشرة أيام في إحدى مستشفيات نيويورك. قرر بعدها الأطباء أن صحتي تؤهلني للخروج من المستشفى. لكنهم قبل ذلك أجروا أشعة لصدري جعلت أكثر هؤلاء الأطباء حرصا يوصيني بالبقاء في المستشفى لعدة أيام أخرى، لكنني كنت قد تهيأت نفسيا وجسديا للخروج فقررت المغامرة ومغادرة المستشفى. قضيت الأيام التي تلي خروجي في شقة زوجة ابني ثم رحلت إلى بريطانيا.

عندما وصلت بريطانيا كنت على قناعة أنني تعافيت تماما فانغمست بلا شعور في عاداتي الاجتماعية التي تعودت عليها قبل سفري إلى أمريكا. وفي الثلاثين من شهر مايو خرجت لغداء أكلت فيه وشربت بشراهة وانطلقت في أحاديث لاتنتهي. ذلك المساء عادت علي نوبة أخرى فلم أتمكن من أكل شيء من طعام أحضره أحد الأصدقاء وطبخ لي شيئا منه.

كان اليوم التالي يوم من أيام الإجازات في بريطانيا، وقد خططت قبل فترة طويلة مع إحدى الصديقات أن نلتقي في هذا اليوم، وقد كانت حريصة على هذا الموعد حتى ألتقي بابنها. ربما لو كان لدي طريقة للتواصل معهما لأجلت الموعد أو ألغيته لكن هذه الصديقة كانت قادمة من إكستر ولم يكن لدي طريقة للتواصل معها أثناء وجودها في لندن. كان الموعد في فندق سافوي فاستأجرت سيارة أجرة وحين وصلت لم أكد أقوى على جر قدمي في بهو الفندق. طلبت سمكا مشويا وأجبرت نفسي على الأكل منه وقضيت الوقت في محاولة للاستمرار في الحديث حتى النهاية. لكنني اضطررت للمغادرة مبكرا مستقلا سيارة أجرة مرة أخرى.

ازددت سوء ذلك المساء. ومرة أخرى لم أستطع أكل شيء من عشاء أحضرته صديقة أخرى، وحين لاحظتْ ضعفي قررت أن تقضي ليلتها معي. عندما أتى الصباح والحال على ما هو عليه اتصلتْ بطبيبي وبابني جوليان. أما الطبيب فقد ذكر أنه سيحاول الاتصال بالأخصائي، وأما جوليان الذي اعتاد أن ينجز الأشياء بصمت فقد اتصل بالاسعاف الذي حضر بسرعة وانطلق بنا إلى المستشفى الجامعي . الذي أتذكره مما حصل بعد ذلك لايكاد يُذكر. أخذوني إلى غرفة كان قد حجزها الاخصائي قبل وصولي في جناح خاص. ثم نقلوني بعد ذلك إلى العناية المركزة بعد أن أجريت الأشعة والتحاليل التي بينت إصابتي بإلتهاب رئوي حاد مرة أخرى. كان من حسن حظي أن الطبيب الشاب الذي يرعاني كان طالبا في الكلية الجديدة بأكسفورد عندما كنت زميلا بها وهذا ما جعله حريصا أكثر على صحتي. كان تقديره وحرصه علي مبالغا فيه حتى إنه كان يفسد علي راحتي التي يراها “ الأخوات “ والممرضات المتمرسات ضرورية جدا لمريض مثلي.

بدأت أتعافى تحت رعايته ورعاية الأخوات والممرضات وكان من المفترض أن أُنقل خارج العناية المركزة خلال أسبوع. كان خطأي أنني لم أحاول أكل طعام المستشفى فالعائلة والأصدقاء كانوا يحضرون كل أنواع الطعام الذي أحبه، وتحديدا السلمون المدخن الذي أجد نفسي مولعا به. وفي إحدى الليالي قذفت قطعة من السلمون في فمي بكل تهور، فأخطأت طريقها ومباشرة بدأت نبضات قلبي بالتوقف على ورق تخطيط القلب. هرعت الأخت المعنية بالجناح لتنقذني لكنها لم تفلح. أخبرتني بعد ذلك هي والطبيب أنني رحلت عن الحياة لمدى أربع دقائق. والحقيقة أنني لم أجد سببا للإنكار. تحدث الطبيب مع ابني نيكولاس الذي وصل من نيويورك ليكون بجانبي في المستشفى وأبلغه بأن احتمالية الشفاء ضعيفة بل إنني حتى لو تحسنت جسديا فإن قدراتي العقلية لن تعود كما كانت. هذا التحذير كان مختلفا عن رأي الممرضات الذين كانوا أكثر تفاؤلا، واختار نيكولاس بحكمته الميل لهذا الرأي.

لا أتذكر شيئا أبدا مما حدث لي خلال ذلك الوقت. قال لي أصدقائي إنني كنت محاطا بالأنابيب من كل جانب. أنابيب كثرة لا أعلم ماهي وما الفائدة منها إلا الأنبوب الذي قيل لي بعد ذلك إنه وضع في حلقي لإخراج البلغم العالق في رئيتيّ. لم أكن أعلم أن الغرفة اكتظت بالناس حتى إن أختي اضطرت لتنظيم الزيارات وتقسيم الوقت بين الزوار. الذي علمته جيدا أن الأطباء والممرضات استغربوا من سرعة تحسني ، بل عندما بدأت أتكلم عبّر الإخصائي عن دهشته كيف يمكن لشخص بهذا القدر القليل من الأكسجين في رئتيه أن يكون صافي الذهن بهذا القدر.

أول عبارة تلفظت بها، وجعلت مَن حولي يدرك أنني لم أفقد حسي الفكاهي: “ كلكم مجانين!”. لا أدري كيف يمكن تفسير هذه العبارة لكن ربما اعتقدت أن كل حولي هم من المسيحيين المؤمنين وأردت أن أقول لهم إنني لم أجد شيئا في عالم الغيب. التفسير الآخر أنني أعتقدت أن كل من حولي هم من المتشككين وأردت أن أخبرهم أنني بالفعل وجدت شيئا بعد مماتي. وأظن أن التفسير الأول هو الأقرب وإلا كان من المفترض أن أقول: “كلنا مجانين” إن كان التفسير الثاني هو الصحيح. وفي كل حال لا أمكن أن أجزم بشيء.


أولى العبارات التي بيّنت عودتي للوعي والإدارك قلتُها بعد عدة ساعات من عودتي للحياة وكانت في حديثي مع صديقة فرنسية عرفتها منذ خمسة عشر عاما. استيقظت لأجدها جالسة جوار سريري فبدأت بالحديث معها بالفرنسية. وأنا أتحدث الفرنسية بطلاقة ووضوح فبدأت أقول: “ هل تعلمين أنني كنت ميتا؟. عندما حاولت عبور النهر للمرة الأولى كنت مترددا محبطا، لكنني نجحت في محاولتي الثانية. كان تجربة استثنائية ، وحتى أفكاري استحالت إلى شخوص“.

هذه العبارة تشير إلى أنني لم أنس تعليمي القديم بشكل كامل، فالأسطورة الإغريقية تحكي أن أرواح الموتى تُجبر على عبور نهر “ستيكس” لتصل إلى هاديس إله الأرواح. ولتعبر النهر لابد من أن تدفع “ أوبل” إلى المراكبي “شارون”. وربما تذكرت “ديفيد هيوم” الفيلسوف المفضل عندي في مرضه الأخيره و“شارون” يناديه: بـ “الكسول المتسكع الشقي”. وهيوم أجاب بلطفه المعتاد أنه رأى الموت يقترب منه ولم يبذل أي جهد لتأخيره. لقد كان هذا الموقف من من المواقف القليلة التي فشلت فيها في اقتقاء أثر “هيوم” ، لأنني حاولت أن أطيل حياتي خلافا لفعل هيوم.

الشيء الوحيد الذي أتذكره جيدا وجربته عن قرب في طريقي إلى الموت كان غامضا جدا:

واجهني شعاع أحمر مشع بالغ الإشعاع ولم يكن مشعا فقط بل كان مؤلما جدا، حتى عندما كنت أحرف وجهي عنه. كنت أشعر أن هذا الضوء هو المسؤول عن التحكم في الكون كله، وله وزراء وٌكلت لاثنين منهم مسؤولية “الفراغ”. هذان الوزيران يتفحصان الفراغ باستمرار وللتو انتهيا من أحد فحوصاتهما المستمرة ، لكنهما لم يقوما بالعمل كما ينبغي فاختل نظام الفراغ فصار كأحجية صور لم تُحل بشكل صحيح ولم تُشبك بعناية. توقفتْ قوانين الطبيعة عن العمل وشعرتُ أنني مكلف بإعادة النظام للأشياء مدفوعا بالرغبة لإطفاء هذا الشعاع المؤلم. كنت أفترض أن مسار الكون قد اختل وأنه سيعود لطبيعته لو عاد النظام كما ينبغي. لم يكن لدي أي فكرة عن المكان الذي سأجد فيه حراس هذا الفراغ وكنت تحت سطوة الخوف من إنني حتى لو وجدتهم فلن أكون قادرا على التواصل معهم. ثم خطر في ذهني فجأة قبول الفيزئايين حتى هذا القرن للفصل الذي أفترضه نيوتن بين الزمن والفراغ حتى صار أمرا من المسَلّمات، حتى ظهر قانون اينشتاين للنسبية الذي يتعامل مع الزمن والفراغ كشيء واحد. ولهذا فكرت بأنني قد أعيد الفراغ لنظامه بمعالجة الزمن. كان لدي إحساس مبهم أن الوزراء المسوؤلين عن الوقت موجودون بالقرب مني فبدأت بالصراخ والنداء ولكن لم أجن من ذلك إلا الإحباط، لأنهم إما لم يسمعوا نداءاتي أو ربما سمعوها لكنهم اختاروا أن يتجاهلوها. وربما سمعوا لكنهم لم يفهموا ما أقول. وبلا تفكير بدأت أمشي في كل اتجاه وبدأت ألوح بساعتي لعلهم ينتبهون للوقت فيها لكن أيضا بلا نتيجة. حاصرني اليأس أكثر وأكثر حتى انتهت هذه التجربة فجأة!

هذه التجربة ربما ليست إلا محض وهم، لكنّ قصة حكتها لي صديقتي الفرنسية عن أمها جعلتني قد أظن أن ما خضته كان تجربة حقيقية. فصديقتي تقول إن أمها قد أصيبت مرة بـتوقف مفاجيء لقلبها وحين عادت للحياة كان تقول إن هذا الضوء الأحمر هو ما كل رأته. إن النظرة الأولى لهذه التجارب على افتراض أنها ليست مجرد أوهام وضلالات = تُعتبر أدلة قوية على أن الوعي لا ينتهي بالموت. ولكن هذا لايقودنا ضرورة إلى القول بأن هناك حياة أخرى لأن معايير تعريف الموت حتى وإن كانت متماسكة منطقيا إلا إنها قد لاتكون متوفرة جميعا في الوقت ذاته. ولقد فهمت من هذا المثال أن توقف القلب لايقتضي منطقيا ولا سببيا توقف المخ. وعندما نعتمد على على الأدلة القوية التي تدلل على أن الأفكار تدور في المخ، فالفرضية الأقرب إليّ أن عقلي كان يعمل على الرغم من أن توقف قلبي في تلك الدقائق الأربع.

أقول: إن كنت قد توصلت إلي تفسير جيد للإيمان بحياة مستقبلية فلن يكون هذا التفسير مقيدا بي وحدي، ولنعترف أن الإشكال الفلسفي في تفسير إيمانِ أحدِنا الواثق بوجود ”عقول أخرى“ وما تحتويه من أفكار لم يتم حله بصورة مرضية. بل ليس هناك فليسوف واحد قد أغرق في الذاتوية -باستنثاء “فيخته” الذي كان يقول أن العالم هو فكرته -وربما لم يعن ذلك حرفيا-. ولا يوجد فيلسوف واحد قرر بجدية أنه لا شيء في الكون على وعي إلا هو. بل إن من البديهي عند كل الناس وليس عند الفلاسفة فقط أن عقول الناس تتماثل إلى حد كبير. وبناء على هذا أقول: إن كان بإمكاني تقديم تصور معقول لحياة أخرى بعد الموت فإن الآخرين كذلك قد يصلون لتصور مماثل.

لنفترض جدلا أننا سنحيا حياة أخرى بعد الموت فعلى أي صورة ستكون؟. أسهل الإجابات أن نقول إنها ستكون امتدادا لتجاربنا دون ارتباط بالجسد. وهذه الإجابة ينبغي أن تعجب التجريبيين المتطرفين فهي بكل تأكيد تتماشى مع مفهوم الهوية الذاتية التي تبناها “هيوم” و “ويليم جيمس”، والتي تقول إن الهوية الذاتية هي سلسة من التجارب الشخصية التي حفظتها الذاكرة وليست عبارة عن روح خالدة. وهم رغم هذا لم يُنزلوا نظريتهم على حياة مستقبيلة ، لأن ”هيوم” مثلا لم يكن يؤمن بحياة مستقبلية من الأساس.

الإشكالية التي تواجهني وتواجه كل من يميل إلى هذه النظرية هو كيف يمكن أن نكتشف الرابطة - أو الروابط- التي تربط بين هذه التجارب وتجعلها منتمية لشخص بعينه!. لقد اعترف “هيوم” أنه لم يجد طريقة لحل هذا الإشكال بينما اعتقد “ويليم جيمس” أنه وجد الإجابة في الشعور بالمعية والاستمرارية الذي نجده في أفكارنا وأحاسيسنا، مع الاعتماد على الذاكرة لجمع التجارب المتفرقة. ورغم إننا لا نختلف حول ضروة الذاكرة هنا، إلا إنها غير كافية تماما.

لقد قد قمت بنفسي بإجراء دراسة وتطوير لهذه النظرية في كتابي “أصول البرغاماتية” وكنت مجبرا على الاستنتاج بأنني لن أتمكن من تفسير الهوية الذاتية دون الاعتماد على هوية جسد واحد أو عدة أجساد قد يسكنها “الشخص” عبر الزمن. بل أعترف أنني لم أستطع إيجاد تفسير مُرضِ للطريقة التي يمكن لسلسة من التجارب أن ترتبط بجسد واحد في نقطة معينة من الزمن. هذا الاعتراف -بأن الهوية الذاتية عبر الزمن تتطلب هوية لجسد معين- هو من الملامح العجيبة في المسيحية. وأقول عجيبة لأنه يظهر لي أن المسيحيين اختاروا طوعا أن ينسوا بأن الإيمان ببعث الأجساد هو جزء من عقيدتهم. وليس صعبا السؤال عن الكيفية التي تستمر فيها الهوية الجسدية على فترات متباعدة من الزمن،لأن الإجابة قد تكون بالتسليم بأن ذرات الجسد سوف تتحد مرة أخرى، فيحصل ما يمكن أن يقال إنه تماثل جسدي كبير لا أكثر، مزيّنا بتشابه في السلوك.

هناك أغلوطة شائعة تفترض أن اثبات حياة بعد الموت هو أيضا اثبات لوجود إله. وهذا أمر بعيد جدا. وكما قد أكدت سابقا: إن كان لايوجد سبب منطقي للإيمان بإله خالق أو مدبر للعالم، فإنه لايوجد سبب منطقي للإيمان بإله خالق ومدبر لعالم مقبل، على فرض مرجح بوجود عالم مقبل. ومن السهل تصور أن تجربة شخص لحياة بعد الموت سوف تكون وسيلة إلى الاستدلال على وجود إله، لكننا في الوقت ذاته لانملك الحق في افتراض ذلك بناء على هذا الدليل، وخصوصا عندما لا نمتلك تجارب متعلقة بوجود إله.

ويستحق أن أذكر هنا اثنين من أهم الفلاسفة في هذا القرن “ميكتاقرت” و”برود”. ممن آمنوا بأنهم سيعيشون بعد الموت رغم كونهما من الملاحدة. فميكتاقرت استنتج إيمانه بذلك من ارتباطه بالميتافيزيقا التي تقول إن الأشياء المادية التي نراها هي في الحقيقة أرواح خالدة تقابل بعضها بعض مع شيء من الحب.

“برود” كان أقل انطلاقا مع الخيال من ميكتاقرت وكان في الوقت ذاته متأثرا بدراسة السحر. وكان أذكى من أن يعتقد بالحياة بعد الموت بناء على القدرة الخارقة التي يمتلكها البعض في تخمين ماهي الورقة المخفية ضمن أوراق اللعب- وإن كان قد توصل بعد بحث دقيق بأن هناك من يملك هذا النوع من القدرات الخارقة-. لذلك أعتقدُ أن إيمانه بحياة أخرى كان بسبب تأثره بشهادة السحرة حوله، فقد كان مقتنعا بأن بعض هؤلاء يملكون تجارب حقيقية على الرغم من إدراكه الكامل بأن الخداع هو الغالب على مايصنعون. وقناعاته هذه لم تجعله متفائلا بل كان يرى هذا العالم مليء بالقبح ، وأن العالم بعد الموت - إن وجد- لن يكون أقل قبحا. فإيمانه بحياة أخرى لم يكن لرغبة عارمة لديه في العيش بل لأنه أعتقد بصورة احصائية مجردة أن فرصة وجود الحياة بعد الموت تتساوى مع ضدها. كان من إحدى حكمه الجميلة: لو صدَق الإنسان أن الحياة بعد الموت ستكون كما يصورها السحرة ، لكان بمثابة عشاء انتصار دائم في إحدى جامعات وليز.

وإن كان “برود” ملحدا فإن صديقي الدكتور “ألفرد إيونق” لم يكن كذلك. لقد كان إيونق أصيلا، ومنصفا حتى بالمعايير الأكاديمية، ومثقفا حاذقا، وصادقا غاية الصدق، وكان مسيحيا مخلصا كذلك. كنت أداعبه يوما فسألته:” ألفرد! أخبرني ماهو أكثر شيء تتطلع إليه في العالم المقبل؟” ، فأجابني مباشرة: “ أن يخبرني الإله إن كانت “ القضايا القَبْلية” شيئا حقيقيا”. لقد كانت إجابة مضحكة جدا لأنها جاءت ساخرة من نقاشنا الغريب.

أبرر ذكري لهذه القصة بأن الإشكالات الفلسفية المماثلة تقوم على السؤال إن كانت الافتراضات قائمة على التحليل الاستدلالي analytic أو على التركيب الواقعي synthetic. خصوصا في المنطق والرياضيات البحتة. فإن كانت تحليلية: فإن السؤال يأتي إن كانت صحيحة بناء على العرف العام وليست في حاجة للحل بمعلومات إضافة، وأن كل ما نحتاج إليه هو أن ننجح في الوصول إلى تصور أكثر وضوحا لهذا النوع الإشكالات!. قد يطمح الإنسان بأننا سنكون أكثر ذكاء إذا انتقلنا لحياة أخرى، لكنني في الحقيقية لا أجد سببا منطقيا للإيمان بمثل هذا. بل حتى أكثر “الربوبيين” حماسالايمكن أن يعتقد أن الإله -إن وجد- سوف يمنحنا مقدارا عاليا من الذكاء في الحياة الأخرى!.

إن الإشكالية الفلسفية الوحيدة التي قد تُحل لو وجدنا أنفسنا في حياة مستقبلية هي إشكالية فهم العلاقة بين العقل والجسد وما إذا كانت الحيوات المستقبلية ، هي شيء من إطالة سلسة تجاربنا الحاضرة وليست بعثا للأجساد من جديد. وفي تلك الحالة سنشهد انتصارا “للثنائية” ، ثنائية تختلف عن الثنائية التي ظن “ديكارت” أنه قررها. وإذا كانت حيواتنا المستقبلية عبارة عن سلسلة من التجارب الممتدة فلا يوجد سبب منطقي لنعتبر أنفسنا كائنات روحية.

وأخيرا أقول: إن تجاربي الأخيرة قد زعزعت يقيني بأن الموت هو نهايتي الحتمية وإن كنت أرجو أن يكون الأمر كذلك، ولكنها لم تزعزع يقيني في عدم الإيمان بوجود إله. إنني أعتقد أن استمراري كملحد سوف يقلل من قلق زملائي الداعمين للجمعية الإنسانية البريطانية، وجمعية الصحافة العقلانية وجمعية ساوث بليس الأخلاقية.

هذه الترجمة نشرت من قبل في مجلة حكمة على هذا الرابط

ماذا رأيت في عالم الموت - ترجمة محمد الشهري

  1. Edwards, Paul, ed. Immortality. Prometheus Books, 1992.

  2. Ayer, Alfred J. "Postscript to a Postmortem." http://archive.spectator.co.uk/article/15th-october-1988/13/postscript-to-a-postmortem

  3. Macdonald, Graham and Krishna, Nakul, "Alfred Jules Ayer", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2018 Edition), Edward N. Zalta (ed.)“ Sir A.J Ayer” by Ben Roger, Encyclopaedia Britannica.

  4. The Stanford Encyclopedia of Philosophy.

  5. فندق تاريخي في لندن

Solipsism

  1. (7) فيلسوف إنجليزي ميتافيزيقي. كان مهتما بتراث هيغل ت : 1925 م.

McDaniel, Kris, "John M. E. McTaggart", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.)

(8) تشارلز دونبر برود فيلسوف إنجليزي كذلك. كان له اهتمامات فلسفية واسعة ومنها الاهتمام بالسحر والظواهر غير الطبيعية. انظر أيضا:

Gustavsson, Kent, "Charlie Dunbar Broad", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.))

(9) أقرب ترجمة أستطعت الوصول إليها لهذه العبارة!

“ One of his better epigrams was that if one went by the reports of mediums, life in the next world was like a perpetual bump supper at a Welsh university.”

10) priori proposition وهي المعارف التي لم تنتج عن تجربة مباشرة

(11) هناك مقال بعنوان : ملحد يلتقي بمدبر الكون لـ Peter Foges يشكك في كثير من تفاصيل هذه المقالة ويذكر تفاصيل لحوار دار بين آير والطبيب الذي أشرف على حالته، لم يشر إليه آير في أي من مقالاته، انظر مقال Foges هنا :
http://web.csulb.edu/~plowentr/Ayer%20NDE%202.pdf

سبعة كتب ( ٣ )

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.


١) - إلى الجيل الصاعد : أحمد السيد.

أظن أن هذا الكتاب من الكتب التي يجب أن يُوصى بها أبناء هذا الجيل الحائر… والكتاب على صغير حجمه جميل ثمين. وأوصي به لكل من هم أقل من الثلاثين.

٢)- الشاعر حمد الحجي:محمد بن سعد بن حسين.

أول معرفتي بهذا الشاعر كانت خلال دراستي للطب النفسي في الكلية عام ١٤٢٩ هـ تقريبا وكنت قرأت عنه مقالا عابرا لا أدري أين، وقرأت قصيدته التي يصف فيها شقاوته واكتئابه.

أأبقى على مر الجديدن في جوى

ويسعد أقوامٌ وهم نُظَرائي؟

ألستُ أخاهم قد فُطِرنا سويّةً

فكيف أتاني في الحياة شقائي؟

أرى خَلْقَهم مثلي وخلقيَ مثلَهم

وما قصّرتْ بي همّتي وذكائي

يسيرون في درب الحياة ضواحكاً

على حين دمعي ابتلّ منه ردائي

وهل لهمو جودٌ بما في أكفّهمُ

وإني مدى عمري من البخلاء؟

وهل كلُّهم أوفَوْا بكل عهودِهم

ومن بينهم قد غاض ماءُ وفائي؟

….

….,

لقد نظروا في الكون نظرةَ عابرٍ

يمرّ على الأشياء دون عناء

وأصبحتُ في هذي الحياة مُفكّراً

فجانبتُ فيها لذّتي وهنائي

ومن يُطِلِ التفكيرَ يوماً بما أرى

من الناس لم يرتحْ ونال جزائي !

المهم قرأت عنه وجمعت مادة للكتابة عنه لكنني انشغلت وسارت بي الأيام حتى دخلت مكتبة نائية هنا في فيرجينيا ووجدت هذا الكتيب لقصائد جمعها المؤلف للكاتب رحمه الله. وله ديوان أجمع جمعه محمد بن أحمد الشدي بعنوان عذاب السنين. فيه قصائد تفيض بالألم والحزن الحسرة. والشاعر ممن لا يكاد يذكر حين يأتي ذكر الشعراء السعوديين.

٣) - حلم رجل مضحك ، ديستوفيكسي

قصة في عدة صفحات.

لم تعجبني. وكأنه ليس ديستوفيسكي الذي أعرف.

٤) على خط الانتاج: جميل الرويلي.

الكتاب وإن لم يكن كتاب موعظة إلا أنه مليء بالمواعظ البليغة لمن كان له قلب. وفيه من الأفكار التي تكاد تختفي حول علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقته بالوظيفة والعمل والمال .. إلخ. أعرف أن الكاتب ليس يساريا ولا علاقة له بذلك لكن قاريء الكتاب قد يظن أن الرجل من بقايا اليسار العربي. وقد تلذذت بالكتاب كثيرا وأثار في ذهني تساؤلات أحاول تثبيطها لأن الإجابات عليها ليست يسيرة، وهو قصير وخفيف في مئة صفحة.

٥) مقنعة السائل عن المرض الهائل:

الكتاب رسالة عن طاعون وقع في الأندلس عام ٧٤٩ هـ وهو قصير جدا. المحقق أضاف في أوله وفي آخره. وكان من الملفت أن ذلك الطاعون جاء من الصين كما نُقل عن الرواة، وذكر المؤلف وغيره ممن نقل المحقق بعض نصوصهم عن ضرورة العزلة والقرار عند وقوع الطاعون كما جاء في الحديث كذلك.

٦) نظام التفاهة - ألان دونو:

المترجِمة قدمت الكتاب بتقديم جميل جدا وغني لكن الترجمة جاءت جافة جدا وقد تضطر لقراءة العبارة عدة مرات حتى تفهم المراد. بل أحيانا كنت أضطر للقفز عدة أسطر والعودة عدة أسطر لمحاولة فهم ما يراد. وهذا للأسف حال كثير من الكتب الفكرية المترجمة.

شدني من الكتاب أشياء كثيرة أبرزها الآتي:

أ. نقده الشديد للنظام الجامعي بشكله الحالي، وكيف أن “النشر” بحد ذاته صار غايةً يسعى إليها الأستاذ. هو يقول ذلك وأنا أرى كثير من الأطباء حولي ممن ينشر بشكل مكثف لكنه ضعيف جدا في التعامل مع المرضى. وكان صادقا في ملاحظاته الدقيقة حول غلبة الشللية على العمل الأكاديمي.

ب. مصطلح الفن التخريبي. وهو الفن الذي يتقصد استفزاز وإثارة “المؤسسات القائمة”. و”المؤسسات” هو مصطلح يكرره المؤلف كما يكرره غيره، ويعني بالمؤسسات القيم الاجتماعية والدينية التي يتعارف عليها مجتمع معين. والكاتب لم يكن ناقدا للفن التخريبي بشكل عام بل ينقد كيف صار حتى هذا النوع من الفن موجها من الحكومات والمؤسسات بعد أن كان عبارة عن ثورة فنية ضد السائد.

الكتاب خُتم بعبارات حماسية و”أسئلة خطابية” مشحونة بالغضب على الواقع.

“ أنا ، النكرة المسكين، ما الذي يمكنني عمله؟ بهذا الصدد؟”، توقف عن السخط وانتقل إلى السؤال التالي: اعمل بلا هوداة لخلق توليف من القضايا الوجيهة، التق مع الآخرين في تجمعات بخلاف الطائفية والشللية، اسخر من الايديولوجيات، اختزل المصطلحات التي تريد البروباغندا كتابتها في جوهر ذواتنا وحولّها إلى موضوعات مجردة للتفكيرـ تجاوز أساليب السيطرة التي تمارسها المنظمات، وحاول خلق بنى ً تشبهنا.

كن راديكاليا! “

وهذه العبارات لن تفهم بشكل واضح ما لم يقرأ القاريء الكتاب.

الكتاب بشكل عام -رغم جفافه الشديد- يستحق القراءة.

٧) عالم جديد شجاع - هكسلي:

كتُبت هذه الرواية عام ١٩٣١ وهي محاولة لتصوير عالم مستقبلي متخيل لبشرية خالية من المشاعر والقيم الإنسانية، ومنسلخة من القيم والأخلاق. وفيه يكون الإنسان نتاج عمليات كميائية مخبرية، وتصبح الأسرة والأب والأم أشياء من القديم الذي يُعاب ولا يمكن أن يذكر. ويبقى بقية قليلة تدير هذه المجتمعات المقولبة وتعرف حقيقة الإنسان ، لكنها تحرص كل الحرص على إخفاء الحقائق عن هذه الأجيال، وتخفي الكتب السماوية وكتب الأدب والتراث العالمي حتى لا يرى المجتمع المصنوع أي أفكار تخالف ما هو عليه.

من مزايا هذه المجتمع المخبري: الاستهلاك الدائم والانغماس في اللحظة والهرب من الحزن بتناول المهدئات والاستغراق في اللذائذ. فجأة يظهر شخص بدائي يسائل هذا المجتمع ويتصادم معه .. إلخ.

والراوية - كأي رواية أخرى - هي نسخة مبالغ فيها لما يمكن أن تكون صورة المجتمع المادي في أبشع صوره، وتاريخ كتابتها يدل على عقل بصير نظر لمآلات الحضارة في وقت مبكر جدا. كما أنه يُصور كيف يُمكن أن تمحى ذاكرة المجتمعات وتستبدل.

.هذه سبعة كاملة. ولعلي أستمر في تدوينة مماثلة بين فترة وأخرى إذا كتب الله ويسر

شعبان ١٤٤١ هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سبعة كتب - ١

سبعة كتب - ٢

الأعرابي الأخير

https://archaeoadventures.com/6-tips-better-photography-moroccos-sahara-desert/

معاذ الله ما سرقت

يميني بعض دينار ِ

ولم أكذب معاذ الله

في رأيي وأفكاري ..

ولم أزن ِ ولم أقتل

ولم أغتل ..

ولم أشرب - معاذ الله -

لم أسقيه سماري !

فهل تجتاحك الاوهام يا هذا ..

فتحسب أنني المسكين لم أسرق

ولم أقتل ولم أشرب

- معاذ الله -

سوف يظلني الشيطان ، يخدعني ..

لأسرق من بقايا الروم واليونان أشعاري ؟!

ألم تسمع مقال القوم :

" إن تسرق ، فخذ جملا ..

وخذ شيئا سيمحو إن رآك الناس

بعض معرة العار ِ " !

***

أنا العربي ،

شرقي كهذي الشمس

واضحة ...

كهذا الصبح مؤتلق ..

أناجيها ..

فتسعدني ،

لأني واضح كالشمس

مؤتلق كضوء الصبح ..

في جهري وإسراري !

فإن غربت ،

هجوت الليل والظلمات تسمعني ..

بلا غبش وتغشية

وأرفض كل تورية ..

لأني طاعن الظلمات ، قاتلها ..

وجاعل سرها علنا ..

وفاضح كل مكنونِ !

وماذا تصنع الظلمات في مثلي ؟

فلا سر أخبئه ولا شيء أذل به ِ ..

وسلها كي تعرفني ،

تقل في حسرة المغبون :

" قتلت صراحة الأعراب من زمن ..

ولكني إذا خاتلته أهوى ليوقد شعلة

النار ِ .. ! "

فيفضحني ويهتك كل أسراري .

****

أنا العربي لي لغتي ،

ولي جذر تاصل في صخور

الأرض في عز وإصرار ِ ..

ولي سبب تصعد في سماء

الله يعلو كل جبار ِ

إذاما حطموا زهري بوجه الأرض ،

واقتلعوا غضون الورد كيما يقتلوا

ثاري ..

تثور جذور أزهاري ،

وتنشق الصخور الصم عن نثري

وأشعاري ..

وتشتعل الغصون الخضر نيرانا

مؤججة ..

ويصبح مستقر الأرض زلزلة ،

تهز مضاجع الأشرار ،

تسقط كل مكار ِ !

**

يقول نزار في ولع :

لقد ماتت خيول الشام

تحت مذلة العار ِ ..

وظل الصرف والإعراب مزهو

بحلته ..

وظل النحو مختالا بخفض الحال ،

مسرورا بفتحته وضمته ..

فهل يدري نزار بأن

تلك الخيل ما ماتت ..

ولكن غيلة نحرت ؟

وأحلام العروبة في زمان العجم

قد " حرقت " ؟

وحتى الصرف والإعراب ،

في أسواقنا كسدت ؟

***

أتبصرني ؟

أتلمح في عيوني بعض أسراري ؟!

أنا العربي ،

لي فرس ولي ناقة ..

ولي حصن من الأغنام يؤويني

إذا عرتني الفاقة ..

ولي ثوبي ، ولي وجه تزيد

الشمس سمرته ..

ولي سدرة ،

لها ظل أقيل إليه ..

أغفو تحتها ، متوسدا صخرة ..

أتحسبني سأبدل بالصهيل العذب ،

هملجة البراذين ِ ..؟

وأنزع درعي الميمون ، أقذفه ..

وأرعى - مثلما يرعون -

أذناب الخنازير ِ ؟

سأحرق سدرتي يوما ،

وأقتل ظلي الغافي ؟

سأقذف تلكم الصخرة ؟!

****

وشعري ،

ليس تمثالا أعلقه

على داري !

ولا سحرا أخربشه ،

لأبهر بعض أتباعي وسماري !

أتسمع ؟!

إنه نار تحرقني ..

دموع ، آهة حرى تؤرقني ..

وشعري فكرتي ، روحي !

وإيمان تجذر في عروق القلب

أسقيه الدم الجاري ..

**

أنا وحدي ،

وشعر اليوم يقتلني ،

وهذا الراء سكين تقطعني ،

وهذا العين يشنقني

***

وما يعلو فضاء الشين أحجار ستسحقني !

أنا وحدي ،

سأجمع ما تفرق من دم

الأعراب ، أحسوه ليبعثني !

أنا وحدي وهذا العالم

المأفون يلعنني ..

وأحسو مر إيماني ،

ومر الصدق ، مر النبل

في زمن الشياطين ِ !

سأجمع ما تفرق من دم

الأعراب ، كي أبقى ..

وتبقى أحرفي ، خيلي ،

جذوري ، طيب أزهاري !

أبها - ١٤٣١ هـ

تعريب العلوم والطب

هل كان " فان دايك " و "جوهانس " و " جورج جوزيف " أكثر حرصا على العربية من عرب اليوم ؟ فالأول درّس الكيمياء وعلم الأمراض بالعربية ووضع كتابا في تسعة أجزاء حول التاريخ الطبيعي والكيمياء باللغة العربية وسماه النقش في الحجر ، والثاني درّس التشريح وعلم وظائف الأعضاء بالعربية ، والثالث ألف كتابا بعنوان " المصباح الوضاح في صناعة الجراح " ، والأول يقول في مقدمة كتابه النقش في الحجر " خطر ببالي أن أحاول سد هذا العوز وأن أقدم لأهل العربية عدة كتيبات كل كتيب حاو أصول علم من العلوم على كيفية تمكن معلمي المدارس البسيطة من استخدامه في تعليم الصغار ... إلخ " واليوم تعجز مجامعنا السياسية والعلمية عن سد هذا العوز الذي يعاني منه العرب وهم يملكون كل المصادر والطاقات والمتخصصين لتعريب العلوم .

كتب " يوحنا ورتبات " في مقدمة كتابه " التوضيح في أصول التشريح " :

" أما بعد ، فيقول العبد الفقير جامع هذا الكتاب إنني لما دعيت لتدريس علم التشريح في المدرس الكلية التي أنشئت حديثا في بيروت رأيت أنني أخدم أبناء اللغة العربية بوضع كتاب جداد منقول عن أحدث الكتب المعول عليها في المدراس الإنكليزية والأمريكانية فشرعت في التأليف وأفرغت كل جهدي مدة أكثر من ثلاث سنين جامعا فيها كل مسائل التشريح التي "تحتاج" إليها الطلبة " .. ثم بدأ بذكر المراجع التي نقل عنها ثم يتحدث عن موافقته أو مخالفته للمدرسة المصرية في الترجمة ! وهذا كان عام ١٨٧١ حين طبع الكتاب وبجهد شخصي منفرد ، لاتموله وزارة متنعمة ، ولا جامعة الدول عربية . وهذا مما يصعب تصوره على من يرون التعليم باللغة العربية حلما مستحيلا لايمكن الاقتراب منه . واليوم بعد قرن ونصف من الزمان لايكاد يوجد في العالم العربي إلا جامعة أو جامعتين تتبنى تدريس الطب باللغة العربية ، بل زاد الأمر سوء وانحرافا بالعودة للوراء وإلغاء التعليم باللغة العربية في أغلب التخصصات العملية!

بعد مقدمات وممهدات ظهر المعهد الطبي العربي في سوريا كمثال يُخجل كل يشكك في إمكانية تعريب العلوم ، وكل من يرى أننا في واقع لايمكن بأي حال أن ندرك ركب العلوم الغربية المتسارعة ، فقد نشأ المعهد بجهود بدائية فردية ، خلفها أناس مؤمنون وإرادات صادقة ، ولم يكن هناك إلا عالم مخلص عالم بالعربية وعالم باللغات الأجنبية يقضي ليله ونهاره بين هذه وهذه حتى يعرب المصطلح الأجنبي للطالب العربي فيتلقاه دون حواجز ولاسدود ، فخرّجت لنا سوريا أطباء عظام لم تجعلهم " العربية " أقل من غيرهم علما وفهما .. وقد كان ما قدمه علماء المعهد العربي للعربية من ترجمة يشبه ثورة التعريب التي كانت في بغداد أيام الدولة العباسية ، ولم يكن الأطباء الذين درسوا بلغتهم العربية أقل من أندادهم في العالم العربي والعالم عموما بل ربما كانوا وما زوالوا أقرب إلى فهم أسرار الطب وخفاياه ممن يجاهد الساعات الطويلة لفك رموز اللغة التي استعصت عليه !

وهذا ما أكده الدكتور زهير السباعي في تحليله لدرجات الأطباء السوريين في الاختبار الأمريكي في ثلاث مراحل ، فلم يقل مستواهم عن غيرهم من الأطباء في مختلف أنحاء العالم ، فلا تعارض بين دراسة العلوم باللغة العربية لنكون أقرب إلى العلوم وبين ضرورة إتقان لغة أجنبية أخرى لمتابعة الأبحاث والدراسات المتجددة .

ومع هذا التكاسل والتمسك باللغة الأجنبية ، تخرج كلياتنا الطبية والعلمية آلافا من الخريجين كل عام لايتقن منهم اللغة الأجنبية إلا القلة القليلة ، ويبقى معظمهم يتمتع بلغة " هجينة " لاتمكنه من الإفصاح عن معارفه وعلومه ، فلا هو درس بلغته ولاهو أتقن اللغة الأجنبية ، وهذا ليس فقط حال الطلاب بل حال كثير من المتخصصين ، وقد خرج المتحدث في مؤتمر علمي ليس فيه إلا أبناء يعرب يتخاطبون بينهم بلغة أعجمية ، فسأل الحضور من منهم قادر على الخروج والحديث باللغة الأجنبية في أمر عام خارج التخصص لمدة خمس دقائق فلم يكن منهم قادرا على ذلك إلا القليل النادر.

وأنا أكتب هذه السطور بين يدي مرجع من مراجع علم الأدوية ، تقول مقدمته :

" الترجمة للغات الأسبانية والإيطالية والبرتغالية والفرنسية والتشيكية والإندونيسية واليابانية والصينية ، متوفرة الآن كما أن الكتاب سيترجم إلى عدد من اللغات الأخرى وستصدر في طبعات قادمة " ! . كل هذه اللغات الحية والميتة ، والعربية التي يتكلم بها الناس كلغة رسمية في اثنين وعشرين دولة عدا الناطقين بالعربية من غير العرب في أنحاء العالم ، هذه اللغة التي تأتي ضمن اللغات الخمس الأول في سلم لغات البشر لا تجد لها مكانا يناسبها حجمها في التعليم والترجمة ! وفي ظل هذا لايعلم و"كيف يعلم " دارس العلوم العربي أن لدينا شيئا يُسمى " مركز تعريب العلوم الصحية يتبع مجلس وزراء الصحة العرب تأسس عام 1980 م ؟ وله قرارات واجتماعات .. وأتفق وزراء الصحة وعمداء الكليات في الدول العربية قبل عشرين سنة على أن يكون تعليم الطب باللغة العربية وأجمعوا أمرهم على البدء بالتعريب ... على أن يكتمل قبل نهاية عام 2000 م " ومر عام ألفين وستمر عقود أخرى .

قد يرى البعض خصوصا ممن درسوا العلوم بلغات أجنبية أن الحديث عن التعريب هو حديث عن حلم مستحيل ، فلدينا كم هائل من المعارف والمصطلحات ولدينا آلاف الدراسات والأوراق التي تُنشر كل يوم يعجز عن اللحاق بها أي جهد مهما عظم .. (( وهذه حجة باطلة يدحضها في الوقت الحاضر قيام كثير من الشعوب الغربية والشرقية بتدريس العلوم بلغاتها المحلية ، ففي اليابان والصين ودول أوروبا الشرقية وأندونيسا وغيرها من الشعوب تدرس العلوم باللغة المحلية وبعض هذه الدول ذات لغات صعبة وأبجديات غريبة .. ولا حجة للقائلين بترجمة بصعوبة نقل المصطلحات وهي سيل كبير ، إذ أن تجارب أسلافنا وتجارب الأمم الأخرى تشير إلى أن المصطلح يمكن إخضاعه بالتعريب إذا تعذرت الترجمة وذلك بصياغة اللفظ الأجنبي على سنن اللغة المنقول إليها .. )) على مرافيء التراث ١٧-١٨

والحقيقة إن تجربة الترجمة في العهد العباسي ، والمعهد الطبي العربي في سوريا ، وجهود محمد الخاني ، بل حتى فان دايك وجورج جوزيف ، هذه التجارب وغيرها هي حجة على كل المؤسسات والسياسات المنهزمة في العالم العربي .

ـــــــــــــــــــــــ

ينظر :

- تجربة سوريا في تعريب العلوم - د.عبدالله واثق شهيد

- اللغة العربية - نذير حمدان

- مقال : هل تدريس الطب بالعربية يخرج لنا أطباء أضعف ؟ - د.زهير السباعي

- على مرافيء التراث - د.أحمد الضبيب

قصتي مع محمود شاكر.

كانت مكتبة حافلة مليئة بالكتب ، جديدها وعتيقها ، صغيرها وكبيرها . ولم أكن قبل قد رأيت مكتبة تكبرها ، فظننت أن كل العلوم قد حيزت بين جدرانها.علوم هجرها القراء واستغنى بالحديث والإدعاء عنها المثقفون ، وهي فوق ذلك تحفة تتزين بها " المدارس " ، ويتفضلون عليها بقليل وقت " مرة في الأسبوع " ليدخل إليها الطلاب فيزدادون لها مهابة ومنها مللا ولما تحويه بغضا . ادخلها فتصيبني مهابة ويأس ، وأشعر أنني صغير صغير ، أمام هذه الكون المعرفي الهائل ،وهو شعور ما زال يلازمني - وسيبقى - كلما دخلت مكتبة زائرا أو عابرا أو مقتنيا ، فأخرج بقليل علم وقليل مال .. وكثير من حسرة وأسى .

قرر شخص ما أن تقلص مكتبات المدارس وتصبح ضمن " مصادر التعلم " ، فقضي على تلك المكتبة المهابة ، وأخذ منها قليلها .. وبقي الكثير منها حائرا تتقاذفه غرف المدرسة .. وقد تضيق على بقاياها الغرف فتلقى في الممرات ، ليعلو عليها غبار تعب من الترحال .

أصبحت أتتبع أين يقذف بهذه الكتب حظُها العاثر ، فأقرأ بعضها واقفا ، وأقتني منها كثيرا ، حتى وقعت على كتاب أخضر ممزق قد علاه الغبار كتب عليه بخط فارسي مهيب :

أباطيل وأسمار


السفر الثاني


أبو فهر


محمود محمد شاكر

فبهرني العنوان ، وأعجبت بعبارة " السفر الثاني " ، وعجبت لهذه الكنية لاسم يبدو معاصرا " أبو فهر ، محمود محمد شاكر " ..فتحت صفحة الغلاف فإذا بعدها بيتان رائعان منسوبان لاسم أغرب :

هل صح قول من الحاكي فنقبله ... أم كل ذاك " أباطيل وأسمار " ؟

أما العقول ، فآلت أنه كذب .... والعقل غرس لها بالصدق إثمار

شيخ المعرة

فقررت أن اقرأه ، وبعد أن قرأته تحسرت لأنني كنت غائبا زمنا عن كاتب عظيم ، وزادني حسرة أنني لم اسأل أحدا عنه فعرفه. سألت من عرفته من أهل القراءة والإطلاع ، وسألت مدرسي اللغة العربية فما وجدت جوابا شافيا . أذهب للمكتبات - وقليلا ما كانت تأذن الأحوال بالذهاب - فيصدمني أنها كانت هنا نسخا قليلة وذهبت .

فأنساني اليأس البحث عن كتبه عموما ، و " السفر الأول " من الأباطيل خصوصا ، وإن كنت لم أنس عزة حروفه وجمال سبكه وروعة أسلوبه وجزالته .. وبقيت في ذاكرتي أبثها من يهتم بالأدب وجمال الأدب .. ومن أجلها أحببت المعري " شيخ المعرة " وفلسفته ، واقتنيت " رسالة الغفران " التي حولها كانت " الأباطيل ".

***

مكتبة هادئة مغمورة في زقاق من أزقة " المسفلة " ، لا يقلق هدوءها إلا صخب الزمان والمكان ، مررت بها على عجل كي أدرك موطىء قدم في زحام الحرم عمره الله ، قلبت عيني بين عناوينها سريعا ، وانتبهت لحنفيتها الواضحة ، ووجدت بيني وبين ما تحويه حواجز من وقت شحيح ، وعزم كليل ... فيممت الباب .. لتقع عيني على " سفر " ممتليء كتب عليه :

"المتنبي "

ثم :

"رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"

ثم :

"مفتاح كل كتاب فهرس جامع ، فاقرأ الفهرس قبل كل شيء."

بذلك الخط الفارسي المهيب الذي بهرني أول مرة ، ومرة أخرى تقول لي نفسي أما هذا الكتاب فهو كتاب مختلف ، وذلك قبل أن أنتبه لاسم مؤلفه .. أبو فهر محمود محمد شاكر. فلما انتبهت ، كأنما وقعت على غنيمة عظيمة ، وكنز ما حسبت له حسابا ..

تلك الأيام كان يداهمني شيء كالحيرة أعجز اليوم عن وصفه، لم يكن لي سلاح أواجه به هذا الداهم إلا دعاء حفظته من أعظم الدعاء ، كان يدعو به محمد صلى الله عليه وسلم في استفتاحه لقيامه: " اللهم رب جبرئيل ومكائيل وإسرافيل ، ربنا ورب كل شيء ، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " .. فأشعر بهدوء وطمأنينة لا يمنحها قول ولا فكر ولا استدلال .

أقف خلف أئمة الحرم في قنوتهم فيدعون بألطف الدعاء وأعظمه ، فلا يهز قلبي شيء كقول الإمام " ولا حائرا إلا دللته " .. فكأنني ذلك الحائر الضعيف الذي لا بصر له ولا هدى ما لم يمده البصير الهادي بمدد من عنده .

مضت الأيام هادئة متكررة .. أجدني بعدها بين يدي محمود شاكر وهو يتلو رسالته علي ، لم اقرأ كتابا أشعر أنني أدخل بين أسطره ، أتنفس حروفه ، أعيشها .. كـ" رسالة في الطريق إلى ثقافتنا " ..

أقول : لعلي كنت أعيش ذلا وضعفا فانتشلني بعزته ، حائرا فملأني بثقته ، جاهلا فأغرقني بعلمه. لا أعلم!

أذكر أنني قرأته ، فكأنما استيقظت من سبات عميق عميق ، وكأنما كان علي عيني غشاوة فأزالها ، كنت اقرأ بعضها - الرسالة - ، فتملأني بشيء لا أعلمه ، فلا يكون إلا دموعا تتساقط ، فأضحك على نفسي من بكاء في غير موضعه .. وكيف تلتقي عزة محمود والدموع ؟!

وماذا يهم القاريء لهذه السطور من كل هذا ؟!

وماذا يعني القاريء من شخص سحر بمحمود شاكر وبلاغته وعزته " وتذوقه " وعزوفه عن الحياة الأدبية

الفاسدة ؟!

لا شيء ..

لكنها تباريح ومشاعر حبست طويلا ، وانطلقت بلا سابق نذير حين رأت متنفسا تتنفسه.

أبها ١٤٢٩ هـ ( تقريبا)

كلام (١) : مواقف من غرب فرجينيا..


الصورة هذه من رحلة إلى شلالات المياه السوداء في ولاية ميرلاند - مجاورة لغرب فيرجينيا


.... وتمضي الحياة. بين آخر سطر كتُبته وهذا السطر أيام ذوات عدد. لو استحالت صفحات في كتاب لكان عنوانه فوضى. ولو كانت هذه الأيام فصلا في رواية لكان فصلا مليئا بالأحداث ولكن بلا شخصيات ولا بداية ولانهاية. ورغم هذه الفوضى إلا أن نعمة الله وفضله تحفني في نفسي وأهلي من كل جانب. لا أقوى على شكره وذكره سبحانه جل وعلا. أخطو خطواتي الأخيرة في برنامج الزمالة فلم يبق إلا أسبوعان. ثلاث سنين من الأحداث المتسارعة والقصص والنجاحات والإخفاقات أخرج منها مغتبطا لأنني أرى الفرق الكبير بين ما كنت عليه وبين ما أنا عليه الآن. عرفت نفسي في هذه السنوات الثلاث كما لم أعرفها من قبل أو بعبارة أقل درامية عرفت نفسي في مواقف الخوف والغضب والرغبة والميل ورأيت فيها نزعات من طغيان الهوى وحب الذات والتعالم والتواضع وما بينهما. رأيتها قاسية في مواقف لم أعهدها قاسية متحجرة فيها ورأيتها رقيقة مضطربة أمام أخرى. رأيتها تهتز وقد ظننتها بها الثبات ورأيت خلاف ذلك والإنسان مع نفسه في صراع ورحلة من الاستكشاف لا تنقطع. طُردت مرة من غرفة مريضة بلا سبب وكان الأمر قاسيا علي لأنني لم أكن وحدي بل كان الطرد أمام عدد كبير من الناس. طردني زوجها بلا سبب أعلمه إلا العنصرية العمياء فأبدله الله طبيبة محجبة حجابا ضافيا ولو طردها هي الأخرى لطُرد من باب المستشفى. ومما تعلمته من هذه التجربة القصيرة أن هناك من لايصلح معه التطلف ولين المعشر. فلا يسهل التخاطب معهم إلا اللهجة الآمرة الحازمة ووضوح الصوت. سلام ووداع بلا مقدمات ولا أحاديث هامشية. وقد ذكرت هذا المثال العنصري القبيح مقدمة لقصة هذه المرأة اللطيفة التي تابعتها في عيادتي منذ الشهور الأولى وبقيت أراها في عيادتي كل شهرين أو ثلاثة حتى كان لقائي الأخير بها قبل أسبوع.

امرأة في أواخر الخمسين، من بسطاء غرب فيرجينيا. حييّة ضعيفة الجانب مأمونة. ترعى ابنا لها مصابا بمرض مزمن وليس لها من الناس عون ولا سند. كنت أراها بشكل متقطع في العيادة ولعمق الأثر الذي انطبع في نفسي من ضعفها صرت أتعاهدها بالتواصل وأطلب من ممرضات العيادة التأكد من الاتصال عليها لحضور العيادة. فعل هذا التواصل فعله وصارت لا تتأخر عن مواعيدها. سافرتُ في إجازة للسعودية وعدت بعد عشرين يوم. وكالعادة بدأت في محاولة إدراك ما فات فإذا برسالة تقول إنها في المستشفى مصابة بجلطة في المخ. في نهاية يوم عمل ذهبت لغرفتها زائرا سائلا عنها ولم تكلفني الزيارة من وقتي ولا جهدي أي شيء لأنني أمر على الجناح الذي هي فيه في اليوم مرات. دمعت عيناها حين قلت لها إنني أتيت زائرا ومؤكدا على موعد العيادة القادم إذا خرجت من المستشفى. جاءت العيادة كما توقعت ومعها ابنها وزوجها. سارت العيادة كالمعتاد وحين قلت لها أنني لن أراك مرة أخرى وسيرعاك طبيب آخر في الموعد القادم، لم تتمالك نفسها وانطلقت تبكي. وقد كنت أظن نفسي قد تبلدت مما رأيت في المستشفيات من المعاناة لكن لم أتمالك دموعي وكلماتي فبكيت. لله البسطاء والمساكين! ثلاث سنين قضيتها هنا، لاتكاد ترى للمعروف أثرل في هؤلاء المتعالمين حولك إلا قليلا. ولاتكاد ترى نفسا بهذا النقاء إلا وهي بين جنبي مسكين أو مسكينة ممن لا يعرف ولايذكر. 
والناس بالناس تُذكر: أذكره جيدا حين أتاني العيادة للمرة الأولى. تكاد ترى عزة النفس والأنفة تتدفق من عينيه. كل إجاباته تقول إنه لا يعول في الدنيا على أحد. كأنه يتمثل قول المتنبي: وإنما رجل الدنيا وواحدها من لايعوّل في الدنيا على رجلِ. نموذج للرجل الأبيض العصامي الذي يفعل ما يريد ولاينصح ولا يستنصح. حاولت أن أقنعه بضرورة أن يجري قسطرة للقلب لكنه أبى واستكبر. حاول قبلي استشاري القلب بلافائدة. حاول الاستشاري الذي أرجع إليه بلا فائدة كذلك. كان ذلك لقائي الأول به ثم اختفى!. حدثني قبل أن يختفي أنه عازم على الزواج من فتاة في الثلاثين وهو يبتسم. مرت الأيام حتى كدت أنساه ثم ظهر فجأة على جدول العيادة. أتى -وما ظننت أنه سيأتي- لكن بغير الوجه الذي جاء به. منهك القوى، زائغ العينين، متعثر الأنفاس. حكى وحكى .. الآن هو بلا مال ولاسند. المرض أنهك قواه فلا يقوى على عمل. وتخالف هو وأسرته فتقطاعوا ولايود حتى الحديث عن أهله. وهو الآن يسكن في شقة مع صديق إلى أجل غير معلوم. وجهله وأنفته أورداه المهالك فترك أدويته. نظام العيادة أن تقضى مع كل مريض نصف ساعة لاتزيد. لكنني قضيت معه مايقارب الساعة. تركته يحكي فلما انتهى حكيت فلم أجد منه إلا أذنا صاغية. رجوته أن يأتي بعد أسبوعين فأتى قبل الموعد بنصف ساعة بوجه غير الوجه الذي جاء به. يفيض بشاشة وانطلاقا وعادت إليه بعض روحه لكنه عاد ناقصا أصبعين!. هذا الأعرابي الأبيض لم يستسلم وعاد للعمل فطحن أصبعيه تحت صندوق من حديد.  يروي لي القصة ضاحكا ساخرا من نفسه وأنا أعجب من هذا الجلد. تعانقنا وودعته لكن بلا دموع. 

الأصبعين الناقصين وقصص أخرى كثيرة مشابهة تجعلني أعجب أشد العجب من تقبل كثير من الناس الناس هنا للمصائب والحديث عن الموت، وسهولة أن تتحدث مع المريض في قضايا متعلقة بالخط الفاصل بين الموت والحياة. وأن تسأل أحدهم إن كان يفضل أن يتلقى الإنعاش لو توقف قلبه فجأة أم لا؛ مثل أن تسأله إن كان يريد كأس الشاي بالنعناع أم بالحبق. لا أدعي أنني أملك إحصائية دقيقة لكنها ملاحظة بارزة يراها كل من يشاركني التجربة. 


دعك من كل هذا لأنني أجدني تحت إلحاح شديد للكتابة عن جيل عرفته وعشت معه ودرجت. 

لعل للحديث بقية.

واشنطن ١٤٤٠ هـ