سبعة كتب ( ٣ )

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.


١) - إلى الجيل الصاعد : أحمد السيد.

أظن أن هذا الكتاب من الكتب التي يجب أن يُوصى بها أبناء هذا الجيل الحائر… والكتاب على صغير حجمه جميل ثمين. وأوصي به لكل من هم أقل من الثلاثين.

٢)- الشاعر حمد الحجي:محمد بن سعد بن حسين.

أول معرفتي بهذا الشاعر كانت خلال دراستي للطب النفسي في الكلية عام ١٤٢٩ هـ تقريبا وكنت قرأت عنه مقالا عابرا لا أدري أين، وقرأت قصيدته التي يصف فيها شقاوته واكتئابه.

أأبقى على مر الجديدن في جوى

ويسعد أقوامٌ وهم نُظَرائي؟

ألستُ أخاهم قد فُطِرنا سويّةً

فكيف أتاني في الحياة شقائي؟

أرى خَلْقَهم مثلي وخلقيَ مثلَهم

وما قصّرتْ بي همّتي وذكائي

يسيرون في درب الحياة ضواحكاً

على حين دمعي ابتلّ منه ردائي

وهل لهمو جودٌ بما في أكفّهمُ

وإني مدى عمري من البخلاء؟

وهل كلُّهم أوفَوْا بكل عهودِهم

ومن بينهم قد غاض ماءُ وفائي؟

….

….,

لقد نظروا في الكون نظرةَ عابرٍ

يمرّ على الأشياء دون عناء

وأصبحتُ في هذي الحياة مُفكّراً

فجانبتُ فيها لذّتي وهنائي

ومن يُطِلِ التفكيرَ يوماً بما أرى

من الناس لم يرتحْ ونال جزائي !

المهم قرأت عنه وجمعت مادة للكتابة عنه لكنني انشغلت وسارت بي الأيام حتى دخلت مكتبة نائية هنا في فيرجينيا ووجدت هذا الكتيب لقصائد جمعها المؤلف للكاتب رحمه الله. وله ديوان أجمع جمعه محمد بن أحمد الشدي بعنوان عذاب السنين. فيه قصائد تفيض بالألم والحزن الحسرة. والشاعر ممن لا يكاد يذكر حين يأتي ذكر الشعراء السعوديين.

٣) - حلم رجل مضحك ، ديستوفيكسي

قصة في عدة صفحات.

لم تعجبني. وكأنه ليس ديستوفيسكي الذي أعرف.

٤) على خط الانتاج: جميل الرويلي.

الكتاب وإن لم يكن كتاب موعظة إلا أنه مليء بالمواعظ البليغة لمن كان له قلب. وفيه من الأفكار التي تكاد تختفي حول علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقته بالوظيفة والعمل والمال .. إلخ. أعرف أن الكاتب ليس يساريا ولا علاقة له بذلك لكن قاريء الكتاب قد يظن أن الرجل من بقايا اليسار العربي. وقد تلذذت بالكتاب كثيرا وأثار في ذهني تساؤلات أحاول تثبيطها لأن الإجابات عليها ليست يسيرة، وهو قصير وخفيف في مئة صفحة.

٥) مقنعة السائل عن المرض الهائل:

الكتاب رسالة عن طاعون وقع في الأندلس عام ٧٤٩ هـ وهو قصير جدا. المحقق أضاف في أوله وفي آخره. وكان من الملفت أن ذلك الطاعون جاء من الصين كما نُقل عن الرواة، وذكر المؤلف وغيره ممن نقل المحقق بعض نصوصهم عن ضرورة العزلة والقرار عند وقوع الطاعون كما جاء في الحديث كذلك.

٦) نظام التفاهة - ألان دونو:

المترجِمة قدمت الكتاب بتقديم جميل جدا وغني لكن الترجمة جاءت جافة جدا وقد تضطر لقراءة العبارة عدة مرات حتى تفهم المراد. بل أحيانا كنت أضطر للقفز عدة أسطر والعودة عدة أسطر لمحاولة فهم ما يراد. وهذا للأسف حال كثير من الكتب الفكرية المترجمة.

شدني من الكتاب أشياء كثيرة أبرزها الآتي:

أ. نقده الشديد للنظام الجامعي بشكله الحالي، وكيف أن “النشر” بحد ذاته صار غايةً يسعى إليها الأستاذ. هو يقول ذلك وأنا أرى كثير من الأطباء حولي ممن ينشر بشكل مكثف لكنه ضعيف جدا في التعامل مع المرضى. وكان صادقا في ملاحظاته الدقيقة حول غلبة الشللية على العمل الأكاديمي.

ب. مصطلح الفن التخريبي. وهو الفن الذي يتقصد استفزاز وإثارة “المؤسسات القائمة”. و”المؤسسات” هو مصطلح يكرره المؤلف كما يكرره غيره، ويعني بالمؤسسات القيم الاجتماعية والدينية التي يتعارف عليها مجتمع معين. والكاتب لم يكن ناقدا للفن التخريبي بشكل عام بل ينقد كيف صار حتى هذا النوع من الفن موجها من الحكومات والمؤسسات بعد أن كان عبارة عن ثورة فنية ضد السائد.

الكتاب خُتم بعبارات حماسية و”أسئلة خطابية” مشحونة بالغضب على الواقع.

“ أنا ، النكرة المسكين، ما الذي يمكنني عمله؟ بهذا الصدد؟”، توقف عن السخط وانتقل إلى السؤال التالي: اعمل بلا هوداة لخلق توليف من القضايا الوجيهة، التق مع الآخرين في تجمعات بخلاف الطائفية والشللية، اسخر من الايديولوجيات، اختزل المصطلحات التي تريد البروباغندا كتابتها في جوهر ذواتنا وحولّها إلى موضوعات مجردة للتفكيرـ تجاوز أساليب السيطرة التي تمارسها المنظمات، وحاول خلق بنى ً تشبهنا.

كن راديكاليا! “

وهذه العبارات لن تفهم بشكل واضح ما لم يقرأ القاريء الكتاب.

الكتاب بشكل عام -رغم جفافه الشديد- يستحق القراءة.

٧) عالم جديد شجاع - هكسلي:

كتُبت هذه الرواية عام ١٩٣١ وهي محاولة لتصوير عالم مستقبلي متخيل لبشرية خالية من المشاعر والقيم الإنسانية، ومنسلخة من القيم والأخلاق. وفيه يكون الإنسان نتاج عمليات كميائية مخبرية، وتصبح الأسرة والأب والأم أشياء من القديم الذي يُعاب ولا يمكن أن يذكر. ويبقى بقية قليلة تدير هذه المجتمعات المقولبة وتعرف حقيقة الإنسان ، لكنها تحرص كل الحرص على إخفاء الحقائق عن هذه الأجيال، وتخفي الكتب السماوية وكتب الأدب والتراث العالمي حتى لا يرى المجتمع المصنوع أي أفكار تخالف ما هو عليه.

من مزايا هذه المجتمع المخبري: الاستهلاك الدائم والانغماس في اللحظة والهرب من الحزن بتناول المهدئات والاستغراق في اللذائذ. فجأة يظهر شخص بدائي يسائل هذا المجتمع ويتصادم معه .. إلخ.

والراوية - كأي رواية أخرى - هي نسخة مبالغ فيها لما يمكن أن تكون صورة المجتمع المادي في أبشع صوره، وتاريخ كتابتها يدل على عقل بصير نظر لمآلات الحضارة في وقت مبكر جدا. كما أنه يُصور كيف يُمكن أن تمحى ذاكرة المجتمعات وتستبدل.

.هذه سبعة كاملة. ولعلي أستمر في تدوينة مماثلة بين فترة وأخرى إذا كتب الله ويسر

شعبان ١٤٤١ هـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سبعة كتب - ١

سبعة كتب - ٢

الأعرابي الأخير

https://archaeoadventures.com/6-tips-better-photography-moroccos-sahara-desert/

معاذ الله ما سرقت

يميني بعض دينار ِ

ولم أكذب معاذ الله

في رأيي وأفكاري ..

ولم أزن ِ ولم أقتل

ولم أغتل ..

ولم أشرب - معاذ الله -

لم أسقيه سماري !

فهل تجتاحك الاوهام يا هذا ..

فتحسب أنني المسكين لم أسرق

ولم أقتل ولم أشرب

- معاذ الله -

سوف يظلني الشيطان ، يخدعني ..

لأسرق من بقايا الروم واليونان أشعاري ؟!

ألم تسمع مقال القوم :

" إن تسرق ، فخذ جملا ..

وخذ شيئا سيمحو إن رآك الناس

بعض معرة العار ِ " !

***

أنا العربي ،

شرقي كهذي الشمس

واضحة ...

كهذا الصبح مؤتلق ..

أناجيها ..

فتسعدني ،

لأني واضح كالشمس

مؤتلق كضوء الصبح ..

في جهري وإسراري !

فإن غربت ،

هجوت الليل والظلمات تسمعني ..

بلا غبش وتغشية

وأرفض كل تورية ..

لأني طاعن الظلمات ، قاتلها ..

وجاعل سرها علنا ..

وفاضح كل مكنونِ !

وماذا تصنع الظلمات في مثلي ؟

فلا سر أخبئه ولا شيء أذل به ِ ..

وسلها كي تعرفني ،

تقل في حسرة المغبون :

" قتلت صراحة الأعراب من زمن ..

ولكني إذا خاتلته أهوى ليوقد شعلة

النار ِ .. ! "

فيفضحني ويهتك كل أسراري .

****

أنا العربي لي لغتي ،

ولي جذر تاصل في صخور

الأرض في عز وإصرار ِ ..

ولي سبب تصعد في سماء

الله يعلو كل جبار ِ

إذاما حطموا زهري بوجه الأرض ،

واقتلعوا غضون الورد كيما يقتلوا

ثاري ..

تثور جذور أزهاري ،

وتنشق الصخور الصم عن نثري

وأشعاري ..

وتشتعل الغصون الخضر نيرانا

مؤججة ..

ويصبح مستقر الأرض زلزلة ،

تهز مضاجع الأشرار ،

تسقط كل مكار ِ !

**

يقول نزار في ولع :

لقد ماتت خيول الشام

تحت مذلة العار ِ ..

وظل الصرف والإعراب مزهو

بحلته ..

وظل النحو مختالا بخفض الحال ،

مسرورا بفتحته وضمته ..

فهل يدري نزار بأن

تلك الخيل ما ماتت ..

ولكن غيلة نحرت ؟

وأحلام العروبة في زمان العجم

قد " حرقت " ؟

وحتى الصرف والإعراب ،

في أسواقنا كسدت ؟

***

أتبصرني ؟

أتلمح في عيوني بعض أسراري ؟!

أنا العربي ،

لي فرس ولي ناقة ..

ولي حصن من الأغنام يؤويني

إذا عرتني الفاقة ..

ولي ثوبي ، ولي وجه تزيد

الشمس سمرته ..

ولي سدرة ،

لها ظل أقيل إليه ..

أغفو تحتها ، متوسدا صخرة ..

أتحسبني سأبدل بالصهيل العذب ،

هملجة البراذين ِ ..؟

وأنزع درعي الميمون ، أقذفه ..

وأرعى - مثلما يرعون -

أذناب الخنازير ِ ؟

سأحرق سدرتي يوما ،

وأقتل ظلي الغافي ؟

سأقذف تلكم الصخرة ؟!

****

وشعري ،

ليس تمثالا أعلقه

على داري !

ولا سحرا أخربشه ،

لأبهر بعض أتباعي وسماري !

أتسمع ؟!

إنه نار تحرقني ..

دموع ، آهة حرى تؤرقني ..

وشعري فكرتي ، روحي !

وإيمان تجذر في عروق القلب

أسقيه الدم الجاري ..

**

أنا وحدي ،

وشعر اليوم يقتلني ،

وهذا الراء سكين تقطعني ،

وهذا العين يشنقني

***

وما يعلو فضاء الشين أحجار ستسحقني !

أنا وحدي ،

سأجمع ما تفرق من دم

الأعراب ، أحسوه ليبعثني !

أنا وحدي وهذا العالم

المأفون يلعنني ..

وأحسو مر إيماني ،

ومر الصدق ، مر النبل

في زمن الشياطين ِ !

سأجمع ما تفرق من دم

الأعراب ، كي أبقى ..

وتبقى أحرفي ، خيلي ،

جذوري ، طيب أزهاري !

أبها - ١٤٣١ هـ

تعريب العلوم والطب

هل كان " فان دايك " و "جوهانس " و " جورج جوزيف " أكثر حرصا على العربية من عرب اليوم ؟ فالأول درّس الكيمياء وعلم الأمراض بالعربية ووضع كتابا في تسعة أجزاء حول التاريخ الطبيعي والكيمياء باللغة العربية وسماه النقش في الحجر ، والثاني درّس التشريح وعلم وظائف الأعضاء بالعربية ، والثالث ألف كتابا بعنوان " المصباح الوضاح في صناعة الجراح " ، والأول يقول في مقدمة كتابه النقش في الحجر " خطر ببالي أن أحاول سد هذا العوز وأن أقدم لأهل العربية عدة كتيبات كل كتيب حاو أصول علم من العلوم على كيفية تمكن معلمي المدارس البسيطة من استخدامه في تعليم الصغار ... إلخ " واليوم تعجز مجامعنا السياسية والعلمية عن سد هذا العوز الذي يعاني منه العرب وهم يملكون كل المصادر والطاقات والمتخصصين لتعريب العلوم .

كتب " يوحنا ورتبات " في مقدمة كتابه " التوضيح في أصول التشريح " :

" أما بعد ، فيقول العبد الفقير جامع هذا الكتاب إنني لما دعيت لتدريس علم التشريح في المدرس الكلية التي أنشئت حديثا في بيروت رأيت أنني أخدم أبناء اللغة العربية بوضع كتاب جداد منقول عن أحدث الكتب المعول عليها في المدراس الإنكليزية والأمريكانية فشرعت في التأليف وأفرغت كل جهدي مدة أكثر من ثلاث سنين جامعا فيها كل مسائل التشريح التي "تحتاج" إليها الطلبة " .. ثم بدأ بذكر المراجع التي نقل عنها ثم يتحدث عن موافقته أو مخالفته للمدرسة المصرية في الترجمة ! وهذا كان عام ١٨٧١ حين طبع الكتاب وبجهد شخصي منفرد ، لاتموله وزارة متنعمة ، ولا جامعة الدول عربية . وهذا مما يصعب تصوره على من يرون التعليم باللغة العربية حلما مستحيلا لايمكن الاقتراب منه . واليوم بعد قرن ونصف من الزمان لايكاد يوجد في العالم العربي إلا جامعة أو جامعتين تتبنى تدريس الطب باللغة العربية ، بل زاد الأمر سوء وانحرافا بالعودة للوراء وإلغاء التعليم باللغة العربية في أغلب التخصصات العملية!

بعد مقدمات وممهدات ظهر المعهد الطبي العربي في سوريا كمثال يُخجل كل يشكك في إمكانية تعريب العلوم ، وكل من يرى أننا في واقع لايمكن بأي حال أن ندرك ركب العلوم الغربية المتسارعة ، فقد نشأ المعهد بجهود بدائية فردية ، خلفها أناس مؤمنون وإرادات صادقة ، ولم يكن هناك إلا عالم مخلص عالم بالعربية وعالم باللغات الأجنبية يقضي ليله ونهاره بين هذه وهذه حتى يعرب المصطلح الأجنبي للطالب العربي فيتلقاه دون حواجز ولاسدود ، فخرّجت لنا سوريا أطباء عظام لم تجعلهم " العربية " أقل من غيرهم علما وفهما .. وقد كان ما قدمه علماء المعهد العربي للعربية من ترجمة يشبه ثورة التعريب التي كانت في بغداد أيام الدولة العباسية ، ولم يكن الأطباء الذين درسوا بلغتهم العربية أقل من أندادهم في العالم العربي والعالم عموما بل ربما كانوا وما زوالوا أقرب إلى فهم أسرار الطب وخفاياه ممن يجاهد الساعات الطويلة لفك رموز اللغة التي استعصت عليه !

وهذا ما أكده الدكتور زهير السباعي في تحليله لدرجات الأطباء السوريين في الاختبار الأمريكي في ثلاث مراحل ، فلم يقل مستواهم عن غيرهم من الأطباء في مختلف أنحاء العالم ، فلا تعارض بين دراسة العلوم باللغة العربية لنكون أقرب إلى العلوم وبين ضرورة إتقان لغة أجنبية أخرى لمتابعة الأبحاث والدراسات المتجددة .

ومع هذا التكاسل والتمسك باللغة الأجنبية ، تخرج كلياتنا الطبية والعلمية آلافا من الخريجين كل عام لايتقن منهم اللغة الأجنبية إلا القلة القليلة ، ويبقى معظمهم يتمتع بلغة " هجينة " لاتمكنه من الإفصاح عن معارفه وعلومه ، فلا هو درس بلغته ولاهو أتقن اللغة الأجنبية ، وهذا ليس فقط حال الطلاب بل حال كثير من المتخصصين ، وقد خرج المتحدث في مؤتمر علمي ليس فيه إلا أبناء يعرب يتخاطبون بينهم بلغة أعجمية ، فسأل الحضور من منهم قادر على الخروج والحديث باللغة الأجنبية في أمر عام خارج التخصص لمدة خمس دقائق فلم يكن منهم قادرا على ذلك إلا القليل النادر.

وأنا أكتب هذه السطور بين يدي مرجع من مراجع علم الأدوية ، تقول مقدمته :

" الترجمة للغات الأسبانية والإيطالية والبرتغالية والفرنسية والتشيكية والإندونيسية واليابانية والصينية ، متوفرة الآن كما أن الكتاب سيترجم إلى عدد من اللغات الأخرى وستصدر في طبعات قادمة " ! . كل هذه اللغات الحية والميتة ، والعربية التي يتكلم بها الناس كلغة رسمية في اثنين وعشرين دولة عدا الناطقين بالعربية من غير العرب في أنحاء العالم ، هذه اللغة التي تأتي ضمن اللغات الخمس الأول في سلم لغات البشر لا تجد لها مكانا يناسبها حجمها في التعليم والترجمة ! وفي ظل هذا لايعلم و"كيف يعلم " دارس العلوم العربي أن لدينا شيئا يُسمى " مركز تعريب العلوم الصحية يتبع مجلس وزراء الصحة العرب تأسس عام 1980 م ؟ وله قرارات واجتماعات .. وأتفق وزراء الصحة وعمداء الكليات في الدول العربية قبل عشرين سنة على أن يكون تعليم الطب باللغة العربية وأجمعوا أمرهم على البدء بالتعريب ... على أن يكتمل قبل نهاية عام 2000 م " ومر عام ألفين وستمر عقود أخرى .

قد يرى البعض خصوصا ممن درسوا العلوم بلغات أجنبية أن الحديث عن التعريب هو حديث عن حلم مستحيل ، فلدينا كم هائل من المعارف والمصطلحات ولدينا آلاف الدراسات والأوراق التي تُنشر كل يوم يعجز عن اللحاق بها أي جهد مهما عظم .. (( وهذه حجة باطلة يدحضها في الوقت الحاضر قيام كثير من الشعوب الغربية والشرقية بتدريس العلوم بلغاتها المحلية ، ففي اليابان والصين ودول أوروبا الشرقية وأندونيسا وغيرها من الشعوب تدرس العلوم باللغة المحلية وبعض هذه الدول ذات لغات صعبة وأبجديات غريبة .. ولا حجة للقائلين بترجمة بصعوبة نقل المصطلحات وهي سيل كبير ، إذ أن تجارب أسلافنا وتجارب الأمم الأخرى تشير إلى أن المصطلح يمكن إخضاعه بالتعريب إذا تعذرت الترجمة وذلك بصياغة اللفظ الأجنبي على سنن اللغة المنقول إليها .. )) على مرافيء التراث ١٧-١٨

والحقيقة إن تجربة الترجمة في العهد العباسي ، والمعهد الطبي العربي في سوريا ، وجهود محمد الخاني ، بل حتى فان دايك وجورج جوزيف ، هذه التجارب وغيرها هي حجة على كل المؤسسات والسياسات المنهزمة في العالم العربي .

ـــــــــــــــــــــــ

ينظر :

- تجربة سوريا في تعريب العلوم - د.عبدالله واثق شهيد

- اللغة العربية - نذير حمدان

- مقال : هل تدريس الطب بالعربية يخرج لنا أطباء أضعف ؟ - د.زهير السباعي

- على مرافيء التراث - د.أحمد الضبيب

قصتي مع محمود شاكر.

كانت مكتبة حافلة مليئة بالكتب ، جديدها وعتيقها ، صغيرها وكبيرها . ولم أكن قبل قد رأيت مكتبة تكبرها ، فظننت أن كل العلوم قد حيزت بين جدرانها.علوم هجرها القراء واستغنى بالحديث والإدعاء عنها المثقفون ، وهي فوق ذلك تحفة تتزين بها " المدارس " ، ويتفضلون عليها بقليل وقت " مرة في الأسبوع " ليدخل إليها الطلاب فيزدادون لها مهابة ومنها مللا ولما تحويه بغضا . ادخلها فتصيبني مهابة ويأس ، وأشعر أنني صغير صغير ، أمام هذه الكون المعرفي الهائل ،وهو شعور ما زال يلازمني - وسيبقى - كلما دخلت مكتبة زائرا أو عابرا أو مقتنيا ، فأخرج بقليل علم وقليل مال .. وكثير من حسرة وأسى .

قرر شخص ما أن تقلص مكتبات المدارس وتصبح ضمن " مصادر التعلم " ، فقضي على تلك المكتبة المهابة ، وأخذ منها قليلها .. وبقي الكثير منها حائرا تتقاذفه غرف المدرسة .. وقد تضيق على بقاياها الغرف فتلقى في الممرات ، ليعلو عليها غبار تعب من الترحال .

أصبحت أتتبع أين يقذف بهذه الكتب حظُها العاثر ، فأقرأ بعضها واقفا ، وأقتني منها كثيرا ، حتى وقعت على كتاب أخضر ممزق قد علاه الغبار كتب عليه بخط فارسي مهيب :

أباطيل وأسمار


السفر الثاني


أبو فهر


محمود محمد شاكر

فبهرني العنوان ، وأعجبت بعبارة " السفر الثاني " ، وعجبت لهذه الكنية لاسم يبدو معاصرا " أبو فهر ، محمود محمد شاكر " ..فتحت صفحة الغلاف فإذا بعدها بيتان رائعان منسوبان لاسم أغرب :

هل صح قول من الحاكي فنقبله ... أم كل ذاك " أباطيل وأسمار " ؟

أما العقول ، فآلت أنه كذب .... والعقل غرس لها بالصدق إثمار

شيخ المعرة

فقررت أن اقرأه ، وبعد أن قرأته تحسرت لأنني كنت غائبا زمنا عن كاتب عظيم ، وزادني حسرة أنني لم اسأل أحدا عنه فعرفه. سألت من عرفته من أهل القراءة والإطلاع ، وسألت مدرسي اللغة العربية فما وجدت جوابا شافيا . أذهب للمكتبات - وقليلا ما كانت تأذن الأحوال بالذهاب - فيصدمني أنها كانت هنا نسخا قليلة وذهبت .

فأنساني اليأس البحث عن كتبه عموما ، و " السفر الأول " من الأباطيل خصوصا ، وإن كنت لم أنس عزة حروفه وجمال سبكه وروعة أسلوبه وجزالته .. وبقيت في ذاكرتي أبثها من يهتم بالأدب وجمال الأدب .. ومن أجلها أحببت المعري " شيخ المعرة " وفلسفته ، واقتنيت " رسالة الغفران " التي حولها كانت " الأباطيل ".

***

مكتبة هادئة مغمورة في زقاق من أزقة " المسفلة " ، لا يقلق هدوءها إلا صخب الزمان والمكان ، مررت بها على عجل كي أدرك موطىء قدم في زحام الحرم عمره الله ، قلبت عيني بين عناوينها سريعا ، وانتبهت لحنفيتها الواضحة ، ووجدت بيني وبين ما تحويه حواجز من وقت شحيح ، وعزم كليل ... فيممت الباب .. لتقع عيني على " سفر " ممتليء كتب عليه :

"المتنبي "

ثم :

"رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"

ثم :

"مفتاح كل كتاب فهرس جامع ، فاقرأ الفهرس قبل كل شيء."

بذلك الخط الفارسي المهيب الذي بهرني أول مرة ، ومرة أخرى تقول لي نفسي أما هذا الكتاب فهو كتاب مختلف ، وذلك قبل أن أنتبه لاسم مؤلفه .. أبو فهر محمود محمد شاكر. فلما انتبهت ، كأنما وقعت على غنيمة عظيمة ، وكنز ما حسبت له حسابا ..

تلك الأيام كان يداهمني شيء كالحيرة أعجز اليوم عن وصفه، لم يكن لي سلاح أواجه به هذا الداهم إلا دعاء حفظته من أعظم الدعاء ، كان يدعو به محمد صلى الله عليه وسلم في استفتاحه لقيامه: " اللهم رب جبرئيل ومكائيل وإسرافيل ، ربنا ورب كل شيء ، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " .. فأشعر بهدوء وطمأنينة لا يمنحها قول ولا فكر ولا استدلال .

أقف خلف أئمة الحرم في قنوتهم فيدعون بألطف الدعاء وأعظمه ، فلا يهز قلبي شيء كقول الإمام " ولا حائرا إلا دللته " .. فكأنني ذلك الحائر الضعيف الذي لا بصر له ولا هدى ما لم يمده البصير الهادي بمدد من عنده .

مضت الأيام هادئة متكررة .. أجدني بعدها بين يدي محمود شاكر وهو يتلو رسالته علي ، لم اقرأ كتابا أشعر أنني أدخل بين أسطره ، أتنفس حروفه ، أعيشها .. كـ" رسالة في الطريق إلى ثقافتنا " ..

أقول : لعلي كنت أعيش ذلا وضعفا فانتشلني بعزته ، حائرا فملأني بثقته ، جاهلا فأغرقني بعلمه. لا أعلم!

أذكر أنني قرأته ، فكأنما استيقظت من سبات عميق عميق ، وكأنما كان علي عيني غشاوة فأزالها ، كنت اقرأ بعضها - الرسالة - ، فتملأني بشيء لا أعلمه ، فلا يكون إلا دموعا تتساقط ، فأضحك على نفسي من بكاء في غير موضعه .. وكيف تلتقي عزة محمود والدموع ؟!

وماذا يهم القاريء لهذه السطور من كل هذا ؟!

وماذا يعني القاريء من شخص سحر بمحمود شاكر وبلاغته وعزته " وتذوقه " وعزوفه عن الحياة الأدبية

الفاسدة ؟!

لا شيء ..

لكنها تباريح ومشاعر حبست طويلا ، وانطلقت بلا سابق نذير حين رأت متنفسا تتنفسه.

أبها ١٤٢٩ هـ ( تقريبا)

كلام (١) : مواقف من غرب فرجينيا..


الصورة هذه من رحلة إلى شلالات المياه السوداء في ولاية ميرلاند - مجاورة لغرب فيرجينيا


.... وتمضي الحياة. بين آخر سطر كتُبته وهذا السطر أيام ذوات عدد. لو استحالت صفحات في كتاب لكان عنوانه “فوضى”. ولو كانت هذه الأيام فصلا في رواية لكان فصلا مليئا بالأحداث ولكن بلا شخصيات ولا بداية ولانهاية. ورغم هذه الفوضى إلا أن نعمة الله وفضله تحفني في نفسي وأهلي من كل جانب. لا أقوى على شكره وذكره سبحانه جل وعلا. أخطو خطواتي الأخيرة في برنامج الزمالة فلم يبق إلا أسبوعان. ثلاث سنين من الأحداث المتسارعة والقصص والنجاحات والإخفاقات أخرج منها مغتبطا لأنني أرى الفرق الكبير بين ما كنت عليه وبين ما أنا عليه الآن. عرفت نفسي في هذه السنوات الثلاث كما لم أعرفها من قبل أو بعبارة أقل درامية عرفت نفسي في مواقف الخوف والغضب والرغبة والميل ورأيت فيها نزعات من طغيان الهوى وحب الذات والتعالم والتواضع وما بينهما. رأيتها قاسية في مواقف لم أعهدها قاسية متحجرة فيها ورأيتها رقيقة مضطربة أمام أخرى. رأيتها تهتز وقد ظننتها بها الثبات ورأيت خلاف ذلك والإنسان مع نفسه في صراع ورحلة من الاستكشاف لا تنقطع. طُردت مرة من غرفة مريضة بلا سبب وكان الأمر قاسيا علي لأنني لم أكن وحدي بل كان الطرد أمام عدد كبير من الناس. طردني زوجها بلا سبب أعلمه إلا العنصرية العمياء فأبدله الله طبيبة محجبة حجابا ضافيا ولو طردها هي الأخرى لطُرد من باب المستشفى. ومما تعلمته من هذه التجربة القصيرة أن هناك من لايصلح معه التطلف ولين المعشر. فلا يسهل التخاطب معهم إلا اللهجة الآمرة الحازمة ووضوح الصوت. سلام ووداع بلا مقدمات ولا أحاديث هامشية. وقد ذكرت هذا المثال العنصري القبيح مقدمة لقصة هذه المرأة اللطيفة التي تابعتها في عيادتي منذ الشهور الأولى وبقيت أراها في عيادتي كل شهرين أو ثلاثة حتى كان لقائي الأخير بها قبل أسبوع.

امرأة في أواخر الخمسين، من بسطاء غرب فيرجينيا. حييّة ضعيفة الجانب مأمونة. ترعى ابنا لها مصابا بمرض مزمن وليس لها من الناس عون ولا سند. كنت أراها بشكل متقطع في العيادة ولعمق الأثر الذي انطبع في نفسي من ضعفها صرت أتعاهدها بالتواصل وأطلب من ممرضات العيادة التأكد من الاتصال عليها لحضور العيادة. فعل هذا التواصل فعله وصارت لا تتأخر عن مواعيدها. سافرتُ في إجازة للسعودية وعدت بعد عشرين يوم. وكالعادة بدأت في محاولة إدراك ما فات فإذا برسالة تقول إنها في المستشفى مصابة بجلطة في المخ. في نهاية يوم عمل ذهبت لغرفتها زائرا سائلا عنها ولم تكلفني الزيارة من وقتي ولا جهدي أي شيء لأنني أمر على الجناح الذي هي فيه في اليوم مرات. دمعت عيناها حين قلت لها إنني أتيت زائرا ومؤكدا على موعد العيادة القادم إذا خرجت من المستشفى. جاءت العيادة كما توقعت ومعها ابنها وزوجها. سارت العيادة كالمعتاد وحين قلت لها أنني لن أراك مرة أخرى وسيرعاك طبيب آخر في الموعد القادم، لم تتمالك نفسها وانطلقت تبكي. وقد كنت أظن نفسي قد تبلدت مما رأيت في المستشفيات من المعاناة لكن لم أتمالك دموعي وكلماتي فبكيت. لله البسطاء والمساكين! ثلاث سنين قضيتها هنا، لاتكاد ترى للمعروف أثرل في هؤلاء المتعالمين حولك إلا قليلا. ولاتكاد ترى نفسا بهذا النقاء إلا وهي بين جنبي مسكين أو مسكينة ممن لا يعرف ولايذكر. 
والناس بالناس تُذكر: أذكره جيدا حين أتاني العيادة للمرة الأولى. تكاد ترى عزة النفس والأنفة تتدفق من عينيه. كل إجاباته تقول إنه لا يعول في الدنيا على أحد. كأنه يتمثل قول المتنبي: وإنما رجل الدنيا وواحدها من لايعوّل في الدنيا على رجلِ. نموذج للرجل الأبيض العصامي الذي يفعل ما يريد ولاينصح ولا يستنصح. حاولت أن أقنعه بضرورة أن يجري قسطرة للقلب لكنه أبى واستكبر. حاول قبلي استشاري القلب بلافائدة. حاول الاستشاري الذي أرجع إليه بلا فائدة كذلك. كان ذلك لقائي الأول به ثم اختفى!. حدثني قبل أن يختفي أنه عازم على الزواج من فتاة في الثلاثين وهو يبتسم. مرت الأيام حتى كدت أنساه ثم ظهر فجأة على جدول العيادة. أتى -وما ظننت أنه سيأتي- لكن بغير الوجه الذي جاء به. منهك القوى، زائغ العينين، متعثر الأنفاس. حكى وحكى .. الآن هو بلا مال ولاسند. المرض أنهك قواه فلا يقوى على عمل. وتخالف هو وأسرته فتقطاعوا ولايود حتى الحديث عن أهله. وهو الآن يسكن في شقة مع صديق إلى أجل غير معلوم. وجهله وأنفته أورداه المهالك فترك أدويته. نظام العيادة أن تقضى مع كل مريض نصف ساعة لاتزيد. لكنني قضيت معه مايقارب الساعة. تركته يحكي فلما انتهى حكيت فلم أجد منه إلا أذنا صاغية. رجوته أن يأتي بعد أسبوعين فأتى قبل الموعد بنصف ساعة بوجه غير الوجه الذي جاء به. يفيض بشاشة وانطلاقا وعادت إليه بعض روحه لكنه عاد ناقصا أصبعين!. هذا “الأعرابي” الأبيض لم يستسلم وعاد للعمل فطحن أصبعيه تحت صندوق من حديد.  يروي لي القصة ضاحكا ساخرا من نفسه وأنا أعجب من هذا الجلد. تعانقنا وودعته لكن بلا دموع. 

الأصبعين الناقصين وقصص أخرى كثيرة مشابهة تجعلني أعجب أشد العجب من تقبل كثير من الناس الناس هنا للمصائب والحديث عن الموت، وسهولة أن تتحدث مع المريض في قضايا متعلقة بالخط الفاصل بين الموت والحياة. وأن تسأل أحدهم إن كان يفضل أن يتلقى الإنعاش لو توقف قلبه فجأة أم لا؛ مثل أن تسأله إن كان يريد كأس الشاي بالنعناع أم بالحبق. لا أدعي أنني أملك إحصائية دقيقة لكنها ملاحظة بارزة يراها كل من يشاركني التجربة. 


دعك من كل هذا لأنني أجدني تحت إلحاح شديد للكتابة عن جيل عرفته وعشت معه ودرجت. 

لعل للحديث بقية.

واشنطن ١٤٤٠ هـ 

قصيدة على باب اختبار الأطفال.

مدخل مستشفى عسير- أبها 


كنت أقلب أوراقي فوجدت هذه الأبيات المكتوبة بعد اختبار مادة الأطفال. وكان الممتحن الدكتور فؤاد عباق - مدير المستشفى الجامعي لجامعة الملك خالد- حفظه الله وكانا مهابا بين الطلاب.

إن العسير سيغدو في غد يَسِرا

فأهنا بيومك ، واترك خلفك الضجرا

**

ما كان أكبر همٍ في الحياة لنا

طفلٌ به وجع قد جاء منتشرا

**

أو آخر يشتكي ، زادت حرارته

وأنت لو علموا كم تصطلي جمرا

**

قل للذين أتوا ، في بطنهم ألم:

اهدأ ، أتسمع بطني اليوم منفجرا؟

**

وإن أتاك صبي جف داخله

فقل له: يا حبيبي لم تزل نَضِرا

**

ألا تراني طبيبا مثلما زعموا

وكلُ كلِ عروقي أصبحت حجرا؟

**

ستٌ صبرت عليها دونما وجع

وأنت في لحظات جئتنا ضَجرا؟

**

يا طالب الطب! صبر فاز من صبرا

وأنظر على أمل ، حتى ترى الظفرا

**

نادوا باسمي: يا "شِهريُّ "! أنت لها

هيا تقدم ترى من جاء مخْتَبِرا

**

وقفت بالباب كالمصلوب منتظرا

إشارة الإذن ، قد أرعيتها الحذرا

**

دخلت كاللص والأبصار تلمحنني

كأنني قد غدوت الصبح محتضِرا

**

وجاء عبّاق كالزلزال: حيا هلا

ابدأ لعلك تنهي الحرب منتصرا

**

رفقا بروحي يا “عبّاق” قد سقطت

كل الدروع ورمحي صار منكسرا

**

كل العتاد الذي قد كنت أجمعه

أضحى هباء ، مع الأرياح منتثرا!

أبها - ١٤٣١ هـ

خاطرة حول الصداقة والحياة.


أنا وأحد الأصدقاء في نهر بعيد. 


حول الصداقة والحياة: 

يخطر علي خاطر بين فترة وأخرى يظن أن له في خاطرات ابن المقفع نسب، فهو يأتيني مرتديا عباءة رملية وعمامة بيضاء وله لحية فيها بياض وسواد، وفوق حاجبه الأيمن تجعيدة أو اثنتين. وأظن به أحيانا الظن الحسن فأصغي إليه وربما استوقفته إن وقف واستأذنته في كتابة ما يمكن أن يُكتب حول الحياة وما فيها من الأشياء. وأحيانا أظن به ظن السوء وربما ذهبت بعيدا فجزمت أنه حفيد للشيخ النجدي الذي دخل على قريش في دار الندوة وبئس النسب. وهنا بعض ما يأتي به هذا الخاطر، وافق حسن ظني به.. وغفر الله لي. 

- من أراد أن يبقى له تقدير وثقة في نفوس من حوله فليستغن عن ما لديهم ما أمكنه ذلك، فلا تحمله الثقة بمكانته من قلوبهم على أخذ ما في يديهم، أو التساهل في حقوقهم. وإن كان ولابد فليعط أكثر مما يأخذ وليبذل أكثر مما ينال. وإذا رأى من نفسه تعاليا على المال أو ظن أنه كذلك فليؤد للناس من حقوقهم “الهللة” وليتغافل عن الألف، وإن كان الإنسان يرى الدنيا صغيرة حقيرة - أو توهم ذلك -، فهناك من أقرب الناس إليه من يراها عظيمة جليلة. 

- ومن أراد أن يرى من الأصدقاء أحسن ما لديهم، فلا يكن لهم منه إلا أحسن ما لديه. يحفظهم في غيبهم وعلانيتهم، يهتم بهمومهم، ويخصهم بدعواته وسؤاله. وإذا حزب أحدهم أمرا كان قريبا منه ولو بالرأي والمشورة،
ولا يترفع من أن يعترف بفضلهم عليه في حضورهم وغيابهم، ومن يصعب عليه هذا مع الأقربين فكيف مع الأباعد؟


- لا ينبغي أن يكون زوال الكُلفة مرادفا لزوال التقدير، وهذا خطأ قليل من يسلم منه. وربما رأيت صاحب علم ومعرفة أسقطه أصحابه بالسخرية منه وجهلهم به، ولو كان في غيرهم ممن يقدره لكان له شأن، لكنه وقع بين أصحاب يفهمون الصحبة فهما سقيما. وكم جر هذا الخلق الذميم من شرور وفرق بين مؤتلفين. 

- من الخطأ الذي يقع فيه الأبناء: إغراق آبائهم بالتفاصيل الدقيقة في حياتهم. وأعني هنا الأبناء الذي بلغوا من النضج ما بلغوا وقادرين على إدارة التفاصيل وتجاوزها، فترى أحدهم يخبر والديه عن الهم العارض، والمشكلة العابرة، والاختبار الصعب، والزكام، والشوكة.. إلخ، وربما قضى الوالدان ليلتهم يتقلبون على جمر الغضا، وهذا يتقلب في سريره راضيا هانئا كفقمة على شاطيء البحر، نسي همه الذي ألقاه على أبوين أشغلهما طفلا ويشغلهما الآن كهلا.


.. وهنا أستبد بي سوء الظن حتى رميت هذا الخاطر سبعا، وتعوذت عن يساري ثلاثا، فولى يخطو بوقار وتؤدة، فلا أدري أهو نسيب ابن المقفع فأعتذر منه، أم هو حفيد النجدي فأكسر لوحة المفاتيح على رأسه. 

تركيا ١٤٣٥ هـ 


سبعة كتب (٢)





خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.





٢) 
الوهابيون : تاريخ ما أهمله التاريخ - المؤلف
الكتاب فيه رسائل متفرقة عن تاريخ الدولة السعودية الأولى وأبرز حروبها ولم يأت الكتاب بجديد والعنوان أكبر بكثير من الكتاب. لم أخرج من هذا الكتاب بانطباع معتبر. خصوصا بعد أن عكفت فترة أقرأ في تاريخ تلك المرحلة.
-


 ٣)
 مع أبي العلاء في رحلة حياته - عائشة بنت الشاطيء 
أبو العلاء المعري - رحمه الله - من الشخصيات التي كثر حولها الحديث والاختلاف في حياته وبعد مماته. وقد كانت حياته كلها آلام منذ طفولته وعماه وإصابته بالجدري ويتمه ثم عزلته الاختيارية لملله من الناس عامتهم وخاصتهم. وقد عز على من حوله هذه العزلة واحتال بعضهم بالحيل فما استطاع ثم إنه خرج من عزلته بعد حوالي ثلاثين سنة وجلس للطلاب ووجد بعضهم خصومه مدخلا عليه من حياته الغامضة وبعض أشعاره فاتهموه بالزندقة والإلحاد ثم توارث الناس هذه الفرية بلا دليل ولا برهان. وهذا الكتاب وإن كان محاولة لتقصي رحلة حياته كلها إلا أن الجزء الأخير حول فرية الإلحاد واتهامه بالزندقة، عندي جوهرة ما في الكتاب. وقد ظهر الكتاب في ذروة الاهتمام بتراث المعري فكتب عنه تلك الفترة كثيرون منهم طه حسين، ولويس عوض، ومحمود شاكر - جمعنا الله به في الجنة - ، وآخرون كثيرون. والكتاب خفيف سهل يصلح كمدخل لحياة المعري منذ طفولته حتى مماته رحمة الله والمعالم البارزة فيها، وفيه مختارات لذيذة من شعره. والكتاب اشتريته من مكتبة للكتب المستعملة في الرياض وعليها اسم : محمد عبدالله المشوح - رفعه الله وباركه -. والعلم نسب بين أهله.


٤)
القوقعة - لمصطفى خليفة. 
قرأت عددا من روايات أدب السجن لكن هذه من أشدها وأقساها في وصف التعذيب. لكتب عرب آخرين كتابات أخرى عن سجون مختلف في العالم العربي أذكر منها تلك العتمة الباهر لبن جلون. ورواية ابن جلون تتميز باللغة العالية والاستعارات في الوصف وأرجو أن تكون الذاكرة دقيقة في هذا لأن عهدي بالرواية قديم. هذه الرواية مباشرة. تشعر أن من كتبها وجد نفسه مرغما على الكتابة فهو يدون أحداثا ويصف ما رأى في غيابٍ لنفس الروائي الذي يهتم بالعبث باللغة والتلاعب بالبيان. ولم تظهر روح الكاتب بشكل بارز إلا في نهاية الرواية بعد أن خرج من السجن وبدأ يتنفس!.  الراوية تدور معظم أحداثها في سجن تدمر في سوريا أحد سجون النظام السوري الكثيرة, والكتاب مسيحي كان من أعضاء الحزب الشيوعي فنال ١٥ سنة في السجن ذاق ورأى فيها صنوف العذاب. الرواية تُرجمت لعدة لغات منها الفرنسية والإنجليزية والألمانية والتركية بالإضافة للغات أخرى. والكاتب وجد طريقه للخروج من سوريا عام ٢٠٠٦ فاستقر في الإمارات ثم لما انتشرت روايته مع الثورة السورية جاءته تهديدات بالقتل ففر إلى فرنسا وما زال هناك.

٥)
How Doctors Feel: Danielle Ofri
كيف يشعر الأطباء: دانيل أورفي.
الكتاب يتحدث عن مشاعر الأطباء وعواطفهم أثناء تعاملهم مع المرضى وأثر النظام الصحي الأمريكي على صناعة الاحتراق الوظيفي وهروب الأطباء من هذه الوظائف. وبين فصل وآخر تحكي المؤلفة قصة مريضة عرفتها عن قرب، أصيبت بـضعف في عضلة القلب وكانت تحتاج لزراعة لكنها واجهت كثيرا من الحواجز بسبب كونها مهاجرة وكون النظام الصحي القائم على التأمين لا يمكن أن يغطي تكاليف عالية لعملية مثل هذه مريض دون تأمين صحي. والكتاب فيه كثير من "الدراما" ، وتُحسن الظن بالطبيب في كل حال وكل الأوقات وهذا أمر لاتحسن المبالغة فيه. فالطبيب وإن كان لديه مشاعر وعواطف إلا إن معظم الأطباء خصوصا  في أمريكا ليسوا بهذه الصورة المثالية. وجهة نظر الكتاب في هذا أن قلة التعاطف مع المريض من الأطباء هو بسبب النظام الصحي وتعقيده وتحميل الطبيب ما لا يحتمل وهذا في تصوري أمر لايمكن التسليم به. الكتاب بشكل عام عادي جدا.


٦)
 العود الهندي عن أماليّ في ديوان الكندي - علامة حضرموت عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف
لو ألقي إلي هذا الكتاب دون غلاف لما علمت أن المؤلف من المعاصرين لولا إشارات متفرقة في الكتاب عن حضرموت وبعض الأعلام المعاصرين. فالمؤلف هو مفتي حضرموت عبدالرحمن السقاف ( 1300 - 1375 هـ). والكتاب عبارة عن مجالس أدبية لشرح ديوان المتنبي لكن المؤلف يستطرد في إيراد الشواهد والشوارد من الشعر والحوادث التي لا تُمل في لغة عربية عالية كأنك تقرأ لابن قتيبة في عيون الأخبار أو أدب الكاتب. وهو تحفة أدبية بحق، أنتشلني من جفاف الطب والتحضير لاختبار الزمالة. فكنت اقرأه على مهل وأحفظ ما أستطيع من البيت والبيتين منه. ومثل هذا الكتاب وما فيه من شوارد على ما فيه يشعرني بالحسرة لأنني لا أقوى على إدراك كل هذا ولا حتى استذكار بعض الشواهد الجميلة التي تعبر عن خبايا في نفسي عندما أريد. والكتاب وإن كان طويل إلا أنه سهل لذيذ لمن أعتاد قراءة كتب الكتب ولديه حصيلة معقولة من اللغة العربية. 



٧)
Medical Professionalism Best Practices: Professionalism in the Modern Era
هذا الكتاب أقترحه علينا الدكتور ماكيل تشوي: المشرف على برنامجي التخصص. والفرق كبير بين أن يقترح عليك  رجل من أهل العلم والمعرفة وبين أن يقترح عليك واحد من طرف الناس. أعترف أن الكتاب أتى إليّ في توقيت حرج جدا وفي فترة تنشأ فيها كثير من الأفكار الجديدة التي أخشى أن يكون بعضها لم ينضج بعد. لدينا خلل كبير وعميق في بنية نظامنا الصحي - إن كان لدينا نظام صحي-، ولدينا أنظمة صحية حول العالم أبرزها نظام رأس مالي جشع ومتوحش أجد أننا في مستشفياتنا الخاصة أخذنا أسوأ ما فيه دون وجود أنظمة شفافة وواضحة تبين الحقوق والواجبات. والكتاب عبارة عن مجموعة مقالات مركزة تركز على الجانب الأخلاقي والإنساني للطبيب ، والعزف على هذا الوتر لايُكاد يسمع مع ضجيج مكائن النظام الرأسمالي الذي يركز على الانتاج والكم ومعايير الجودة والأرقام والاحصائيات والغفلة تماما عن الجانب الإنساني للطبيب والمريض على حد سواء. أحد الأمثلة التي أراها ماثلة أمامي لتقهقر العلم أمام المال هو ما حصل لأحد أبرز المستشفيات الجامعية البحثية في أمريكا. منذ أن نشأت هذه الجامعة وهي تركز على البحث والتعليم لكن الذي حصل أنه لم تستطع المقاومة في السوق فبدأ المستشفى بالإفلاس وهنا انقض رأس المال واشترى المستشفى وصار جميع الأطباء والباحثين تبعا لرأس المال الجديد. الذي حصل أن رأس المال بدأ بالمطالبة بأرقام معينة من المرضى يجب على الطبيب أن يراهم كل أسبوع وعدد معين من الأهداف المالية التي يجب على الأساتذة أن يصلوا إليها. نجح رأس المال وارتفعت الإنتاجية لكن على حساب التعليم والبحث وعدد الأبحاث المنشورة وعلى حساب الجانب الإنساني لهؤلاء العلماء والباحثين فصار أحدهم يقضي معظم وقته لتحقيق الأهداف والأرقام بدلا من العكوف على أوراقه وأبحاثه.
أعرف أننا بعيدون كل البعد عن مثل هذا، لكن الشاهد من كل هذا أن هذا الكتاب جعل نظرتي لما يجب عليه أن يكون عليه نظامنا أقل إلحاحا وحدة. لأنني في هذه اللحظة من التجربة أرى أن نظام التأمين الصحي وتحويل المستشفيات إلى ما يشبه الشركات التي تعامل المرضى كعملاء هو النظام الأنسب من بين خيارات أخرى كثيرة. أحد الأسباب وراء هذه الفكرة أن الطب الحديث غارق في الرأسمالية إلى أبعد حد وهي في الحقيقة ما يحرك عجلته. وسبب آخر وهو أن النزعة التجارية بين الأطباء منتشرة جدا وتكاد تكون غالبة ولن يهذب هذا النزعة إلا القوانين التي توضح العلاقة بين التاجر والعميل وتحمي كل طرف من الآخر مع بقاء التقدير للمهنة ولوجود الجانب الإنساني العميق الذي يتفاوت فيه الأطباء ما بين مقل ومستكثر. وحتى لايطول الحديث ويخرج عن فكرة هذه السلسلة أقول: إن هذا الكتاب جيد جدا لمن يهمه من الأطباء ما يحصل  حوله من تحولات كبيرة في نظامنا الصحي ويفتح نافذة للتأمل والنظر لأشياء يُشغلنا عنها الانغماس في العمل و"الإنتاجية"!


هذه سبعة كتب كاملة. ولعلي أستمر بإذن الله.


واشنطن دي سي، غرة محرم ١٤٤١ هـ




بين واشنطن والرياض



الطائرة تسير بضجيجها الصامت، تبعد ساعتين وثمانية عشر دقيقة من سماء الرياض. قبل ساعات في مطار واشنطن قابلت صديقا يستقل نفس الطائرة الآن. قبل الإقلاع شربنا القهوة سويا وتحدثنا عن أشياء كثيرة. علمني كيف أرقي رحلتي لدرجة أعلى بأرخص الطرق. تفرقنا على باب الطائرة وتقابلنا مرة أخرى في المصلى لصلاة الفجر. صديقي محمد أنهى رحلة سبع أو ثمان سنين قضاها في البكالوريا والماجستير . لمحت على وجهه حسرة وشحوب وحيرة. سألته: هل أنت أمام سؤال كبير يطن في رأسك يقول لك : ما كان لك ولهذا؟ أصحابك الآن قد استقرت بهم الحياة وهم يتكاثرون في الضياع والأولاد وأنت عدت بـ”المجد” أو ما تظنه مجدا، والخواء. قال: نعم!. نظرتي في الحياة أن جمالها في الرحلة وليس في الوصول، وأن قيمتها في التجربة العميقة لا الفراغ. وأن لذتها في الحلم لا في تحققه. هذه السنوات الثمان ليست هي الشهادة التي بيديك، بل هي النفوس التي عرفت، وكل لحظة ترددت فيها أمام جديد، وكل خطرة خطرك عليك وحيدا في موقف ضعف، وكل ما رأت عيناك، وكل ذكرى حُفرت في ذاكرتك مما يُروى ومما تحجم عن روايته. أنت لا تملك من الأشياء ما يملكون لكنك حتما تملك من معنى الأشياء ما يعجز القابع في بيته عن الوصول إليه. هم أغنياء بالأشياء أنت غني بالمعاني. لم أقل هذا الكلام حرفيا ولكن قلته بالمعنى وقد كان صديقي يشكو أن أقرانه قد تجاوزوه!. صدقني لا يسبقك أحد ولن تسبق أحد. نحن فقط نكبر في المكان وستدرك ما أقول قريبا.

عيد

أقولها لها : بأن العيد مؤتلقُ ..

وكل مواكب الأحزان تحترق ُ !

وبلبل شعري المخنوق ، يرقص

في فضاء السعد ، ينطلقُ ..

فلا الأكدار تلجمه ..

ولا هم ولا أرق !

لأنكِ

هاهنا بالقرب ،

في نبضي ..

وفي الأنفاس يا عبق ُ !

وداعا أيها الأحزان

كم جرّعتِني غصصا ..

وكم أهديتني حُرَقا !

وكم لاقيتُ في دربي ،

وعشت الخوف والقلقا ؟

دم العربي ثار اليوم

عاف الأسْر والرقا ..

وثرت أنا

أدمر قيد أحزاني ،

أمزق عهدها مِزِقا ..

أقول لها وفي كلماتي

الشغف ُ

فعيدي اليوم مختلف ُ ..

على قسماته البشرى ،

وفي كلماته رهف !

لأنك هاهنا ..

في القلب ، في الذكرى

وحين تُسدّل السجف ُ ..

أقول لها :

وحيد كان هذا العيد ،

خجلان ومرتجفُ ..

وجاء اليوم مبتسما

ومزدانا ..

يزينه شعور الحب

في قلبين تأتلفُ !

فأنت العيد ُ .. يا حبي

وأنتِ الماس والصدفُ !

١٤٣٢ هـ

سبعة كتب (١)


خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.




١) رحيق العمر - جلال أمين 
جلال أمين له أسلوب عظيم وسلاسة مبهرة قل أن تجدها لدى كاتب أخرى. يكتب بلا تكلف ولا تصنع.. وهذا الكتاب الثالث الذي اقرأوه لجلال أمين وكله تتميز بهذه الميزة الفريدة= أناقة الأسلوب وسلاسته. وجلال أمين لمن لا يعرفه هو ابن أحمد أمين صاحب " ضحى الإسلام .. الخ" وللأب كتاب المذكرات الشهير " حياتي " الذي يفيض بالحكمة والسكينة. ورحيق العمر ينقل بوضوح حياة شخص من طبقة المثقفين المصريين الذين خاضوا نقلة ثقافية كبيرة بالسفر إلى أوروبا والذوبان في محيط الحضارة الغربية. ولعل أكثر ما ربطني بهذا الكتاب هو الجانب الإنساني والأسري حين يتحدث الكاتب عن بعده عن أمه وأسرته وهي تجربة أخوضها وأعاني مرارتها. وينهشني تأنيب الضمير أحيانا ويأتيني السؤال الكبير: " ما لك وكل هذا؟ ". 
ودائما أعود فأقرأ كتب السير الذاتية بين فترة وأخرى لأنها سجلات حافلة بالحياة وفيها من التجارب والحكمة التي تفتح للقاريء المغاليق. وقد أضحكني الكتاب وأبكاني فللكاتب قدرة على السخرية الراقية وله قدرة على الخوض في النفس الإنسانية. غفر الله سخريته من عمته. كانت سخرية لاذعة ما عدت إليها إلا ضحكت من كل قلبي. وكنت قد قرأته بعد فترة من الكتب والقراءة، فالتهمته التهاما . والكتاب متوفر على الشبكة. 

٢) أشياء تتداعى - تشنو أتشيبي: 
لا شيء يشغل بالي على مستوى الأفكار مثل التفكير في تلاشي الهويات وضبابية المباديء والقيم. وعلى رغم هذا الوعي الذي يزداد بين الناس إلا إنني أراها وعيا ناقصا ولا يزيد العقلاء إلا حسرة. يجتاحنا تسونامي الحضارة الغربية بكل سياقاته وصرنا نتشكل بلا وعي ضمن القوالب الغربية على كل المستويات: الاجتماعية، والأخلاقية، الدينية .. إلخ. وهذه الرواية تحكي قصة قرية أفريقية نائية داهمها المستعمرون بقوتهم الناعمة والخشنة واستمالوا بعض ابناء القرية. قاوم الناس بحماس ما لبث أن خفت ثم صار المناضلون منبوذون على الهامش. ثم تداعى كل شيء!  والرواية كتبها هذا الكاتب النيجيري وصدرت عام ١٣٧٧ هـ / ١٩٥٨ م .

٣) الحب السائل - بومان: 
الكتاب دسم جدا وربما تعجز أحيانا عن إدراك التسلسل أو التنقل بين الأفكار، فتدرك الرابط بينها بصعوبة بالغة: 
مثلا كان يتحدث عن المدن الحديثة وانشغال السياسي بالقضايا المحلية غالبا، ثم فجأة ينتقل إلى الحديث عن مشاكل العولمة من حروب وخوف، وإرهاب، وتلوث .. إلخ. وصنع ذلك لأنه يريد أن يقول أن السياسي أصبح متورطا في قضايا عولمية بسبب تداعياتها على المجتمع المحلي : التلوث مثلا او الصحة .. إلخ ويقول أن المدن أصبحت مكبات نفاية لقضايا العولمة. ثم يعود ليتحدث عن المدن والتغييرات التي تطرأ عليها.. ديترويت مثلا. هان علي كل هذا التخليط لأن مُقدِمة الكتاب الدكتورة هبة عزت قدمت له تقديما بارعا جميلا ولو اكتفى القاريء العاجز بقراءة المقدمة لكفته.
حديثه عن هشاشة الروابط الإنسانية  بسط كثيرا من الأفكار التي كانت تدور في رأسي وأنا أعايش هذا المجتمع الغربي الهش جدا في علاقته. ونظّر لي لماذا يختار زميل المهنة الذي عملت معه أشهر عديدة أن يمر من جواري بعد أسبوع من انتهاء عملي معه دون أن يلقى تحية معتبرة. فالعلاقات هنا سائلة وهشة وسهلة الاستهلاك كوجبات سريعة. فالعلاقات كما يصفها يجب أن تبقى في الجيب العلوي: " يجب أن تقع على الأكتفاف مثل عباءة خفيفة حتى يمكن التخص منها بسهولة في أي لحظة" ص ٥٩. ثم يعرج على التحول الكبير الذي حصل في فهم المجتمعات بشكل عام والمجتمعات الغربية بشكل خاص للزواج والجنس والجوار. ففهم الحياة الزوجية مثلا تحول من علاقة عامرة بالسكينة والطمأنينة، إلى علاقة يراد لها أن تقوم على الشبق والوله والعشق واللعب. ومع الزمن يكتشف الطرفان فجأة أن الحياة لا تستقيم بهذا الشكل وأنها مليئة بالمتاعب: “ ولا تنتهي المتاعب عندما يعيش الزوجان معا، فالغرف المشتركة ربما تكون مرتعا للفرح والمرح الممتعين، لكن قلما تكون ملاذا للسكينة والطمأنينة، وبعضها يمثل مسارح لأحداث درامية قاسية يصاحبها تراشق بالألفاظ، ويتصاعد إلى اشتباكات ولكمات.." ص ٦٠. وكنت بداية احتكاكي بالغرب والغربيين أتعجب من الإحجام عن الزواج وأذكر أن مريضا في الخمسين جاءني العيادة مع امرأة مقاربة لسنه، وكانت خلاصة بعض حديثي معهما أنهما ليس زوجين بل صديقين منذ ٣٠ سنة وأنهما يقضيان الحياة كزوجين. والفرار من عقد الزواج هنا هو فرار من الالتزامات المادية أو هو هروب من المسؤولية بمعنى أدق وهذا من أهم ما يميز العلاقات السائلة الهشة. الدخول في علاقة صارمة وجدية معناه خسارة الكثير من المتع المحتملة الأخرى. وهذا يمتد كذلك إلى الإحجام عن الإنجاب. ولا يخدعنك أحدهم فيقول أن الغرب يقلل من الإنجاب حرصا على تربية أولاده كلا! بل المبالغة في التنظيم وتقليل النسل هي من " خشية الإملاق" والنفقة. وكما ترى هنا هي حالة من حالات الهروب من المسؤولية. وربما استطردت هنا كثيرا والخلاصة أن الكتاب بوابة لفهم كثير من القضايا الإجتماعية. 

٤)  دفيء الليالي الشاتية - عبدالله بن صالح العريني. 
الرواية تحمل معان سامية وعميقة. وكاتبها صاحب رسالة وهم عميق ولا أشك في ذلك وإن كنت لا أعرفه ولم أتعمد اقتناء الرواية بل وجدتها ضمن مجموعة كتب يود المركز الإسلامي تخليص المكتبة منها. والرواية تحكي قصة شاب سعودي مبتعث برفقته أسرته الصغيرة. وهذا الشاب صاحب دين وخلق ويسعى ليتمثل أخلاق الإسلام. أثرت أخلاقه في الأسرة التي سكن معها ابتداء وامتد تأثيره لابن عمه المبتعث الآخر في مدينة أخرى لكنه على نقيضه فيما يتعلق بالأخلاق والدين. والرواية وإن كانت تحمل معان سامية وجميلة إلا إنها ضعيفة من الناحية الأدبية بل لا أبالغ إن قلت إنها تفقد أي حبكة أدبية وهي تصلح للقاريء المبتديء وتصلح لطلاب الثانويات كذلك ومن في حكمهم.

٥) الفيومي - طاهر الزهراني
يواصل طاهر الزهراني في مشروعه الروائي اللطيف في استعادة الرجل الجنوبي أو التاريخ الجنوبي القريب تبعا لروايته
" ابن الجنوب". وربما أكثر ما لاحظت في هذه الرواية أن الأحداث تدور في زمنين متوازيين. فمعارك الحوثيين حديثة جدا، كذلك تهمة الإرهاب التي ألقيت على بطل الرواية. وفي نفس الوقت التفاصيل والشخصيات تعيش قبل خمسين سنة لمن يعرف تاريخ المنطقة وعاداتها. كعادته طاهر يسهب في الواقعية فيصر على تفاصيل جنسية دقيقة في كل رواياته. رواية لطيفة وخفيفة وليست أفضل روايات طاهر. قرأت له: جانجي، أطفال السبيل، نحو الجنوب والميكانيكي. وأظن إن لم تخني الذاكرة أن هذه من أقلها جودة. وأقول بحكم معرفتي بطبيعة المنطقة وعادات أهلها أنه استطاع نقل صورة شبه حية لرجل يتكرر كثيرا في جبال السروات: عاشق، راعي للغنم، صياد ماهر، مولع بالجبل والوحدة لكنها جعله يعيش في زمان غير زمانه.

٦) الفردوس الأرضي - عبدالوهاب المسيري
أتحسر لأنني لم اقرأ كثيرا للمسيري حتى هذه اللحظة فكل ما قرأت له كتابين أو ثلاثة. وهذا الكتاب الخفيف الجميل الذي يصف تجربته في أمريكا يصلح لكل متطلع لفهم هذا المجتمع وكيف تتشكل ثقافته وأثر الاقتصاد على المجتمع. وفيه حديث جميل وعميق عن الحركات النسوية ودور المرأة الحالي في المجتمعات الغربية. وأعود فأقول أنا أكتب هنا انطباعات عن الكتب وليست مراجعات أو تحليل. وكل هذا من الذاكرة والذاكرة خوانة.

٧) رواء مكة - حسن أرويد
نشأ هذا الكاتب والفيلسوف المغربي قريبا من البلاط الملكي في المغرب ودرس جزء من دراسته مع الملك محمد السادس حينما كان وليا للعهد. وشغل في حياته مناصب عدة منها المتحدث الرسمي باسم البلاط الملكي المغربي. ويذكر أن نشأ في أسرة أمازيغية مؤمنة ديّنة أما هو فقد حاد وشط عنها فألحد أو كاد وأصبح يرى الدين مجموعة من الطقوس والممارسات البدائية ويرى الحج وسيلة أستطاع بها العرب تطويع الأعاجم باسم الدين. ثم حصل ما حصل وجاء للحج وما قاده إليه إلا المصادفة وتجربة مرض قاسية مر بها. وهنا كانت المعجزة فغير الحج حياته. فرجع بقلب غير القلب ومال للتصوف والعودة للجذور الأولى التي رأى أبويه عليها. وكان حجه عام ١٤٢٧ ونشر الكتاب بعدها بعشر سنوات. وإن كان الكاتب يزعم أنه تخلص من تعصبه للأمازيغية وميله عن العرب إلا إن الكتاب لم يخل من قدح في العرب ذات اليمين وذات الشمال. وفي الدقيقة ٢٩:٤٥ في هذا المقطع كلام جميل عن الكتاب من شخص أعجب به - ربما أكثر مما ينبغي - :



هذه سبعة كاملة. ولعلي أستمر في تدوينة مماثلة بين فترة وأخرى إذا كتب الله ويسر.



رمضان ١٤٤٠ هـ


رمضان وغوستاف لوبون





تتردد في خاطري دائما مقولة لغوستاف لوبون يشير فيها أن الجمهور ليس حاصل جمع الأفراد ، وأن الجمهور عندما يتشكل تذوب فيه شخصية الفرد وتظهر عقلية الجمهور لتتحكم في الفرد وسلوكه .. ويظهر هذا جليا في تاريخ الشعوب والحروب والثورات ، حين يقوم الجمهور بارتكاب مصائب وكوارث ما كان يمكن للفرد أن يفكر في القيام بها ابتداء لولا وجوده بين جمهور عريض ..
هذه الفكرة " اللوبونية" أراها أمامي كل يوم في شهر رمضان ، بين أفواج الصائمين في شوارعنا المزدحمة ، وتتكرر علي حال وقوفي بين صفوف ملايين الراكعين الساجدين في المسجد الحرام . إنها حالة من الاتفاق الجماهيري الكبير الذي حول الناس إلى مؤمنين ببدهية  فكرة ما وسهولتها، فوجدوا القيام بها أمرا طبيعيا جدا .. وهذا لسان حال معظم الناس قد يظهر على ألسنة بعضهم فيقول: ما دام كل هؤلاء يفعلون هذا فمن الطبيعي أن أستطيع فعل ما يفعلون ، فيذوب الفرد في الجماعة ويرى نفسه جزء من كل.

لا أشك أن القادرين من بين جموع الناس في المساجد على القيام بنفس الأعمال فرادى سيكونون قلة قليلة لا تذكر ! وهنا تظهر عظمة شعائر الدين في جمع الناس وإزالة الأوهام ، وتقوية الإرادة ، فضلا عن حكم الله الأخرى في تشريعاته عز وجل ، مما علمنا ومما لم نعلم . 



٢٣-٩-١٤٣٤ هـ