إلى الغارقين في الحلم، الهاربين من الواقع..



لم أعد أحفل بكثير مما يقول الناس ويكتبون في هذه الشوارع العامة وعلى هذه الأرصفة. بل ربما أصبحت أراها كما أرى الجداريات التي يصنعها أطفال الحارات القديمة في لحظات الملل. تلك الجداريات تُقرأ بعيون بلهاء دون جهد من عقل ولا فكر، ومع هذا قد تجذبك عبارة فلتت من أحدهم على حين غرة منه وجهل .. كل هذا الكلام هو زيف وإسهال كلامي لا قيمة له. كل هذه الأشياء قشور لا معنى لها ولا جوهر. هذه الأشياء هي عبء على اللغة والمعرفة، هذه الأشياء هي سيل جارف من “البيانات” الرقمية التي تملأ هذه العالم المقعد بلا إضافة. اقرأ أيها الجيل، اقض يومك هنا في هذه الشوراع، تسكع كما يحولك لك آناء والنهار، تسلل على موائد المترفين ومن يقضون حياتهم تشبها بالمترفين، نم هذه الليلة في منتجع جميل في زاويا هذه الكرة واقض احلامك فيه ثم استيقظ متذمرا من عالمك ومن حالك الذي لا يشبه حلمك الجميل في شيء، اركب السيارة الجميلة واليخت الفاره وأنت تمشي بملل تنتظر سيارتك المعطلة في الصناعية القديمة. اقرأ هذه الأوهام، تابع هؤلاء المرضى والمهووسين بالكاميرات، تلق هذا التدفق المعرفي الذي لاينقطع من السناب شات، ولاتنس أثناء ذلك أن ترى كيف يكون الحب والجمال في شوارع مانهاتن ولاس فيغاس، وكيف يمكن أن تقضي عطلة صيفية حالمة تمام كما يفعل نجوم هوليود. ابحث عن زوجك في عيون البغايا وملامحهم الحارقة، وفي أجساد الرياضيين الممشوقة المحقونة بالهرمونات، تعلم كيف لا تدري ما الفرق بين المعرفة وبين عزيف الجن وسجع الكهان، ولا بين الليل والنهار، ولا بين الوهم والحقيقة. 



مستقبلك مبهر ومليء بالأمل!

الفتى ota benga: من قصص الحضارة الجديدة.









أجيال تتعاقب من أبنائنا ممن تفتحت أعينهم وآذنهم على الحياة هم يرون ويسمعون حديث السياسي الغربي عن الحضارة وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات والشعارات الكبيرة الأخرى إن كان فيها كثير حق ففيها كثير من الباطل . وذلك لأننا جيل محاصر بهذه الدعاية الضخمة التي تصور لنا القوة الاستعمارية المتوحشة كحمل وديع همه حماية البشر وحقوقهم من الضياع. قصة هذا الفتى الأفريقي محدد الأسنان لا تعبر عن وحشية أفراد بل وحشية حضارة قامت على القمع والظلم والبطش. فما هي قصة هذا الفتى ؟! 


هذا الفتى نشأة في قبيلة من قبائل الأقزام البدائية في نائية من أفريقيا وهي اليوم ما يسمى بجمهورية الكونغو الحرة. عاش مع زوجته وطفلية حياة بسيطة حتى وصلت إليه بعثة أمريكية مدعومة من شركة تقوم بخطف الأفارقة من قراهم وبيوتهم البسيطة وبيعهم في أسواق أمريكا كرقيق ومستعبدين لخدمة الرجل الأبيض. 

عاد هذا الأفريقي البسيط إلى قريته فوجدها قد دمرت وقتل كل من فيها . ففقد قريته ، وقبيلته ، وزوجته وطفليه ، ثم رغما عنه أخذ إلى أمريكا !

في تلك الفترة كان علماء الأحياء والأطباء مولعين بالبحث عن أدلة مادية لإثبات نظرية التطور والبحث عن الكائن المفقود في سلسة التطور بين الإنسان والقرد. وقد كتب أحدهم : “ قبائل الأقزام يتشاركون مع القرود في صفات كثيرة “. وبما أن هذا الفتى من الأقزام فقد وضع في حديقة حيوان ووضع في قفص مع قرد من فصيلة الغوريلا وكتب أمام القفص : “ قزم أفريقي طوله ٤ أقدام ، ويزن ١٠٣ باوند . أحضر من منطقة نهر كاسي من الكونغو الحرة . أحضره الدكتور صاموئيل فرنر . يُعرض ظهر كل يوم في شهر سبتمبر “. وحين ظهرت بعض المعارضة في الصحف الأمريكية على هذا التصرف ، كتب أحد علماء الأحياء يسخر من هؤلاء الذين يطالبون بمعاملة إنسانية لهذا الأفريقي ، وزعم أن حياته في القفص ستكون أكثر أنسا له من حياته في المدرسة أو الجامعة لأنه خُلق ليكون هكذا .

وكتبت صحيفة التايمز أن عدد الزوار لحديقة القرود بلغ ٤٠٠٠٠ زائر كلهم يرغبون رؤية هذا الكائن الأفريقي المتوحش الذي أحضر من أفريقيا. كان الزوار يجتمعون حوله يرمونه ويغيضونه ويسخرون منه ، وبسبب طبيعته القروية البسيطة كان لطيفا مع الناس في البداية لكنه شعر أنه في عالم لا يقدر الإنسان فبدأ بقذفهم بالحجارة وبالأسهم التي أعطيت له لتكون جزء من وسيلة الجذب للزوار . 

عندما بدا الفتى عنيفا مع زوار حديقة الحيوان التي كان فيها ، قررت إدارة الحديقة إخراجه منها. وقامت بعض منظمات السود في نيويورك بمحاولات عديدة لإعادة الفتى إلى قريته وبساطتها لكنها فشلت. لكنها استطاعت أن تسجله في أحد المدارس في فيرجينا. بدأ الفتى - الذي اعتبره بعض العلماء قردا- بتعلم اللغة الإنجليزية وأصبح قادرا على التواصل وحينها فضل أن ينتقل للعمل في مصنع قريب لإنتاج التبغ وعاش محبوبا للناس من حوله ويأتيه أطفال المنقطة ليعلمهم صيد الأسماك والرمي بالسهام. وكل مرة يرجو من حوله باكيا بأن يعيدوه إلى قريته لكن يلقى حوله قلوبا كالصخر ، وما قيمة مشاعر هذا الأفريقي الأسود ؟! 

رغم كل هذا كان لديه بقية أمل أن يرى دياره وقريته والغابات التي عرف أسراره ، ويحلم بها كل يوم . لكنه حين علم أن الحرب العالمية بدأت وأن طريق العودة إلى الكونغو مستحيلة أصيب باكتئاب قاس وحاد قضى على كل آماله . وفي عام ١٩١٦ وجد المسدس طريقا إلى يده ، فأطلق على رأسه منتحرا منهيا حياة قاسيا، لاعنا هذه الحضارة التي لم يعرف منها إلا التوحش والعبث بالإنسان والمسدس الذي قتله . 


القصة باختصار من كتاب : 

Medical Apartheid 

سينساك كل صديق عرفت ، وتبقى قريبا بقلب امرأة !





يسير على الناس ما حيرّه 

ويخفى على الناس ما أبصره

ويلقاه كل خلي الفؤاد

قليل التأمل والتبصرة

فيظهرُ : والله ، ما أغربه

!ويهمسُ : والله ، ما أعسره 
**



إذا ما عزمت الرحيل الطويل 

إلى سفر لا ترى آخره .. 

وخلفت خلفك حزنَ القريب

ودمعَ الصديق الذي نثّره 

وصُبت عليك العهود الشداد :

" بأنك تبقى لهم تذكرة "

فأودع هواك فؤادا يراك 

جمالَ الحياة الذي أبصره ..




سينساك كل صديق عرفت

وتبقى قريبا بقلب امرأة !





شيكاغو ١٤٣٥

ابن سينا وهو يصف النبض بدقة



أقلب كتاب القانون للشيخ الرئيس ابن سينا ، فأتساءل إن كان طبنا الحديث يبالغ في الاعتداد بذاته والاستهانة والتحقير لأي طب آخر في العالم ؟! .. للأسف ، الكثير منا يظن أن كل طب غير الطب الحديث هو مجرد خرافات وشعوذة وأساطير ، وربما لو تواضعنا قليلا لوجدنا شيئا يستحق الاهتمام .. 

أنا هنا لا أجزم بشيء ، ولكني أتكيء على مفهوم بدهي أن الأحكام الناتجة عن الجهل ، لابد وأن تكون أحكاما ناقصة ومشوهة ، ونحن نجهل أي طب في هذا العالم غير الطب الكيميائي وأعني هنا الأطباء خصوصا .

يتحدث ابن سينا عن النبض في حوالي خمسة عشرة صفحة من كتابه القانون ، ويصف النبض والطبيعي منه وغير الطبيعي ، وأثر الأمراض والحمى والأعمار والرياضة عليه ، وتأثره بالنوم وبالحالة النفسية وبالاستحمام وبالأكل والشرب وبفصول السنة ، وأنواع النبض ثم يشرح للطبيب من أين يمكن أن يقاس النبض فيقول : 

" والسبب في وقوع الاختيار على جس عرق الساعد أمور ثلاثة : 

- سهولة متناوله . 

- وقلة المحاشاة عن كشفه . 

- واستقامة وضعه بحذاء القلب .. 

والوزن هو الذي تقع فيه النسب الموسيقاوية . ونقول إن النبض إما جيد الوزن وإما أن يكون رديء الوزن ، ورديء الوزن ثلاثة أنواع .... والخارج عن الوزن وهو الذي لايشبه وزنه نبضا من نبض الأسنان ( النبض لمن هم في نفس العمر ) ، وخرج النبض عن الوزن كثيرا يدل على تغير في الحال عظيم " .. القانون لابن سينا - ج ١ - ص ١٧١

هذا مثال عارض ، وفي ظني أن أبناء الطب الحديث سيصدمون لو قرأوا فقط عناوين الفصول الرئيسية التي يضعها ابن سينا ويشرحها في كتابه - أتساءل مرة أخرى .. هل يمكن أن يكون هناك حل لبعض الأمراض المستعصية بالتعامل معها بطريقة أخرى تنطلق من الماضي المحتقر ؟! 

لماذا “يسيح” الناس في الإجازات؟


كلام حول مفهوم السياحة والسفر في الإجازات


قبل سنوات قليلة كنت في مجلس مليء “بالعقلاء” فكان أحدهم يتحدث بحماسة عن تجربته الجميلة والفرح الغامر الذي شعر به في إجازته الماضية. وكان يصف بدقة جمال الفندق الذي سكنه والاهتمام البالغ الذي لقيه وكيف كان يهتم به الموظفون في الفندق حتى إن أهله في بيته لا يعاملونه بهذه الطريقة. أذكر أننا دخلنا بعد ذلك في نقاش لاداعي له حول السعادة وحول تجارة السياحة ويا ليتني سكتُّ.

قبل هذا الطغيان العولمي بل وقبل ظهور النظام الوظيفي وقبل نشأة المدارس النظامية واختلال نظام سير حياة الناس = قبل كل هذا لم تكن هذه المصطلحات معروفة ومتداولة. فلم يكن جدي المشغول بحقله وغنمه يعرف شيئا يُسمى إجازة، فحياته عمل دائم وقناعة دائمة. كان أكثر حرية من نسر، لا يهمه من تتابع الأيام إلا ما يعينه على العبادة ومعرفة أحوال الناس والأسواق. فلا إجازة نهاية أسبوع ولا منتصف الفصل ولا “كريميس” -في المجتمعات المعولمة بما فيه الكفاية- ولا دفتر تحضير يومي أو بصمة.

ظهرت الوظائف والمدارس والجدوال السنوية فصار الجيل أمام شيء جديد لم يعرفه الجيل الذي قبله فتلقاها بعفوية وبساطة. ولا تستغرب حين تسمع أن كثيرا من أبناء ذلك الجيل لم يطلب إجازة سنوية لعدة سنوات حتى طغى المفهوم على الناس وغلب، وتسلل مفهوم الإجازة والسياحة. أدرك الناس أن الإجازة تأتي فيأتي معها الفراغ المؤلم والخواء القاسي فبدأ الناس يمارسون “هربا” من هذا الفراغ. فظهرت مراسم الممارسة البسيطة للسياحة: أسرة تحمل حمولتها وربما مؤنتها من الطعام والشراب على سقف السيارة تتنقل بين المدن القريبة وربما حلت على قريب يسكن في منطقة أكثر مدنية أو الجو فيها أكثر اعتدالا.. وقضت الأسابيع والشهور. والسائح يتميز بالفراغ والفضول ومزاحمة الناس في الأسواق وملأ الأماكن العامة التي ربما لايفكر أهل البلد بشغلها. وأذكر في صغري أن مدينتنا الصغيرة الدافئة كانت تجذب أهل المناطق الباردة فيتدفقون عليها في الشتاء. فكنا نتعجب حين نرى بعض الناس في أماكن لايليق الجلوس فيها. يجلسون فيها بلامبالاة أو تحفظ. وكنت أسأل الكبار فكان الرد: هؤلاء “متمشين”! ومن الطريف أن  أعيان المصريين مثلا في منتصف ١٩٠٠ م كانوا يفضلون كلمة " استشفاء" على كلمة " اصطياف" تحرجا حتى لا يلامون على البذخ والإنفاق على "الفسحة" بلا فائدة. يذكر ذلك لويس عوض في مذكراته. (٨)

فالمتمشي أو السائح لاحرج عليه. وهذه الممارسة البسطية للسياحة صارت الآن غاية في التعقيد. فقد غزا السوق منتجات كثيرة وجاذبة تتجاوز بساطة السيارة المتنقلة والعائلة المتواضعة. فوسائل التواصل صارت متكفلة بتعليم الناس أصول السياحة الحديثة وكيف يمكن أن يمكن أن تصنع إجازة العمر وتعيش كنجم يرصد هو بنفسه كل حركاته وسكناته ووجباته وأين يسير وماذا وجد من المتع والبهجة. والصورة النمطية للسائح في التراث الغربي التي تعبر عن شخص يحمل قدرا كبيرا من الفضول والمغامرة مع بحث حثيث عن التجربة والانطلاق، قد تلاشت وانتهت فالسائح الآن هو شخص متعطش لعالم خيالي world of fantasy  ليمارس فيه خياله الذي تصنعه له مصادر أكثر من أن تحصر. ماكان كل هذا ليحصل لولا الفراغ الداهم الذي يملأ حياة “الموظف” فجأة فيحوله إلى كائن مستهلك يسعى لملأ هذا الفراغ بأي شيء مما قد ينتجه سوق السياحة (١).

ويبدو أن “ السائح القديم “ الذي كان يبحث عن الهدوء والسكينة في مكان خال من الناس، والساعي للتجربة الفريدة، فيتنفس الهواء النقي ويتنقل في الطبيعة البكر ناقما على المدنية المادية، قد تلاشى وصار كائنا استهلاكيا بامتياز. حتى التمتع بالطبيعة صار ضمن باقات معينة ، وضمن قوالب لابد للسائح أن يتشكل فيها حتى يتمكن من التمتع بالطبيعة كما يريد السوق! السائح لابد له أن يسكن بطريقة معينة ويتنقل بطريقة معينة .. وتأتي الحافلة في الصباح لتأخذه في رحلة سريعة عبر الغابات إن كان يريد الطبيعة وتعيده للفندق الفاخر.. وفي الطريق تبيع عليه القهوة والمكسرات.(٢) لقد أضحى السكون والطمأنينة مرادفان للملل فلا يمكن للسائح أن يكون سائحا دون الجري خلف الأسواق وملاحقة الأضواء ومناسبات الألعاب النارية والشوارع المزدحمة. وينتهي كل هذا والفراغ الذي في الداخل ما زال كما هو. بل ربما ازداد الفراغ في داخله فلا يقنعه في هذا العالم شيء. وفي دراسة تقارن بين من يسافر بشكل متكرر وغيرهم وكانت النتيجة أن معدل الرضى والسعادة لم يكن مختلفا بين الفريقين وفسروا ذلك بأن “السائح” صار يشعر أن تجربة السفر ليست تجربة “مختلفة” بشكل كبير. فكل ما فعله في سفره هو أمر يمكن فعله في أي مكان(٣)، “ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب”(٤). 


وكنتيجة لجدولة حياة الناس بالوظيفة والدراسة وحصول الفراغ المفاجيء، يمكن القول إن السياحة والسفر في الإجازات لم تعد أمرا طارئا في كثير من المجتمعات بل  صارت هي الأصل، سعيا لصناعة عوالم موازية للعالم الواقعي. فإنسان اليوم لا يرضى ولا يهنأ بشيء. إنها “حالة من الميل نحو أحلام اليقظة في زمن صارت الفنتازيا (٧) فيه جزء من الممارسة الاجتماعية اليومية” كما يعبر لوغرن (٢).

وجانب آخر يغفل عنه “السياحي” البسيط. وهو الأثر الثقافي التي يصنعه سوق السياحة. فلا يمكن للسوق أن تكون جاذبة ومثمرة ما لم تتجاوز البعد المحلي بكل جوانبه القيمية والإجتماعية. فالسياحة “الصحيحة” لابد أن تكون “شكلا مثاليا للعولمة”. وحتى عندما يحاول أحد ما أن يستغل الثقافة المحلية لجذب السياح فلابد أن تكون هذه الثقافة المحلية على الهامش ويكون للسائح قدرة على ممارسة كل ما يمكن ممارسته في وجهة سياحية أخرى “مثالية”(٢). انظر للوجهات السياحية الكبرى في العالم تجد أنها لا تحمل هوية ولا قيم ثابتة. بل هي أماكن معولمة منزوعة القيم والمثل. ويمكن فيها القيام بأي شيء حتى الأشياء التي تتناقض مع قيم ومثل المجتمع المحلي. وربما اضطر المحليون للانحياز والذهاب للهامش. والأمثلة أوضح من أن تحصر. حتى الذوق الموسيقي مثلا في الوجهات السياحية يصبح منبتّا تماما عن الذوق الموسيقي المحلي. وكذلك طريقة الأكل واللباس .. إلخ. 


ولتلخيص ما سبق يمكن أن نفسر تمدد ظاهرة "التسيح" بما يلي: 
- عجز كثير من الناس عن ملء الفراغ خارج العمل الوظيفي. فالوظيفة حتى لكارهها صارت هي هوية الإنسان. فحين يُفك قيده من الوظيفة لبعض الوقت يعجز عن مواجهة ذاته وعن الانشغال بأي شيء ذي معنى. وهذا الحال أقرب ما يشبه بحال الرقيق في الماضي الذي يحرر فجأة فيهيم على وجهه لا يدري ماذا يفعل.
- انشغال الناس بما عند الناس وطغيان التكاثر في المأكل والمشرب والمسكن .. إلخ. 
- البحث عن حياة "فنتازية" ولو لبعض الوقت مماثلة لما يراه الإنسان وما يسمعه في وسائل التواصل والسينما.. إلخ. 
- سيطرة المال على حياة الناس وقدرة الشركات الكبيرة على العبث بالجماهير.
- بلا شك: سهولة التنقل والوصول للأشياء والأخبار. 


وأنا أفكر في هذه المفاهيم وآثارها الإجتماعية الكبيرة خطر في بالي قوله عز وجل يخاطب نبيه في السورة المفعمة بالأنس والطمأنينة = سورة الشرح : “ فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب” فذهبت أبحث في التفاسير عن تفسيرها فوجدت هذا الكلام لدى ابن كثير ولدى الشنقيطي فوافق المعنى الذي في نفسي، يقول ابن كثير: أي : “إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها ، فانصب في العبادة ، وقم إليها نشيطا فارغ البال ، وأخلص لربك النية والرغبة . ومن هذا القبيل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته : " لا صلاة بحضرة طعام ، ولا وهو يدافعه الأخبثان " وقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء ، فابدءوا بالعشاء " (٥). 

ويقول الشنقيطي في أضواء البيان: 

والذي يشهد له القرآن ، أنه توجيه عام للأخذ بحظ الآخرة بعد الفراغ من عمل الدنيا ، كما في مثل قوله تعالى : ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ، وقوله : إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا [ 73 \ 6 ] ، أي لأنها وقت الفراغ من عمل النهار وفي سكون الليل ، وقوله : إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [ 110 \ 1 - 3 ] ، فيكون وقته كله مشغولا ، إما للدنيا وإما للدين . 
وفي قوله فإذا فرغت فانصب ، حل لمشكلة الفراغ التي شغلت العالم حيث لم تترك للمسلم فراغا في وقته ; لأنه إما في عمل للدنيا ، وإما في عمل للآخرة (٦). 


أتأمل هذا ثم أنظر حالي وحال الناس. نفرغ من عمل الدنيا فنقبل لعمل لآخر من أعمال الدنيا لايزيدنا عن الآخرة إلا بعدا. متعلقين بالسعي خلف البهجة والمتعة. مبهورين بهذه الأشياء الرخيصة وعسى الله أن يرزقنا منه هداية وفهما حتى ندرك ما يستحق وما لايستحق.


مصادر: 


١) العولمة، جلال أمين. دار الشروق. والكتاب من الكتب الجميلة التي تتحدث عن العولمة واثرها الاقتصادي والاجتماعي. والكاتب صاحب لغة جميلة وسهلة. 

2) Löfgren, Orvar. On holiday: A history of vacationing. No. 6. Univ of California Press, 2002.

3) Nawijn, Jeroen. "Happiness through vacationing: Just a temporary boost or long-term benefits?." Journal of Happiness Studies 12.4 (2011): 651-665.
 ٤) الحديث في صحيح مسلم
.٥) تفسير ابن كثير
٦) تفسير أضواء البيان.
٧) الفنتازيا: هي حالة الانغماس في الخيال وأحلام اليقظة والاستمتاع بالانطلاق في التفكير حول أشياء  غالبا لن تحدث. 
٧) أوراق العمر : لويس عوض.  

 وهنا مدونة سابقة فيه أفكار حول التفكير بعقلية السائح والشيء بالشيء يذكر.

شاهد على القرن - مالك بن نبي

مالك بن نبي في كتابه هذا هو صوت كل عربي أو مسلم حر يدرك ما يدور حوله في هذا العالم. كل حر يرى هذا الاستعمار الذي يحاصره من كل جانب في فكره ودينه وهويته وثقافته ومطعمه ومشربه. وهو يرى الحضارة الغربية المطففة التي تدمر شعوبا بأكملها في أيام بدعوى نشر الديموقراطية وفي نفس الوقت تزعج العالم بالحديث عن حقوق الحيوانات والكلاب والقطط .. إلخ. يصور مالك بن نبي بدقة في كتابه هذا نفسية العقلاء من جيله ممن شهدوا تحول المجتمعات وانسلاخها أو سلخها بقوة المستعمر القاسية أو الناعمة.

ورغم أننا في بلادنا بفضل الله لم نحتك بالمستعمر الباطش ولم نرأ الجندي الغريب يطأ أرضنا، لكنني أتحسر وأنا أرى الأشياء تتحول بسبب القوة الناعمة التي تقتلع كل شيء كتسونامي عنيف. فماذا يمكن أن يشعر به الذي شهد الاستعمار والجيوش الجرارة تدوس تاريخه وحضارته وأسرته. ويرى الجيوش تحطم بيته ومسجده وبقالة الحي ودكته .. وتعبث بكل الذكريات فيه.

شدتني أشياء كثيرة في الكتاب حتى انتهيت منه في ثلاث جلسات أو أربع. وهو من الكتب التي كنت تتكرر علي كثيرا منذ أن كنت في الثانوية لكن لم تتحقق لي قراءته إلا هذه الأيام. لكن أكثر ما سلب انتباهي هو حديثه عن بلاء أصاب المجتمع الجزائري في فترة حرجة من تاريخه تحت الاستعمار وهو “داء الكلام” وكثرة المتحدثين واعتداد كل فرد بنفسه حتى لا تكاد تجد مجموعة عاقلة تتفق على رأي. فتراه يقول:

“ قد فتحت في الجزائر محابس الكلام، فاستولى على كل فرد داء الكلام كلامه أو كلام جاره، وإنه لداء قتال! حتى إن بعض المصابين كان ذات يوم مع الجمهور التبسي، يستمع إلى خطباء يتكلمون بقاعة المهرجانات، فطلب الكلمة فلم تعط له فصرخ:

- إنني سأنفجر إن لم أتكلم! ..فأراد بعض الحاضرين- وأعتقد أنه (حشيشي مختار) وربما معه (خالدي) - أن يتفادوا الانفجار فقالوا:

- أعطوه الكلمة! .. أعطوه! ..

قفز المريض على المنصة ومكنسة بيده، لا أدري أين وجدها وقال:

- يجب أن نكنس الاستعمار هكذا! ..

هذا كل ها قاله وهو يلوح بالمكنسة، ثم نزل مرتاحاً كمن تنفس بعد أن ضاق صدره؛ ولا يستطيع أحد تقدير ما تكبدنا من خسائر جوهرية منذ استولى علينا مرض الكلام، ومنذ أصبح المجتمع سفينة تائهة، بعد إخفاق المؤتمر.” “ أصبح كل فرد مهتماً بـ (معزوفته) الشخصية في العزف العام، ويسعى لمصلحته الخاصة باسم الإصلاح أو باسم الوطنية.”

وهأنت ترى أصحاب المكانس هؤلاء والذي لايعرفون ولكنهم لا يسكتون حتى اختلط على الناس العارف وغير العارف. وصار كل أحد يتحدث في كل فن دون حياء ولا خجل فعزف كثير من أهل المعرفة عن هذه العوالم لأنها أصبحت رافضة للمعرفة الصحيحة ولا تقبل إلا المهرجين أو من هو قريب منهم.

١٨ ربيع الأول - مورغانتاون

بين الحب السائل وروح الحداثة.








كمية الأفكار التي يحويها كتاب الحب السائل كبيرة جدا، وقد تشعر في بعض فصوله أن الرجل يفقد القدرة على التركيز عند انتقاله من فكرة إلى فكرة. وهو بنفسه قد أعترف بذلك في في توطئته للكتاب فكلامي هنا ليس اكتشافا جديدا. لكن قراءة الكتاب تبين أن هذا الفوضى هي الصبغة العامة للكتاب وأن حديث المؤلف في بداية الكتاب ليس مجرد مقدمة تلطيفية لبعض ما يقد يجد القاريء من بعثرة بل هي وصف حقيقي. ولا أدري إن كان هذا بسبب الترجمة أم أن الكتاب كذلك في نصه الأصلي. والحقيقة أن أجمل ما في الكتاب هو مقدمته التي كتبتها وهبة عزت وهي ربما تغني عن قراءة الكتاب لمن لا يملك الوقت لقراءته كاملا.

من الصدف أنني كنت أقرأ روح الحداثة لطه عبدالرحمن في وقت قريب لقراءتي لهذا الكتاب وشدني كثيرا فصل “ الأسرة ما بعد الحداثية وانقلاب قيم الحداثة” ثم حديثه بعد ذلك عن “ انقلاب السعادة إلى اللعب” وسيطرة الرغبة على بناء الأسرة. وانقل هنا بعض كلامه:

“ ليست هذه الرغبة أبدا شوقا معنويا، وإنما، على. العموم، بغية مادية، أي شهوة ؛ فلا تجد الأفراد في الأسرة المابعد حداثية. يتنافسون في شئ تنافسهم في جلب أقصى ما يمكن من الشهوات والملذات، لأنفسهم أولا ولشركائهم ثانيا، ولا سيما أن محيطهم الخارجي فتح لهم باب الاستهلاك على مصراعيه، مستظهرا بكل وسائل الإعلام على تزيين ما طاب ولذ من مبتدعات السوق، التي إن لم تزدهم احتياجا واشتهاء، لا تزيدهم كفافا وعفافا…. وهكذا تكون حياة الأسرة المابعد حداثية الواحدة عبارة عن رغبات وشهوات متتالية تختلف باختلاف اللحظات. أي حياة تحمل في نفسها أسباب الانتقال عنها إلى غيرها، لأن الفرق بين الاسرتين الاثنتين كالفرق بين اللحظتين داخل الأسرة الواحدة، لذا لا عجب أن يقال : “ إن الحياة الأسرية عادت سلسة من المشاهد”

“ … وعلى هذا يصح أن نقول بأن الأسرة المابعد حداثية استبدلت بطلب السعادة الذي يميز الأسرة الحداثية طلب اللعب، لأنه أشبه بسعادة صغار منه بسعادة كبار، ولا نعدو الصواب إن قلنا بأن العقلية التي أضحت تدبر لجودة الحياة داخل هذه الأسرة هي عقلية اللاعب الصغير، لا عقلية الصاحب الكبير..” 
وهذه أحد النقاط التي تقارب فيها المؤلفان. 


وفي الكتاب الأول يصعب على القاريء إيجاد تسلسل منطقي للأفكار فمثلا: كان المؤلف يتحدث عن المدن الحديثة وانشغال الساسة واستغراقهم في القضايا المحلية اليومية. لكنه فجأة بدأ يتحدث عن مشاكل العولمة من الحروب وإرهاب وتلوث .. الخ. ويستطرد في حديثه حتى تفقد حلقة الوصل بين هذه الأشياء لكنك تدرك أن المؤلف يريد بعد هذا أن يعود ليقول لك إن السياسي المستغرق في القضايا المحلية يجد نفسه مضطرا لإيجاد الحلول لقضايا عولمية ليس له قدرة على التحكم بها “ كالإرهاب والتلوث .. الخ” ويقول لك أن المدن أصبحت مكبات نفاية لقضايا العولمة. وهو وصف ذكي وجميل.


مما أعجبني في الكتاب التعبير التدقيق الذي صنعه المؤلف لوصف العلاقات الإنسانية في المجتمع الغربي وكل مجتمع يسير على نهجه. وهو تعبير “ اللايقين” فكل شيء قابل للتغير والتحول. والعلاقات البشرية غير ملزمة لأنها قد تصنع قيودا  تحد الإنسان عن متع جاذبة ومغرية. وهذه حالة من حالات السيولة التي تميز هذا العصر بشكل عام كما يقول المؤلف في كتاب آخر: "ففي تحوّل عظيم صار المجتمع يعظّم، أيّما تعظيم، المرونة في قلب الأشياء رأسا على عقب، والتخلص منها، والتخلي عنها، فضلا عن الروابط الإنسانية التي يسهل حلها والفكاك منها، والواجبات التي يسهل الرجوع عنها، وقواعد اللعب التي لا تدوم أطول من زمن اللعبة، فقد ألقي بنا جميعا في سباق نلهث فيه وراء كل جديد” “ففي ظل السيولة كل شيء ممكن أن يحدث، لكن لا شيء يمكن أن نفعله في ثقة واطمئنان”. وأصبحت علاقاتنا مستقرة في “جيوبنا العلوية” أو هي كالعباءات على أكتافنا حتى نتلص منها بسهولة في أي لحظة.


ومرة أخرى الكتاب عبارة عن بوابة إلى طريقة مختلفة للنظر للأشياء يعيبه الفوضى التي أميل إلى أنها بسبب الترجمة والله أعلم.


في وداع أبي عادل ..




تلح علي ذكراك يا أبا عادل إلحاحا لا أقوى على الفرار منه. تداهمني في لحظات شغلي ولهوي..
أسير على عجل بين غرف المستشفى في هزيع الليل الأخير منهك القوى سعيدا بانتهاء الليل، فتحل علي ذكراك شديدة قاسية مؤلمة. تبتسم في وجهي مثل الصباح.. تضحك من كل قلبك وكأنك أمام عيني وأنت مستلق على سريرك في غرفتنا أيام الجامعة. يبتسم قلبي لابتسامتك الصادقة وتذرف عيني الدموع الساخنة على فراقك المفجع المفاجيء.. 
في سفري الطويل خلف أشياء هذه الحياة مشغولا بسحب الحقائب وبعض الهموم، واقفا في الطابور الطويل للحصول على تذكرة الانتقال فتأتي صورتك بلا مقدمات .. مرة أخرى مبتسما سعيدا كيوم جميل، فأغالب دموعا لا تعرف وقتا ولا زمنا. 
رحمك الله يا أبا عادل .. والله إن قلبي لا يحيط بذكرياتك، وإن روحي أعجز من احتمال الانسياب خلف بقايا روحك. أشتت هذه الذكريات والخواطر خوفا على قلبي من الحزن القاسي الذي يداهمني حين أتأمل الأشياء الكثيرة التي خلفتها في قلبي، فأنجح مرة وأعجز مرات. تخاطرني نفسي بأن الهرب من ذكراك من قلة الوفاء لك، ويقول لي عقلي: “ هي هكذا”. كلنا راحلون.. وقلبي لايسمع لأحد. أقلب جوالي فأجدك فجأة تردد : “ ما على الطرف السكيب.. إن جرى ذكر الحبيب..” وصوتك لم يكن جميلا يا محمد لكنه كان محبوبا كروحك. كنت ألومك على انقطاعتك أحيانا لوم المحب لكني إذا لقيتك لقيتك على العهد.. مبتسما دائما تخرج البهجة من تحت الركام. 
رحمك الله يا أبا عادل..
أول رسالة نصية وصلت لجوالي كانت منك يا أبا عادل.. كانت ساخرة وجميلة ما زلت أذكرها حتى هذه اللحظة. سيل الذكريات يداهمني بقسوة هذه اللحظة وأنا أضعف من مواجهته والله. ضعيف جدا أنا هذه اللحظة أمام ذكراك .. دعائي لك لا ينقطع أن يجعلك من أهل الجنة وأن يجمعنا بك وبكل أحبابنا على سرر متقابلين. 

سأقول لك يا محمد إن غيابك كان قاسيا جدا، إأن رحيلك أتى فجأة .. سأقول لك إنني هربت بعد تشييعك لا أدري إلى أين. لم أكن أقوى على شيء..
سأقول لك إن عزائي فيك وفي من نحب أن القرب من الله أعظم من كل قرب وإن جوار الله خير من كل جوار. وإن الأشياء التي تستحق الحياة تتضاءل سريعا وتضمحل.. 



أنا لا أحب شرب الحليب


أنا لا أحب شرب الحليب هكذا بلا إضافات. أشربه ممزوجا بقهوة أو ممزوجا بشاي أو شكولاته بيضاء. ابني عبدالله لا يحب شرب الحليب كذلك. زوجتي وابنتي تشربان الحليب كما تشربان الماء. أمي تشرب الحليب مع الشاي ولاتشربه لوحده. وقد ذقت أنواع القهوات في أماكن مختلفة في العالم. شربت القهوة التركية على ضفاف البسفور، وفي أرياف البحر الأسود النائية تصنعها عجوز ورثت الصنعة جيلا عن جيلا، وشربت القهوة والشاي المصريان في خان الخليلي وعلى نسمات النيل. وشربت القهوة الأمريكية في  مقاهي متخصصة في بقع مختلفة حول العالم. وشربت الشاي المعتق في مقاهي طريق الساحل لمن يعرف مقاهي طريق الساحل، ومن بوفيه الشاطيء في خميس مشيط، وجربت الكابتشينو الفرنسية في مقاطعة كيبك الفرنسية/الكندية. وما أحتسيت ألذ ولا أطعم على لساني من حليب ممزوج بالشاي والزنجيبل وحبات من الحبة السوداء، كانت أمي توقظني من النوم وتسقيني إياه شربة شربة وقد خطا شاربي وعارضي. تفعل ذلك ثم تعيد علي لحافي بحنان أجد دفئه الآن بين جنبي. 
وقد كانت تأتيني أياما أكون فيها صائما - أياما كان قلبي ممتلئا بالطاعة والإيمان - تصر علي أن أشرب هذا الكوب من الحليب فأعدها بشربه حتى لا أكسر خاطرها، فتخرج من الباب فأقوم أسكبه من النافذة وأعود للنوم، فتعود تأخذ الكوب مبتهجة سعيدة أنني قد “بليت ريقي”. سلام الله عليك يا أمي، سلام الله عليك يا أبي.. لله أنتما، ولله الإيمان والطهر بين جنبيكما. 

لا شيء عندي ..

هذي خطايَ بلا وقع ولا أثر

وكيف تحنو على أثاري الجددُ

لاشيء خلفي يدل الركب عل فتى

بقلبه يقتفي آثار من فقدوا ..

وحدي على قمة تهوي إلى قعر

بكماء صماء لا يدري بها أحدُ

إذا نجا من بنات الدهر ذات هنا

أوفى له من لظى أحزانه رَصَد ُ

ألقيت روحي على باب الرجاء وفي

خيالي الناس من خابوا ومن طردوا !

خجلان خجلان .. هل يقوى على أمل

من حاصرته ذنوب ما لها عدد ؟!

ماذا لقيت من الدنيا وزينتها

إذا فقدت فؤادي بئس ما أجد

يا عالم الغيب يا من تحت قدرته

الإيمان والكفر والطغيان والرشدُ

أحتاجها ركعات ليس يبصرها

في ظلمة الليل إلا الواحد الصمد ..

١٤٣٣ هـ

بين الطب والفلسفة/المنطق




بقيت فترة طويلة مأسورا بالعلاقة بين الطب والأدب، وبارتباط الطب بالشعر خصوصا. وكنت أتلقط الكتب التي تتحدث عن هذا وأبحث عن أعمال الأطباء من شعر أو نثر. وأذكر أنني كتبت قائمة طويلة بأعمال الأطباء، دونتها في أوقات متفرقة ثم فقدت هذه القائمة مع ما يفقد الإنسان في طريق حياته من أشياء وأفكار واهتمامات. 
لكنني كلما ازددت ممارسة للطب كلما كبرت في عيني العلاقة بين الطب من جهة والفلسفة والمنطق من جهة ثانية. وتتضاءل الأفكار والتصورات في ذهني التي تربط بين الطب والأدب. فالطب جاف وقاسي وصارم ومليء بالمناطق الرمادية التي تتمايز فيها العقول والقدرات كالمنطق والفلسفة. والأدب منطلق ومرن ومتماوج ولايحتاج كثير معرفة ولا فهم بل ربما كان التفكير المنطقي شرا على الشاعر والأديب، فهو يكف انطلاقه وانسياب خياله.  وفي الطب كلما زاد علمك كلما قل إنكارك لكثير مما كنت تنكر، وكلما ازداد اهتمامك بالصورة الشاملة الكبيرة مع الاهتمام ببعض التفاصيل باختلاف التخصص، كذلك الفلسفة والمنطق. والأدب كله تفاصيل دقيقة وكلما أمعنت في التفاصيل وجعلت من التفاصيل صورا كبيرة كلما اكتسب الأديب ميزته واختلافه. 

ولايكاد المتكيء على التاريخ يسلم من السقوط في التحيز لأن التاريخ يعطيك أدلة لكل ما تريد لكنني سأتصنع السلامة منه وأقول: إنني أصبحت “أظن” أو “أرى” في أثناء المحاولة لتمرير شريط التاريخ سريعا، أن البشرية عرفت الطب والمنطق كقرينين لا ينفكان. وانظر تاريخ الطب وأهله فلا تكاد ترى إلا فلاسفة. بل إنك تقرأ في كتب الطب إلى فترة قريبة -قريبة نسبيا في عمر التاريخ- وكأنك تقرأ منطقا وفلسفة. بل هذا من أبرز  المثالب التي تُحمل على الطب السابق للطب الغربي أنه طب مكتبات لا طب مستشفيات وأنه طب مغرق في التنظير حتى ظهرت مدرسة باريس وحولت الطب من طب مكتبات إلى طب أكثر واقعية  “library medicine to hospital medicine “. 
وهذا الأمر كذلك واضح غاية الوضوح لمن لديه قليل إطلاع على تاريخ أطباء الحضارة الإسلامية فلا تكاد تجد طبيبا إلا وهو منطقي أو فيلسوف أو فقيه أو شيء من كل هذا. وتسمية ابن سينا لكتابه “ القانون” بهذا الاسم لوحدها دلالة واضحة على الارتباط العميق. وتأمل مثلا اسم كامل الصناعة لابن عباس المجوسي، فردوس الحكمة للطبري ، الكليات لابن رشد فتشعر وكأنك مقدم على قراءة كتبا في الفلسفة لا في الطب. 

ولا يمكن أن يكون هناك طبيب جيد دون أن يكون لديه قدرة على الحس النقدي والتحليل المنطقي سواء موهبة أو اكتسابا. وربما يتفق معي بعض الأصدقاء من الأطباء أن من أجمل الأشياء أن تعمل مع طبيب خبير لديه قدرة نقدية عالية وحس فلسفي عميق فتشعر أنك في تمرين منطقي وفلسفي لا يشكل الطب المجرد فيه إلا القدر البسيط. ولهذا لاتستغرب لو وجدت طبيبا ذكيا قد يثبت لك الشيء وعسكه بقوة البرهان والدليل القاطع خصوصا في المناطق الرمادية التي تعجز التوصيات ( guidelines ) عن الوصول إليها أو الإحاطة بها. 
وما تقدم يقودني إلا تأييد رؤية من يرى ضرورة تدريس المنطق وبعض الفلسفة لطلبة الطب، فيفهموا كيف يمكن أن يسير الإنسان بين الأشياء والأفكار وكيف يمايز بين ما يريد وبين ما هو الواقع. وكيف يتسلح بالفهم الذي يجعله أقل عرضة للمغالطات والتحيزات التي لا يسلم منها أحد. 



: مصادر

Nineteenth-Century Medicine: The Paris School of Medicine. Yale open courses on history of medicine. 

Teaching Clinical Reasoning to Medical Students: A Case-Based Illness Script Worksheet Approach Michael Levin, MD, David Cennimo, MD, Sophia Chen, DO, Sangeeta Lamba, MD
العلاقة بين الفلسفة والطب عند المسلمين- مجلة الجمعية الفلسفية المصرية ١٩٩٦ نقلا عن موقع حكمة. 


Philosophy for medical students—why, what, and how, P Louhiala

إعادة تعريف لمفهوم الحب


استطاعت الدراما على مدى عقود طويلة أن تصنع في تصور الأجيال ، صورة مشوهة ومزورة لمعاني كثيرة من أبرزها معنى الحب ، وماهو ؟ وكيف يشعر المحبون ؟ وكيف يعيشون ؟ وبماذا يفكرون ؟ .. إلخ . 
وإن كان الشعر العربي عامرا بالكثير بالمعاني المشوهة والمزورة عن الحب ، إلا أن تأثيره لم يكن بحجم التأثير الذي صنعته الدراما في عقولنا . وهذه المفاهيم والتصورات أنتجت مشاكل وتداعيات كبيرة في حياتنا ، شعر بذلك الناس أم لم يشعروا 
أصبح هم الفتى أو الفتاة ، البحث عن سر الحب المجهول والسعي لنيل شيء من هذا الحلم الجميل الذي تصوره الدراما بصورة الاكسير الغامض ، المازج بين المرارة والحلاوة والخلود ، وبين معاناة الشوق الجميل ، وهناء الوصل واللقاء ، ليختزل معنى الحياة في صورة من العاطفة العمياء التي إن أتت أتى بعدها كل شيء
ولذلك يقابل الكثير من أبناء جيلنا وبناته مشاكل كثيرة ومقعدة وصعبة بحثا عن هذا الحب القيسي الأسطوري . ويقبل الفتى الطيب والفتاة الطيبة على الزواج بخيالات رومانسية لاتصلح للحياة . فيرون أن الحياة ليست كما صورتها الدراما المصرية أو التركية ، وأن العاطفة البشرية من طبيعتها التردد والتموج ، والشهوة الطبيعية تنطفيء في لحظات قصيرة ، وتبقى بعد ذلك الحياة الحقيقية التي تشكل الجزء الأكبر من اهتماماتنا وتفكيرنا ، فتبدو الحياة جافة قاسية شديدة التعقيد. 
وهذا الإغراق في تضخيم الحب يقود إلى إزاحة الحكمة والقيم عن الطريق ، فينطلق جيلنا الطيب في البحث عن الحب بكل ما يملك في طريق صحيح أو في طريق خاطيء ، وفي طريق البحث عن ” الحب الدرامي ” تزول المعاني والقيم
إن الحياة وإن كانت تحلو بالحب والعاطفة ، إلا إن الحب وحده لايمكن أن يسير الحياة ، والاستغناء عن الحب أيسر من الاستغناء عن الأخلاق والرحمة والمعاشرة بالمعروف . وهذا ما يجب في تصوري أن يفهمه الجيل الحالم