سبعة كتب (٢)





خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.





٢) 
الوهابيون : تاريخ ما أهمله التاريخ - المؤلف
الكتاب فيه رسائل متفرقة عن تاريخ الدولة السعودية الأولى وأبرز حروبها ولم يأت الكتاب بجديد والعنوان أكبر بكثير من الكتاب. لم أخرج من هذا الكتاب بانطباع معتبر. خصوصا بعد أن عكفت فترة أقرأ في تاريخ تلك المرحلة.
-


 ٣)
 مع أبي العلاء في رحلة حياته - عائشة بنت الشاطيء 
أبو العلاء المعري - رحمه الله - من الشخصيات التي كثر حولها الحديث والاختلاف في حياته وبعد مماته. وقد كانت حياته كلها آلام منذ طفولته وعماه وإصابته بالجدري ويتمه ثم عزلته الاختيارية لملله من الناس عامتهم وخاصتهم. وقد عز على من حوله هذه العزلة واحتال بعضهم بالحيل فما استطاع ثم إنه خرج من عزلته بعد حوالي ثلاثين سنة وجلس للطلاب ووجد بعضهم خصومه مدخلا عليه من حياته الغامضة وبعض أشعاره فاتهموه بالزندقة والإلحاد ثم توارث الناس هذه الفرية بلا دليل ولا برهان. وهذا الكتاب وإن كان محاولة لتقصي رحلة حياته كلها إلا أن الجزء الأخير حول فرية الإلحاد واتهامه بالزندقة، عندي جوهرة ما في الكتاب. وقد ظهر الكتاب في ذروة الاهتمام بتراث المعري فكتب عنه تلك الفترة كثيرون منهم طه حسين، ولويس عوض، ومحمود شاكر - جمعنا الله به في الجنة - ، وآخرون كثيرون. والكتاب خفيف سهل يصلح كمدخل لحياة المعري منذ طفولته حتى مماته رحمة الله والمعالم البارزة فيها، وفيه مختارات لذيذة من شعره. والكتاب اشتريته من مكتبة للكتب المستعملة في الرياض وعليها اسم : محمد عبدالله المشوح - رفعه الله وباركه -. والعلم نسب بين أهله.


٤)
القوقعة - لمصطفى خليفة. 
قرأت عددا من روايات أدب السجن لكن هذه من أشدها وأقساها في وصف التعذيب. لكتب عرب آخرين كتابات أخرى عن سجون مختلف في العالم العربي أذكر منها تلك العتمة الباهر لبن جلون. ورواية ابن جلون تتميز باللغة العالية والاستعارات في الوصف وأرجو أن تكون الذاكرة دقيقة في هذا لأن عهدي بالرواية قديم. هذه الرواية مباشرة. تشعر أن من كتبها وجد نفسه مرغما على الكتابة فهو يدون أحداثا ويصف ما رأى في غيابٍ لنفس الروائي الذي يهتم بالعبث باللغة والتلاعب بالبيان. ولم تظهر روح الكاتب بشكل بارز إلا في نهاية الرواية بعد أن خرج من السجن وبدأ يتنفس!.  الراوية تدور معظم أحداثها في سجن تدمر في سوريا أحد سجون النظام السوري الكثيرة, والكتاب مسيحي كان من أعضاء الحزب الشيوعي فنال ١٥ سنة في السجن ذاق ورأى فيها صنوف العذاب. الرواية تُرجمت لعدة لغات منها الفرنسية والإنجليزية والألمانية والتركية بالإضافة للغات أخرى. والكاتب وجد طريقه للخروج من سوريا عام ٢٠٠٦ فاستقر في الإمارات ثم لما انتشرت روايته مع الثورة السورية جاءته تهديدات بالقتل ففر إلى فرنسا وما زال هناك.

٥)
How Doctors Feel: Danielle Ofri
كيف يشعر الأطباء: دانيل أورفي.
الكتاب يتحدث عن مشاعر الأطباء وعواطفهم أثناء تعاملهم مع المرضى وأثر النظام الصحي الأمريكي على صناعة الاحتراق الوظيفي وهروب الأطباء من هذه الوظائف. وبين فصل وآخر تحكي المؤلفة قصة مريضة عرفتها عن قرب، أصيبت بـضعف في عضلة القلب وكانت تحتاج لزراعة لكنها واجهت كثيرا من الحواجز بسبب كونها مهاجرة وكون النظام الصحي القائم على التأمين لا يمكن أن يغطي تكاليف عالية لعملية مثل هذه مريض دون تأمين صحي. والكتاب فيه كثير من "الدراما" ، وتُحسن الظن بالطبيب في كل حال وكل الأوقات وهذا أمر لاتحسن المبالغة فيه. فالطبيب وإن كان لديه مشاعر وعواطف إلا إن معظم الأطباء خصوصا  في أمريكا ليسوا بهذه الصورة المثالية. وجهة نظر الكتاب في هذا أن قلة التعاطف مع المريض من الأطباء هو بسبب النظام الصحي وتعقيده وتحميل الطبيب ما لا يحتمل وهذا في تصوري أمر لايمكن التسليم به. الكتاب بشكل عام عادي جدا.


٦)
 العود الهندي عن أماليّ في ديوان الكندي - علامة حضرموت عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف
لو ألقي إلي هذا الكتاب دون غلاف لما علمت أن المؤلف من المعاصرين لولا إشارات متفرقة في الكتاب عن حضرموت وبعض الأعلام المعاصرين. فالمؤلف هو مفتي حضرموت عبدالرحمن السقاف ( 1300 - 1375 هـ). والكتاب عبارة عن مجالس أدبية لشرح ديوان المتنبي لكن المؤلف يستطرد في إيراد الشواهد والشوارد من الشعر والحوادث التي لا تُمل في لغة عربية عالية كأنك تقرأ لابن قتيبة في عيون الأخبار أو أدب الكاتب. وهو تحفة أدبية بحق، أنتشلني من جفاف الطب والتحضير لاختبار الزمالة. فكنت اقرأه على مهل وأحفظ ما أستطيع من البيت والبيتين منه. ومثل هذا الكتاب وما فيه من شوارد على ما فيه يشعرني بالحسرة لأنني لا أقوى على إدراك كل هذا ولا حتى استذكار بعض الشواهد الجميلة التي تعبر عن خبايا في نفسي عندما أريد. والكتاب وإن كان طويل إلا أنه سهل لذيذ لمن أعتاد قراءة كتب الكتب ولديه حصيلة معقولة من اللغة العربية. 



٧)
Medical Professionalism Best Practices: Professionalism in the Modern Era
هذا الكتاب أقترحه علينا الدكتور ماكيل تشوي: المشرف على برنامجي التخصص. والفرق كبير بين أن يقترح عليك  رجل من أهل العلم والمعرفة وبين أن يقترح عليك واحد من طرف الناس. أعترف أن الكتاب أتى إليّ في توقيت حرج جدا وفي فترة تنشأ فيها كثير من الأفكار الجديدة التي أخشى أن يكون بعضها لم ينضج بعد. لدينا خلل كبير وعميق في بنية نظامنا الصحي - إن كان لدينا نظام صحي-، ولدينا أنظمة صحية حول العالم أبرزها نظام رأس مالي جشع ومتوحش أجد أننا في مستشفياتنا الخاصة أخذنا أسوأ ما فيه دون وجود أنظمة شفافة وواضحة تبين الحقوق والواجبات. والكتاب عبارة عن مجموعة مقالات مركزة تركز على الجانب الأخلاقي والإنساني للطبيب ، والعزف على هذا الوتر لايُكاد يسمع مع ضجيج مكائن النظام الرأسمالي الذي يركز على الانتاج والكم ومعايير الجودة والأرقام والاحصائيات والغفلة تماما عن الجانب الإنساني للطبيب والمريض على حد سواء. أحد الأمثلة التي أراها ماثلة أمامي لتقهقر العلم أمام المال هو ما حصل لأحد أبرز المستشفيات الجامعية البحثية في أمريكا. منذ أن نشأت هذه الجامعة وهي تركز على البحث والتعليم لكن الذي حصل أنه لم تستطع المقاومة في السوق فبدأ المستشفى بالإفلاس وهنا انقض رأس المال واشترى المستشفى وصار جميع الأطباء والباحثين تبعا لرأس المال الجديد. الذي حصل أن رأس المال بدأ بالمطالبة بأرقام معينة من المرضى يجب على الطبيب أن يراهم كل أسبوع وعدد معين من الأهداف المالية التي يجب على الأساتذة أن يصلوا إليها. نجح رأس المال وارتفعت الإنتاجية لكن على حساب التعليم والبحث وعدد الأبحاث المنشورة وعلى حساب الجانب الإنساني لهؤلاء العلماء والباحثين فصار أحدهم يقضي معظم وقته لتحقيق الأهداف والأرقام بدلا من العكوف على أوراقه وأبحاثه.
أعرف أننا بعيدون كل البعد عن مثل هذا، لكن الشاهد من كل هذا أن هذا الكتاب جعل نظرتي لما يجب عليه أن يكون عليه نظامنا أقل إلحاحا وحدة. لأنني في هذه اللحظة من التجربة أرى أن نظام التأمين الصحي وتحويل المستشفيات إلى ما يشبه الشركات التي تعامل المرضى كعملاء هو النظام الأنسب من بين خيارات أخرى كثيرة. أحد الأسباب وراء هذه الفكرة أن الطب الحديث غارق في الرأسمالية إلى أبعد حد وهي في الحقيقة ما يحرك عجلته. وسبب آخر وهو أن النزعة التجارية بين الأطباء منتشرة جدا وتكاد تكون غالبة ولن يهذب هذا النزعة إلا القوانين التي توضح العلاقة بين التاجر والعميل وتحمي كل طرف من الآخر مع بقاء التقدير للمهنة ولوجود الجانب الإنساني العميق الذي يتفاوت فيه الأطباء ما بين مقل ومستكثر. وحتى لايطول الحديث ويخرج عن فكرة هذه السلسلة أقول: إن هذا الكتاب جيد جدا لمن يهمه من الأطباء ما يحصل  حوله من تحولات كبيرة في نظامنا الصحي ويفتح نافذة للتأمل والنظر لأشياء يُشغلنا عنها الانغماس في العمل و"الإنتاجية"!


هذه سبعة كتب كاملة. ولعلي أستمر بإذن الله.


واشنطن دي سي، غرة محرم ١٤٤١ هـ




بين واشنطن والرياض



الطائرة تسير بضجيجها الصامت، تبعد ساعتين وثمانية عشر دقيقة من سماء الرياض. قبل ساعات في مطار واشنطن قابلت صديقا يستقل نفس الطائرة الآن. قبل الإقلاع شربنا القهوة سويا وتحدثنا عن أشياء كثيرة. علمني كيف أرقي رحلتي لدرجة أعلى بأرخص الطرق. تفرقنا على باب الطائرة وتقابلنا مرة أخرى في المصلى لصلاة الفجر. صديقي محمد أنهى رحلة سبع أو ثمان سنين قضاها في البكالوريا والماجستير . لمحت على وجهه حسرة وشحوب وحيرة. سألته: هل أنت أمام سؤال كبير يطن في رأسك يقول لك : ما كان لك ولهذا؟ أصحابك الآن قد استقرت بهم الحياة وهم يتكاثرون في الضياع والأولاد وأنت عدت بـالمجد أو ما تظنه مجدا، والخواء. قال: نعم!. نظرتي في الحياة أن جمالها في الرحلة وليس في الوصول، وأن قيمتها في التجربة العميقة لا الفراغ. وأن لذتها في الحلم لا في تحققه. هذه السنوات الثمان ليست هي الشهادة التي بيديك، بل هي النفوس التي عرفت، وكل لحظة ترددت فيها أمام جديد، وكل خطرة خطرك عليك وحيدا في موقف ضعف، وكل ما رأت عيناك، وكل ذكرى حُفرت في ذاكرتك مما يُروى ومما تحجم عن روايته. أنت لا تملك من الأشياء ما يملكون لكنك حتما تملك من معنى الأشياء ما يعجز القابع في بيته عن الوصول إليه. هم أغنياء بالأشياء أنت غني بالمعاني. لم أقل هذا الكلام حرفيا ولكن قلته بالمعنى وقد كان صديقي يشكو أن أقرانه قد تجاوزوه!. صدقني لا يسبقك أحد ولن تسبق أحد. نحن فقط نكبر في المكان وستدرك ما أقول قريبا.

عيد

أقولها لها : بأن العيد مؤتلقُ ..

وكل مواكب الأحزان تحترق ُ !

وبلبل شعري المخنوق ، يرقص

في فضاء السعد ، ينطلقُ ..

فلا الأكدار تلجمه ..

ولا هم ولا أرق !

لأنكِ

هاهنا بالقرب ،

في نبضي ..

وفي الأنفاس يا عبق ُ !

وداعا أيها الأحزان

كم جرّعتِني غصصا ..

وكم أهديتني حُرَقا !

وكم لاقيتُ في دربي ،

وعشت الخوف والقلقا ؟

دم العربي ثار اليوم

عاف الأسْر والرقا ..

وثرت أنا

أدمر قيد أحزاني ،

أمزق عهدها مِزِقا ..

أقول لها وفي كلماتي

الشغف ُ

فعيدي اليوم مختلف ُ ..

على قسماته البشرى ،

وفي كلماته رهف !

لأنك هاهنا ..

في القلب ، في الذكرى

وحين تُسدّل السجف ُ ..

أقول لها :

وحيد كان هذا العيد ،

خجلان ومرتجفُ ..

وجاء اليوم مبتسما

ومزدانا ..

يزينه شعور الحب

في قلبين تأتلفُ !

فأنت العيد ُ .. يا حبي

وأنتِ الماس والصدفُ !

١٤٣٢ هـ

سبعة كتب (١)


خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.




١) رحيق العمر - جلال أمين 
جلال أمين له أسلوب عظيم وسلاسة مبهرة قل أن تجدها لدى كاتب أخرى. يكتب بلا تكلف ولا تصنع.. وهذا الكتاب الثالث الذي اقرأوه لجلال أمين وكله تتميز بهذه الميزة الفريدة= أناقة الأسلوب وسلاسته. وجلال أمين لمن لا يعرفه هو ابن أحمد أمين صاحب " ضحى الإسلام .. الخ" وللأب كتاب المذكرات الشهير " حياتي " الذي يفيض بالحكمة والسكينة. ورحيق العمر ينقل بوضوح حياة شخص من طبقة المثقفين المصريين الذين خاضوا نقلة ثقافية كبيرة بالسفر إلى أوروبا والذوبان في محيط الحضارة الغربية. ولعل أكثر ما ربطني بهذا الكتاب هو الجانب الإنساني والأسري حين يتحدث الكاتب عن بعده عن أمه وأسرته وهي تجربة أخوضها وأعاني مرارتها. وينهشني تأنيب الضمير أحيانا ويأتيني السؤال الكبير: " ما لك وكل هذا؟ ". 
ودائما أعود فأقرأ كتب السير الذاتية بين فترة وأخرى لأنها سجلات حافلة بالحياة وفيها من التجارب والحكمة التي تفتح للقاريء المغاليق. وقد أضحكني الكتاب وأبكاني فللكاتب قدرة على السخرية الراقية وله قدرة على الخوض في النفس الإنسانية. غفر الله سخريته من عمته. كانت سخرية لاذعة ما عدت إليها إلا ضحكت من كل قلبي. وكنت قد قرأته بعد فترة من الكتب والقراءة، فالتهمته التهاما . والكتاب متوفر على الشبكة. 

٢) أشياء تتداعى - تشنو أتشيبي: 
لا شيء يشغل بالي على مستوى الأفكار مثل التفكير في تلاشي الهويات وضبابية المباديء والقيم. وعلى رغم هذا الوعي الذي يزداد بين الناس إلا إنني أراها وعيا ناقصا ولا يزيد العقلاء إلا حسرة. يجتاحنا تسونامي الحضارة الغربية بكل سياقاته وصرنا نتشكل بلا وعي ضمن القوالب الغربية على كل المستويات: الاجتماعية، والأخلاقية، الدينية .. إلخ. وهذه الرواية تحكي قصة قرية أفريقية نائية داهمها المستعمرون بقوتهم الناعمة والخشنة واستمالوا بعض ابناء القرية. قاوم الناس بحماس ما لبث أن خفت ثم صار المناضلون منبوذون على الهامش. ثم تداعى كل شيء!  والرواية كتبها هذا الكاتب النيجيري وصدرت عام ١٣٧٧ هـ / ١٩٥٨ م .

٣) الحب السائل - بومان: 
الكتاب دسم جدا وربما تعجز أحيانا عن إدراك التسلسل أو التنقل بين الأفكار، فتدرك الرابط بينها بصعوبة بالغة: 
مثلا كان يتحدث عن المدن الحديثة وانشغال السياسي بالقضايا المحلية غالبا، ثم فجأة ينتقل إلى الحديث عن مشاكل العولمة من حروب وخوف، وإرهاب، وتلوث .. إلخ. وصنع ذلك لأنه يريد أن يقول أن السياسي أصبح متورطا في قضايا عولمية بسبب تداعياتها على المجتمع المحلي : التلوث مثلا او الصحة .. إلخ ويقول أن المدن أصبحت مكبات نفاية لقضايا العولمة. ثم يعود ليتحدث عن المدن والتغييرات التي تطرأ عليها.. ديترويت مثلا. هان علي كل هذا التخليط لأن مُقدِمة الكتاب الدكتورة هبة عزت قدمت له تقديما بارعا جميلا ولو اكتفى القاريء العاجز بقراءة المقدمة لكفته.
حديثه عن هشاشة الروابط الإنسانية  بسط كثيرا من الأفكار التي كانت تدور في رأسي وأنا أعايش هذا المجتمع الغربي الهش جدا في علاقته. ونظّر لي لماذا يختار زميل المهنة الذي عملت معه أشهر عديدة أن يمر من جواري بعد أسبوع من انتهاء عملي معه دون أن يلقى تحية معتبرة. فالعلاقات هنا سائلة وهشة وسهلة الاستهلاك كوجبات سريعة. فالعلاقات كما يصفها يجب أن تبقى في الجيب العلوي: " يجب أن تقع على الأكتفاف مثل عباءة خفيفة حتى يمكن التخص منها بسهولة في أي لحظة" ص ٥٩. ثم يعرج على التحول الكبير الذي حصل في فهم المجتمعات بشكل عام والمجتمعات الغربية بشكل خاص للزواج والجنس والجوار. ففهم الحياة الزوجية مثلا تحول من علاقة عامرة بالسكينة والطمأنينة، إلى علاقة يراد لها أن تقوم على الشبق والوله والعشق واللعب. ومع الزمن يكتشف الطرفان فجأة أن الحياة لا تستقيم بهذا الشكل وأنها مليئة بالمتاعب: ولا تنتهي المتاعب عندما يعيش الزوجان معا، فالغرف المشتركة ربما تكون مرتعا للفرح والمرح الممتعين، لكن قلما تكون ملاذا للسكينة والطمأنينة، وبعضها يمثل مسارح لأحداث درامية قاسية يصاحبها تراشق بالألفاظ، ويتصاعد إلى اشتباكات ولكمات.." ص ٦٠. وكنت بداية احتكاكي بالغرب والغربيين أتعجب من الإحجام عن الزواج وأذكر أن مريضا في الخمسين جاءني العيادة مع امرأة مقاربة لسنه، وكانت خلاصة بعض حديثي معهما أنهما ليس زوجين بل صديقين منذ ٣٠ سنة وأنهما يقضيان الحياة كزوجين. والفرار من عقد الزواج هنا هو فرار من الالتزامات المادية أو هو هروب من المسؤولية بمعنى أدق وهذا من أهم ما يميز العلاقات السائلة الهشة. الدخول في علاقة صارمة وجدية معناه خسارة الكثير من المتع المحتملة الأخرى. وهذا يمتد كذلك إلى الإحجام عن الإنجاب. ولا يخدعنك أحدهم فيقول أن الغرب يقلل من الإنجاب حرصا على تربية أولاده كلا! بل المبالغة في التنظيم وتقليل النسل هي من " خشية الإملاق" والنفقة. وكما ترى هنا هي حالة من حالات الهروب من المسؤولية. وربما استطردت هنا كثيرا والخلاصة أن الكتاب بوابة لفهم كثير من القضايا الإجتماعية. 

٤)  دفيء الليالي الشاتية - عبدالله بن صالح العريني. 
الرواية تحمل معان سامية وعميقة. وكاتبها صاحب رسالة وهم عميق ولا أشك في ذلك وإن كنت لا أعرفه ولم أتعمد اقتناء الرواية بل وجدتها ضمن مجموعة كتب يود المركز الإسلامي تخليص المكتبة منها. والرواية تحكي قصة شاب سعودي مبتعث برفقته أسرته الصغيرة. وهذا الشاب صاحب دين وخلق ويسعى ليتمثل أخلاق الإسلام. أثرت أخلاقه في الأسرة التي سكن معها ابتداء وامتد تأثيره لابن عمه المبتعث الآخر في مدينة أخرى لكنه على نقيضه فيما يتعلق بالأخلاق والدين. والرواية وإن كانت تحمل معان سامية وجميلة إلا إنها ضعيفة من الناحية الأدبية بل لا أبالغ إن قلت إنها تفقد أي حبكة أدبية وهي تصلح للقاريء المبتديء وتصلح لطلاب الثانويات كذلك ومن في حكمهم.

٥) الفيومي - طاهر الزهراني
يواصل طاهر الزهراني في مشروعه الروائي اللطيف في استعادة الرجل الجنوبي أو التاريخ الجنوبي القريب تبعا لروايته
" ابن الجنوب". وربما أكثر ما لاحظت في هذه الرواية أن الأحداث تدور في زمنين متوازيين. فمعارك الحوثيين حديثة جدا، كذلك تهمة الإرهاب التي ألقيت على بطل الرواية. وفي نفس الوقت التفاصيل والشخصيات تعيش قبل خمسين سنة لمن يعرف تاريخ المنطقة وعاداتها. كعادته طاهر يسهب في الواقعية فيصر على تفاصيل جنسية دقيقة في كل رواياته. رواية لطيفة وخفيفة وليست أفضل روايات طاهر. قرأت له: جانجي، أطفال السبيل، نحو الجنوب والميكانيكي. وأظن إن لم تخني الذاكرة أن هذه من أقلها جودة. وأقول بحكم معرفتي بطبيعة المنطقة وعادات أهلها أنه استطاع نقل صورة شبه حية لرجل يتكرر كثيرا في جبال السروات: عاشق، راعي للغنم، صياد ماهر، مولع بالجبل والوحدة لكنها جعله يعيش في زمان غير زمانه.

٦) الفردوس الأرضي - عبدالوهاب المسيري
أتحسر لأنني لم اقرأ كثيرا للمسيري حتى هذه اللحظة فكل ما قرأت له كتابين أو ثلاثة. وهذا الكتاب الخفيف الجميل الذي يصف تجربته في أمريكا يصلح لكل متطلع لفهم هذا المجتمع وكيف تتشكل ثقافته وأثر الاقتصاد على المجتمع. وفيه حديث جميل وعميق عن الحركات النسوية ودور المرأة الحالي في المجتمعات الغربية. وأعود فأقول أنا أكتب هنا انطباعات عن الكتب وليست مراجعات أو تحليل. وكل هذا من الذاكرة والذاكرة خوانة.

٧) رواء مكة - حسن أرويد
نشأ هذا الكاتب والفيلسوف المغربي قريبا من البلاط الملكي في المغرب ودرس جزء من دراسته مع الملك محمد السادس حينما كان وليا للعهد. وشغل في حياته مناصب عدة منها المتحدث الرسمي باسم البلاط الملكي المغربي. ويذكر أن نشأ في أسرة أمازيغية مؤمنة ديّنة أما هو فقد حاد وشط عنها فألحد أو كاد وأصبح يرى الدين مجموعة من الطقوس والممارسات البدائية ويرى الحج وسيلة أستطاع بها العرب تطويع الأعاجم باسم الدين. ثم حصل ما حصل وجاء للحج وما قاده إليه إلا المصادفة وتجربة مرض قاسية مر بها. وهنا كانت المعجزة فغير الحج حياته. فرجع بقلب غير القلب ومال للتصوف والعودة للجذور الأولى التي رأى أبويه عليها. وكان حجه عام ١٤٢٧ ونشر الكتاب بعدها بعشر سنوات. وإن كان الكاتب يزعم أنه تخلص من تعصبه للأمازيغية وميله عن العرب إلا إن الكتاب لم يخل من قدح في العرب ذات اليمين وذات الشمال. وفي الدقيقة ٢٩:٤٥ في هذا المقطع كلام جميل عن الكتاب من شخص أعجب به - ربما أكثر مما ينبغي - :



هذه سبعة كاملة. ولعلي أستمر في تدوينة مماثلة بين فترة وأخرى إذا كتب الله ويسر.



رمضان ١٤٤٠ هـ


رمضان وغوستاف لوبون





تتردد في خاطري دائما مقولة لغوستاف لوبون يشير فيها أن الجمهور ليس حاصل جمع الأفراد ، وأن الجمهور عندما يتشكل تذوب فيه شخصية الفرد وتظهر عقلية الجمهور لتتحكم في الفرد وسلوكه .. ويظهر هذا جليا في تاريخ الشعوب والحروب والثورات ، حين يقوم الجمهور بارتكاب مصائب وكوارث ما كان يمكن للفرد أن يفكر في القيام بها ابتداء لولا وجوده بين جمهور عريض ..
هذه الفكرة " اللوبونية" أراها أمامي كل يوم في شهر رمضان ، بين أفواج الصائمين في شوارعنا المزدحمة ، وتتكرر علي حال وقوفي بين صفوف ملايين الراكعين الساجدين في المسجد الحرام . إنها حالة من الاتفاق الجماهيري الكبير الذي حول الناس إلى مؤمنين ببدهية  فكرة ما وسهولتها، فوجدوا القيام بها أمرا طبيعيا جدا .. وهذا لسان حال معظم الناس قد يظهر على ألسنة بعضهم فيقول: ما دام كل هؤلاء يفعلون هذا فمن الطبيعي أن أستطيع فعل ما يفعلون ، فيذوب الفرد في الجماعة ويرى نفسه جزء من كل.

لا أشك أن القادرين من بين جموع الناس في المساجد على القيام بنفس الأعمال فرادى سيكونون قلة قليلة لا تذكر ! وهنا تظهر عظمة شعائر الدين في جمع الناس وإزالة الأوهام ، وتقوية الإرادة ، فضلا عن حكم الله الأخرى في تشريعاته عز وجل ، مما علمنا ومما لم نعلم . 



٢٣-٩-١٤٣٤ هـ 

إلى الغارقين في الحلم، الهاربين من الواقع..



لم أعد أحفل بكثير مما يقول الناس ويكتبون في هذه الشوارع العامة وعلى هذه الأرصفة. بل ربما أصبحت أراها كما أرى الجداريات التي يصنعها أطفال الحارات القديمة في لحظات الملل. تلك الجداريات تُقرأ بعيون بلهاء دون جهد من عقل ولا فكر، ومع هذا قد تجذبك عبارة فلتت من أحدهم على حين غرة منه وجهل .. كل هذا الكلام هو زيف وإسهال كلامي لا قيمة له. كل هذه الأشياء قشور لا معنى لها ولا جوهر. هذه الأشياء هي عبء على اللغة والمعرفة، هذه الأشياء هي سيل جارف من “البيانات” الرقمية التي تملأ هذه العالم المقعد بلا إضافة. اقرأ أيها الجيل، اقض يومك هنا في هذه الشوراع، تسكع كما يحولك لك آناء والنهار، تسلل على موائد المترفين ومن يقضون حياتهم تشبها بالمترفين، نم هذه الليلة في منتجع جميل في زاويا هذه الكرة واقض احلامك فيه ثم استيقظ متذمرا من عالمك ومن حالك الذي لا يشبه حلمك الجميل في شيء، اركب السيارة الجميلة واليخت الفاره وأنت تمشي بملل تنتظر سيارتك المعطلة في الصناعية القديمة. اقرأ هذه الأوهام، تابع هؤلاء المرضى والمهووسين بالكاميرات، تلق هذا التدفق المعرفي الذي لاينقطع من السناب شات، ولاتنس أثناء ذلك أن ترى كيف يكون الحب والجمال في شوارع مانهاتن ولاس فيغاس، وكيف يمكن أن تقضي عطلة صيفية حالمة تمام كما يفعل نجوم هوليود. ابحث عن زوجك في عيون البغايا وملامحهم الحارقة، وفي أجساد الرياضيين الممشوقة المحقونة بالهرمونات، تعلم كيف لا تدري ما الفرق بين المعرفة وبين عزيف الجن وسجع الكهان، ولا بين الليل والنهار، ولا بين الوهم والحقيقة. 



مستقبلك مبهر ومليء بالأمل!

الفتى ota benga: من قصص الحضارة الجديدة.









أجيال تتعاقب من أبنائنا ممن تفتحت أعينهم وآذنهم على الحياة هم يرون ويسمعون حديث السياسي الغربي عن الحضارة وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات والشعارات الكبيرة الأخرى إن كان فيها كثير حق ففيها كثير من الباطل . وذلك لأننا جيل محاصر بهذه الدعاية الضخمة التي تصور لنا القوة الاستعمارية المتوحشة كحمل وديع همه حماية البشر وحقوقهم من الضياع. قصة هذا الفتى الأفريقي محدد الأسنان لا تعبر عن وحشية أفراد بل وحشية حضارة قامت على القمع والظلم والبطش. فما هي قصة هذا الفتى ؟! 


هذا الفتى نشأة في قبيلة من قبائل الأقزام البدائية في نائية من أفريقيا وهي اليوم ما يسمى بجمهورية الكونغو الحرة. عاش مع زوجته وطفلية حياة بسيطة حتى وصلت إليه بعثة أمريكية مدعومة من شركة تقوم بخطف الأفارقة من قراهم وبيوتهم البسيطة وبيعهم في أسواق أمريكا كرقيق ومستعبدين لخدمة الرجل الأبيض. 

عاد هذا الأفريقي البسيط إلى قريته فوجدها قد دمرت وقتل كل من فيها . ففقد قريته ، وقبيلته ، وزوجته وطفليه ، ثم رغما عنه أخذ إلى أمريكا !

في تلك الفترة كان علماء الأحياء والأطباء مولعين بالبحث عن أدلة مادية لإثبات نظرية التطور والبحث عن الكائن المفقود في سلسة التطور بين الإنسان والقرد. وقد كتب أحدهم : “ قبائل الأقزام يتشاركون مع القرود في صفات كثيرة “. وبما أن هذا الفتى من الأقزام فقد وضع في حديقة حيوان ووضع في قفص مع قرد من فصيلة الغوريلا وكتب أمام القفص : “ قزم أفريقي طوله ٤ أقدام ، ويزن ١٠٣ باوند . أحضر من منطقة نهر كاسي من الكونغو الحرة . أحضره الدكتور صاموئيل فرنر . يُعرض ظهر كل يوم في شهر سبتمبر “. وحين ظهرت بعض المعارضة في الصحف الأمريكية على هذا التصرف ، كتب أحد علماء الأحياء يسخر من هؤلاء الذين يطالبون بمعاملة إنسانية لهذا الأفريقي ، وزعم أن حياته في القفص ستكون أكثر أنسا له من حياته في المدرسة أو الجامعة لأنه خُلق ليكون هكذا .

وكتبت صحيفة التايمز أن عدد الزوار لحديقة القرود بلغ ٤٠٠٠٠ زائر كلهم يرغبون رؤية هذا الكائن الأفريقي المتوحش الذي أحضر من أفريقيا. كان الزوار يجتمعون حوله يرمونه ويغيضونه ويسخرون منه ، وبسبب طبيعته القروية البسيطة كان لطيفا مع الناس في البداية لكنه شعر أنه في عالم لا يقدر الإنسان فبدأ بقذفهم بالحجارة وبالأسهم التي أعطيت له لتكون جزء من وسيلة الجذب للزوار . 

عندما بدا الفتى عنيفا مع زوار حديقة الحيوان التي كان فيها ، قررت إدارة الحديقة إخراجه منها. وقامت بعض منظمات السود في نيويورك بمحاولات عديدة لإعادة الفتى إلى قريته وبساطتها لكنها فشلت. لكنها استطاعت أن تسجله في أحد المدارس في فيرجينا. بدأ الفتى - الذي اعتبره بعض العلماء قردا- بتعلم اللغة الإنجليزية وأصبح قادرا على التواصل وحينها فضل أن ينتقل للعمل في مصنع قريب لإنتاج التبغ وعاش محبوبا للناس من حوله ويأتيه أطفال المنقطة ليعلمهم صيد الأسماك والرمي بالسهام. وكل مرة يرجو من حوله باكيا بأن يعيدوه إلى قريته لكن يلقى حوله قلوبا كالصخر ، وما قيمة مشاعر هذا الأفريقي الأسود ؟! 

رغم كل هذا كان لديه بقية أمل أن يرى دياره وقريته والغابات التي عرف أسراره ، ويحلم بها كل يوم . لكنه حين علم أن الحرب العالمية بدأت وأن طريق العودة إلى الكونغو مستحيلة أصيب باكتئاب قاس وحاد قضى على كل آماله . وفي عام ١٩١٦ وجد المسدس طريقا إلى يده ، فأطلق على رأسه منتحرا منهيا حياة قاسيا، لاعنا هذه الحضارة التي لم يعرف منها إلا التوحش والعبث بالإنسان والمسدس الذي قتله . 


القصة باختصار من كتاب : 

Medical Apartheid 

سينساك كل صديق عرفت ، وتبقى قريبا بقلب امرأة !





يسير على الناس ما حيرّه 

ويخفى على الناس ما أبصره

ويلقاه كل خلي الفؤاد

قليل التأمل والتبصرة

فيظهرُ : والله ، ما أغربه

!ويهمسُ : والله ، ما أعسره 
**



إذا ما عزمت الرحيل الطويل 

إلى سفر لا ترى آخره .. 

وخلفت خلفك حزنَ القريب

ودمعَ الصديق الذي نثّره 

وصُبت عليك العهود الشداد :

" بأنك تبقى لهم تذكرة "

فأودع هواك فؤادا يراك 

جمالَ الحياة الذي أبصره ..




سينساك كل صديق عرفت

وتبقى قريبا بقلب امرأة !





شيكاغو ١٤٣٥

ابن سينا وهو يصف النبض بدقة



أقلب كتاب القانون للشيخ الرئيس ابن سينا ، فأتساءل إن كان طبنا الحديث يبالغ في الاعتداد بذاته والاستهانة والتحقير لأي طب آخر في العالم ؟! .. للأسف ، الكثير منا يظن أن كل طب غير الطب الحديث هو مجرد خرافات وشعوذة وأساطير ، وربما لو تواضعنا قليلا لوجدنا شيئا يستحق الاهتمام .. 

أنا هنا لا أجزم بشيء ، ولكني أتكيء على مفهوم بدهي أن الأحكام الناتجة عن الجهل ، لابد وأن تكون أحكاما ناقصة ومشوهة ، ونحن نجهل أي طب في هذا العالم غير الطب الكيميائي وأعني هنا الأطباء خصوصا .

يتحدث ابن سينا عن النبض في حوالي خمسة عشرة صفحة من كتابه القانون ، ويصف النبض والطبيعي منه وغير الطبيعي ، وأثر الأمراض والحمى والأعمار والرياضة عليه ، وتأثره بالنوم وبالحالة النفسية وبالاستحمام وبالأكل والشرب وبفصول السنة ، وأنواع النبض ثم يشرح للطبيب من أين يمكن أن يقاس النبض فيقول : 

" والسبب في وقوع الاختيار على جس عرق الساعد أمور ثلاثة : 

- سهولة متناوله . 

- وقلة المحاشاة عن كشفه . 

- واستقامة وضعه بحذاء القلب .. 

والوزن هو الذي تقع فيه النسب الموسيقاوية . ونقول إن النبض إما جيد الوزن وإما أن يكون رديء الوزن ، ورديء الوزن ثلاثة أنواع .... والخارج عن الوزن وهو الذي لايشبه وزنه نبضا من نبض الأسنان ( النبض لمن هم في نفس العمر ) ، وخرج النبض عن الوزن كثيرا يدل على تغير في الحال عظيم " .. القانون لابن سينا - ج ١ - ص ١٧١

هذا مثال عارض ، وفي ظني أن أبناء الطب الحديث سيصدمون لو قرأوا فقط عناوين الفصول الرئيسية التي يضعها ابن سينا ويشرحها في كتابه - أتساءل مرة أخرى .. هل يمكن أن يكون هناك حل لبعض الأمراض المستعصية بالتعامل معها بطريقة أخرى تنطلق من الماضي المحتقر ؟! 

لماذا “يسيح” الناس في الإجازات؟


كلام حول مفهوم السياحة والسفر في الإجازات


قبل سنوات قليلة كنت في مجلس مليء “بالعقلاء” فكان أحدهم يتحدث بحماسة عن تجربته الجميلة والفرح الغامر الذي شعر به في إجازته الماضية. وكان يصف بدقة جمال الفندق الذي سكنه والاهتمام البالغ الذي لقيه وكيف كان يهتم به الموظفون في الفندق حتى إن أهله في بيته لا يعاملونه بهذه الطريقة. أذكر أننا دخلنا بعد ذلك في نقاش لاداعي له حول السعادة وحول تجارة السياحة ويا ليتني سكتُّ.

قبل هذا الطغيان العولمي بل وقبل ظهور النظام الوظيفي وقبل نشأة المدارس النظامية واختلال نظام سير حياة الناس = قبل كل هذا لم تكن هذه المصطلحات معروفة ومتداولة. فلم يكن جدي المشغول بحقله وغنمه يعرف شيئا يُسمى إجازة، فحياته عمل دائم وقناعة دائمة. كان أكثر حرية من نسر، لا يهمه من تتابع الأيام إلا ما يعينه على العبادة ومعرفة أحوال الناس والأسواق. فلا إجازة نهاية أسبوع ولا منتصف الفصل ولا “كريميس” -في المجتمعات المعولمة بما فيه الكفاية- ولا دفتر تحضير يومي أو بصمة.

ظهرت الوظائف والمدارس والجدوال السنوية فصار الجيل أمام شيء جديد لم يعرفه الجيل الذي قبله فتلقاها بعفوية وبساطة. ولا تستغرب حين تسمع أن كثيرا من أبناء ذلك الجيل لم يطلب إجازة سنوية لعدة سنوات حتى طغى المفهوم على الناس وغلب، وتسلل مفهوم الإجازة والسياحة. أدرك الناس أن الإجازة تأتي فيأتي معها الفراغ المؤلم والخواء القاسي فبدأ الناس يمارسون “هربا” من هذا الفراغ. فظهرت مراسم الممارسة البسيطة للسياحة: أسرة تحمل حمولتها وربما مؤنتها من الطعام والشراب على سقف السيارة تتنقل بين المدن القريبة وربما حلت على قريب يسكن في منطقة أكثر مدنية أو الجو فيها أكثر اعتدالا.. وقضت الأسابيع والشهور. والسائح يتميز بالفراغ والفضول ومزاحمة الناس في الأسواق وملأ الأماكن العامة التي ربما لايفكر أهل البلد بشغلها. وأذكر في صغري أن مدينتنا الصغيرة الدافئة كانت تجذب أهل المناطق الباردة فيتدفقون عليها في الشتاء. فكنا نتعجب حين نرى بعض الناس في أماكن لايليق الجلوس فيها. يجلسون فيها بلامبالاة أو تحفظ. وكنت أسأل الكبار فكان الرد: هؤلاء “متمشين”! ومن الطريف أن  أعيان المصريين مثلا في منتصف ١٩٠٠ م كانوا يفضلون كلمة " استشفاء" على كلمة " اصطياف" تحرجا حتى لا يلامون على البذخ والإنفاق على "الفسحة" بلا فائدة. يذكر ذلك لويس عوض في مذكراته. (٨)

فالمتمشي أو السائح لاحرج عليه. وهذه الممارسة البسطية للسياحة صارت الآن غاية في التعقيد. فقد غزا السوق منتجات كثيرة وجاذبة تتجاوز بساطة السيارة المتنقلة والعائلة المتواضعة. فوسائل التواصل صارت متكفلة بتعليم الناس أصول السياحة الحديثة وكيف يمكن أن يمكن أن تصنع إجازة العمر وتعيش كنجم يرصد هو بنفسه كل حركاته وسكناته ووجباته وأين يسير وماذا وجد من المتع والبهجة. والصورة النمطية للسائح في التراث الغربي التي تعبر عن شخص يحمل قدرا كبيرا من الفضول والمغامرة مع بحث حثيث عن التجربة والانطلاق، قد تلاشت وانتهت فالسائح الآن هو شخص متعطش لعالم خيالي world of fantasy  ليمارس فيه خياله الذي تصنعه له مصادر أكثر من أن تحصر. ماكان كل هذا ليحصل لولا الفراغ الداهم الذي يملأ حياة “الموظف” فجأة فيحوله إلى كائن مستهلك يسعى لملأ هذا الفراغ بأي شيء مما قد ينتجه سوق السياحة (١).

ويبدو أن “ السائح القديم “ الذي كان يبحث عن الهدوء والسكينة في مكان خال من الناس، والساعي للتجربة الفريدة، فيتنفس الهواء النقي ويتنقل في الطبيعة البكر ناقما على المدنية المادية، قد تلاشى وصار كائنا استهلاكيا بامتياز. حتى التمتع بالطبيعة صار ضمن باقات معينة ، وضمن قوالب لابد للسائح أن يتشكل فيها حتى يتمكن من التمتع بالطبيعة كما يريد السوق! السائح لابد له أن يسكن بطريقة معينة ويتنقل بطريقة معينة .. وتأتي الحافلة في الصباح لتأخذه في رحلة سريعة عبر الغابات إن كان يريد الطبيعة وتعيده للفندق الفاخر.. وفي الطريق تبيع عليه القهوة والمكسرات.(٢) لقد أضحى السكون والطمأنينة مرادفان للملل فلا يمكن للسائح أن يكون سائحا دون الجري خلف الأسواق وملاحقة الأضواء ومناسبات الألعاب النارية والشوارع المزدحمة. وينتهي كل هذا والفراغ الذي في الداخل ما زال كما هو. بل ربما ازداد الفراغ في داخله فلا يقنعه في هذا العالم شيء. وفي دراسة تقارن بين من يسافر بشكل متكرر وغيرهم وكانت النتيجة أن معدل الرضى والسعادة لم يكن مختلفا بين الفريقين وفسروا ذلك بأن “السائح” صار يشعر أن تجربة السفر ليست تجربة “مختلفة” بشكل كبير. فكل ما فعله في سفره هو أمر يمكن فعله في أي مكان(٣)، “ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب”(٤). 


وكنتيجة لجدولة حياة الناس بالوظيفة والدراسة وحصول الفراغ المفاجيء، يمكن القول إن السياحة والسفر في الإجازات لم تعد أمرا طارئا في كثير من المجتمعات بل  صارت هي الأصل، سعيا لصناعة عوالم موازية للعالم الواقعي. فإنسان اليوم لا يرضى ولا يهنأ بشيء. إنها “حالة من الميل نحو أحلام اليقظة في زمن صارت الفنتازيا (٧) فيه جزء من الممارسة الاجتماعية اليومية” كما يعبر لوغرن (٢).

وجانب آخر يغفل عنه “السياحي” البسيط. وهو الأثر الثقافي التي يصنعه سوق السياحة. فلا يمكن للسوق أن تكون جاذبة ومثمرة ما لم تتجاوز البعد المحلي بكل جوانبه القيمية والإجتماعية. فالسياحة “الصحيحة” لابد أن تكون “شكلا مثاليا للعولمة”. وحتى عندما يحاول أحد ما أن يستغل الثقافة المحلية لجذب السياح فلابد أن تكون هذه الثقافة المحلية على الهامش ويكون للسائح قدرة على ممارسة كل ما يمكن ممارسته في وجهة سياحية أخرى “مثالية”(٢). انظر للوجهات السياحية الكبرى في العالم تجد أنها لا تحمل هوية ولا قيم ثابتة. بل هي أماكن معولمة منزوعة القيم والمثل. ويمكن فيها القيام بأي شيء حتى الأشياء التي تتناقض مع قيم ومثل المجتمع المحلي. وربما اضطر المحليون للانحياز والذهاب للهامش. والأمثلة أوضح من أن تحصر. حتى الذوق الموسيقي مثلا في الوجهات السياحية يصبح منبتّا تماما عن الذوق الموسيقي المحلي. وكذلك طريقة الأكل واللباس .. إلخ. 


ولتلخيص ما سبق يمكن أن نفسر تمدد ظاهرة "التسيح" بما يلي: 
- عجز كثير من الناس عن ملء الفراغ خارج العمل الوظيفي. فالوظيفة حتى لكارهها صارت هي هوية الإنسان. فحين يُفك قيده من الوظيفة لبعض الوقت يعجز عن مواجهة ذاته وعن الانشغال بأي شيء ذي معنى. وهذا الحال أقرب ما يشبه بحال الرقيق في الماضي الذي يحرر فجأة فيهيم على وجهه لا يدري ماذا يفعل.
- انشغال الناس بما عند الناس وطغيان التكاثر في المأكل والمشرب والمسكن .. إلخ. 
- البحث عن حياة "فنتازية" ولو لبعض الوقت مماثلة لما يراه الإنسان وما يسمعه في وسائل التواصل والسينما.. إلخ. 
- سيطرة المال على حياة الناس وقدرة الشركات الكبيرة على العبث بالجماهير.
- بلا شك: سهولة التنقل والوصول للأشياء والأخبار. 


وأنا أفكر في هذه المفاهيم وآثارها الإجتماعية الكبيرة خطر في بالي قوله عز وجل يخاطب نبيه في السورة المفعمة بالأنس والطمأنينة = سورة الشرح : “ فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب” فذهبت أبحث في التفاسير عن تفسيرها فوجدت هذا الكلام لدى ابن كثير ولدى الشنقيطي فوافق المعنى الذي في نفسي، يقول ابن كثير: أي : “إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها ، فانصب في العبادة ، وقم إليها نشيطا فارغ البال ، وأخلص لربك النية والرغبة . ومن هذا القبيل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته : " لا صلاة بحضرة طعام ، ولا وهو يدافعه الأخبثان " وقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء ، فابدءوا بالعشاء " (٥). 

ويقول الشنقيطي في أضواء البيان: 

والذي يشهد له القرآن ، أنه توجيه عام للأخذ بحظ الآخرة بعد الفراغ من عمل الدنيا ، كما في مثل قوله تعالى : ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ، وقوله : إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا [ 73 \ 6 ] ، أي لأنها وقت الفراغ من عمل النهار وفي سكون الليل ، وقوله : إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [ 110 \ 1 - 3 ] ، فيكون وقته كله مشغولا ، إما للدنيا وإما للدين . 
وفي قوله فإذا فرغت فانصب ، حل لمشكلة الفراغ التي شغلت العالم حيث لم تترك للمسلم فراغا في وقته ; لأنه إما في عمل للدنيا ، وإما في عمل للآخرة (٦). 


أتأمل هذا ثم أنظر حالي وحال الناس. نفرغ من عمل الدنيا فنقبل لعمل لآخر من أعمال الدنيا لايزيدنا عن الآخرة إلا بعدا. متعلقين بالسعي خلف البهجة والمتعة. مبهورين بهذه الأشياء الرخيصة وعسى الله أن يرزقنا منه هداية وفهما حتى ندرك ما يستحق وما لايستحق.


مصادر: 


١) العولمة، جلال أمين. دار الشروق. والكتاب من الكتب الجميلة التي تتحدث عن العولمة واثرها الاقتصادي والاجتماعي. والكاتب صاحب لغة جميلة وسهلة. 

2) Löfgren, Orvar. On holiday: A history of vacationing. No. 6. Univ of California Press, 2002.

3) Nawijn, Jeroen. "Happiness through vacationing: Just a temporary boost or long-term benefits?." Journal of Happiness Studies 12.4 (2011): 651-665.
 ٤) الحديث في صحيح مسلم
.٥) تفسير ابن كثير
٦) تفسير أضواء البيان.
٧) الفنتازيا: هي حالة الانغماس في الخيال وأحلام اليقظة والاستمتاع بالانطلاق في التفكير حول أشياء  غالبا لن تحدث. 
٧) أوراق العمر : لويس عوض.  

 وهنا مدونة سابقة فيه أفكار حول التفكير بعقلية السائح والشيء بالشيء يذكر.

شاهد على القرن - مالك بن نبي

مالك بن نبي في كتابه هذا هو صوت كل عربي أو مسلم حر يدرك ما يدور حوله في هذا العالم. كل حر يرى هذا الاستعمار الذي يحاصره من كل جانب في فكره ودينه وهويته وثقافته ومطعمه ومشربه. وهو يرى الحضارة الغربية المطففة التي تدمر شعوبا بأكملها في أيام بدعوى نشر الديموقراطية وفي نفس الوقت تزعج العالم بالحديث عن حقوق الحيوانات والكلاب والقطط .. إلخ. يصور مالك بن نبي بدقة في كتابه هذا نفسية العقلاء من جيله ممن شهدوا تحول المجتمعات وانسلاخها أو سلخها بقوة المستعمر القاسية أو الناعمة.

ورغم أننا في بلادنا بفضل الله لم نحتك بالمستعمر الباطش ولم نرأ الجندي الغريب يطأ أرضنا، لكنني أتحسر وأنا أرى الأشياء تتحول بسبب القوة الناعمة التي تقتلع كل شيء كتسونامي عنيف. فماذا يمكن أن يشعر به الذي شهد الاستعمار والجيوش الجرارة تدوس تاريخه وحضارته وأسرته. ويرى الجيوش تحطم بيته ومسجده وبقالة الحي ودكته .. وتعبث بكل الذكريات فيه.

شدتني أشياء كثيرة في الكتاب حتى انتهيت منه في ثلاث جلسات أو أربع. وهو من الكتب التي كنت تتكرر علي كثيرا منذ أن كنت في الثانوية لكن لم تتحقق لي قراءته إلا هذه الأيام. لكن أكثر ما سلب انتباهي هو حديثه عن بلاء أصاب المجتمع الجزائري في فترة حرجة من تاريخه تحت الاستعمار وهو “داء الكلام” وكثرة المتحدثين واعتداد كل فرد بنفسه حتى لا تكاد تجد مجموعة عاقلة تتفق على رأي. فتراه يقول:

“ قد فتحت في الجزائر محابس الكلام، فاستولى على كل فرد داء الكلام كلامه أو كلام جاره، وإنه لداء قتال! حتى إن بعض المصابين كان ذات يوم مع الجمهور التبسي، يستمع إلى خطباء يتكلمون بقاعة المهرجانات، فطلب الكلمة فلم تعط له فصرخ:

- إنني سأنفجر إن لم أتكلم! ..فأراد بعض الحاضرين- وأعتقد أنه (حشيشي مختار) وربما معه (خالدي) - أن يتفادوا الانفجار فقالوا:

- أعطوه الكلمة! .. أعطوه! ..

قفز المريض على المنصة ومكنسة بيده، لا أدري أين وجدها وقال:

- يجب أن نكنس الاستعمار هكذا! ..

هذا كل ها قاله وهو يلوح بالمكنسة، ثم نزل مرتاحاً كمن تنفس بعد أن ضاق صدره؛ ولا يستطيع أحد تقدير ما تكبدنا من خسائر جوهرية منذ استولى علينا مرض الكلام، ومنذ أصبح المجتمع سفينة تائهة، بعد إخفاق المؤتمر.” “ أصبح كل فرد مهتماً بـ (معزوفته) الشخصية في العزف العام، ويسعى لمصلحته الخاصة باسم الإصلاح أو باسم الوطنية.”

وهأنت ترى أصحاب المكانس هؤلاء والذي لايعرفون ولكنهم لا يسكتون حتى اختلط على الناس العارف وغير العارف. وصار كل أحد يتحدث في كل فن دون حياء ولا خجل فعزف كثير من أهل المعرفة عن هذه العوالم لأنها أصبحت رافضة للمعرفة الصحيحة ولا تقبل إلا المهرجين أو من هو قريب منهم.

١٨ ربيع الأول - مورغانتاون

بين الحب السائل وروح الحداثة.








كمية الأفكار التي يحويها كتاب الحب السائل كبيرة جدا، وقد تشعر في بعض فصوله أن الرجل يفقد القدرة على التركيز عند انتقاله من فكرة إلى فكرة. وهو بنفسه قد أعترف بذلك في في توطئته للكتاب فكلامي هنا ليس اكتشافا جديدا. لكن قراءة الكتاب تبين أن هذا الفوضى هي الصبغة العامة للكتاب وأن حديث المؤلف في بداية الكتاب ليس مجرد مقدمة تلطيفية لبعض ما يقد يجد القاريء من بعثرة بل هي وصف حقيقي. ولا أدري إن كان هذا بسبب الترجمة أم أن الكتاب كذلك في نصه الأصلي. والحقيقة أن أجمل ما في الكتاب هو مقدمته التي كتبتها وهبة عزت وهي ربما تغني عن قراءة الكتاب لمن لا يملك الوقت لقراءته كاملا.

من الصدف أنني كنت أقرأ روح الحداثة لطه عبدالرحمن في وقت قريب لقراءتي لهذا الكتاب وشدني كثيرا فصل “ الأسرة ما بعد الحداثية وانقلاب قيم الحداثة” ثم حديثه بعد ذلك عن “ انقلاب السعادة إلى اللعب” وسيطرة الرغبة على بناء الأسرة. وانقل هنا بعض كلامه:

“ ليست هذه الرغبة أبدا شوقا معنويا، وإنما، على. العموم، بغية مادية، أي شهوة ؛ فلا تجد الأفراد في الأسرة المابعد حداثية. يتنافسون في شئ تنافسهم في جلب أقصى ما يمكن من الشهوات والملذات، لأنفسهم أولا ولشركائهم ثانيا، ولا سيما أن محيطهم الخارجي فتح لهم باب الاستهلاك على مصراعيه، مستظهرا بكل وسائل الإعلام على تزيين ما طاب ولذ من مبتدعات السوق، التي إن لم تزدهم احتياجا واشتهاء، لا تزيدهم كفافا وعفافا…. وهكذا تكون حياة الأسرة المابعد حداثية الواحدة عبارة عن رغبات وشهوات متتالية تختلف باختلاف اللحظات. أي حياة تحمل في نفسها أسباب الانتقال عنها إلى غيرها، لأن الفرق بين الاسرتين الاثنتين كالفرق بين اللحظتين داخل الأسرة الواحدة، لذا لا عجب أن يقال : “ إن الحياة الأسرية عادت سلسة من المشاهد”

“ … وعلى هذا يصح أن نقول بأن الأسرة المابعد حداثية استبدلت بطلب السعادة الذي يميز الأسرة الحداثية طلب اللعب، لأنه أشبه بسعادة صغار منه بسعادة كبار، ولا نعدو الصواب إن قلنا بأن العقلية التي أضحت تدبر لجودة الحياة داخل هذه الأسرة هي عقلية اللاعب الصغير، لا عقلية الصاحب الكبير..” 
وهذه أحد النقاط التي تقارب فيها المؤلفان. 


وفي الكتاب الأول يصعب على القاريء إيجاد تسلسل منطقي للأفكار فمثلا: كان المؤلف يتحدث عن المدن الحديثة وانشغال الساسة واستغراقهم في القضايا المحلية اليومية. لكنه فجأة بدأ يتحدث عن مشاكل العولمة من الحروب وإرهاب وتلوث .. الخ. ويستطرد في حديثه حتى تفقد حلقة الوصل بين هذه الأشياء لكنك تدرك أن المؤلف يريد بعد هذا أن يعود ليقول لك إن السياسي المستغرق في القضايا المحلية يجد نفسه مضطرا لإيجاد الحلول لقضايا عولمية ليس له قدرة على التحكم بها “ كالإرهاب والتلوث .. الخ” ويقول لك أن المدن أصبحت مكبات نفاية لقضايا العولمة. وهو وصف ذكي وجميل.


مما أعجبني في الكتاب التعبير التدقيق الذي صنعه المؤلف لوصف العلاقات الإنسانية في المجتمع الغربي وكل مجتمع يسير على نهجه. وهو تعبير “ اللايقين” فكل شيء قابل للتغير والتحول. والعلاقات البشرية غير ملزمة لأنها قد تصنع قيودا  تحد الإنسان عن متع جاذبة ومغرية. وهذه حالة من حالات السيولة التي تميز هذا العصر بشكل عام كما يقول المؤلف في كتاب آخر: "ففي تحوّل عظيم صار المجتمع يعظّم، أيّما تعظيم، المرونة في قلب الأشياء رأسا على عقب، والتخلص منها، والتخلي عنها، فضلا عن الروابط الإنسانية التي يسهل حلها والفكاك منها، والواجبات التي يسهل الرجوع عنها، وقواعد اللعب التي لا تدوم أطول من زمن اللعبة، فقد ألقي بنا جميعا في سباق نلهث فيه وراء كل جديد” “ففي ظل السيولة كل شيء ممكن أن يحدث، لكن لا شيء يمكن أن نفعله في ثقة واطمئنان”. وأصبحت علاقاتنا مستقرة في “جيوبنا العلوية” أو هي كالعباءات على أكتافنا حتى نتلص منها بسهولة في أي لحظة.


ومرة أخرى الكتاب عبارة عن بوابة إلى طريقة مختلفة للنظر للأشياء يعيبه الفوضى التي أميل إلى أنها بسبب الترجمة والله أعلم.