سبعة كتب - ٦

الصورة من "كوبر روك بارك" في فيرجينيا الغربية
 

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.


١) كتاب ما يفعله الأطباء والداعون بدفع شر الطاعون - مرعي الكرمي


والكتاب رسالة قصيرة تتحدث عن الآثار الواردة في الطاعون وهل يدفعه العلاج وهل ينبغي التداوي منه. والتنجيم .. إلخ. ولولا أننا نعيش أيام هذا الطاعون كورونا ما ظننت أن يدفعني الفضول إليه. ومن الظريف فيه أن الطاعون ليس شيئا متفقا عليه.. فمثلا كان يذكر المؤلف تعريفا ووصفا للطاعون وأنه مرض يأتي في مواضع معينة من الجسم.. إلخ 


٢) في أدب الصداقة - عبدالرحمن منيف ومروان قصاب 

الكتاب هو مراسلات عفوية بين روائي ورسام. ولم يكن الغرض من كتابتها النشر. وهي أحاديث وسواليف عابرة يتخللها تجليات أدبية باذخة. وأعجبني قلم مروان القصاب الرسام أكثر من قلم منيف. ومن قراءات سابقة لمنيف: أذكره يتميز بالسرد والتفصيل والاستطراد ، أما اللغة فهي عادية جدا. وشدني في الكتاب اهتمام الكاتبين بالصلاة والجمعة والتراويح ، على خلاف ما كنت أتصور خصوصا عن منيف. ولا أدري كيف تسلل إلى ذهني هذا التصور عن منيف. 


٣) الهشاشة النفسية - إسماعيل عرفة 

سمعت عن هذا الكتاب كثيرا وكنت قد قرأت له كتاب سابق يجاوب على سؤال وجودي:

لماذا نحن هنا؟وكتبت انطباعي القصير عنه (هنا). واختلف القارئون للكتاب ممن أعرف في تقييمه. ورأيي أنه كتاب قيم ومهم في هذا الباب. وهذا الكتاب من كتب ليست كثيرة=تفتح للإنسان أبوابا جديدة للمعارف. 

والكتاب يبحث في ظاهرة مشاهدة حول سهولة الانكسار لدى الجيل الحديث، وهذا أمر معلوم بالمشاهدة وبالأرقام. فكثير من الناس لا يقوى على شيء. تهزه الكلمة العابرة. ويقض مضجعه غفلة صديق عن اتصاله أو رسالته.  مع إغراق في الخيال يعمي عن التعايش السليم مع الواقع. 


٤) صفحات مطوية من تاريخنا العربي الحديث - خليل الرواف

هذا الكتاب كان على قائمتي للقراءة لفترة طويلة وكنت قد قرأت مختصرا لرحلة المؤلف ودونت عنه تدوينة قصيرة تجدها هنا. والكتاب لطيف جميل ومثله مثل كثير من أدب السير الذاتية والرحلات. تحكي لك الحياة وتقلباتها، والهمم وهي تتنازع الإنسان وتتناوشه. والإنسان في لحظته الحاضرة ينسى أنه في سفر طويل لا ينتهي إلا بالموت. والرحلة مليئة بالمفاجآت مما يتوقع الإنسان ومما لا يتوقع. ولم يفسد الكتاب إلا استطراد حشر في الكتاب حشرا وزاد من طول الكتاب وحجمه. 

 

٥) قضية الشعر الجاهلي عند ابن سلام - محمود شاكر

رضي الله عن محمود شاكر كل الرضى!. والكتاب على صغره وغفلة الناس عنه مدخل مهم لفهم منهج محمود شاكر المهم في التذوق الذي يراه منهجا مهما وجوهريا في فهم الشعر العربي والثقافة العربية. وكعادة محمود شاكر يقرأ التفاصيل ويغوص في الدقائق فيخرج بما لا يمكن لغيره أن يُخرج. ولا يمكن لغير محمود شاكر - مثلا - أن يجد رابطا بين محمد بن سلام والمحدث يحى بن معين رحمهما الله. 


٦) The fire next Time- James Baldwin 

هذا الكتاب ذكره أوباما عرضا في مقابلة حديثة له في برنامج the daily show

ومؤلفه أمريكي أسود نشأ في هارلم -أحد أحياء نيويورك المشهورة-، ووصف فيه تحولاته ومشاعره في ذروة الأزمة العنصرية الأمريكية. وفيه حديث عن التدين ونشأة الكنيسة السوداء ونظرتها للرجل الأبيض، وحركة أمة الإسلام ومؤسسها. وأوباما يذكر هذا الكتاب ليقول إن أزمة الصراع العرقي في أمريكا باقية لم تتغير رغم مرور هذه السنوات.

ومن تجربتي في المجتمع الأمريكي لا أظن أن هذه المشكلة ستُحل لأسباب منها أن العرق الأفريقي يرأى أن الرجل الأبيض مدين له بدين لايمكن قضاؤه وأن الرجل الأبيض العادي بين خيارين: إما تجاهل المشكلة ونفيها أو أن يتحول إلى ضحية تُبتز كل يوم بأحداث تاريخية قد لا يكون له بها أي صلة. وهذا ما أراه أحيانا في الحياة اليومية من محاولة بعض البيض نفي تهمة العنصرية عن أنفسهم بمناسبة أو بدون مناسبة. وكما يستدل الكاتب في آخر الكتاب بمقطع من الإنجيل وكأنه رسالة إلى نوح: 

لقد ذهب الطوفان، النار في المرة القادمة!” وستبقى نار هذا الصراع العرقي مشتعلة إلى أمد. 

وعودا على الكتاب: هو كتاب مصاغ بلغة إنجليزية عالية، وفي مقدمته رسالة كتبها إلى ابن أخيه الصغير غاية في الجمال. 


هذه سبعة كاملة. ولعلي أستمر في تدوينة مماثلة بين فترة وأخرى إذا كتب الله ويسر.


فلوريدا ١٤٤٣ هـ



سبعة كتب - ٤

سبعة كتب - ٥

لماذا حذفت الوتز أب من جوالي ؟


قبل فترة كتبت ُ مقالا بعنوان : ماذا فعل الوتز أب في حياتنا ؟ ، وأشرت في نهايته إلى أمنية أتمنى أن أقوى عليها وهي أن ألغي هذا البرنامج من قائمة أعمالي اليومية والحمد لله وصلت اليوم لهذه الأمنية وهذا القرار ، وهو نتيجة تراكمات وأسباب كثيرة سألخصها في نقاط ربما قد يجد فيها أحد إضاءة أو إشارة ولو يسيرة . وأستطرد لأقول إن الناس تكتب لأسباب كثيرة : لطلب الراحة من عناء الفكرة ، للمتعة ، للوظيفة وطلب المزيد من المال ، للتحريش بين الناس ، لاستدرار مزيد من الأفكار .. وقائمة تطول . وكتابتي هنا من أحد أسبابها أن يزيد التزامي الأدبي بهذا القرار حتى لا أتراجع فيه ، مثل المدخن الذي ينصحه الأطباء أن يقرر يوما معينا يخبر الناس حوله أنه يومه المشهود لانتهاء علاقته بالتدخين ، فيجد نفسه محاصرا بوعده لنفسه ووعد ألقاه على عشرات الناس حوله ، وهذا ما أفعله الآن ! 



١) كانت البشرية في مرحلة ما تجد صعوبة بالغة في التواصل ، لكن اليوم لم تعد مشكلتنا في عدم القدرة على التواصل بل في كثرة المنافذ التي تنفذ إليك فتسرق وقتك وجهدك وتركيزك ، فتعيش محاصرا بخيوط من حرير وتعيش “ عبودية اختيارية  “ لهذه التكنولوجيا المتوحشة .  



٢) أغيب عن أحد الأصدقاء فترات طويلة جدا جدا ، لكنني في تواصل مستمر معه على هذا البرنامج .. ثم تأتي صدفة فألقاه فلا أجد من نفسي ولا منه حرارة اللقاء السابقة ، بل ربما نغفل أحيانا فيسلم أحدنا على صاحبه سلاما ليس فيه إلا طرف راحة يده ، ثم ننتبه أننا لم نتقابل منذ سنة .. فنعود للعناق المتأخر وتصنع مشاعر غائبة ، وهذا أمر خطير جدا جدا أن نتحول إلى مكائن جافة بهذه السهولة وبهذه البساطة . في هذا العالم المليء بالضجيج = حاجتي لصديق أنظر في عينيه وينظر في عيني ، وأضع يدي في يده أهم من أي وقت مضى ، وحاجات الناس للحديث الصادق الذي تصحبه الزفرات والتوجع في شكوى لصديق صادق ، وللضحكات والابتسامات الصادقة ، أكثر من حاجته لرموز صفراء يزين بها الإنسان عباراته المكتوبة حتى يبعث ذرة من فيض مشاعره عبر هذه الأجهزة القاسية .



٣) هذا المد التقني لاحد له ، وقد بلغ البشاعة والفضول والوحشية ما يقف أمامه المتأمل حائرا يتساءل : كيف وصلنا لهذا الحد ؟ وكيف سمحنا لكل هذه الكماليات أن تشاركنا تفاصيل حياتنا . وفي التحديث الأخير للوتز أب مثال صارخ على انتهاك الخصوصيات ، وتجاوز كل الحدود . فقد تكون في جلسة عائلية حالمة هادئة  ، أو في ضجيج عملك وشغلك ، تعبث بجوالك بصمت ، فتمر على هذا البرنامج اللعين فتأتي إشارة لأحد ما قد بعث إليك رسالة أو طلب بأنك قد اطلعت على رسالته أو طلبه .. وأنت في مكان ووقت لا يأذن لك بالرد ولا بتأمل رسالة جادة أو كتابتها . وما دمت قد اطلعت على الرسالة فأنت ملزم “ أدبيا “ بالرد والتعاطي مع هذا العالم الذي دخلته بقدميك مختارا ، أو فاستعد لاستحضار المبررات عند كل تأخر أو ظرف طاريء . فما الضرورة التي تدعو لكل هذا ؟ .. لا شيء أبدا سوى أننا اخترنا أن نرضخ و نستسلم للتقنية وشبح الرأسمالية الذي يسوقها . 





٤ ) هناك قاعدة تقول : “ إن الإنسان عرضة لأن يعتبر شيئا ما ضروريا لإنه أصبح ممكنا “ ، فكر في هذه القاعدة وحاول إعمالها على غالب الكماليات التي تحاصر حياتنا اليوم ، وكيف أصبحت ضرورية لأنها فقط أصبحت ممكنة . 

 جلست أفكر : ما “ الفائدة “ الفعلية التي أستفيدها من الوتز أب ؟! وما الضرورة التي تجعلني متشبثا به ؟ . لا يوجد ضرورة . وإذا قالت لي نفسي أحيانا أن وسيلة للتواصل وللوصول للخبر أو المعلومة أحيانا . فإني أقول لها : أن لدي طرق كثيرة للتواصل ، الوتز أب ليس أفضلها . وأن لدي طرق كثيرة للوصول للمعلومة ، الوتز أب من أسوأ الحواجز أمامها ، وإن كان مصدرا لها فهو من أكذب وأسوأ مصادرها ، لما يشوب أخذ المعلومة الصافية من ضياع للوقت وتشتيت للذهن فتذهب المعلومة ويبقى الشتات الذهني . 





٥ ) ألستطفت كلاما جميل للمفكر الكبير جلال أمين عن الفراغ في كتابه العميق والمهم جدا “ العولمة “ . فهو يرى أن الفراغ حاجة إنسانية يسعى الإنسان إلى تحقيق أكبر قدر من الفراغ ، فإذا جاء الفراغ بحث عن أي شيء لمليء هذا الوقت الفارغ . وعندما يتوفر الفراغ يحتار الإنسان بأي شيء يملؤه ، وهذه الحيرة هي التي تدفعه إلى الاستسلام السريع لكل ما تلقيه إلى التكنولوجيا الحديثة من ابتكارات . هذا ملخص تحليل جلال أمين “ لمعضلة الفراغ “ أو الحاجة البيولوجية التي اسمها الفراغ . إذا ، كل ما يفعله الوتز أب أحيانا هو مليء هذا الفراغ لدى معظم الناس . فهل العقلاء بحاجة فعلا لأن يملأ فراغهم شيء كالوتز أب وأمور أخرى مشابهة ؟ . أترك الجواب مفتوحا . 





٦ ) “ التقنية تجعلنا أكثر معلومات وأقل معرفة “ : 

هل تتصور أن أحد ما يستطيع أن يقرأ قراءة جادة عميقة أو يكتب بحثا علميا رصينا وبجانبه إشعارات الوتزأب وتويتر والفيس بوك والجوال وشاشة الجزيرة والعربية ؟! .. 

وهذا ما أجده مع نفسي .. فقبل سنوات كنتُ أقضي ثمان ساعات متواصلة في قراءة أو مذاكرة لايقطعها شيء وبقدرة عالية على التركيز والفهم . واليوم أشعر أنني أغالب نفسي على نصفها ولا أكاد بسبب الشتات الذهني والمشغلات ، واليد التي تذهب عفويا لالتقاط الجوال للاطلاع على الجديد من الأخبار والمعلومات .. وكثير من الأصدقاء كذلك . 

ثم ماذا ؟ لاشيء . العالم كما هو ويزداد انحطاطا وتخلفا ووحشية ونحن نزداد ضمورا وضعفا . فماذا أفادتنا ثروة المعلومات ؟ لاشيء أيضا . جدي قبل سبعين سنة كان أكثر نفعا لمجتمعه وبيئته وأعمق حكمة ومعرفة من السواد الأعظم من الناس اليوم ، وكمية المعلومات التي يعرفها عن العالم أقل بكثير مما يعرف تلميذ اليوم في نهاية المرحلة الإبتدائية !

من العار أن تكون الأمريكية طبيبة !

https://www.nlm.nih.gov/exhibition/blackwell/college_life.html


تتشارك المجتمعات الكثير من الرؤى والتصورات ، وتستعمل ذات الأدوات في الحكم والنقد . والذي يصور مجتمعه دائما بأنه المجتمع الجاهل والمتخلف والرافض للجديد ويسوق على ذلك الأمثلة والقصص ، هو في الحقيقة يصنع من نفسه المثال الصريح والبين لصاحب الأحكام المتسرعة والناقصة . وفي واقعنا الطبي العجيب الغريب تسمع وتقرأ كثيرا من هذه الأحكام المتسرعة على مجتمعنا الطيب ، فيوصم بالتخلف والتأخر ورفض التجديد واحتقار المرأة وظلمها ، وزد على هذا ما شئت من المعايب . وكأن هذا المتحدث قادم من عالم آخر وليس جزء من المجتمع " المتخلف " ويشاركه غالب تصوراته وأفكاره شعر بذلك أم لم يشعر . والدراسات المهتمة بنقد المجتمعات تبين حجم المساحة التي تتشارك فيها المجتمعات البشرية عموما ، من رفض للجديد ، والشوق للقديم ، والحذر من المجهول . فهي أمور لا تختص بمجتمع دون مجتمع ولا بأناس دون آخرين .

ومن الطريف أنني وقفت على مذكرات لطبيبات أمريكيات يروين بداية حياتهن مع الطب ، وكيف قررن دخول عالم الطب ومزاحمة الرجال في عالم الطب ، ثم ردة فعل العائلة والمجتمع من حولهن . فالرفض يأتي من الأب والأم والإخوان ، بمبررات مختلفة بعضها كالتي لدينا تماما ، وأخرى تختلف بسبب اختلاف المجتمع والثقافة . ولكنها في كل الأحوال هنا وهناك رفض لما لم يُعهد من قبل وما لم يُعرف .

كان هناك فتاة اسمها إليزابيث كويلا ( 1821 - 1910 ) ، كانت تبحث عن عمل يجعلها تقارع أبناء الجنس الخشن ونفوذهم ، ولم تجد شيئا يلبي رغبة في إثبات نفوذها هي أيضا إلا الدخول لعالم الطب . وهنا نرى كيف تتكرر فكرة الصراع مع الجنس الخشن وتحضر بقوة لدى الأنثى فتتجه لما تحب لتثبت قدرتها على فعل ما يفعل الرجال ، وهذا أمر نراه لدى إليزابيث هذه وفي الواقع أيضا . حين قررت الدخول لعالم الطب بدأت بمراسلة كبار الأطباء وكان سؤالها فيما إذا كان من اللائق للمرأة أن تكون طبيبة أم لا ؟ . وتأتي أكثر الردود مجاملة بأن الفكرة جيدة لكنها غير قابلة للتطبيق . صديقتها التي ماتت تعاني من مرض نسائي وأوحت لها قبل أن تموت بأن تكون طبيبة لتنقذ النساء من الموت والمرض، كان السبب الخفي خلف تقمحها الطب.

في أول لقاء بمقاعد الدراسة رفض وجودها الطلاب ورفض الدكتور كذلك وجودها في بعض المحاضرات ، ورفضتها عدد من المستشفيات في أوروبا وفرنسا وعوملت كقابلة في بعض المستشفيات في أوروبا رغم حصولها شهادة الطب . وفي هذا الطريق الصعب والمر ، عميت إحدى عينيها في أثناء عملها الطبي في أوروبا ، ولم تتزوج أبدا طيلة حياتها ، لكنها كانت تسعى لصناعة جيل من الفتيات يعي الأمومة بشكل جيد . بعد كل هذا وأكثر دخلت هذه الـ"إليزابيث " التاريخ كأول امرأة في أمريكا تنال درجة الطب وتمارسه .

على سرير المعاناة والمرض كان يقول لابنته بسكينة الشيوخ : " أنا لا أريد لابنتي أن تعمل لتكسب مالا ، وليس من الصواب في شيء أن تدخلي في منافسة مع أولئك الذين يشتغلون ليسكبوا ليعولوا أنفسهم . فبنت الرجل المهذب لاتشتغل لتجمع المال ، فالميدان الذي خُلقت له هو أن تعملين على إسعادنا وبعد ذلك تتزوجين رجلا من طبقتك ، وستعملين على تنشئة أولادك على أحسن المثل . وسيكون بيتك مركزا للثقافة والسعادة كمنزلنا هذا . فواجبك الأسمى هو أن تصبحي زوجة وأما صالحة " .

من يقرأ هذا الكلام مجردا من النسبة إلى أي أحد ، قد يظن أنه لأحد الرجال حولنا ، ومن الصعب أن يتصور " البعض " - البعض الذي يصف مجتمعه بالتخلف - كون هذا ما قاله والد الفتاة " روزالي سلوتر 1876 " حين قررت أن تكون طبيبة . قررت أن تكون طبيبة فقابلتها أمها بالرفض وأبوها وإخوتها الأربعة لأن "النظرة إلى اشتغال المرأة بهذه المهنة نظرة تساؤل واستنكار " وهي في ولايات الجنوب الأمريكي تتجاوز الاستنكار إلى التحريم المطلق وكان الحديث عن ذلك في المجتمع الراقي يكاد يعتبر خدشا لآداب السلوك ! . تصور هذه الفتاة التي أصبحت فيما بعد أول جراحة في واشنطن نظرة الناس للمرأة الطبيبة وللطب عموما فتقول : " كانت دراسة أسقام الناس وآلامهم مهنة تثير الاشمئزاز ، لدرجة تجعلها غير لائقة بالمرأة إطلاقا . وكان على طالبة الطب أن تواجه بالعتاب من أسرتها التي لحقها العار والخزي ، كما كانت تقابل بالقطيعة الاجتماعية وبكل ما يخطر على البال من عقبات في سبيل محاربة مهنتها " ! وتبعث إليها أمها رسالة ذات يوم ، وقد توفي أبوها : " إن العار لم يمس اسم والدك من قبل. إذا أصررت على تنفيذ قرارك الجنوني بدراسة الطب فلن أعترف بك ابنة في المستقبل مطلقا " . وتسير الحياة وتصبح الفتاة طبيبة كما أرادت أن تكون .

العجيب أن هذا الرفض الأمريكي لم يكن لدخول الفتاة للطب فقط ، بل كان يمتد ليشمل الفتيان الراغبين في دراسة الطب ، وإن كان بشكل أقل حدة . فحين قرر ماريون سيمس الاتجاه للطب ، بلغت خيبة الأمل بأبيه أقصى مدى : " يا ولدي أصارحك أن أملي قد خاب فيك ولو كنت أعلم ذلك منك لما أرسلتك إلى الجامعة ، أظن أني لا أستطيع منعك رغم أني أزدري مهنة الطب كل الازدراء . ولم يخطر ببالي أن يأتي وقت أرى ابني فيه ينتقل من بيت إلى بيت في هذا البلاد حاملا بيده صندوقا مملوء حبوبا وبيده الأخرى حقنة . كل ذلك لتخفيف ويلات الناس " ..

وأشد من كل هذا غرابة وطرافة ما فعلته البريطانية " James Barry " ، التي ولدت أنثى لكنها اضطرت لممارسة حياتها كرجل لتصبح " جراحا - أو جراحة - ، وكان لها ذلك فقبلت في كلية الطب ، ومارست الطب وصارت جراحة وكل ذلك في صورة رجل ، وعادت أنثى يوم وفاتها !

ومهما حاول أحدنا استقصاء ردة فعل مجتمعنا تجاه الطبيبة أو طالبة الطب والطب عموما ، فلن يجد شيئا يقارب هذه قسوة المجتمع الأمريكي آنذاك في استنكاره لاتجاه الفتاة للطب ولمهنة الطب بشكل عام . وإن كانا الاستنكار والرفض شديدين على مستوى " المؤسسات " قبل المجتمع ، فقد كان أشد قسوة عندما تكون المرأة الدارسة للطب من الأقليات أو الملونين " اللاتين ،, الهنود ، الأفارقة .. إلخ " . وفي تصوري أن جزء كبير من الشكوى من مجتمعنا التي نقرأ ونسمع هنا وهناك ليست إلا من قبيل المبالغات التي يصنعها الإنسان -الإنسان تشمل الذكر والأنثى - حول ذاته .

فإلى هؤلاء وإلى كل من يصف مجتمعنا الطيب العاقل بالتخلف ، والله إن التخلف متدثر في ثيابك !

من المصادر:

https://cfmedicine.nlm.nih.gov

https://www.nlm.nih.gov/exhibition/blackwell/college_life.html

أيام في بورتريكو

أيام قليلة قضيناها في بورتريكو. هذه الجزيرة الجنة التي انتقلت من الاستعمار الأسباني إلى الاستعمار الأمريكي وما زالت لا تدري أين تتجه. منحت الجزيرة حق الحكم الذاتي لكنها بقيت أرضا أمريكية. ومع هذا تشعر وأنت فيها أنك لست في أمريكا:  فلوحات الشوارع كلها باللغة الأسبانية والناس لا يكادون يتحدثون الإنجليزية الإ قليلا. ورغم أن الجزيرة لا تبعد سوى أربع ساعات بالطائرة من العاصمة واشنطن إلا إنك تشعر بأن الفارق أعرض بكثير من هذا. فالبساطة تغلب على الناس وعلى الأشياء والشوارع  ضيقة في الغالب. والسيارات ليست كالسيارات التي تراها في المدن الأمريكية الكبيرة. هي أمريكا ولكن الفتى الأمريكي فيها غريب الوجه واليد واللسان كما يقول المتنبي . ومن الطريف أن تجد نفسك تتحدث الإنجليزية في أرض أمريكية أفضل من كل من حولك . ودخلنا مطعما مصريا في عاصمة الجزيرة فما فهمنا حرفا ولا إشارة، ونحن في حيرتنا أقبل علينا وجه مبتسم اسلم علينا سلام المسلمين وعمل معنا مترجما لدقائق ثم ودعنا بالدعاء. وكان وجها من لبنان تعلوه لحية وقورة طيبة وكأنه كان يرمقنا من طرف خفي فلما رأى حيرتنا عطف علينا فترجم. ثم طوته الذاكرة خلف المحيطات ، جمعنا الله به وبالمسلمين في الجنات. وهذه الأرض لا تذكرنا إلا بالجنات ونعيمها. فأهلها يتقلبون بين كرم الغابة وكرم المحيط. والدنيا لا تسلم من بلاء فتبالغ الغابات أحيانا في الكرم مستعينة بالسحاب فيغرق أهلها، وكذلك المحيطات تبالغ في كرمها فيأتي الطوفان. وهم يتنقلون بين هذا وذاك. وكنت أقول أن الجزيرة في حيرة من أمرها لا تدري أين تتجه ، وفي تصويت قريب مالت الكفة لمن يريد الانضمام لأمريكا كولاية، وهذا يمنحها ميزانية سنوية من الحكومة الفيدرالية فتتسع الطرق ويكبر البنيان وتأتي الشركات الكبيرة بالمال فيغتني أناس ويفتقر وآخرون. وكان من قراءتي عن هذه الجزيرة أن التعليم فيها باللغتين الإنجليزية والأسبانية لكن الناس فيها يرون أن الإنجليزية غريبة عليهم وبعضهم من قاومها وترى بعد كل هذه السنوات من الاستعمار كيف لم تستطع الإنجليزية التغلل والتغول "بعد" وأقول "بعد" يقينا لأنها قريبا ستفعل. والإنجليزية إذا أتت لن تأتي وحدها كما يظن الكثير بل سيأتي معها الثقافة والطباع والعادات إلى آخره. وعلى كل حال ليس لدى هذه الشعوب ما تخسره مقارنة بشعوبنا فالأخلاق في غاية النزول، لكنهم قد يخسرون التماسك الأسرى الذي يميز كثيرا من الشعوب اللاتينية. 


https://drive.google.com/uc?export=view&id=1PUjPhF_8yaJ_qEBP6sQDlYcbZYLG6BG4https://drive.google.com/uc?export=view&id=1I7DRbviZCwskjdcvrtM9KiZAUgN65vnghttps://drive.google.com/uc?export=view&id=1no6qlT02Qm2peCo05qmJkb4PWUzeWh1dhttps://drive.google.com/uc?export=view&id=1G61uaxlUCKJ1xFIHLxQQfZT6Z-vo2u0u

https://drive.google.com/uc?export=view&id=1Dyl2_c-fAjyxAA6b-n-LaL4PLxAmJ9bKhttps://drive.google.com/uc?export=view&id=1Al5PJ6au1BHvgdCNCJCtcYwbjx2H7KQ2

صلاة في لاس فيغاس

الصورة التقطتها في رحلة عابر لـلاس فيقاس


حوض سمك مليء بالحياة في الشمال منها ، إضاءة زرقاء خافتة تدعوك للإسترخاء. إنها غرفة أنيقة تستحق الاسم الذي أطلق عليها " meditation room ". خالية أغلب الوقت. وحين أجد فيها أحدا عندما أذهب إليها للصلاة أجده أبعد ما يكون عن التأمل. دخلت ككل يوم وقت صلاة الظهر، غرفة التأمل بإضاءتها الخافتة ، فتاة في صدر الغرفة تعبث بجهاز بين كفيها ، كل ما أراه بوضوح هو جهاز صغير ويدين تمسك به. قلت مستأذنا هل يمكن أن أصلي هنا ؟!  ردت بالإيجاب والتأكيد ،شكرتها وشرعت في صلاتي ، أنا اقرأ الفاتحة وهي تمطرني بعدد من الأسئلة، ثم صمتت، أشعرتني بالحرج وأنا أصلي. سلمت من الصلاة ، بادرتني .. " إنها رائعة .. لقد تابعت صلاتك كاملة .. هل هناك مشكلة في ذلك .. الحقيقة إنني أحببتها ! " ، 

أخبرتها أن هذه الصلاة واحدة من خمس أصليها كمسلم .. وأشعر بالسعادة معها .. 

هذه الحياة المليئة بالركض واللهاث والكدح .. جحيم لا يطاق دون هذه الدقائق من السكينة والهدوء ، وهؤلاء من حولي الذين يملأون المكان يتنافسون على الإنجاز والنجاح .. ما أجمل لو كانت حياتهم مضاءة بهذا التأمل الحقيقي الذي لا يحتاج غرف خاصة ولا حوض سمك ولا إضاءة خافتة .. يحتاج قلبا مؤمنا يحمد الله على هذه النعمة وهذه المنحة وأرضا طاهرة ودقائق قصيرة ! .. إنها واحات غناء في صحراء الحياة القاحلة ، نحن بدونها ظمأى .. حيارى تائهون .. نحن لا شيء بدونها .. 

ساعات قضيتها أسير في شوارع المدينة الصاخبة ، المزدحمة بالحركة والناس والعمران.. أشعر أنني سأختنق ، سأموت.

المادية هنا تطغى على كل شيء ، الصورة والمظهر هي الغاية هنا ومن أجلها تتدفق هذه الأعداد الهائلة ... جريا خلف المتعة المجردة والمال .. أشعر أن هذا المكان قطعة من العذاب ، يضيق صدري .. أجد زاوية هادئة أمام بناية تنشأ ، لا أقدام تطرق هذا المكان .. أتوضأ من علبتي الصغيرة ، .. أردد الأذان بهدوء ، أصلي ... أشعر أني رحلت إلى مكان آخر ، تزول كل السموم الجاثمة على صدري .. وأنصرف من الصلاة  شخصا آخر مختلفا  .. إي والله !




لاس فيقاس ١٤٣٣ هـ 


سبعة كتب - ٥

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.



١) العطر- باتريك وسكيند

هذه رواية شهيرة جدا جدا. وأنا منذ فترة لم أقرأ رواية وأعود للرواية بين فترة وأخرى محاولة للانغماس في كتاب. وهي في الحقيقة رواية جميلة ولطيفة أبدع الرواي في إبتداع ما لا يبتدع في حديثه عن الرائحة. وأذكر تعليقا لعبدالله الهدلق يقول إنها رواية معجزة.


٢) منجنيق العرب - فؤاد الهاشمي

الكتاب مدخل جميل لمعرفة الإمام ابن حزم رحمه، حياته، والسياق المعرفي الذي نشأ فيه، وبعض ملامح شخصيته ومؤلفاته وشيوخه. وأحال كثيرا لكتاب ابن عقيل الظاهري - أمد الله في عمره وعافيته- في سيرة ابن حزم. اقتنيت الكتاب من معرض الرياض للكتاب قبل سنوات ورافقني في تنقلي على مدى خمس سنوات حتى قرأته قريبا. كتاب يستحق القراءة.


٣) : أخلاق الطبيب: رسالة لأبي بكر الرازي إلى بعض تلاميذه:

والكتاب رسالة إلى تلميذ من تلامذته بعد أن علم أن هذا التلميذ وُكّل بأن يكون طبيبا لأحد الأمراء. وفيها نصائح في الأخلاق والتعامل مع الأمراء وغيرهم من الناس. وهي بمثابة كتاب في “الأخلاقيات الطبية” بالاصطلاح المعاصر. فهي يوصي مثلا بعدم إفشاء الأسرار أو كشف ما لايلزم من العورات. وأن يدع الكبر والعجب والترفع عن الناس. وأن يطبب الفقير كما يطبب الغني. وأن لا يتجاوز في العلاج “العرف الطبي” و “أصول الصناعة”. وهي رسالة قصيرة.


4.Doctors For The Kingdom


وهو كتاب فيه يوميات من البعثة التبشيرية الطبية في البحرين وتحديدا زياراتها للسعودية في بداية تأسيس المملكة. والكتاب أشبه ما يكون بتقرير للأحداث أكثر من أي شيء آخر. وقد كنت أرجو أن أجد فيه تفاصيل وأفكار. والكتاب لم يذكر أي شيء عن الأهداف التبشيرية أبدا. وما زال للإرسالية مستشفى قائم في البحرين إلى هذا اليوم إذا لم أكن واهما وقد شاهدته في زيارة عابرة للبحرين قبل سنوات. وفي الكتاب صور للفريق الطبي مع الملك عبدالعزيز والملك سعود وغيرهم.


٥) خواطر الصباح - عبدالله العروي.

الكتاب مذكرات قصيرة يومية كتبها العروي بين ١٩٦٧ إلى ١٩٧٣ م. وفيها أفكار متفرقة غالبها في السياسة وخصوصا ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي. والكاتب في أفكار للمؤلف على هامش الحرب المصرية الإسرائيلية وخيبة المؤلف من كل مشاريع العرب السياسية. وهو كتاب خفيف.


٦) كرة القدم بين الشمس والظل - إدوارد غاليانو

لست مهتما بكرة القدم خارج نطاق الممارسة الشخصية ، وليس لي علاقة بها إلا عن طريق سماع خلافات ونقاشات بعض الأصدقاء الحادة. إلا إنني وجدت نفسي أقتني هذا الكتاب لسببين : وجود الاسم الجميل " صالح علماني " كمترجم للكتاب. هذا الأمر الأول الذي دعاني لاقتناء الكتاب .

أما الأمر الآخر فهو لأن المؤلف ينتمي إلى " الأوروغواي" . وهذا لأن هناك شيء ما يجعلني أشعر بالقرب من الشعوب اللاتينية ، وربما رأيت في الملامح اللاتينية وجوها عربية وسحنات عربية وسمرة عربية.

أذكر إنني قبل سنوات طويلة قرأت مقالا في مجلة عن علاقة الرياضة بالسياسة ، فكان صادما لي حين كنت أظن الكرة مجرد " لعبة " يطاردها اثنان وعشرون مستمتعين عاشقين ، فإذا الأمر مختلف جد مختلف. ومع " طفرة " التعصب الرياضي أدركت بالنظر ، كثيرا مما وقف عليه المؤلف الذكي والمقتنص في تاريخ هذه الكرة وأسرارها وخفاياها وعوالمها المظلمة . أقول رغم أن المتأمل يدرك أن الكرة ليست مجرد كرة ، لكن يبقى للمعلومة الموثقة بهاؤها ورونقها وجمالها . فكيف بالمعلومة إذا رافقها صياغة بديعة وقلم أديب .

وبين دفتي الكتاب سيتفأجا المتابع الرياضي الملح ومن يزعم أنه يعي أسرار الكرة من جماهيرها ، من حجم الزيف والخداع ، ومن عبث رأس المال به وبفريقه وبلاعبه المفضل ..


٧)عسير قبل الحرب العالمية الأولى : كورانساليس

الكتاب مليء بالأخطاء. والمحقق لم يبذل جهدا في التوضيح ولا في التعديل. ومن لديه أوائل معرفة بمنطقة عسير وأسماء القبائل والأعلام لا يمكن ان تمر عليه الأخطاء الفادحة الموجودة في الكتاب. ومع هذا هو شاهد على تغلل الاستشراق وتدوينه للتفاصيل.

هذه سبعة كاملة. ولعلي أستمر في تدوينة مماثلة بين فترة وأخرى إذا كتب الله ويسر.

فيرجينا ١٤٤٢ هـ

سبعة كتب - ١

سبعة كتب - ٢

سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

لو أردت أن أكون شاعرا لفعلت ..


لو أردت أن أكون شاعرا يشار له بالبنان لفعلت لكنني تركت ذلك لعدة أمور. وقبل أن أسير في الحديث أود أن أقولك لك أن هذا الأمر قد لا يهمك فهذه التدوينة قد لا تنفعك وهي حديث عابر مما قد أحكيه لصديق يشاركني حب الأدب والشعر. وقد أعذر من أنذر :)


دخلت على خجل مجامع الشعر والشعراء وكنت أجلس في طرف المجلس اتأمل، وأحيانا أجد نفسي في صدره ألقي ما لدي من شعر لكنني تركت هذا لعدة أمور، أولها: غلبة النفاق والتمادح على الشعراء، والشاعر الجيد هو نرجسي بطبعه. ولن يشاركك الشاعر قصيدته وشعره إلا واثقا من أن لديه ما يستحق أن يسمعه الناس. ولذلك لا يريد منك إلا مدحا وثناء. هذا الشاعر الجيد أما غير الجيد فهو أخذ من هؤلاء نرجسيتهم مع جهله برداءة وخسة شعره. فيجمع عليك ثقل الشعر الرديء والنفس الردئية. وربما استشارك أو استنصحك فإذا صدقته ثار ومار وهاجت نفسه وماجت. وهذا الجو الرديء المريض لا يصلح لي. 


وثانيها أن جل من يسمع الشعر لا يفهمه. وربما ألزمني بعض من أحب من الأصدقاء على إنشاد الشعر فأفعل وأنا على يقين أن شيلة ردئية ألذ إلى أكثرهم من قصيدة كتبتها في لحظة صفاء أو حزن أو لوعة .. إلخ. 


وثالثها أن الشعر يُلزمك الاستغراق في التجربة، ومعنى ذلك أن تعيش اللحظة الحالمة، أو تستمطر الحزن أو البؤس أو المعاناة أو الحرمان أو البهجة أو الاندهاش … إلخ. وأنت إذا فعلت ذلك واسلمت قيادك للشعر وما يطلبه منه صار ذلك عادة وطبعا. وهذا شيء لم أعد أطيقه. وهو فوق ذلك يفقدك القدرة على التفكير السليم والنظر النقدي الصحيح. 


على أني مع ذلك أتلذذ بكتابة القصيدة حينما تلح القصيدة علي. ويخرجني مما أنا  فيه قصيدة محلقة، وأطرب لإنشاد الأشعار مع الأصدقاء ممن يفهمون الشعر سواء مما نقول أو ننقل. 

ولو قلتَ: هل هذا هجاء للشعر والشعراء؟ قلتُ لك : لا. بل نظرة شخصية مجردة قد تقبل وقد ترد، وهي كذلك قد تتغير مع الزمن. 


لماذا تتحجر قلوب الأطباء أمام الموت؟

تخرجت من كلية الطب قبل عام ١٤٣٣-٢٠١٢. رأيت الكثير من القصص المحزنة، وضعفت نفسي أمام كثير من الأحداث والمواقف. في زوايا الذاكرة زوايا ما زلت أذكرها حيث دمعت عيني فدافعتها فدفعتها، أو غلبتني عيني فذهبت حيث لا يراني أحد فبكيت حتى ارتويت. لا أنسى الفتاة السمراء في التاسعة من عمرها في مدينة الملك فهد الطبية. جاءت للمستشفى صبحية يوم عيد الأضحى وقد أصابتها جلطة في المخ فصارت يدها هامدة لا تتحرك ورجلها كذلك. كنت أتحدث معها غافلا لكنني تهاويت حين رأيت الحناء على كفيها. كانت تنظر إلى كفها الهامدة دون أن تعي لماذا اختارت يدها ألا تتحرك!. منظر الحناء على اليد الهامدة أصاب تماسكي في مقتل. فبكيت كطفل. مرت السنوات وما زالت صورتها في ذهني تتكرر. مات أمامي بعدها - حال كثير من الأطباء - عشرات وربما مئات. يمر بعض هذه الوفيات مرورا عابرا لا يكاد يبقى في الذاكرة منه شيء. وربما صعب على غير الإطباء إدراك هذا المعنى لكن نعمة “التأقلم” والتعود من فضل الله العظيم على العقل البشري وإلا استحالت حياتنا إلى جحيم لا يُطاق.

أقول تمر بعض الوفيات مرورا عابرا وبعضها يعود كالمفاجأة ، كالتجربة الجديدة، كالشيء الذي لا تعرف!

اتصلت علي ممرضة في مناوبة ما تقول: لدينا مريض توفي قبل ثواني، هل يمكن أن تأتي لتأكيد الوفاة؟. اتجهت للغرفة بلا مشاعر وكانت ساعة متأخرة من الليل. كان الميت يحدق في السماء، وقعت عيني علي عينيه. شعرت أنه يحدق فيّ.. صرفت عيني ووضعت سماعتي على صدره. كنت على يقين تام أنه متوفي لكنني كنت أتوهم أن قلبه ينبض. أعدت السماعة على صدره أكثر من مرة وقد أحاطت بي رهبة عميقة ووحشة قاسية. أدركت بعدها أن قلبي الذي كان ينبض وكان صدى نبضات قلبي يصل لسماعتي. كان ذلك موقفا موحشا ولعل نظراته الميتة التي اخترقت عيني هي ما أحاطني بكل هذه الوحشة.

قل لي ما الذي يربط الأنفس بالأنفس؟ وما الذي يجلعنا نتوقف لنسمع القصص؟ كيف نرى الأسرار في عيون ولا نراها في عيون؟. كنت أرى هذه العجوز الطيبة كل يوم كما أرى غيرها من المرضى. كان الحديث كل يوم عابرا قصيرا فهي مع ألمها وجراحها في شغل. في منتصف يوم اثنين هاديء ساكن كنت أسير بلا هدف، فصادف ذلك مروري بجوار غرفتها فطرقت الباب ودخلت لا أدري لما فعلت ذلك. كانت هادئة ساكنة.

قلت لها : كيف حالك اليوم؟

قالت: أنا في غاية الألم.. لكني بخير. وسأكون بخير.

- اسألي إن كنت بحاجة إلى شيء!

- لا! أبدا. بارك الله فيك! لكن قلي: هل أنت مسلم؟

- نعم!

- عرفت ذلك! هل تدري إن حفيدي في السجن؟!. هو في السجن بسبب جريمة كبيرة. ما كان أشقى ذلك الفتى واقساه! زرته قبل عدة أشهر فرأيته بغير الوجه الذي أعرف. لا أدري كيف أصف لك ماذا حصل. لكنه كان مختلفا تماما. سألته يا فلان. ماذا حل بك؟ تبدو شخصا آخر. قال: عرفت الإسلام فأصبحت مسلما!

لكن قل لي يا دكتور هل لديك أسرة وأطفال؟ أنا متأكدة أن لك زوجة جميلة وأطفال رائعون؟ أليس كذلك؟! بارك الله فيكم. بارك الله فيك. أنت رجل طيب..

- نعم لدي زوجة وطفلان.

- عرفت ذلك. بارك الله فيكم. أتعرف لدينا جميعا هم واحد مشترك. آه أشعر بألم شديد لكنني سأكون بخير أعرف ذلك بل متأكدة.

نظرات هذه العجوز ما زالت تخترق قلبي. صرت أتعمد ألا أزورها لأنني أحاط بغمامة رمادية من الحزن والشفقة كلما اقتربت منها. فالعلم الجاف يقول لي أن مدتها في الحياة قصيرة ومحدودة. اسأل الله لك الشفاء يا سيدة “اتش”. قبل ذلك بفترة قصيرة كانت تتكرر على المستشفى عجوز أخرى طيبة (السيدة دبليو) ، كان لا تمل من الحديث وكانت ظريفة ذات نكتة حاضرة. تكررها على المستشفى بسبب جراح تظهر في مرضى الكلى أحيانا. كانت دائما متفائلة وباسمة وساخرة من الحياة وتبحث عن أي خيط تمسك به ليبدأ حديثها الذي لا ينقطع . تحسنت جراحها بتدرج وبطء فزادها ذلك تفاؤلا ثم اختفت وانشغلت أنا في أقسام أخرى خارج التنويم. رجعتُ للمستشفى فإذا هي في غيبوبة دائمة .. توقف الحديث، ذهبت النكتة، انطفأ التفاؤل.. اختفى كل شيء. وما زال جسدها الضعيف يتعلق بالحياة لكن بعد ان اختفت كل المعاني. حزنت كثيرا حين رأيتها في هذه الصورة. صرت أحاول تشتيت أفكاري حين أقلب ملفها الطبي. إن المستشفيات مليئة بملاحم إنسانية لا تنتهي، وقد كنت بداية معرفتي بالطب أعجب من التحجر العاطفي لدى بعض الأطباء ثم أدركت أن الطبيب يجب أن يتحجر وإلا مات كمدا.

أشياء كثيرة على طاولتي. وهذا تعبير انجليزي كناية عن تراكم الأعمال وكثرتها. وطاولتي مليئة بالأشياء التي لا تكاد تنتهي. أغالبها وتغالبني وتتكاثر علي حتى يكاد رأسي ينفجر ، فأكر عليها فإذا هي من أمس الغابر فارتاح قليلا ثم يعود الأمر كما كان. ولا تزال الحياة كلها كر وفر ومد وجز حتى يلقى الإنسان أجله. وتمر بي لحظات يداهمني فيها سؤال في غاية القسوة: ثم ماذا؟ فأشعر بالضياع. ولعل ذلك بسبب أن لدي - بشكل عام - عزوف عن كثير مما يُتسابق عليه. والحياة لا تزداد إلا قبحا، والشر يزداد غلبة. وهذه مشاعر عابرة لا تغلبني بفضل الله وإن كنت لا أزال أقول ساخرا لبعض من أحب: أنا متشائم في العموم، متفائل على الخصوص. وأعني بذلك إن العالم كله دعوة صارخة للكآبة والتشاؤم. فالقيم تتلاشى. والخير ينحصر في الزوايا والأخبية، والأرض تتهيأ للدجال. ولا يخرجني من لحظة الضياع هذه إلا إيماني أن الحكيم الخبير له حكمة من كل هذا. وان الحياة مليئة بالمباهج والتفاصيل التي إذا تأملها الانسان خرج من ركام الكآبة التي لا أشك أنها لابد أن تمس كل عاقل حكيم. ومن نعمة الله علينا أن عقولنا مفطورة على الغفلة والنسيان. وقد يكون من أحسن ما يحسن الإنسان به إلى نفسه أن يتأمل في الأشياء الجميلة والحسنة، ويتتبع واحات الخير في هذه الصحراء القاحلة. ويلاحق مواقع القطر فيرى العشب الذي ينبت ببطء وبهجة، فيبتهج. وما من عاقل إلا وهو يخدع نفسه كما يقول ابن المقفع.

ربيع الأول ١٤٤٢

سبعة كتب - ٤

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.


١) مذكرات سائح في الشرق: أبو الحسن الندوي

المذكرات من ألذ الكتب. وقد تمنحك قراءة من الحكمة والتجربة ما لا تجده في غالب غيرها من الكتب. غير أن هذا الكتاب ليس من نوع المذكرات التي تعجبني. لا تشدني المذكرات التي تروي الأحداث اليومية فهي إذن يوميات والقيمة فيها قليلة. وكذلك كان هذا الكتاب. أعجبني لقاؤه السريع بمحمود شاكر وباحمد أمين. وصور الكتاب جانب من تدفق الحياة الثقافية والتنوع العميق الذي يتلاشى.


٢) السكك الحديدة السرية: بولسون وايتيهد

إن كنت لا تفهم الصراع العرقي في أمريكا فاقرأ تاريخ العلاقة بين السود والبيض في أمريكا. واقرأ تاريخ العبودية الذي قد يكون من أسوأ الجرائم التي ارتكبها مجتمع كامل في تاريخ الإنسانية، والرواية تبدأ أحداثها في مزرعة سيد أبيض مليئة بالسود العاملين فيها وتحاول أن تحاكي الطقوس اليومية وأصناف العذاب التي تُصب على هؤلاء المساكين الذي أخذوا عنوة من ديارهم. والطفلة - الشخصية البارزة في الرواية - عرفت العالم قبيحا متوحشا وحاولت الهرب من قسوة الأبيض السيد فانفرط عقد من المآسي والأحداث القاسية.

والرواية تبقى رواية لكنها جزء من صورة شاملة تشكل فهم السود للعلاقة الحالية والتاريخية بينهم وبين الأبيض. وإن كنت تظن أن الصراع العرقي في أمريكي مؤقت ومتعلق بالخلافات السياسية بين الأحزاب فتأمل في ظنك هذا وراجعه. فالمسألة شائكة ومعقدة وسيبقى هذا الصراع طويلا. ومهما ارتكب السود في مظاهراتهم من جرائم فالتاريخ والواقع - مع الأسف - مليء بالمبررات ليزدادوا عنفا وجريمة مع أي دافع.


٣) أوراق العمر - سنوات التكوين: لويس عوض:

عرفت لويس عوض عن طريق “أباطيل وأسمار” لمحمود شاكر رحمه الله. وقد سلخه محمود شاكر سلخا وعراه، ورغم العلاقة الحادة بينهما إلا إن لويس عوض لم يذكر محمود شاكر في هذا الكتاب ( أكثر من ٦٠٠ صفحة ) إلا مرة واحدة بتلميحة ناقدة.

ولا أبريء نفسي فقد كنت أقرأ هذا الكتاب وأنا تحت سطوة محمود شاكر ورأيه في لويس عوض وفي كل حال الكتاب ليس أطروحة أدبية بل كان يروى فيه حياته ومذكراته منذ طفولته. وفيه صورة الأسرة المسيحية في المحيط العربي وكيف ينشأ الشاب المسيحي العربي مختلفة عنه. وفيه رصد تاريخ موجز ومتفرق للأحزاب السياسية المصرية والحالة قبل سقوط الملكية. والعلاقة بين البلاط والأحزاب والمثقفين. واستظرفت كثيرا حرص العقاد على دعوة لويس عوض بـ”يا مولانا”، ونفسه لويس عوض كان يستغرب من هذا النداء.

وقبل أن تقرأ هذا الكتاب اقرأ كتاب أباطيل وأسمار لمحمود شاكر وتأمل علو اللغة وروعة البيان وسطوته وخصوصا عندما يكون بيد من رزقه الله العلم والفهم.

٤) قراءة القراءة - فهد الحمود

كتاب خفيف لطيف. وفيه إشارات لطيفة متعلقة بالقراءة. يذكرني بالقراءة المثمرة للبكار. والقراءة السريعة وتنمية الاستيعاب للرفاعي، والمشوق لطلب العلم للعمران. وفيه من الثلاثة.


٥) لماذا نحن هنا؟ - إسماعيل عرفة.

في تصوري أن الكتب التي تتحدث عن مسائل الإيمان والشك ووجود الله .. إلخ. تصلح لمن قد تورط. ولا تصلح لمن لم يُبتلى بهذه التساؤلات. وهذا الكتاب يضاف إلى كتب كثيرة في هذا المجال وقد اجتهد المؤلف جزاه الله خيرا في تقصي أكثر الأسئلة التي تعرض على كثير من الشباب. وكثير منهم يقف ولا يقرأ ولا يبحث عن إجابات. ويميزه عن كثير من غيره من الكتاب المعروفة في هذا المجال هو استدلاله بدراسات وعلماء معاصرين ممن له رأي معارض للتطور وعدم وجود خالق. وله كتاب آخر اسمه الهشاشة النفسية لم اطلع عليه بعد.


٦) العلماء العزاب: عبدالفتاح أبو غدة.

وهو كتاب خفيف ظريف في ١٥٠ صفحة تقريبا. وكان باعث المؤلف على تأليف هو رغبته في تنبيه الشباب على غلاء العلم عند العلماء وحظوته في نفوسهم. وهذا الكتاب أبعثه للأصدقاء العزاب من باب التطمين والتثبيت - والسخرية أحيانا -. وقد قرأته قبل سنوات طويلة وأعدت قراءته قريبا ففيه فرائد وأبيات جميلة وهو متوفر على الشبكة. ومن العجيب أن لويس عوض في كتابه السابق ذكره أعلى هذه السطور، كان يروى عن أحد أساتذته في كامبردج كيف وبخه أشد التوبيخ حين علم برغبته في الزواج ، لأن الجمع بين العلم والزواج لايمكن - أو شيء قريب من هذا-!.


٧) بنات إبراهيم: الفكر النسوي في اليهودية والمسيحية والإسلام

مجموعة مقالات من ترجمة عمر بسيوني وهشام سمير.

أغبط الباحثين في الجامعات الغريبة على ثقتهم المفرطة وتقحمهم مباحث فكرية لا تبلغ معرفة بعضهم بها معرفة طالب علم متوسط المعرفة. لكنها الجرأة على التأليف وحرية الرأي والجلد والاعتداد بالذات. ولو كان لدى بعض من أعرف من أصدقاء وأحباب بعض هذه الثقة، لرأينا نتاجا يفوق جودة ما يكتبه هؤلاء. والكتاب مجموعة مقالات ليس فيها في تصوري إضافة تستحق. ولا أدري ما الذي أعجب المترجمين في هذه المقالات ليترجموها. وقد كانت مقدمتهما أكثر قيمة من مقالات “الباحثات”!.

هذه سبعة كتب. ولعل أستمر في نشر تدوينة مماثلة بتيسير الله وعونه..

صفر ١٤٤٢ هـ

فيرجينيا

____________________________

سبعة كتب - ١

سبعة كتب - ٢

سبعة كتب - ٣

رحلتي إلى الآسكا - ٩ (الأخيرة)

لم يقتحم أحد باب غرفتي وأنا نائم. وإطلاق النار ليلة أمس ذكرني بطبيب سعودي قابلته صدفة في مسجد وسط مدينة شيكاغو. قَدِم هذا الاستشاري غفر الله له حيا أو ميتا لحضور مؤتمر، لكنه حين رآني وعرف أنني من بني جلدته، انطلق في الحديث، ثم استطرد فيه، ثم مشى معي إلى الباب، ثم تغدينا سوية، ثم -ولا أدري كيف فعل- أخذني إلى أخطر أحياء شيكاغو ليشتري هارديسك قرأ في الجريدة أن عليه خصم كبير. دخلت أنا وإياه الحي بالباص وكنت قبله أتجنب ركوب باصات شيكاغو. ثم نزلنا إلى السوق المقصود. وقد كانت الأنظار علينا في الباص، وحين نزلنا منه، وأثناء وجودنا في السوق. ومع بالغ الأسف لم يجد الشيخ مبتغاه. فاستأذن أنه سيذهب للحمام على أن نلتقي في هذه النقطة من السوق. ثم اختفى!. وأنا والله لا أدري أين هو إلى يومي هذا!

بقيت أنتظر وأنتظر لعل الرجل يعود فما عاد. ولم يكن معه من فرط حرصه وشدة قبضه على المال وسيلة للاتصال. فلما طال الأمد طلبت سيارة تعيدني إلى شيكاغو. فجاءت السيارة تقودها سيدة سمراء. فما إن ركبت حتى سألتني: مالذي أتى بك هنا؟ فأجبتها إجابة عامة، وإلا قد كان يليق أن أقول : الحمق والبلاهة!. فقالت ما معناه: والله إنك منت صاحي. أتدري أنك في مكان قد يتخطفك الناس في وضح النهار. فقلت: أدري ولكن! .. ولم أحر جوابا.

عدت بفضل الله إلى شيكاغو لكن العربي بداخلي ما زال يؤنبني ويقرعني على تركي الرجل حيث كنا. فاتصلت على سالم الفيفي. فكان أشد مني عروبة وحمية. وربما ”شيء آخر“ فقال : قابلني الآن!. فنزلت إليه فأخذنا سيارة أخرى إلى وادي الذئاب وقد غربت الشمس. وطلبنا السائق أن ينتظرنا، فقال: ما أنا بمنتظر إلا إن بقي أحدكم معي. فنزلت أبحث عن الرجل وانتظر سالم. فكدت أقلب السوق علبة علبة وكيسا كيسا، فما وجدت له أثرا ولا أدري أهو فوق الأرض أم تحتها!. وإن مات فهو شهيد الهارديسك. غفر الله لنا وله.

خرجت من هذا النُزل الذي كنت فيه. واتجهت جنوبا الى مدينة ” وتيير“ وهي تبعد ساعتين تقريبا من أنكوريج. وكانت في السابق ثكنة عسكرية. وبها سجن قديم. وهي تقع خلف جبال ضخمة ولا يمكن الوصول إليها إلا بنفق كسم الخياط يخترق جبلا أصما عظيما. وطول النفق ما يقارب ٤ كلم. لايمكن أن تعبره سيارتان متقابلتان. فالسير فيه متبادل بين المقبلين والمغادرين. والقطار قد يأتي فيتوقف الجميع. والمدينة صارت وجهة للناس للجمال العجيب والطبيعة الساحرة. وبها سفن ومراكب تأخذ الناس إلى الأماكن المنقطعة.

قضيت في المدينة يومي كله حتى اقترب المساء فعدت ولم أقرر بعد أن سيكون مبيتي هذه الليلة.

وعلى امتداد الطريق ترى البيوت المتنقلة ينام فيها أصحابها، وهي عادة مألوفة ومنتشرة في أمريكا. وهناك محطات مهيأة لأصحاب البيوت المتنقلة تؤجر بمبالغ بسيطة للعابرين والسائحين.

وجدت في الطريق سيدة تبيع ”التشاي“، وهو أقرب ما يكون للكرك - المشروب المعروف -. فقالت إن صاحب المحل من أوروبا الغربية وهذا المشروب منتشر في هذه المنطقة خصوصا في فصل الشتاء. وكانت تبيع معجنات أشبه ما تكون بالمعجنات الشامية والتركية.

وأنا جالس في مقهى هذه السيدة وجدت مكانا بالقرب يملكه شيخ وعجوز، فاتجهت إليه. فكانت دارا في غاية اللطف والرقة. كأنما نما مع الطبيعة حين نمت. وكانا في غاية التدين المسيحي. فتجد الإشارات الدينية في كل زاوية. حييته وحياني. لكنه ما لبث أن أخذني في الحديث حول الأديان والسياسة وإيران واليمن وأسامة بن لادن وداعش. وكأن الرجل خشي على نفسه فأراد أن يطمئن. فطمنته حتى تطمن. لكن لم يزل في شك في ما هو الإسلام الصحيح بين الخيارات الموجودة. سألته إلى أي مدرسة مسيحية ينتمي فتهرب بذكاء وقال أنه لا ينتمي إلى أي مدرس. وقد كذب. وقلت له أن يقرأ القرآن.

كانا لطيفين رغم أنني لم أحتج منهما إلا القهوة في أوقات غير معتادة. مثلا الساعة السابعة مساء. وكانت قهوة طيبة. قضيت في دارهما يومين. وقد وضعا نسخة من الإنجيل على طاولة الغرفة هدية للزائر. ودفترا لتكتب فيه ما تشاء فكتبت لهما آية سورة الحجرات: ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفو، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير“.

كل شيء إلى زوال. وكل الأشياء تنتهي. كل اللحظات تتلاشى. كل المشاعر تختفي. لا شيء يبقى إلا وجه الله سبحانه. رحلتي غدا إلى واشنطن. وكأنما وصلت هنا الأمس. ورغم وضوح حقيقة زوال الأشياء إلا أننا قليلا ما نراها جلية وواضحة. ولذلك نحزن عند الفراق. وتؤلمنا وفاة حبيب. ونفرح باللقاء. ولو أننا نستحضر حتمية الرحيل عندما نلتقي لما سعدنا باجتماع.

وهذه الأرض العجيبة تذكرني بالثراء الذي تملكه أمريكا في كل شيء. وآلاسكا كغيرها من الأراضي الأمريكية أرض من ذهب. والفجوة التي بين أمريكا وغيرها من البلدان ليست فجوة في المعرفة والعقل فقط بل في الثروات والتنوع الذي لا تكاد تجده في مكان آخر. ومن الطريف أن هذه الولاية الفائضة بالثروات، اشترتها أمريكا من روسيا بمبلغ زهيد فهي من أغبى الصفقات في التاريخ. وروسيا أقرب إلى آلاسكا من معظم الأراضي الأمريكية!

على أن الفقر تراه في ملامح الناس في هذه المدينة وبعضه بسبب المخدرات والرغبة في البقاء في عالم الوهم. فوسط المدينة مليء بالسكارى والمشردين. ولا أظن أنني رأيت هذا المنظر في أي مكان آخر في أمريكا.

كانت هذه آخر سطور كتبتها قبل أن تقلع رحلتي إلى واشنطن مرة أخرى.

جربت فيها نمطا من الكتابة لم أجربه من قبل. فإن وجدت فيها خيرا فخير وإن غير ذلك فالعذر عند كرام الناس مقبول!. وسأتبع هذه التدوينة بتدوينة منفصلة في الأيام القادمة لصور التقطتها من أماكن متفرقة.

واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب.

١٠ محرم ١٤٤٢ هـ

رحلتي إلى آلاسكا - ٨

 سألني صديق. ما الذي دفعك للسفر وحدك؟ 

أحمد الله الذي منحني عددا لا ينتهي من الأصدقاء والأحباب. وعدد أكبر ممن أعرف معرفة قريبة. وآنس بالسفر مع الأصدقاء والأحباب. ويساورني الشك في كل من يشتكي من خيانة الأصدقاء لأن الناس الطيبون كثيرون جدا.  لكن الوحدة لها لذتها وطعمها الخاص. لا تٌثقل ولا تَستثقل. وأنا بطبعي لا أحب السياحة - بشكلها المعروف- ولا أحب كثيرا السفر المخطط له. وأكره أن أغدو إلى متحف وأروح إلى حديقة وأبيت في فندق فخم. وأسكن حيثما أتفق ما لم أكن مسافرا في رفقة زوجتي وأبنائي. وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم يدعو أن يعيش مسكينا ويموت مسكينا وأن يحشر في زمرة المساكين، ونمط السفر  هذه الأيام فيه من كل شيء إلا المسكنة. ومن مزايا الوحدة في السفر أنك تنجز ما تريد أن تنجز وتدع ما تريد أن تدع. قد تصحو صباح يوم فتقرر أن تقضي يومك حيث أنت بلا حراك ولا عمل كفقمة ممتلئة على شط المحيط الهاديء. أو تصحو فتجد نفسك تحت رغبة ملحة لقراءة كتاب أو كتابة شيء، ومن يقنع رفاق السفر المتطلعين للعالم بأفكارك الكسولة! 

الكاتب يكتب ليقرأ الناس. ولا تصدق من يقول أنه لا يهتم قرأ الناس أم لم يقرأوا. فهل تتصور أن يخطب خطيب في الفضاء الفسيح ويلقى خطبه كل يوم وهو لا يهتم سمعها أحد أم لم يسمعها؟! 

فالكتابة نشاط اجتماعي متكامل. ولا أجمل من القدرة على الكتابة إلا إدراكك أن هناك قاريء جيد يقرأ كتاباتك في خلوته فتوقد في ذهنه فكرة أو تصنع في يومه أثرا. الكتابة - مرة أخرى - كأبريق من الشاي. تبدأ بتنسيق مكوناته بعناية فائقة للحاضرين، وتتركه أحيانا يتقلب على نار هادئة حتى ينضج. ثم تسقي الحاضرين وتتأمل ملامحهم مع الرشفة الأولى. سيقول لك أحدهم أنه متقن، ويقول لك آخر أن يحتاج إلى قليل من السكر ويقول ثالث أن يحبه أقل تركيزا. ولكل كاتب نكهة مميزة لا تُنسى. وربما قرأت َ نصا للجاحظ غير منسوب في كتاب ضخم فترى روح الجاحظ تتسلل من بين حروفه. وغيره كثير. وسعدت كثيرا بالرسائل التي أتتني تفاعلا مع هذه التدوينات من بعض الأصدقاء وممن يمر على هذه المدونة من قراء كرام. 


وعودا على ما نحن فيه، عدنا برعاية الله ووصلنا للمطار فطن جوالي بطنين اتصال صاحبنا. وكان قد عَقَدَ الأيمان المغلظة أن العشاء سيكون عنده هذا اليوم. ذهبت حيث أنزل وتخففت من ملامح السفر وانطلقت لبيت صاحبي الذي لا يبعد عن مكاني أكثر من عشر دقائق. فإذا سفرة عامرة فيها من كل من لذ وطاب، ومزيج من أطباق سعودية ومحلية.  



صورة للمائدة العامرة


بدأ صديقنا رحلته إلى أمريكا قبل خمس سنوات تقريبا كطالب في إحدى الجامعات حتى تخرج منها مهندسا. انتهى من الجامعة فعمل في شركة في شمال آلاسكا حيث تصل درجة الحرارة إلى ٦٠ تحت الصفر. وبعد أن شعر أنه قادر على البداية في مشاريع تجارية اتجه للتجارة ووجد الشركاء فانطلق. فتح له باب الزرق هنا فاستقر وتزوج وعمره لم يبلغ الثلاثين. عجبت كثيرا من روحه المنطلقة ونهجه المختلف. فالخليجيون في الآسكا منعدمون والحياة هنا رغم إمكانية التعايش فيها قاسية إلى حد ما. فهي بعيدة عن أمريكا التي نعرف، والمواصلات فيها إما بالبحر أوبالجو. والطقس متقلب تقلبا عجيبا. وهذه الأيام أجد نفسي في صيف وشتاء وربيع وخريف.


تأتي لفحات باردة مع مطر شديد فيطول حتى تظن أنه لن ينتهي وفي لحظات تجد نفسك في صيف منعش فتتخفف من بعض ما عليك. وقصته ذكرتني بقصة خليل الرواف مع فارق الزمان والمكان - كتبت عن الرواف تدوينة قصيرة تجدها هنا.

ورغم تقديري لمثل هذه الجرأة، أرى أن المبالغة في الحديث عن الطموح والتغيير ودفع الشباب للاختلاف، هو جريمة في حق الأجيال. وكم من فتى سمع قصة لشيء غير مألوف فسعى لمحاكاتها فظل حياته يلاحق السراب. وكثير من أبناء أجيالنا الحديثة أو ما بعد الحديثة هي ضحية للعيش في العوالم الوهمية. ولا أعدد القصص البائسة غاية البؤس التي كانت بسبب الركض خلف وهم السعي للاستقلال وبناء الذات. ونصف ما نسمع من قصص أناس يحكون كفاحهم ونجاحهم هو كذب ودجل. أو هو كحديث العارفين، فيه قليل من حق وكثير من باطل.       

صاحبنا صنع نفسه بطريقة عجيبة. وكان السير معه في وسط المدينة مضحكا جدا. فهو يعرف كل الناس ويعرفونه كل الناس. وكأنه استطاع الوصول إلى الشفرة الخاصة التي استطاع بها حل الأشياء في هذه المدينة العجيبة. لايمر من جانبنا أحد إلا ويلقي عليه التحية ويصير بينهما حديث عابر. وقد أخجلني بكرمه ولطفه والمبالغة في الإحسان. 


وقصص اليمنيين والصوماليين في هذه المدينة مما يستحق أن يُروى. وأحدهم تنقل في حياته بين ألمانيا وإيطاليا ثم المكسيك. ومن المكسيك دخل عبر الأنفاق إلى أمريكا تسللا. والحياة مليئة بالقصص لمن أراد أن يستمع.


انتهى يومي هذا بعد وجبة دسمة في بيت كريم. وانطلقت لمنزلي. قبل ذلك حدثني مضيفي أن المنطقة التي أسكن فيها قد لا تكون آمنة. فما أعطيت الأمر اهتماما. وما إن ولجت الباب واتجهت إلى غرفتي واغلقت الباب حتى سمعت طلقات نار متتالية من الشارع المقابل. تبع ذلك صمت مريب. نمت منتظرا اليوم التالي وهو إما أن أفرغ مما في يدي من أوراق أو انطلق لمكان آخر.. والعلم عند الله. 



٩ محرم ١٤٤٢ هـ   


رحلتي إلى آلاسكا - ٧

وصلت في الليلة السابقة إلى حين التفت الدب الضخم إلينا ثم عاد إلى حاله في التأمل في الأشياء بلا عبث. فتركنا الهياط وبحثنا عن طريق آخر.

في المنطقة شلال منخفض تلتقي عنده أسماك السلمون في هذا الوقت من السنة وتتقافز بطريقة عجيبة أمام التقاء الشلال بماء النهر. ولسمك السلمون قدرة عجيبة على الترحل لمسافات تصل إلى ٣٠٠٠ ميل. فهي تنشأ في المياه العذبة ثم ترحل إلى المحيط فتعيش فيه حتى تقترب من الموت فتعود إلى البحيرات التي خرجت منها وتبيض ثم تموت. وهذا المكان هو الذي حدثني عنه الفهيد رضي الله عنه. وللسلمون هنا سوق رائجة. وبعض الشركات تأخذك في رحلة للصيد، فتعلمك الصيد، ثم تصيد ما شاء الله أن تصيد، وبعد أن تجمع حصتك، تشحنها لك إلى منزلك حيث كنت في أمريكا إذا أردت.

تقصد الدببة هذه البقعة فتجلس على حافة الشلال فتلتقط ما تستطيع أن تلتقط من هذا الصيد الثمين. وصلنا هناك في اللحظة التي ألتقط دب ضخم سمكة سلمون وبدأ يلتهمها بكل حنان دون مبالاة بنا وكأننا لسنا في الجوار. لم أبحث لأفهم تصرف الدببة بهذه الغرابة لكنها تتعامل بغفلة تامة عنا. حضر للمشهد دب جديد من بين الأشجار واقترب من الدب القابع أمامنا ثم بدأ صراع ناعم تحول إلى اشتباك لمدة لا تقل عن عشر دقائق. كان الصراع كما قالت أحدى العاملات في المكان لعبا وعبثا. والدببة تفعل ذلك دائما. وهذان الدبان غالبا هم أخوان اختارا البقاء سوية بعد أن قررت الأم تركهما لمواجهة الحياة.


في الصورة الأولى: الدبان في بداية الصراع "لاحظ الدب الثاني في زواية الصورة العليا يسارا". 
 الصورة الثانية: دب آخر يتغدى سمكة

قضينا سبع ساعات في المكان نتنقل من مكان إلى آخر أنا ورفيق الرحلة. ويبدو أن رفيقي يشاركني نفس الطبع فهو لم يأكل شيئا منذ قدمنا إلى هذا المكان فقررنا العودة. فأكل هو سنيكرس وأكلت كيسا من الكاجو. ثم بقينا حول المكان استعداد للعودة.

توضأت من هذه البحيرة الممتدة التي تدعوك إلى تأمل كيف ستكون الجنات - اسأل الله الجنة لي ولكم وكل من نحب-. وجلست على الحافة انتظارا لرحلة العودة بعد نصف ساعة. وهذه الرحلة ستكون على طائرة عائمة تأخذنا إلى منطقة أخرى في المنتصف لتأخذنا طائرة صغيرة أكبر من العائمة إلى مدينة أنكوريج مرة أخرى.

هل تعرف صوت الشاص ٨٤ عندما يكون ”الكربيتر“ مليء بالرمل؟

لمن لا يعرف الشاص هو سيارة صلبة من انتاج شركة تايوتا وكانت لها نسخة غاية الصلابة وهي السيارة المعتمدة في جبالنا في الجنوب لصلابتها وقوة عزمها. و“الكربيتير“ هو جزء من السيارة يمر عبره الوقود لتسير السيارة كما يجب أن تسير. من يعرف الشاص سوف يعرف تماما ما أعني.

جاءت الطائرة العائمة التي ستأخذنا إلى المحطة الأولى فكان صوتها كالشاص تماما دون مبالغة ولدي تسجيل مصور لمن يريد الاثبات. قائدها في نهاية الستينات من عمره. وأظن أن الطائرة أكبر منه سنا. سعة الطائرة (٤ ركاب) أحدهم سيكون بجوار الطيار. وكان حظي المقعد الأخير الذي جلست عليه متربعا. وسائل السلامة في هذه الطائرة شبة معدومة. الطيار لم يربط الحزام. أنا لا أدري أين الحزام. ستر النجاة مجمعة تحت مقعد الراكب الذي أمامي. نظرنا الأربعة في بعض وانفجرنا بالضحك. لأنه بقدر ما كانت بداية الرحلة مفزعة ، كانت تدعو للضحك والسخرية من هذا الشي العجيب. قال أحدهم أنه ممرض وقلت لهم أنني طبيب وكأن هذا سيمنعنا من شيء ما لم يحفظنا الله بحفظه. لم يتمكن الطيار من اغلاق الباب إلا بعد عدة محاولات وقد تركه مفتوحا لفترة ونحن نعوم على الماء حتى ظننت أنه ينوي تركه مفتوحا طيلة الرحلة، لكن يسر الله له فانغلق الباب قبل الاقلاع بلحظات. كان سائق الشاص أو الطائر يمازحنا فيقول إنه لم يقد طائرة من سنوات طويلة وأنه سيجرب هذه المرة. كان يقول كذلك إن الطائرة ليس فيها ما يكفي من الوقود لكن سيحاول الاقتصاد. وصل ”الشاص“ الطائر بأمان بعد نصف ساعة تقريبا.


صورة للشاص وسائق الشاص والمنظر من الطائرة .. 


صورة للغابات والبحيرات الممتدة من نافذة الشاص 

سمعت أحدهم يتحدث بعد أن وصلنا للمحطة الأولى عن حادث طائرة مماثلة لطائرتنا قبل عدة أشهر فمات كل من عليها ولم يتمكن الإنقاذ من الوصول إليهم حتى هذه اللحظة لوعورة المكان واستحالة الوصول إليه. رواية القصة كانت في توقيت غير مناسب لأنني على وشك ركوب الطائرة الصغيرة التالية وإن كانت لا تقارن بالشاص الذي نجوت من قبل لحظات.

عدنا إلى أنكوريج بعد ١٢ ساعة من الانفصال عن العالم. وما إن وصلت حتى رن جوالي برقم صاحبنا السعودي الجميل.

٨ محرم ١٤٤٢ هـ