أيام في الأرجنتين

 الكرة الأرضية قبل وبعد إيميلاتك المهمة

ليلة العيد ليلة غامضة عجيبة. لا هي رمضان ولا هي عيد. لاهي ليلة هادئة وقورة يعمرها الذكر والصلاة والقيام. ولا ليلة فرح وصخب وبهجة. مشاعري دائما فيها ثقيلة جاثمة. الشعور معلوم والوصف مستعص صعب. وهذا الشعور ليس جديدا علي. أعرفه منذ أدركت. وأظن هذا الأمر عند كثير من الناس. ألا ترى الناس في حيرة من أمر تلك الليلة حتى إنهم لا يدرون هل يتعشون أم يصبرون قليلا فـ يتسحرون ؟! . ثم يصبح الصباح فإذا هم مفطرون؟ وبعضهم يفوته العشاء ويفوته السحور ويفوته حتى الوتر في تلك الليلة. بعد أن كان يركع الركعات ذوات العدد. ذهولا وغفلة.

في مثل هذه الليلة من العام الماضي قبض أبي بيده على صدره، وقال لي وقليلا ما يقول: أحس أني تعبان. أخذته المستشفى وقضى وقضيت معه ليالي العيد في عناية القلب.

ألم أقل أنها ليلة غريبة؟

أنا أعلم ما هو الاكتئاب. أفهم أعراضه وعلاماته. المكتئبون زائرون دائمون لعيادتي. أحيانا أتجرأ وأصف أدوية الاكتئاب لمن أشعر أنهم بحاجة ماسة للدواء، حتى يقابلهم الطبيب النفسي. عرفت ما يقارب أربعين ليلة عيد. بعضها هي يقينا ليالي اكتئاب وحسرة. نوبات اكتئاب حادة وقصيرة. تأتي ثم تنقضي بتيسير الله.

القريب على سفر قد يطول. والحياة عجلة تطحن من لا يصبر عليها. والمشاغل تملأك حتى تقطعك. وأمان تسوقك نحو المنية. وراغب فيك على حرف. وقابل بك على مضض. وبعيد يرجوك وقريب يجفوك. ومسافرون لا يعلمون الوجهة. وسندباد لم ينظر في خريطة الكنز.ولحظات فهم لو استغرقنا فيها لأوردتنا مهالك، أو عرجنا بها إلى مدارج السالكين.

الليالي التي أسعى أواخر رمضان أن أقضيها جوار الحرم تعدل العام كله. مكان كريم. ووقت كريم. ورب كريم. وصحبة زالت معهم الكلفة. بين صيام وقرآن وصلاة وأكل وشرب وسواليف. نعمة عظيمة لا تسهل للناس كلهم. من جميل هذه الأيام أن الوقت ممتليء فلا أكاد أجد لحظة واحدة أفتح فيها البريد الإلكتروني أو أرد على رسالة من زميل أو مريض أو طالب. ولو عقل الإنسان ما تذمر من شغل ولا شكى.

أجمع شتات شملي وعفش رحلتي إلى الأرجنتين. بيني وبين سفارة الأرجنتين ٢٢ بريدا إلكترونيا بدأتها معهم من بداية شهر يناير ونحن الآن في بداية شهر أبريل. ثلاثة أشهر من المراسلات انتهت بمقابلة في فلة صغيرة في العليا يسمونها سفارة الأرجنتين. دخلت السفارة فقابلتني أخت كريمة يبدو أنها هي حارسة بوابة الأرجنتين. موظفة في السفارة على وظيفة “جسر التانغو”. أحضرت كل أوراقي ومستنداتي. أخذتها بلطف وكرم وبعد دقيقتين عادت تقول أن أوراقي ناقصة. تماسكت تماسك من يعلم أنه لابد للغريب من التماسك. وإلا فأنا صائم ومسافر. نازل من الطائرة عجل إلى سيارتي إلى السفارة ، ولم أنس الـ ٢٢ بريدا أنهيها كل مرة:

Please let me know if any further documents are required

ولم يقل أحد منهم أنني بحاجة لمستندات أخرى. لكنني تماسكت وقلت لها أنني سأبعث لكم المطلوب بعد مقابلة القنصل. ووافق جسر الأرجنتين على مضض.

علمتني الأيام أن هناك أشياء وأسرار للبلدان لن تعرفها ما لم تقترب منها بنفسك وجسدك. عند الاضطرار تظهر الأسئلة المهمة التي لا علاقة لها بالفضول المعرفي وحده. الفضول المعرفي يخبرك أن الاقتصاد في الأرجنتين يعاني ويترنح. وأن اليمين “المحافظ” يتولى قيادة البلاد. وأن العاصمة كبيرة بها ما يقارب عشرون مليونا وأن الناس يشربون المتة في الطرقات. وأنهم يقدسون اللحم وماردونا. لكن لا يقول لك أنك بحاجة لدولارات من فئة مئة ليزيد سعر الصرف ما يقارب مئة بيزو عن الفئات الأخرى من الدولار. وأن سعر الصرف الرسمي يختلف عن السعر في الشارع. وأنك قد تجد الناس يصرفون الدولار بالبيزو في الطرقات. لا يقول لك أن بحاجة لطارد بعوض قبل أن تصل ، لأنه منقرض من الأسواق بسبب زيادة حالات حمى الضنك. وأن البخاخ الواحد وصل إلى ٤٠ دولارا في بعض المناطق. هذه الأشياء لا يعلمك إياها الفضول بل تعرفها لأنها تمس يومك وتؤثر فيه. وكذلك الغفلة لا تقول لك أن الأرجنتين بعيدة وأن الرحلة إليها طويلة.

مستقلا الطائرة من فرانكفورت إلى الأرجنتين ثالث أيام عيد الفطر ١٤٤٥ هـ. سبقها طائرة من الرياض إلى فرانكفورت وست ساعات من الانتظار في المطار. ثم هذه الرحلة الطويلة التي تزيد عن ١٣ ساعة. كما ترى. لم أكن أعلم أن الأرجنتين بعيدة بهذا الشكل. أحب في الرحلات الطويلة أن أنام والناس يقظون وأن أستيقظ والناس نائمون. ولهذا الأسلوب مزايا عديدة. لا تتأخر عليك قهوتك. ولا تضطر للانتظار أمام الحمام. ولا تتحرج من التأخر للوضوء. ثم تجد مكانا إذا تيسر للصلاة إذا وافق وقت صلاة. والإرهاق يحرمك متعة القراءة ومتعة الكتابة. وإذا رزقك الله نومة طيبة استيقظت طيب المزاج منشرح الخاطر قادرا على قيادة يومك في البلد الذي تصل إليه. وربما نزلت من الطائرة إلى شغلك مباشرة. وقد كنت أتحسر على الساعات التي تذهب في النوم في السفر ثم صرت أبحث عنها لأنها تبارك لك بعد إذن الله ما أنت مقدم عليه من يومك. والناس نائمون وأن أكتب. ألهمني الله فركعت وتري. ثم صفيت بريدي الإلكتروني من ٤٧٠ رسالة كانت فيه. شجعني على ذلك هذه الصورة من كتاب وجدته في مكتبة في مطار فرانكفورت. وهذا الأمر يندرج على أشياء كثيرة في الحياة. فليس كل ما نمنحه من أهمية مهم.

لم يبتليني الله بحب مشاهدة الأفلام. وأظن أن أثر الأفلام على البشر خطير جدا. لأنه قد يسلب الإنسان عفويته في التعامل مع الأحداث والناس. ولم أر صديقا منغمسا في قراءة الروايات - والروايات والأفلام وجهان لعملة واحدة- إلا وهو مضطرب الحكم على الأشياء. والأفلام في هذا التأثير أسوأ وأخطر. أقول هذا بعد أن جرني تقليب الشاشة التي أمامي إلى مشاهدة فيلم ذي فكرة عميقة جدا جدا. تدور حول حول رجل صارم طيب لا يحسن التعبير عن مشاعره، ماتت عنه زوجته قبل ستة أشهر. وقد عزم على الانتحار حتى أبتلي بعائلة لاتينيه سكنت إلى جواره فغيرت حياته إلى حيث لا يحتسب. أفسد الفيلم المناظر المعتادة في كل الأفلام. ثم حشرهم لقضايا الجندر والشذوذ حشرا كعادتهم قاتلهم الله.

وصلت المطار. أخذتني موظفة الجمارك إلى غرفة قصية في تجربة ليست غريبة علي. قال لي الموظف أنه تأشيرتي غير موجودة على النظام لسبب ما. كنت يجلسني معه على المكتب ويقلب جوزات الناس ومعلوماتهم وأرقامهم بلا تحفظ ولا اهتمام وكأن خصوصية الناس لا تعتبر. أخرج الموظف جواله الخاص أكثر من مرة والتقط صورة لجوازي وتأشيرات وجوازات الناس وتأشيراتهم. هممت أن أنكر عليه ثم تذكرت أن انكار أمر مثل هذا مضيعة للوقت. لاحظت أنه يرسل الصور بالواتساب. الواتساب حكومة متجذرة متعمقة في كل أنحاء العالم. في كل زاوية فيه. بعد ساعتين من الانتظار الذي لا فائدة منه ، تذكرت أن لدي وسيلة للتواصل مع السفارة الأرجنتينية في السعودية. فطلبت منهم تحديث البيانات فحدثوها وانتهى سبب الانتظار الطويل!.

سائق التكسي يحدثني بإنجليزية ضعيفة وعاطفة شديدة عن حبه لميسي. يقول أن ميسي صنم يعبد من دون الله . وهو صادق في هذا. تحدثنا: أنا بإنجليزية أحاول جعلها إنجليزية سهلة قدر الإمكان، وهو بإنجليزية مخلوطة بكلمات أسبانية كثيرة. لكننا تواصلنا: يقول أن وصول رئيس يميني متشدد لحكم الأرجنتين دلالة على تذمر الناس من عقود من الفقر والفشل الاقتصادي. وأن الشعب الأرجنيتني يعاني من الفقر الشديد. يقول أنه درس تجارة الاستيراد والتصدير ثم وجد أنه لا تسمن ولا تغني من جوع فاتجه لسيارت الأجرة. قلت له بفخر أننا فزنا عليهم في كأس العالم. وقال لي أن ميسي يحب السعودية وهو سفير للسياحة فيها. يحاول أن يتحدث أكثر لكن الجهل باللغة عقال لا يمكن الفكاك منه. نصحني بمطعم وبدار للأوبرا. وتفرقنا.

قابلت أصدقاء من مصر ومن الخليج ومن أماكن أخرى من العالم. الخليجيون يعزفون على ذات النوتة. عزفنا سويا في مطعم مقارب عزف الجائعين، على نفس النوته. الأرجنتين تحب اللحم أكثر بقليل من المعتاد. جودة القهوة إلى هذه اللحظة أقل من المعتاد. جربتها في ثلاث أماكن مختلفة. لكنها كلها عادية أقرب ما تكون للقهوة الجاهزة. ستاربكس في كل مكان لكنني لم أزر الأرجنتين لأشرب القهوة في ستاربكس. الرياض وأبها مليئة بستاربكس. استشرنا النادل فيما يمكن أكله عنده فنصحني بطبق “الخبز الحلو”. أعدت عليه السؤال: خبر وماذا؟ قال خبز محلى ولحم بقري. وصل الطبق فلم يكن حلوا ولم يكن لحما. وكان شيئا بين اللحم والخبر. وكان في حقيقته خلطة من البنكرياس والغدة الزعترية للبقرة.

صديقي الخليجي ينظر في الخريطة نظرة واحدة ثم يلقيها ويسير سير الخبير العارف بالمكان. لم يبهرني شيء في هذه الرحلة مثل هذا الصديق الخريت. وأنا الذي ينسى القبلة إذا صعد للدور الثاني. الناس هنا طيبون بشكل عام. ولولا حاجز اللغة بيني وبينهم لطالت بيننا الأحاديث والسواليف. لديهم رغبة للمساعدة والتقدم بخطوة. الموظف في استقبال الفندق يمنحني المنح كل يوم. اسأله أين أجد مظله فيعطيني مظلة معلقة لديه. اسأله عن بقالة قريبة فيسألني إن كان هناك ما يمكن أن يقدمه لي. يقترح علي الاقتراحات والأفكار.

المدن لا تفصح عما فيها مباشرة. أنت تحتاج أشهرا من الانغماس والروتين حتى تتكشف لك المدن والأشياء. والزيارة العابرة التي تشتتها ساعات ساعات عمل أو مؤتمر توهمك بمعرفة المكان وأنت لم تعرف منه إلا القشور والزوايا الظاهرة. ولذلك لا تحاول. لن تعرف في زيارتك القصيرة ما يستحق المعرفة.

زرت مركز الملك فهد الثقافي. منارات عالية ومسجد جميل في وسط العاصمة. تحيط به حديقة جذابة وبجواره مدرسة ومكتبة ومتحف صغير. مساحة كبيرة في موقع جميل. صليت فيه المغرب مع خمسة أو ستة آخرين. شعرت مباشرة بالإنتماء عندما دخلت المسجد. انتماء لبلد عظيم وحضارة عظيمة ودين عظيم.

هذا اليوم الثالث أو الرابع في هذه الأرجنتين. انطباعي - إن كان للانطباعات قيمة - أن هذا الشعب في العاصمة بسيط وطيب. ملتزم بالنظام. هناك تقدير للمحيط والمساحة الشخصية. قلت لهم أكثر من مرة أن المنتخب السعودي فاز عليهم في كأس العالم فكانوا يضحكون. كنت استخدم لغة مزيجا من إنجليزية وأسبانية ولغة إشارة. وشم ميسي منتشر على الأجساد بين الرجال والنساء. أحداهن سألتنا من أين نحن وحين علمت، أظهرت لنا وشم ميسي على عضدها. ماردونا وميسي إلهان يعبدان كما يبدو في هذا المكان.

لا أعرف مالذي يمنح المدن حب الناس أو بغضهم. لكنني لم أشعر بالانسجام في بيونس آيرس. الجو لطيف وجميل هذه الأيام وممطر. والناس طيبون في المجمل والدنيا بخير. والقهوة في كل مكان. والبطون ممتلئة. لكن لم أنسجم مع هذه المدينة. كالعادة. أقضي أغلب وقتي بعد الانتهاء من أعمال النهار في المشي وحيدا في الطرقات. كثيرا من الأحيان بلا هدف محدد. في هذه المرة يرافقني صديقي الخليجي. ثقيل العقل ، خفيف الروح. يكبرني بعشرين سنة. استفدت منه كثيرا. استشرته في أمور متفرقة فكان رأيه مليئا بالحكمة. أقول دائما لأصحابي وأقراني: لا تنسوا العمر. حين يصر من يكبرني سنا وأثق في رجاحة عقله على رأي لا أتفق معه. أعود فأراجع نفسي لأن السنوات لا يمكن تجاهلها. هناك ما يسمى بـ”التعرف على الأنماط”. عقولنا مهيئة لإدراك أنماط متكررة من الأشياء ونتخذ الحكم مباشرة دون وعي منا. عندما أرى في عين من يسبقني خبرة وعمرا، حذرا من أمر ما. يجب أن أحذر أو اتنبه أو أتخذ خطوة للوراء. العلم وحده والقراءة لا تكفي في هذه المواقف. تقول لك الممرضة الممارسة سنوات طويلة أنها لا ترتاح لوضع هذا المريض وأنت لا ترى ما يستدعي عدم الارتياح فلا تشعر بأهمية ما تقول لك… فتسوء حالة المريض. لو عدت فسألت الممرضة ما الذي دفعك لهذا الظن ستقول: لا أعلم. أمر ستسمعه من أي طبيب خبير. اسأل أطباء العنايات المركزة عنه. سيقولون .. هناك شيء ما يشعرنا أن هذا المريض على حافة الوداع.

بين فترة وأخرى أميل للسفر وحيدا. هناك أشياء كثيرة لايمكن التحدث عنها أمام أحد. لست انعزاليا وأظن أنني قادر على التأقلم بسهولة. لكنك قد تحتاج للانغماس في لاشيء، وأن لا تسمع أي نقاش أو جدال ولا تحضر أي اجتماع ذا قيمة. تحتاج إلى مساحة للشحن والتعبئة والامتلاء من جديد. الامتلاء من الصمت والهدوء والمشي في الطرقات والتفكر في نفسك وفيما تفعل. لا تحتاج آلاف الأميال لتمتليء بكل هذا.

الناس هنا يحبون الخبز. وكل الناس تحب الخبز. أمامي الآن على الإفطار عشرات الناس: فطورهم كرواسون محلى بطبقة من السكر وقهوة. عدد من الكرواسونات على كل طاولة. لا أعرف ما هي احصائيات مرض السكر والأمراض المزمنة الأخرى هنا. لكنني لا أرى السمنة الواضحة في الشوارع كما هي في شوارع أمريكا أو السعودية. العامل الجيني وحده يقف خلف كثير من انتشار السمنة والسكري والأمراض الأخرى في شعوب دون أخرى. مثلا لا تكاد ترى السمنة في اليابان أو الشعوب الآسيوية بشكل عام. بعكس أمريكا والعالم العربي. والناس يقولون أن بيونس آيرس عاصمة سياحية بامتياز وأنا لا أكاد أرى في الشوارع إلا لاتينيا أو لاتينية.

هذا اليوم الوحيد الذي أجد لي فيه متنفسا بعد أيام لا تخلو من انشغال. ولست من هواة التسوق أو المشي في الأسواق. وآكل ما يأتي من الطعام عندما أكون وحيدا. ولن أتعنى لحضور مباراة كرة قدم. ولذلك عزمت أن أقضي هذا اليوم ماشيا ، ثم أعود لمرحلة الانتقال وترميم بعض ما تأخرت فيه من أشياء الحياة. واقفا في طابور القهوة. طابور الحياة. نظر إلي ابتسامة العارف بي. ثم قال: من أين أنت؟ بلغة انجليزية بلكنة أسبانية. قلت له: من السعودية.

قال: عرفت ذلك.

- من أين من السعودية؟

- من أبها.

- رائع جدا. عشت في السعودية تسع سنوات. كانت من أجمل السنوات. الناس طيبون والعمل طيب وأرامكو طيبة. ما زلت احتفظ بعلاقات وزملاء إلى هذا اليوم. ما الذي أتى بك إلى هنا…

إلخ

توقف الطابور لحظات. تبادلنا الحكايا العابرة. موقف يعلم كلانا أنه الأول والأخير. ثم تلاشى وتلاشيت …

رافقني في السفر كتابان. كتاب باللغة الإنجليزية عنوانه: كتاب إنجاز الأشياء: إحدى وأربعون أداة للإنجاز. كتاب لطيف جميل وجذاب. وقد كنت جالسا في مكان عام والكتاب أمامي على “الماسة”، فوقف أحدهم: بيني وبينه زجاج المكان. فحدق في وجهي ثم الكتاب. ثم تمعن في العنوان لحظات. ثم أشار لي بأصبعه الإبهام وانصرف. وقلت “ماسة” لأنها تعني طاولة باللغة الأسبانية مع إمالة الميم إمالة بينة. والكتاب الثاني لابن رشد المنطقي وعنوانه فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال. وشدني فيه تساهله رحمه الله في تكفير الناس. أحب أن يرافقني كتاب في السفر. بعض الكتب تحسن العشرة فتتحملها وتتحملك. وبعض الكتب لا تستطيع معه صبرا. فيكون الفراق بينك وبينه مبكرا. كتب السفر يجب أن تكون خفيفة المحمل. سهلة الهضم.

جالس بانتظار طائرة العودة في مقهى يقابل بقالة صغيرة. عامل البقالة يحاول تغيير الروتين. ما زال يمسح الأرض منذ أكثر من نصف ساعة. يمرر الممسحة مرة باتجاه اليمين ومرة بإتجاه اليسار. يبدو أن زوار البقالة قليل هذا اليوم. أنا سأعود للروتين بعد ساعات. يجب أن يشكر الإنسان الله دائما على نعمة الروتين. نعمة الانشغال. لا تتذمر كثيرا من شغلك ما استطعت. لا شيء أقسى من الشغل القاسي إلا الفراغ.

شدني في أهل الأرجنتين التورع عن فضول النظر. عندي عادة تأمل كيف يرى الناس بعضهم بعضا في الأماكن العامة. فلا تكاد ترى أحدهم يصرف نظره عن شأنه. لا أدري عن دقة هذه الملاحظة لكنه شيء رأيته في أيامي القليلة الماضية. والمدن الكبيرة “العصرية” متشابهة جدا. ليس فيها مختلف. في النهار مطاعم ومقاهي وأسواق. نسخ مكررة. حتى الطبيعة تختفي خلف هذه الأشياء. الجميع يسمع أغان إنجليزية. ولذلك بدأت أعاف المدن الكبيرة وأميل للمدن النائية المنسية. في الليل مطاعم وأسواق وحانات. خيارات كلها لا تصلح لي. لا يسافر العاقل ليأكل. ولا يسافر العاقل ليتسوق. والمسلم -والعاقل كذلك- لا يطرق الحانات. ولذلك أجدني أحيانا حين يطول السفر لسبب ما: أشتاق لروتين العمل ، وللإنشغال بالتفاصيل اليومية. بالنقاشات والأحاديث المفيدة والتي لا تفيد. للجدال العقيم. للمشوار الروتيني الذي بلا هدف. لمقابلة الطلاب والمرضى والزملاء. المطعم الذي على الزاوية يطهو اللحم على الفحم. والذي يليه على شواية كهربائية. والذي بعدهما يقدم اللحم في صحن من رخام. والذي في الزاوية الأخرى في طبق من زجاج.

أعود فأقرأ ما كتبت خلال الأيام الماضية فأجد نفسي كتبت عن أشياء كثيرة ومختلفة. شتات من خواطر وأفكار لم تكن الأرجنتين محورها. أحيانا تجد نفسك بحاجة للكتابة فتبحث عن شيء يدعوك لها. قرأت في سفري هذا ثلاثة كتب. كتابين ذكرتهما والثالث عن تشكل الشرق الأوسط. وتحديدا العراق والأردن وفلسطين. اسم الكتاب: مؤتمر القاهرة ١٩٢١ م: قصة العشرة أيام التي شكلت الشرق الأوسط. جهد ضخم لمؤلفه الكندي وجهد لا يقل ضخامة للمترجم. المترجم اسمه: أحمد العبدة. من فترة لم أمسك كتابا وأفرغ منه في جلستين أو ثلاث دون انقطاع. لعل هذا من حسنات انقطاع الأنترنت وغياب الإشعارات. وتستمر الحياة …

شوال ١٤٤٥ هـ - بيونس آيرس

سبعة كتب - ١٠

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.





١) الدرة اليتيمة - ابن المقفع  

القراءة لهذا الرجل من أمتع المتع. سهل ممتنع وبيان بلا تكلف. وحكمة عظيمة. وله إلى كل مغلق من المعاني مفتاح لا يملكه غيره. سمعت جزءا من الكتاب على بودكاست منصت ثم أكملت الباقي قراءة والكتاب متوفر على موقع هنداوي وهو كتاب صغير لكنه مليء بالحكمة والعلم والأدب. 


٢) أنثى لرجل واحد

في السنوات الأخير صرت أقتني الرواية بعناية. ولا يمكن لأي رواية أن تصل إلى يدي بلا فلاتر وتوصيات ممن أثق بهم. اليوم وقعت يدي على هذه الرواية التي وجدتها في ممر المستشفى. وهي رواية من روايات المراهقات لا تصلح لأحد. طبعتها دار مدارك وقد كنت أحسن الظن بالدار. على الأقل في الذوق الأدبي أما القيمة والأخلاق فصعب احسان الظن بأي أحد هذه الأيام. المهم من كل هذا إذا وجدت هذه الرواية في طريقك فأعرض عنها. 


٣) سجن العمر - توفيق الحكيم

مذكرات كتبها توفيق الحكيم عن حياته وأمه وأبيه. قصيرة في ١٣٠ صفحة ومتوفرة على الإنترنت الاقتناء مجانا. فيها كثير مما يشجي وكثير مما يضحك. يضحك ويشجي لأنه ينقل صورة الإنسان لنفسه. حكي قصة أبيه مع البناء والتعديلات في المنزل. وهي حالة متطرفة لما يصيب كل أب من مواهب وميول مؤقتة. وكان لي قريب فعل ذات الشيء أو قريبا منه وكأن توفيق الحكيم يحكي قصته بالتمام. رحمهم الله جميعا. 


٤) لاشيء-جين تيلر

رواية قصيرة لراوئية دنماركية معاصرة. فكرتها تقوم حول طلاب في مدرسة ابتدائية. أحدهم آمن مبكرا بعبثية الحياة وأنه لا شيء يستحق وسكن على شجرة في طريق زملائه السابقين يعيرهم ويثني عزائمهم. قرر الأطفال قرارا بفعل كل شيء لإثبات أن الحياة تستحق وأن هناك معنى نعيش من أجله. فكدسوا الأشياء القيمة لديهم على شكل كومة أسموها كومة المعنى. وانتهت القصة بمقتل الفتى المشاغب لأن حتى الكومة فقدت قيمتها مع مرور الوقت. كأن الرواية تقول أن المعنى غير موجود في عدمية على شكل قصة. 



٥-عِبر التاريخ - ويل ديورانت 

كتاب صغير يكتب فيه ديورانت العبر من التاريخ وأثر الأشياء في التاريخ. كالدين والاقتصاد والآدب والسياسة والأخلاق.. إلخ. والمؤلف هو صاحب قصة الحضارة وقصة تأليفه للكتاب هو وزوجته مثال للجلد والاستمرار العظيم. 


٦-طوق الحمامة - ابن حزم 

من فترة طويلة وهذا الكتاب على قائمة الكتب. وابن حزم رحمه كان صاحب قلب أخضر لكنه قلب مؤمن عفيف. ولا يمكن لقلب مثله إلا أن يكون عفيفا. يتنقل في كتابه في فصول حول الحب وأنواعه وأشكاله. والوصل والهجر والعشق والوله. وفيه أشعار جميلة. وابن حزم شاعر كذلك. وشعره شعر فقيه أديب. يغلب الأديب أحيانا فتجد فيه ما يعجبك. 


٧- تهذيب الحيوان للجاحظ - تهذيب عبدالسلام هارون: 

للجاحظ أسلوب يصعب على غيره. سهل ممتنع. اقرأ رسائل الجاحظ والبيان والتبيين لترى علو البيان والفصاحة مع سهولة ويسر. 

وفي هذا التهذيب لكتاب الحيوان الكبير. منفذ إلى أسلوب الجاحظ. ومن للجاحظ غير عبدالسلام هارون. 



أبها - شعبان - ١٤٤٥ هـ 

سبعة كتب - ١
سبعة كتب - ٢
سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

سبعة كتب - ٥

سبعة كتب - ٦

سبعة كتب - ٧

 سبعة كتب - ٨

سبعة كتب - ٩


سبعة كتب - ٩

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.


١) في الكنائس - ابن تيمية:

الكتاب هو نص لابن تيمية يتحدث فيه عن أحكام الكنائس وبنائها في بلاد المسلمين. ويناقش الإبقاء على الكنائس القديمة المبنية في بلاد المسلمين. ومعظمها مسائل ذات سياق مختلف. رحم الله ابن تيمية والمسلمين والمسلمات.

٢) ظل الريح - كارلوس زافون

٣) سجين السماء - كارلوس زافون

٤) لعبة الملاك - كارلوس زافون

٥) متاهة الأرواح-كارلوس زافون

الأسابيع القليلة الماضية هي أسابيع الراوية بعد انقطاع طويل عن قراءات الروايات بهذا الانغماس. وعادة حينما انشغل بأشياء كثيرة أجد أن القراءة السهلة هي أحد المتنفسات القليلة للخروج من أسر التفاصيل اليومية. تدور أحداث الروايات جميعها في برشلونه. وتتشكل أحداثها حول كتب مختلفةممقوتةتلاحق أصحابها المصائب والكوارث وحول مكتبة سرية غامضة لحفظ الكتب من الضياع. الشخصيات تتكرر في كل الروايات ويظهرن أمام وجهك من حيث لا تحتسب ولا تتوقع. الشخصيات تتكرر دون الحاجة إلى قراءة الروايات بتسلل وإن كنت أنصح بالتسلسل حتى تكون الصورة أوضح وأقرب. الترجمة فاخرة وجميلة. وقف عليها معاوية عبدالمجيد. وكما درج عليه الروائيون لم تسلم الروايات جميعا من تفاصيل جنسية يبالغ المؤلف فيها في الوصف. والراويات كلها بشكل عام مليئة بالأحداث والعقد. حافظ فيها بشكل مبهر على إظهار الشخصيات في كل الروايات الأربع باتساق وبنفسيات وأساليب مطردة.


٦) شنين الدموع - د.عبدالعزيز الخويطر

كتيب صغير جمع فيه المؤلف من جميل شعر الرثاء ومواقف الرثاء. وبان في الكتيب الصغير هذا ذائقة الوزير الرفيعة. والكتاب من إصدارات المجلة العربية.


٧) المئة في تراجم من بلغ المئة - أحمد العلاونة.

الكتاب من إصدارات المجلة العربية. وجمع فيه سير مقتضبة جدا لمن بلغ المئة في العصر الحديث ما بين علماء وشعراء وسياسيين.



سبعة كتب - ١
سبعة كتب - ٢
سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

سبعة كتب - ٥

سبعة كتب - ٦

سبعة كتب - ٧

سبعة كتب - ٨

هذه سبعة كاملة. ولعلي أستمر في تدوينة مماثلة بين فترة وأخرى إذا كتب الله ويسر

ذو الحجة ١٤٤٤ هـ

أيام في تايلند

مستقلا الطائرة إلى بانكوك في السادس من رمضان من عام أربعئمة وأربعة وأربعين للهجرة. أشياء كثيرة وهائلة وقعت منذ العام الأول من الهجرة. تخيل أننا الآن في الأربعئمة بعد الألف!. الذي ”وقع“ في سنواتي الثلاثين كثير وكبير. كيف بألف وأربعمئة سنة. وأقول ”وقعت“ و ”وقع“ استحضارا للمعاني التي يحملها هذا الفعل والصوت المهيب الذي تسمعه من ارتبط القاف بالعين. فهي أحداث ووقائع وواقعات ومصائب وتحولات ..إلخ. مرة أخرى متجها إلى مؤتمر مختلف حول أمراض الكلى وما يتعلق بها.

ومن يذهب لبانكوك في رمضان؟ مدينة يعرفها الناس بالعبث والدعارة. وإلى قريب كانت تايلند على قائمة الدول الممنوعة لسكان المملكة منذ حادثة قتل السفير عام ….. لكنها فُتحت قريبا للسياح وسَهُلَ السفر إليها فكأنك مسافر في رحلة داخلية قصيرة. ومن شدة عجبي بسهولة الاجراءات من مطار جدة كررت على الموظفين السؤال إن كان هناك أمر آخر أحتاج إليه قبل ركوب الطائرة. وقد كتبت من قبل فيما كتبت عن اليابان عن هذه المؤتمرات وقلت أنني سأكتب رأيي كاملا إذا أمهلني الله إلى يوما ما ، وألهمني الفكرة.

أستقليت الطائرة بعد انتظار ست ساعات في مطار جدة وما إن بدت الطائرة تهتز حتى استلقيت على جنبي الأيمن ونمت كطفل ولم أستيقظ إلا بعد سبع ساعات. نومة جاءت كالمطر بعد جفاف. لا أذكر متى آخر مرة نمت فيها سبع ساعات متواصلة لا يقطعها شيء. لم تنقطع إلا ثوان قليلة حين أيقظتني المضيفة لطفا منها ظنا أنني أود أن آكل شيئا أو أشرب. ولم تعلم أنني كنت فيما هو ألذ من الأكل والشرب. أمران أتلذذ بهما في رحلات الطائرة الطويلة: النوم والعمل. والثاني أحب إلي في الطائرة. فلا شيء يشغلك ولا جوال يقطع عليك أفكارك وخواطرك. لكن الأول ألذ وأحلى حين يأتي بلا استئذان. وهو كذلك لا يقطعه شيء. لا صغير ينسى أن يطرق الباب. ولا اتصال من مستشفى. ولا رسالة من طالب في وقت عجيب. لكنه قد ينقطع بلطف مضيفة تظن أنها تحسن إليك بقطع نومك الطويل. ولا حرج. وكل جميل لا يخلو من عيب.

علمني السفر وعلمتني الغربة ألا أتكلف كثيرا في لباس وألا أتصنع. وتعلمت أن ملامحك تحمل معها حمولات ثقافية وعرقية ودينية كثيرة. فلا الجينز الذي ترتديه سيغير ملامح وجهك ويجعلك بلا هوية. ولا تركك للباسك وما يظهر من هويتك سيجعلك سائل الهوية Fluid identity. ولذلك تركت ثوبي علي هذه المرة ليس تكلفا بل لأنني خرجت من مطار جدة بثوبي فتركته علي. ولماذا أنزع ثوبي وزوجتي معي ترتدي حجابها الكامل؟. ثم إني ذاهب إلى بلد تمتليء بالعرب في الاجازات فليس لباس شهرة ولا تمييز. وانظر إلى نساء الهند يلتحفن أقمشتهن الملونة في كل مكان وفي كل صقع. ومع هذا لم يستغرب شكلي أحد أو لعلي لم أنتبه لأحد حتى وصلت إلى الفندق وسط بانكوك.

دعني أقول أنني أحب السفر وحيدا بين فترة وأخرى . وكتبتها سابقا وأكتبها الآن. السفر وحيدا يجردك من القيود والالتزامات والمسؤوليات. تأكل متى تريد وتنام حتى تمل من النوم، أو تسهر حتى تخر صريعا نائما ، أو لا هذا ولا ذاك.

والسفر مع الأصدقاء يختلف. لأن الرجل معه حذاؤه وسقاؤه. لا تسل عنه إذا ابتعد ولا تحرص ولا تخاف. وإن ساءك أحدهم بشيء عاتبته فإن ثقل عليك ودعته وانتهى الأمر. وقد سافرت مع أصدقاء كاد اثنان منهم أن يتلاطما بالأحذية في سيارتنا. فقصرنا السفر وعجلنا بالعودة مع اليقين أن الجمع بين هذين من المحال. وعاد الماء إلى مجراه واستوت السفينة. ثم إن العاقل يختار من يصاحبه في السفر. ولي من الأصدقاء كثر والتعايش مع معظمهم سهل. ولي من الأصدقاء من آنس به، وربما يراهم غيري أوحش من وحوش البرية. لكنني لا أسافر معهم ولو محمولا مكفولا. فالعنيد لا يصلح للسفر. ومن يعتد برأيه ويرى أنه لا يخطيء لا يصلح للسفر. والمتطلب المتوحد بحاجاته لا يصلح للسفر. والأناني لا يصلح للسفر. والبخيل الشحيح لا يصلح للسفر. ومن لا يوقر أصحابه لا يصلح للسفر. ومن لا يهتم بنظافة الأشياء حوله لا يصلح للسفر. والشغوف بالتصوير والسناب لا يصلح للسفر. ومن لا يصلي لا يصلح للسفر. ومن يأكل كل عشر دقائق لا يصلح للسفر. ومن لا يعجبه حر ولا برد لا يصلح للسفر. ومن يتذمر من كثر المشي والحركة، لا بصلح للسفر. ومن تكلمه وهو على جواله لا ينزع عنه لا يصلح للسفر. هذه بعض شروطي في السفر. أما في السعة فليس لي شروط ولا قيود. فأصدقاء الوطن كثيرون أكثر من احصيهم أو أعدهم بفضل الله. ثم إن السفر برفقة الناس يمنعني من الكتابة. فأنت في شتات التنقل وشتات الأحاديث وشتات الأشياء. ولا تجتمع الكتابة والناس. واعوذ بالله من الغرور فربما فيّ من الأشياء من لا يطيقها ولا يصبر عليها أحد.

وقد أخذني الكلام بعيدا. أكثر من أعجبني في تايلند كثرة المساجد. وكثرة المطاعم التي تعني بأكل المسلمين. وعلامة الحلال على كل شيء وفي كل مكان. والناس عارفة بطبائع المسلمين وعادتهم. وقد رآني أحدهم أشرب ماء في النهار وأنا على سفر فقال: هل تعرف رمضان؟. سألني بإنجليزية ضعيفة. وأجبته ولكنه لم يفهم. وملامحه تقول يا لهذا المسلم الذي لا يصوم في رمضان.

أخذتنا السفينة إلى قرية صغيرة في عمق البحر. فكتبت في خرائط قوقل: ” مسجد“. كما أكتب دائما في أي مكان أزوره. فظهر لي مسجدان قريبان. فذهبنا وصلينا في أحدهما صلاتي الظهر والعصر. ومررنا في طريقنا على مقابر للمسلمين فسلمنا عليهم. والمسلمون في هذه الجزر النائية في كل مكان. ولله رجال حملوا الدين في قلوبهم وصدورهم حتى بلغوا به هذه الغابات وهذه الزوايا النائية. صليت التراويح في خمسة أو ستة مساجد. وقراءات الأئمة فيها حسنة جيدة. والناس قانتون خشوع لا يتحركون. ولا أعجب من البالغين العاقلين. لكن أعجب من صغارهم لا تهتز لهم شعرة وهم في صلاتهم. وبين كل ركعتين يدعون دعوات يكررونها وصلوات على النبي جميعا يحفظونها كما يحفظون أسماءهم. يجمع بين كل هذه المساجد أنها مطعم للناس وملاذ للفقراء. وكل مرة أحضر لصلاة التراويح في هذه المساجد أجد القدور ممتلئة أو ما يدل على أنها كانت ممتلئة. وجهلا مني لم أكن أعلم بحضور الإسلام في تايلند بهذا الثقل وخصوصا في الولايات الجنوبية منها. ثم تذكرت ولاية فطاني التي كانت مملكة مسلمة منفصلة حتى ضمتها تايلند غصبا قبل قرن من الزمان. والظاهر للسائح البسيط أن المسلمين يعيشون لا مضايقة ولا اضطهاد. ولكل شيء وجهان وربما أوجه مختلفة لا نعلمها.

مستقلا الطائرة عائدة إلى الديار. مستعينا بالله مستعينا به من كل شر. وقد انصرمت تسعة أيام من رمضان غالية عزيزة. حصرت ألا تفوتني في صلاة التراويح مع المسلمين. وقد فاتت علي يوما أو يومين, وحرصت ألا أدع الصيام فيها. وقد أفطرت أربعة أيام. ثلاثة منها أيام كنت فيها على الراحلة. لكنني أنجزت أكثر مما كنت أفعل في قراءتي للقرآن. ولعلي أحجم في قادم الأيام عن سفر كهذا في رمضان. والقرب من الوالدين أحسن وأحلى والأنس بهم من القربة والبر. وإن كنت ذقت حلاوتها مع الناس في صلاوات التراويح هناك وامتلأ قلبي بامتلاء المساجد بالمصلين حتى في أرض فساد وشر مثل بانكوك. وعلى أنها فاسدة قبيحة إلا إنني رأيتها أقل مما حسبت. فالبسطاء في كل مكان ، والكادحون أمامك يفيض العوز من أعينهم، والبائعون على عتبات الطريق يبيعون الفاكهة والسمك والحزن. ومن يتسكع في هزيع الليل في بانكوك لن يجد قارئا يقوم بالقرآن أو ثلة من الصالحين في مجلس ذكر. بل بائعات هوى ووهم ونواد ليلية وما يقرب من هذا من كل شر.

صحوت من النوم هذا اليوم متأخرا حدود الثانية عشر ظهرا. وحرصت أن أنام الصباح كله حتى أذهب للطائرة صائما. ودعني أقول لك إن فعلت فعلي فإنك ستصوم أطول مما يصوم الناس. فإن كان تغرب عليك الشمس في تايلند السادسة والنصف. فلن تغرب عليك في السماء إلا بعد ذلك بساعات. فالشمس لن تغيب وأنت في السماء تلاحقها منطلقا من المغرب إلى المشرق. وكلما عزمتْ الشمس على الغياب عن عينيك انطلقتَ ساعيا خلفها في حلقة لا تكاد تنتهي إلا بأمر الله. وهذا الحال مع كل سفر بالطائرة من الشرق إلى الغرب. وعكس هذا لمن يسافر من الغرب إلى الشرق. فإن كنت بعجلة على الافطار وقد أرهقك الصيام واتعبك فاذهب للمطار وخذ طائرة تاخذ نحو الغرب لعل يومك يقصر ساعة أو ساعتين.

والفكرة تتبع الفكرة. وكثيرا من الأحيان بلا رابط ولا مناسبة. وعقل الإنسان يجول بين الأفكار بلا توقف. ولو جلست دقائق تراقب أفكارك كيف تتقلب وتتحول وتقدم وتحجم لرأيت العجب في نفسك وعقل آلم تكن قد أدركت هذا بعد. أقول هذا لأنني كنت أمشي في ممر الطائرة فخطر في ذهني أن الجزء الأكبر من جاذبية الإنسان وقبول الناس له ليس بماله ولا جماله ولا ملبسه وما يرتديه من أشياء. بل هو من ثقته بنفسه في وضوح عباراته مع تقدير وفهم واع للناس. وتأمل فيمن حولك من الناس المقبولين المحببين لترى هذا واضحا. وإن كانت مداخل الناس على الناس تتفاوت وتتنوع. ومن باب الاستطراد في عالم الأفكار=أجدني دائما مضطرا للمقارنة بالنموذج الأمريكي في كثير مما أرى وأشاهد من أشياء والتجربة والسنوات التي قضيتها هناك لايمكن أن أنساها أو أتصنع التجرد منها أو تصلبي على التأثر بها. الأمريكي لايبالغ في التطلف. سواء حين يستقبلك في مطعم أو فندق ولا يتحنى أو يتثنى كما يفعل الآسيويون. هذا من مشاهدتي في الأيام القليلة الماضية في تايلند وكذلك في اليابان قبل أشهر. والأمريكي يصمت فإذا سألته تكلم بثقة كأنه أعلم الناس بما يقول. وتراه في الاجتماع هادئا صامتا فتقول هذا الذي لايهش ولا ينش فإذا نطق كأنما يغرف من بحر. وإن كان في أحايين يغرف من زبد لا ينفع الناس. لكنه واثق لايهتز. زبد يظن بنفسه أنه يمكث في الأرض وينفع الناس.

رمضان ١٤٤٤ هـ

سبعة كتب - ٨

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.


١)

Mark Masnon- Everything is F*****


الكتاب مكتوب بلغة إنجليزية جميلة وسلسة. واستطاع المؤلف في رأيي أن يتنقل بين الأفكار بسهولة وانسياب. واستطيع تلخيص أفكار الكتاب الرئيسية فيما يلي:

١) أن لدى الإنسان عقلين: عقل عاطفي وعقل منطقي. وهما في نقاش وتدافع دائم. وأن العقل العاطفي هو من يختار والعقل المنطقي هو الذي يبرر الاختيار. وهذه الفكرة تتكرر كثيرا في فيما اطلعت عليه من كتب علم النفس. ولعل من أشهر في هذا : التفكير بسرعة وببطء للحاصل على جائزة نوبل. وقد ذكرتُه في هذا التدوينة إن أردت العودة إليها.

٢) أن حياة البشر قائمة على أمرين الخوف من الواقع والأمل بمستقبل أحسن. وهذا ما يدفع الناس للاستمرار. وفصل في المراحل العمرية المختلفة وكيف أن الأمل وفهم الحياة يختلف من مرحلة عمرية معينة إلى مرحلة.

٣) أن التاريخ الإنساني قائم على التدافع والصراع. فكريا ودينيا وعلميا .. إلى آخره. وملأ نصف الكتاب بالنقد والسخرية من الأديان كلها والكاتب ملحد لايؤمن بشيء إلا بدينه الخاص كما يسميه.

٤) كرر كثيرا معنى أن البشرية لو وصلت للتصالح التام فقد تكون النتائج كارثية وأن التدافع هو جزء من طبيعة البشر. وكرر كثيرا أن الحل أن لا تطمح إلا شيء. وأن الألم هو ما يمنح الحياة جمالها وبهجتها.

ارض فقط بواقعك، التزم بأمر دائم، تحمل الألم وصعوبة الحياة. وركز على العمل!

ثم عاد وملأ الصفحات الأخيرة من الكتاب بالآمال.

استمتعت بالكتاب وقضيت دقائق جميلة معه، ففيه لمحات فكرية ذكية ونوافذ دافئة لفهم الحياة.

رغم تكرار كثير من الأفكار وبداهتها لدى مسلم.


٢) المثل - ديستوفسكي

كعادته في الغوص في أعماق النفس. بين إقدام وإحجام وتقديم وتأخير، وحب وبغض، وتقلب وتردد وحيرة وكر وفر ونكوص. وبطل القصة لا يبعد عن الواحد منا في مشاعره. وربما اقتربت الواقعة المروية حتى تكاد تمسها بروحك فتراها أحداث قريبة من ذاكرتك. وفي غرف الذاكرة لكل واحد منا صورة لإنسان لايدع الوقوع في المخجل والمحرج من الأفعال والأقوال. ثم يدرك الخطأ فيسعى لمحوه فيقع فيما هو أسوأ وأخجل وأحرج … كذلك صاحبنا في كل أحداث الرواية. يخرج من طامة إلى أطم ومن موقف عسير إلى أعسر منه. والرواية خفيفة في المجمل وليست في تعقيد روايات ديستوفسكي الأخرى.


٣) نقل معاني القرآن إلى لغة أخرى- فهد الرومي:

فهد الرومي من الأعلام المعاصرين في علوم القرآن. وهذا كتاب صغير جدا. أو هو ورقة بحثية قُدمت في مؤتمر لعلوم القرآن. وخلاصة الورقة أن الكتاب يرجح استخدام تعبير “تفسير” معاني القرآن فضلا عن ترجمة عند تفسير القرآن باللغات الأجنبية. وفيه سرد قصير لآراء العلوم في المسألة.


٤) الغريب النادر من كتب التراث الإسلامي-محمد يوسف:

كتاب ظريف. جمع في المجّمع متفرقات من كتب الأدب والتراث. وكثير مما نقل مروي متكرر في معظم كتب الأدب. يصلح لكسر الملل ومحفزا للقراءة.


٥) صديقي السيكوباثي - ميرنا الهندي:

كنت أتسكع في جرير فوقعت عيني على هذه الرواية فالتقطتها. وهي راوية مليئة بالمعلومات النفسية الخاطئة لكن حبكتها الأدبية لا بأس بها ويكفي أنني قرأتها في يومين. فيها مبالغة في وصف القبح والجريمة. رواية أقل من المتوسط.

٦) المختار من كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور للحنفي:

والكتاب الأصلي كبير من عدة مجلدات وفيه تاريخ من أول الزمان وحتى نهاية الدولة المملوكية وبداية الدولة العثمانية. والكتيب هذا من اصدارات “مهرجان القراءة للجميع” وركز المُختار على الفترة المتأخرة من دولة المماليك وما تبعها من ظهور للدولة العثمانية في مصر. وهو على قصره وصغره يصور الفوضى والفساد والظلم وقلة الدين وشيوع القتل والتساهل بالحقوق في تلك الفترة المظلمة من التاريخ الإسلامي. وإن الأيام دول والحال لا يدوم والحكم كله لله.

٧) ليلة في جاردن سيتي - لابن عقيل الظاهري.

كنت أنفض مكتبتي واقلبها فوجدت هذا الكتاب. ووهمت أنني لم اقرأه حتى وجدت كتابتي عليه أنني قرأته عام ١٤٣٥هـ وأنني اشتريته من سوق الصواريخ لمن يعرف سوق الصواريخ. والكتاب ردا ونقاش مع الملحد عبدالله القصيمي. وأظن أن أهم ما في الكتاب هو الرسالة في آخره ومنها:

“ وأشهد أن القصيمي يتفنن في عرض دعاوى الفلاسفة والعلماء الماديين أمثال بخنر سارتر، ولكنه لم يفهم حججهم. ولم يحذق مناهجهم. كما أنه يجهل الكثير من حجج المؤمنين.

إنك لم تكتب عن نرجسية أبي نواس، وموسقة البحتري، وانطوائية العباس بن الأحنف، ورومانسية إبراهيم ناجي . ولم تكتب عن شمم برج إيفل ، وضفاف برجويه .. وخطوط قوس قزح.. ولو كتبت عن هذه المسليات لكان أسلوبك أليق بذلك. لأنك تغني وتنوح وتسرف في الخيال وتتقن رسم الصورة. إنك فنان متمزق. إنك أديب ساخر ساحر.

أما المادة والوجود وحقيقة الازل وقوانين الفكر وعضل الزمان والتسلسل فأمور تهيض جناحك. لأنك أديب عواطف ولست صيرف فكر” .. وقد صدق.

سبعة كتب - ١
سبعة كتب - ٢
سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

سبعة كتب - ٥

سبعة كتب - ٦

سبعة كتب - ٧

هذه سبعة كاملة. ولعلي أستمر في تدوينة مماثلة بين فترة وأخرى إذا كتب الله ويسر

شعبان ١٤٤٤ هـ

أيام في اليابان

هذا يومي الأول في اليابان لحضور المؤتمر السنوي للجمعية العالمية لضغط الدم. معي ملصق أو ورقة سأعلقها على الجدار ليراها الناس. وهي ورقة - بعيدا عن تزكية النفس - تحمل فكرة ذكية لم تُنشر من قبل. ورأيي في هذه المؤتمرات والملصقات - بعيدا عن احتقار النفس - سأكتبه كاملا بعد التقاعد إذا أمهل الله لنا في السنين ومد لنا في العمر.

خرجت هذا الصباح بعد فطور أمريكي معتاد في باحة الفندق الى الشاعر المجاور فضولا واستكشافا. والهواء لطيف أشبه ما يكون بهواء أبها غرة الشتاء مع رطوبة رقيقة قريبة من رطوبة واشنطن بداية الخريف. المكان كله مزيج من أمريكا التي أعرف في الشوارع والتنظيم مع تراث شرقي عميق عميق. والناس حين ينتظرون غارقين في صمت وفراغ هاديء. أيدي أحدهم متشابكة خلاف ما اعتدت عليه، وقوفا على قارعة الطريق يتأملون مواضع السجود دون انشغال بشيء. احداهن اقبلت تعاكسني السير مقبلة بأيدي متلاحمة كأنما خُلقت كذلك، تنظر لموضع قدميها في سكون. ولولا أنها تمشي لظننت أنها تمثال واقف. نحن والأمريكون نفعل أشياء كثيرة ونحن نمشي. نأكل ونتحدث ونعبث بشاشة الآيفون ونستمع بودكاست لحوار بين بيرس مورقان وجوردن بيتيرسون، ونصدم بالمارين ونعتذر ونكمل المسير. انطباعي الأول أن هؤلاء لا يفعلون إلا أشياء محدودة في اللحظة الحاضرة. وقد يكون انطباعا متسرعا بلا أساس كما هو الحال مع معظم ما نقول وما نكتب.

الناس كلهم مقَنّعون. وما زالوا شديدي التحفظ في كل شيء يتعلق بالفيروس. حتى اجراءات المطار رغم التسامح الأخير الذي يتحدث عنه الإعلام الياباني ما زالت شديد ومتحفظة. ومررتُ بإجراءات طويلة ومحطات متتابعة قبل ختم الجواز والسماح بالدخول. ومن الظريف أنني بعد وصولي للمطار ولملمة الأمتعة وقفت في مكاني ما يقرب من ثلث الساعة أحاول الاتصال بشركة الاتصالات السعودية لتفعيل خدمة الانترنت. ويبدو أن الكاميرات رأت هذا الشخص القابع في مكانه بلحية سوداء - وبعض شيبات- ووجه بني وعيون واسعة فبعثت شرطيا يترقب. فجاءني عارضا بطاقته ومعلوماته وسألني من أين فقلت من السعودية وأخرجت جوازي فرأى صاحبي كلمة ” الرياض ” في التأشيرة التي صدرت من السفارة اليابانية في الرياض، فأظهر المعرفة وقال: أها .. هندي؟ . فقلت لا يا أخي وضحكنا. وضحك هو أكثر مما ضحكتُ ثم مشى معي ٥ دقائق حتى أوصلني لمحطة القطار.

كل أكواب القهوة التي شربتها هذا الصباح مركزة تركيزا أكثر مما اعتدت عليه. والناس في اليابان لا يشربون اللاتيه ولا أدري إن كان يعرفونها. طلبت إحداهن لاتيه فأتت لي بقهوة ممزوجة بالحليب فما قبلتها - القهوة - لكنني شربتها على مضض. وقلت لعله حاجز اللغة. وفي الليل مررت بمكان آخر وقبل أن أجلس قلت له: لا تيه. لا تيه. لاتيه. ثم فتحت جوالي وعرضت له الصورة. فقال: نعم. ثم أتاني بقهوة سوداء ممزوجة بحليب. فلم أقبل هذه المرة واستأذنته بالانصراف فخجل واعتذر واستسمح. سامحه الله وهداه للإسلام.

حضر ولي العهد الياباني هذا الصباح حفل افتتاح المؤتمر الذي ذكرته سابقا. جاء هو وزوجته في لباس بسيط سهل وجلسا أمامنا على المسرح على كراسي بسيطة سهلة مثل الكراسي التي نجلس عليها. وعلمتني الأيام ألا أغتر بهذه الحركات لأن مظاهر الزهد هذه أحيانا لا تكون إلا زهدا ظاهر وخلفها الترف والعبث. وانظر للغربيين وما يصنعون من بساطة وتبسط لكنهم في غاية الترف والسرف. ويبدو مما سمعت أن اليابان تظهر بصورة لم تعتدها من قبل فالحراسات الأمنية في كل مكان والعسكر يحيطون بالمداخل والمخارج. والتصوير ممنوع وأوصوا بالصمت في حضور معالي وكيل الامبراطور. ويبدو أن كل هذا لم يحصل إلا بعد الاغتيال الذي وقع لرئيس الوزراء السابق. تحدث نائب الامبراطور في كلمة بانجليزية بسيطة عن المؤتمر وسعادته بحضوره لكنني استغربت حديثه العلمي البحت والتفصيلي ولا أدري إن كان يريد أن يقول وأنا كذلك أفهم ما تقولون. انهى كلمته وانحنى أما زوجته الأميرة كما انحنى كل المتحدثين قبله. غير أنه لم ينحن لنا كما فعل المتحدثون. والحراسات بهذا الشكل يعتبرها اليابانيون شديدة لكنها في الحقيقة أقرب ما تكون مسرحية مقارنة بـالحراسات الأمنية في دول العالم. فالدخول والخروج مرن وسهل. والمشي في الشارع نفسه ممكن. ويقول من عرف اليابان أن حادثة القتل لرئيس الوزراء السابقة كانت فاجعة لليابانيين لأنها سابقة لم تُعهد - على الأقل في العقود الأخيرة-. والتحقيق في حادثة القتل هذه فتح أبوابا من الجحيم على احدى التجمعات الكنسية في اليابان. لأن مبررات القاتل أن الرئيس عبث بمشاعر أمه فتبرعت بكل ما لديها فعاشوا في فقر. وهذا التبرير جر لتحقيق وفتح ملفات عن علاقة القتيل بالكنيسة. فوجود ما لم يظنوا أن يجدوا. والكنائس بشكل عام تحاول الحضور بقوة في اليابان. فكيوتو وحدها بها عدد هائل من الكنائس. والعون والسداد من الله وحده.

قابلت أخا من مصر يعيش هنا في اليابان منذ سنوات طويلة. وقد عاش قبلها طفلا في الطائف سبع سنوات. فهو كعادة من عاش في السعودية ثم غادر، يحدثني مولعا بها محبا. يحكي تعمق الخرافة في الناس وتجذرها. يحكي عن صديق له بلا دين. وكان له أب لا يحبه ثم مات الأب. فجاءه كاهن يقول له: يا فلان. أبوك في أدنى دركة من دركات العذاب. وروحه انقلبت أسوأ منقلب. وهذا يحتاج إلى دعوات وصلوات ونفثات. والصلوات والنفثات والدعوات لا تأتي إلا بدولارات. فتركه الولد وأعرض عنه وهو يقول في نفسه: يا لهذا الأب كرهته حيا وميتا. لكن الكاهن لم يعرض عنه وما زال يتتبعه بالتخويف والترهيب حتى أدخل في روعه أن مصائب الدنيا ستتوالى عليك بشؤم روح أبيك اللعينة. وبقي الرجل في حيص بيص حتى روى قصته لصديقه المصري وأخريين من المسلمين. فقالوا له: الحل عندنا. وتواعدوا مساء يوم جمعة وقرأوا على الفتى وبيته سورة الكهف. فنزلت السكينة على قلبه وزالت لعنة الأب عن وجهه.

لا تلتفت يسارا وأنت تقطع الشارع في اليابان لأن السيارات تأتي من الجهة المعاكسة. وقفت على عتبة الشارع وأدرت رقبتي لليسار فلم أر سيارة قادمة فهممت بقطع الشارع حتى سمعت صوت سيارة قادمة من الناحية المعاكسة. وما أعنيه أن نظام السيارات هو أن السائق يكون في الجهة اليمنى من اليسارة كما هو الحال في بريطاينا. وواصلت مشيي حتى وصلت المسجد لصلاة الجمعة. والمدينة قليلة المساجد وسكانها من المسمين قليل في كل حال. وركعت ركعتين فبدأ خلاف بين مصريين اثنين حول حكم إمامة غير العربي للمسلمين. وطال الحديث وارتفعت الأصوات ولولاء الحياء والغربة لصرخت بالأحمق منهما وهو واحد يتحدث وكأنه يعرف ما لا يعرف الآخرون غفر الله لنا وله. صليت فانصرفت فقابلت عند الباب مسلما يابنيّا درس في الجامعة الإسلامية قبل ٣٧ سنة وكان يتكلم بعربية جيدة. وخرجت أمشي لا ألوي على شيء فأقبل علي مسلم من كينيا متزوج من مسلمة من موزمبيق فسألته عن المدينة وعن أشياء كثيرة. أجاب إجابات كلها كيئبة متشائمة. فهو لا يرى شيئا جميلا في هذه المدينة وفي هؤلاء الناس. غير أن الساعات قفزت فجأة وانتهت ساعات المؤتمر فلقيت رجلا آخر فحدثني حديث الملهم العاشق لليابان. يقول صاحبي مثلا أن اليابان ليس فيها عمال نظافة بمعنى أن تجد في الشارع من يكنسه من الأوساخ أو يجمع الورق وبقايا الناس. هذا شيء لا يحدث. وجمل حديث صديقي هذا وزان فقضيت الساعات أنصت له وأسمع. وفي السطور هذه كثير من حكاياه.

دعني أقول لك: لم تكن زيارتي لليابان مرتبة أو مخطط لها جيدا كـ ٨٨٪ من الأشياء في حياتي. لكنني بعد أيام قليلة شعرت أننا يجب أن ندعو أمريكا العالم الثاني. فاليابان واليابانييون فيما يبدو لي عالم مختلف تماما عما اعتدت عليه وعرفت. يقولون لي أن الياباني لا يكذب ولا يخادع. وهذه اللطافة التي تراها في الناس والهدوء والخضوع خلفها ”عزيمة مرء أشبهت صلة النصلِ“. ومن غاية مراعاة الناس مثلا أن الياباني قد لا يركب الحافلة إن كان في يده طعام له رائحة قد تضايق الناس. والياباني مثلا قد يخفض إضاءة المنزل حتى لا يزعج الناس أعين الناس في الشارع. والأطفال يذهبون لوحدهم مشيا للمدارس. يجتمعون في نقطة واحدة يلتقون فيها ثم ينطلقون سوية يقطعون الشوارع. ويقف متطوعون من كبار السن على تقاطعات الشوارع الكبيرة للتأكد من سلامة الأطفال وانتقالهم بسلام. والعنصرية لا تكاد تذكر. ويحكي أحدهم أن غربيا سائحا تلفظ على إندونيسية مسلمة حين رآها بالحجاب فاشتكته للسلطات فلم يفهم الشرطي دوافع الرجل فيشتم امرأة عابرة. والسمنة لا تكاد تراها في هذه اليابان والناس أصح وأشد من أقارنهم في العالم. وفي كيوتو تحديدا أكثر من ٤٠٠٠ آلاف شخص تجاوزت أعمارهم القرن وهم بعافية.. هذه حكايا سمعتها وأقولها لك. وأنا أصدقها. لكن لا أضمن ما يتسلل إلى ذهنك من تصورات. يقول أحدهم أن من بلغ السبعين بلغ الذروة في حركته ونشاطه وعطائه ونتاجه. وأصدقه في هذا أشد التصديق. فالباحثون اليابانيون الذي أراهم والمحاضرون قد بلغ بهم الكبر عتيا لكن أحدهم ما زال أستاذا في الجامعة يعطي ويقدم وينشر ويبحث. ومن الطريف أن تمشي في أحد الأماكن العامة فتجد دليلا سياحيا قد انحنى ظهره يمشي بنشاط وشدة وخلفه وحوله شباب وفتيات وكهول يتبعونه وهو يعلو بهم ويهبط. وحتى لا نظلم أنفسنا وغيرنا من الناس فجزء كبير من غياب السمنة هو بسبب اختلاف الجينات. فهم أقل عرضة للسمنة حتى لو أكلوا ما أكلوا. وهذا ما أكده أحد الشيوخ الباحثين في محاضرة له كانت عن الطب الجيني فأبحر في النوع الإنساني والسلاسل الجينية والفرق بين اليابانيين وغيرهم من الشعوب والأمم. وهذا لا يبرر الكسل والعجز والفشل.

وأقولها حقيقة أنني لم أشعر قط بضعف ولا اهتزاز أمام الحضارة الغربية ولا ما تمثلها غير الجانب العلمي البحت. أما هنا فأنا أما ظاهرة أخلاقية تستدعي التأمل والدراسة. ولعل جزء من هذا الانبهار هو جهلي بالتاريخ الياباني تماما. فكما قلت لنفسي ولك أن زيارتي هذه كانت بلا حسبان. وزد على هذه الأخلاق الحسنة ما ذكره لي من عاشرهم من قرب ولسنوات: أنهم لا يدعون أبناءهم الصغار مع الأجهزة الذكية التي يصنعونها لنا. ولايتسامحون في العلاقات غير المنظمة. وغالب الزواجات والتعارف يحصل عن طريق الأسرة أو المعارف والأصدقاء. ومن العيب إظهار الحميمية في الأماكن العامة فلا قبل ولا أحضان ولا أحلام كما في شوراع الغرب. ولعنة الشذوذ لم تصل إليهم وهناك جهود حثيثة من بعض المشرعين ألا تصل. وأراد بعضهم إدخال اللغة الإنجليزية مبكرا فصوت الشعب بلا. ولذلك تجد ضعفا شديدا لدى الباحثين اليابانيين في الحديث باللغة الإنجليزية .. والحضور لمحاضراتهم قاتل ممل جدا جدا. لكنهم أهل ومعرفة وجهد وكد وتركيز. ومما شدني وأسرني من ساعتي الأول وربما ذكرت بعضا منه في السطور السابقة هو غياب الانشغال المبالغ فيه بالأجهزة كما ترى في اماكننا العامة. فالإنسان قد يمشي وهو لا يفعل شيئا إلا المشي. كذلك الحال في ركاب القطار والمشاة في الأسواق. والمنظر المتكرر الذي رأيته ولا أظن أنني رأيت كثيرا منه في أمريكا: هو منظر الجالس على حافة النهر يتأمل في الفراغ ويمنح عينيه النهر والشجر والجبال والدواب.

لا تخف في اليابان فالناس لا يسرقون الأشياء. أخذني سائق الأجرة فقلت له بعد أن لاحظت أن سيارته بلا شاشة إلكترونية: إنني لا أحملا نقدا. فأفهمني بالإشارة وقليل من إنجليزية: لا عليك. الصرافة أمامنا. وبقينا نسير حتى أوقفني أمام صرافة فنزلت وسحبت معي شنطتي فقال لي - بالإشارة - : على رسلك! دع شنطتك فلا خوف عليها. وكان ما كان. لم أخف عليها فنزلت ثم أخذت المال ثم عدت وهو واقف في مكانه ينتظرني. وهذا أمر ليس بغريب لكنه يقودني إلى حديث حدثني من وثقتُ به: نسيت كمبيوتري المحمول على دبابي على حافة الشارع مفتوحا ليلة كاملة وطرفا من النهار. ثم تذكرت فنزلت فزعا فوجدت كما هو. ونسيت زوجته ”النسّاءة“ - كثيرة النسيان - جوالها ومحفظتها مرات عديدة في أماكن عامة فما فقدتها ولا فقدت منها فلسا.

لا تتكلم بصوت عال في اليابان. فالناس كما ذكرت قبلُ يهتمون أشد الاهتمام بالآخرين ومشاعرهم وثقافة ”العيب“ حاضرة بشدة عند اليابانيين. فلا تسمع أحدهم يتكلم في جواله في مكان عام. ولم أسمع رنة جوال منذ قدمت ولا حتى جوالي - لأنني اعتدت على وضعه صامتا أبدا -. فالحديث في الأماكن العامة بصوت عال عيب. ولكل قاعدة شواذ= هاتان الفتاتان بجواري أزعجتا أذني بالضحكات والمكان خلاف هاتين هاديء ساكن.

كان عندي متسع من الوقت فاختلست ساعتين من الزمان وركبت القطار إلى منطقة اسمها “أراشيما“ وهي منطقة تبعد عن كيوتو حوالي نصف ساعة بالسيارة. يذهب إليها الناس ليروا أشياء عدة: النهر فيركبوا القوارب، وغابات البامبو فيروا أشجار البامبو العجيبة ، ولغابة القرود فيرو القرود. ومآرب أخرى. ذهبت هناك لأمشي ولأن فيها مطعما يابانيا أحب مالكه الحضارة الإسلامية فأدخل الأكل الحلال في قائمة الطعام لديه. وصار يبيع الحجاب - تنازلا- على الباب. ولم يخطر بذهني ولو لوهلة أن أزور القرود. ومتى كانت الرحال تشد ليرى الإنسان قردا مستلق على ظهره أو في يبترد في ماء النهر. مشيت ماشاء الله أن أمشي حتى بلغ بي الجهد والجوع مبلغه فاتجهت إلى المطعم الذي ذكرت لك وطلبت طبقا من لحم البقر الفاخر ثم انتظرت. وطال انتظاري. ثم جاء النادل ووضع أمام موقدا وذهب. ثم عاد ووضع قدرا فيه ماء وذهب. ثم عاد ومعه أطباق صغيرة وكبيرة ومنها طبق مليء بالخضار وطبق عليه شرائح رقيقة من اللحم. ثم ذهبوا جميعا. وانتظرت لعل أحدهم يظهر من خلف الحجاب فيحيل هذه الأشياء إلى طعام. وطال انتظاري. فصحت بالنادلة العجوز وسألتها بالإشارة والعين. من سيطبخ لي هذا؟. فاجابتني بالإشارة والعين إجابة واضحة صريحة: ” أنت“. وهي تشير لي بعينيها الواسعتين وأصابعها الكبيرة. وما ظننت أنني سأقضي الساعات الطويلات وأتنقل بين الطائرات والقطارات والباصات لأطبخ طعاما في ”أراشيما“. طبخته فكان بلا طعم ولا رائحة. بل أقول رائحة لن تحبها. والحمد لله على كل حال.

دعني أقول لك شيئا آخر: قضيت سنوات طويلة في أمريكا. وأمريكا جميلة رائعة. أعجز عن وصفها. لكن كان أثقل الأثقال علي أن احتاج حماما وأنا على سفر أو في مكان عام. وبعض الحاجات - كما تعلم - تُقضى بسهولة وبعضها خلاف ذلك. وربما عافست نفسي حتى أعود للبيت أو مكان أعلم علم يقينا أنه مما يصلح للاستخدام. أما هنا فأعجب من العجب. كل الحمامات العامة بها مقاعد أتوماتيكية. وبالغوا في تحسنيها فتكون دافئة دائما. والماء متوفر سهل يصل للمقعد بضغطة زر. وعدد الحمامات العامة التي دخلت في عشرة أيام في اليابان أكثر من عدد الحمامات العامة التي دخلتها في أمريكا في عشر سنوات.

عدت فقرأت ما كتبت أعلاه فشعرت أنني ”أحمد الشقيري“ أو ”محمد الرشيد“ -رحمه الله-. لكنني أقول مرة أخرى أشعر بالحيرة البالغة أمام ما رأيته وما كنت مستعدا له بسبب جهلي التام بما عليه المجتمع الياباني. ولو قلت لي: ماذا يجب أن نتعلم من اليابانيين؟. فهل أقول لك: المحافظة على الهوية؟ أو الأدب؟ أو الالتزام؟ أو الحرص على العلم؟ .. وقد كنت أظن أن ما يحصل هو بسبب نظام صارم أو قوانين رادعة. لكنني سألت عن ذلك كثيرا فما كان هذا هو الحال. بل إن الأنظمة في غاية المرونة كما فهمت وقد يكون فهما مستعجلا خاطئا. والإنسان خطّاء نساّء أخرق!.

كنت قد قلت سابقا أن السفر في تصوري ليس بحثا عن سعادة أو بهجة. بل خروج من الذات واكتشاف للنفس واعتياد على التواضع. وخلوة وتفكر وتأمل وتخل عن بعض المسؤوليات وتصفية للذهن. ومن يبحث عن السعادة وحدها فلن يجدها لإن السعادة إذا لم تكن بين جنبيك ومتدثرة في ثيابك فلن تجدها في مكان. بل أقول إن السعادة لايجب أن تكون هدفا وحلما لأنها مستحيلة التحقق في هذه الحياة. والله عز وجل خلقنا في كبد وستبقى الحياة متقلبة رضيت أم أبيت. وما يمكن تحقيقه هو الرضى والقناعة. والمسافرون - أستغفر الله: بل قليل منهم- لديهم ما ليس لدى غيرهم. وقد كنت جالسا في زاوية قريبا من حيث كنت . فدخل المكان رجلا يتكلم إنجليزية هندية. وطلب شاحنا لجواله فأعتذر الموظف. فعرضت عليه الشاحن الذي معي فأخذه وشكرني وكانت المقاعد محدودة فعرضت عليه المقعد الذي أمامي فجلس. سألته - وقد استعجلت في السؤال-: أنت من الهند؟ قال: لا! من سان فرانسيسكووو!. والحقيقة أن الهندي قل أن تخطئه العين أو الأذن ولو كان من المريخ. وتحدثنا في أشياء كثيرة وبدأ بالحديث نقدا في الإسلام والحجاب …والبقية مما تعرف. فأوقفته عند الحد الذي يجب أن يكون عنده. كأنما أقول له قول أبي نواس : ”عدِّ عن ذا، كيف أكلك للضبِ؟“. وكيف عبادتك للبقرة؟ وكيف عنصريتك التي لا تنتهي؟ وكيف الطبقية التي لديكم؟. وإن أردت كيف المشردون في سان فرانسيسكو؟ وكيف المخدرات في لوس آنجلوس؟ .. إلخ. وانتهى نقاشنا بهدوء كما بدأ بهدوء وإن كاد أن يسخن في المنتصف لكن الله سلم. وأظن أن هذا - الهدوء الذي تصالحت أنا وصاحبي الهندي عليها- بسبب أن غالب من يخرج من بيئته يعرف أن له حدودا يسير فيها ويتحرك. وهذا يقودني للقول أنني بعد سنوات طويلة لم يحاول أمريكي أبيض ولا أمريكي أسمر أن يقدح في ديني ولا عقيدتي بقليل ولا كثير إلا مواقف تعد على أصابع اليد الواحدة. أما الهنود وغيرهم من الملونين أمثالنا فكأنما نطحه تيسنا يوما ما. وفارقته وأنا أعلم أنني لن ألتقيه يوما ما إلا بمعجزة. الأمريكي لايقدح في دينك علنا. ولا يقول لك رأيه علنا إلا قليلا. ويبدو لي مما سمعت من أهل البلد ورأيت رؤية العابر أن اليابانيين كذلك. فكل منشغل بنفسه وحاله ودائرته الضيقة يحسن فيه ويصلح ويبدي ويعيد.

وتركت كيوتو الهادئة الوادعة بعد ظهيرة قاسية. بلغ بي الجوع فيها مبلغه مرة أخرى فذهبت لأقرب مكان قال لي قوقل عنه أنه يقدم القهوة ولقيمات خفيفة. وكان الانتظار طويلا فانتظرت عند الباب حتى أذنوا لي فجلست وجاءتني النادلة الخجولة - واليابانيون كلهم خجلون؟- فسلمتني قائمة الطعام بيديها الاثنين راكعة منحنية. فشكرتها وبقيت أتأمل القائمة فما وجدت فيها حرفا أحسن قراءته. فطلبت قوقل أن يسألها: عندكم بيض؟. فأشارت لي نعم. وأشارت لي إشارة سريعة على صحن رز. فقلت لها: بيض!. وأرجوك لا يأت إلي شيء فيه لحم. فقالت: حسنا. وكل هذا خليط من لغة الإشارة ولغة إنجليزية وقوقل. ثم جاءتني بصحن صغير في سلطة وصحن أكبر منه فيه رز، وإناء فيه حساء. فبدأت بالسلطة وثنيت على بعض الرز وانتظرت البيض فلم يأت. ورابني الحساء فما اقتربت منه. ثم دعوتها وسألتها. ما هو حساؤكم هذا وهل فيه لحم؟ قلت: سأسأل ثم عادت وقلت لي: نعم. هو لحم. والله يعلم أي لحم!. فقلت لها: وأين البيض؟. قالت: نفذ البيض. لكن سأعطيك فطيرة خضار. فجاءتني الفطيرة فاكلتها. وهي كذلك بلا طعم. وكانت خبزة مملؤة خيارا وخسا والحمد لله. ولم يأت المساء إلا وأنا في أوساكا. وأوساكا مدينة كبيرة فيها مطار دولي جيد. فألقيت رحلي ثم صليت فرضي فخرجت إلى مطعم علي الباكستاني. أخبرني عنه قوقل. فأكلت وشربت. فشبعت وارتويت.

قابلت في المطعم علي نفسه. وهو في اليابان منذ ٢٣ سنة. عاش أول حياته في أبو ظبي وأسرته كلها هناك. ثم انتقل إلى تورنتو فعاش شطرا من حياته فيها. ثم جاء صدفة كما يقول إلى اليابان فوجد فيها فرصة عمل ممتازة وهو هنا من تلك اللحظة. وهو منطلق في الحديث حاله حال كثير من أمثاله. والثرثرة في ظني من علامات الذكاء. وكثيرا ممن عرفت من المديرين والقادة والرحالة ثرثارون بالفطرة. يتكلمون في كل شيء. حدثني علي عن جمال اليابان ولطافة شعبها وصدقه وتخلقه بكثير من أخلاق الإسلام. وحدثني كذلك عن رحلته ماشيا ٨٠ كم في العراق بين قبور آل البيوت. وعن رحلته بالسيارة منفردا متنقلا على شواطيء اليابان ومدنها. واليابان كما تعلم جزيرة محاطة بالماء من كل جانب. وطال حديثنا وتأخر الطعام. ثم دخلت عائلة من باكستان. فحدثنا رب الأسرة عن وجوده في اليابان منذ عشرين سنة. وأعماله فيها وأثنى خيرا على البلد العظيم حين علم أنني من السعودية. وحدثني عن استقباله لأحد أئمة الحرم قبل سنوات واستضافته له. وحدثني كذلك عن اليابان وعن أهلها. وانشغال كل أحد بنفسه واخلاصهم في أعمالهم ومراعاتهم لمشاعر الآخرين. لكن صاحبي انقلب على عقبيه ولم تغيره أخلاق اليابانيين. فانطلق يذم السعودية وأنا جالس بينهم وليس بيننا معرفة. فتغيرت وجوه أطفاله وزوجته حياء وخجلا. وتركته حتى انتهى وقلت له: لو انشغل كل أحد منا بنفسه وبلده لكان خيرا. وانظر لليابانيين - كما تقول- كيف صنعوا. ولم يلقوا باللائمة على الصين أو على كوريا الشمالية أو على أمريكا. ثم عاد الحديث لأشياء أخرى لا تثير الخلاف والنزاع. ثم دخلت مجموعة من بنغلاديش وكانوا لايحسنون الإنجليزية. ثم دخل شاب من مصر مغرم بالسعودية. وقبل أن ألقي عليه التحية حدثني عن حبه للسعودية وأهلها وحبه للاستراحة والمندي وأشياء كثيرة. وهو في اليابان منذ كان طفلا عمره ٩ سنوات. لكنه أحب السعوديين باختلاطه بالمبتعثين الذين كانوا هنا. ثم أخذ نفسا عميقا وقال لي: الله! أشم رائحة العود. فقلت: شكرا لك مجاملة مع أن عهد بالعود قبل أن آتي لليابان ثم تحدث قليلا عن العود وحبه له. ثم دخلت أسرة من قطر. ثم شعرنا أننا في منظمة العالم الإسلامي. وكل هذا الذي أقول لك في ساعة من الزمان منذ دخلت المطعم حتى وصل الطعام وأكلته وخرجت. وألقيت نفسي على فراشي ونمت نومة طفل.

أستطيع أن أقول أن اليابان الآن في ذهني هي الصورة المحتشمة والخجولة والمحافظة. لأمريكا الخالعة الجرئية المتجردة. وأمريكا القانون والنظام والتشريع. واليابان بالإنسان الملتزم الجاد. هذه كلها انطباعات أرجو ألا يؤاخذني عليها أحد يوما من الأيام إن كانت بعيدة عن الصواب مخالفة للواقع. ودعني أقول أو لا تدعني إن شئت. لأنني سأقول ما أقول في كل حال: أظن أننا في طبائعنا نحن العرب أقرب إلى الغربيين منا إلى الشرقيين فيما يتعلق بحبنا للحرية الفردية والاعتداد بالرأي وحب المواجهة وكل واحد منا قائد نفسه وذاته. وربما ما يصلح لليابانيين لا يصلح لنا. فأنا أتأمل الناس في الشارع يمشون فرادى أو جماعات وكل فرد أو جماعة مشغول بنفسه كل الشغل. فلا يهمه كثيرا ما يحصل حوله. الحال ذاته في القطار. بجانبي شاب واقف بلا شيء يمسكه فتوقف القطار فجأة أو اقترب أن يتوقف فكاد الفتى أن يسقط وتحرك حركة واضحة جعلتني أهم بإمساكه والاطمئنان عليه عفوا. ولم يلتفت إليه ممن في القطار أحد. وعاد يلملم نفسه. لا تدور في القطار أحاديث بين الغرباء أبدا أو لم أر هذا أبدا. لكنني في الوقت نفسه ما سألت أحدا منهم عونا إلا ساعد وعاون. وخرج من قوقعته وانغلاقه على ذات إلى كائن منشرح منفتح مبتسم يتواصل بود وامتنان. الأمريكان أقل تحفظا لكن الناس هناك معبرين ميالين للأحاديث والكلام. أما نحن فأنت تعرف من نحن. ولا أعني بهذا انتقاصا أو قدحا. بل أقرّب وأصف. وأجدني مضطرا كل مرة للمقارنة مع أنفسنا ومع الأمريكيين. لأننا نحن. ولأنني عشت فترة طويلة في أمريكا ولأن أمريكا النموذج المعتاد عند الحديث عن الغرب والحضارة الغربية.

يقول لي أحدهم أن انغلاق الياباني على نفسه ليس تحفظا أو كرها للاجتماع بل مبالغة في حفظ المساحات الخاصة للناس وتحرجا وتورعا. ولعله رأي قريب للصواب فإنني ما سألت أحدهم شيئا إلا بالغ في الثناء والعطف. وكان موعد رحلتي متأخرا إلى منتصف الليل وموعد الخروج المعتاد هو الساعة ١١ ص. فثقل علي أن أحمل عفشي ومتاعي أتنقل فيها من شارع لشارع. فأتيت للياباني على الباب - باب الفندق-. وقلت له بلغة الإشارة. أود تمديد بقائي معكم ليلة ليس لأنني سأبقى ليلة كاملة. بل لأن رحلتي .. إلخ. فقال لي أمممم وعطف وجهه وقلبه. ثم خصم نصف قيمة الأجرة. جعله الله من المسلمين.

دعك من كل هذ. أكره السفر الفاخر الذي يتنقل بين المطاعم والمقاهي والأماكن الفارهة ويصور لك الطعام اللذيذ والقهوات الساخنة والشوارع المزدحمة. وأحب السفر البسيط الذي يقترب من الأشياء والناس. أحب أن أمشي حتى أتعب. وأضيع في الأماكن البعيدة. واتسلق الجبال. وأنام في الفندق البسيط بفطوره المتواضع -إن كان الفطور ضمن خياراته. ولذلك ليس في جوالي كثير صور. والسفر عندي هو هروب من اللحظة والأشغال المتراكمة وترتيب بعضها. وانقاص للوزن وتحريك للذاكرة وتأمل في الذات وخلو بها ولقاء بالأذكياء. وسيجمع السفر بأناس يقتربون منك أو يبتعدون لكنهم مميزون ومختلفون.

من الطريف الظريف أن قطارات اليابان فيها مسارات وقطارات مخصصة للنساء. فلا يكن معهن في قطر الانتظار ولا في القاطرة أحد. ووجدت نفسي يوما محاطا بالنساء من كل جانب ولم ادرك إلا حين رأيت الأرض الوردية والكتابة البيضاء تحت قدمي. فاستعذت من الشيطان ونزلت منازل الرجال. ولم اتنقل من قبل بالمواصلات العامة في أي مكان مثل تنقلي بها هنا. فهي سريعة وفعالة وقد توصلك لمبتغاك أسرع من السيارة. زد على هذا أنها في غاية النظافة والناس كذلك في غاية التذهيب. فلا ترى الفوضى البصرية التي تراها في بعض مدن أمريكا ولا أشكال المشردين والذين تقطعت بهم الأسباب. والأناقة واضحة في لباس اليابانيين فقل أن ترى من لا يرتدي سروالا رسميا وفنيلة طويلة الأكمام. والظاهر على النساء ستر كامل ما تحت الرأس. وأعني بالستر هنا ما يقابل التفسخ والتعري في الغرب. واللباس القصير والتعري نادر جدا بين النساء. وغض البصر شائع جدا جدا. وأحيانا يغلبني الفضول وأتذكر مقطعا من كتيب لعلي الوردي بعنوان ”شخصية الفرد العراقي“. وذكر عن بعضهم أن كان يراقب ملامح الرجال حين تمر بهم إحداهن. فقل أن ينظر أحد فيما لا يعنيه. ولم يسألني أحد قط من أين أنت إلا اثنين واحد في المصعد وكان يتحدث انجليزية مقبولة فيبدو أنه متخلق بأخلاق ليست له. وواحدة بعد أن وجدت نفسي صدفة في احتفال عام بمناسبة الذكرى التسعين لشيء ما.

أظن أن العصا أوشكت على أن تعود إلى مكانها. قابلت أردنيا وسودانيا في المطار. وكلاهما كان في المؤتمر فتحدثنا عن ضغط الدم. وجلست في زاوية من المطار أحضر للمحاضرة القادمة يوم الخميس. ولقيت رسالة تقول لي أنني مدعو لإلقاء محاضرة في اجتماع الكلية… ولجنة الطلاب فيها كذا. ولجنة الإرشاد فيها ذلك. والمريض الفلاني لم يأت لموعده اليوم. وجمع البيانات للبحث توقف. والوالدين اليوم في أبها.. وأنا أستقل الطائرة من مطار أوساكا عائدا إلى دبي ثم إلى الرياض ثم إلى أبها … وتستمر الحياة.

أمريكي في أبها

وإن الحياة لا يوقفها شيء. لا يوقفها صراخك على همومك ولا تصالحك معها. يتكرر علي هذه الأيام معنى ضرورة أن يتصلب الإنسان ويتقوى ولا يجزع ولايتشكى. النعومة لاتصلح وإن كان زمنك ناعما. زمنك الناعم يخادعك حتى تتنعم وتتلوى وتتعطف ثم يلقيك على صخرة مدببة الحواف محاطة بالأشواك. لا أدري إن كان توارد هذا المعنى علي بسبب ما أنا فيه هذه الأيام من مشاغل وهموم وشتات أم أنه باب جديد من الفهم فتحه الله لي. وإني على كل حال كثير الاستنئاس بهذا المعنى سعيد به.


 

زارني قبل أيام أمريكي من فلوريدا، صديق لصديق فأديت واجب الصداقة لصديقي باستقباله وأخذه ورده. في أواخر الأربعين من عمره، وقد زار في حياته أكثر من خمسين دولة. ديموقراطي ذكي العبارة، يحسِب ما يقول. حاله حال كثير من الأمريكيين. وإن كان نفاخر بالصراحة فهم ليسوا كذلك. بل يحسب أحدهم لكل سالفة حسابها. وهو على هذا غريب في بلد، لا يراه معظم قومه إلا محيط أو صحراء من الغموض والأسرار. ومما تحدثنا فيه فصاحة الأمريكيين. واخترت الأمريكيين لمعرفتي بهم وجهلي بغيرهم من الغربيين. وهم فصحاء فصاحة مذهلةً لا تفوت على مطلع. واسمع خطبة للرئيس الأسمر أوباما وتلذذ بوضوح عباراته وجلائها. وأحببت استفزاز ضيفي فقلت له: ألا ترى الفصاحة فيكم عظيمة، انظر أوباما مثلا. بل استمع أحاديث رئيسكم الماضي ترمب وانظر كيف يؤثر في جماهيره الكبيرة ويتلاعب بها!“. فلم يعجب صديقي هذا الكلام لما يحمله في قلبه وكثير من الأمريكيين على ترامب وقال مختلفا بحذر: صحيح أتفق معك أنه متلاعب كبير! ولم يذكر فصاحته بذكر!



تلذذ صاحبي بالحنيذ في مندي بداية وأكل قسمه كاملا وجزأ من قسمي. وأعجبتني بساطته وانطلاقه وعفويته وقبوله بأي شيء. وكان يحرص أن يأكل كما يأكل الناس هنا ويشرب كما يشربون ويجلس كما يجلسون. وتربع مرة على الأرض وطالت تربيعته حتى لم يقم منها إلا زحفا على ظهره ثم حبوا على أربع. ومما عجبت منه أننا لم نكد نمر على مطعم أو مقهى إلا بالغ الناس في الاحتفاء بنا (أو به)، فالقهوة نطلبها فتأتي الحلوى معها بلا ثمن. والشاي نطلبه بالثمن فيأتي كذلك بلا ثمن. ولا أعد من عرض الضيافة علينا بلا مناسبة إلا أن رآني أسير ومعي هذا الصديق الأحمر. بل تجاوز الفضول حده في صدر أحدهم بعد أن رآنا ماشيين في السودة فسأل: من وين الرجال؟ فقلت له: قحطاني! وضحكنا وتركته بلا جواب. على أن في هذا دلالة على سعة صدورنا وكرمنا إلا أن الأمر كذلك لايخلو من إعجاب مضمر بالأبيض وتقدير مبالغ فيه. ولو كان ضيفي من الهند أو باكستان أو مصر أو العراق … إلخ. لما احتفى بنا الناس في الطرقات. وقد قلت لصاحبي لعلي أخذك في كل مكان حتى تتقاطر علينا الأشياء المجانية، والله ذو الفضل العظيم.


ذي القعدة - ١٤٤٣ هـ 

سبعة كتب - ٧

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.

١- العلم الزائف - بن جولديكر

الذي انغرس في ذهني من الكتاب، سخريته أو نقده لمحاضرات البوربوينت. وأتفق معه في جانب كثير منه وخصوصا قضيت نصف عمري لايكاد يمر يوم دون أسمع أو أرى أو تُلقى علي أو ألقي محاضرة باستخدام البوربوينت. غير أن استخدام الشرائح مدعاة لترتيب الأفكار ووضوحها فهو ليس شرا مطلقا إلا لدى من يقرأ المكتوب كما هو دون إضافة أو نقاش أو سؤال.

٢- الأخلاق والسير في مداواة النفوس- ابن حزم:

رسائل وحكم لابن حزم عن أسرار النفس في تهذيب النفوس وكشف معايبها ومحاسنها. تبدو فيه حكمة ابن حزم وفصاحته وحدته.

٣-حصار جدة - عبدالله الثبيتي

وهو كتاب يسرد الاحداث التي حصلت قبيل دخول الإجاز تحت حكم الملك عبدالعزيز - رحمه الله -. والمؤلف نقل الأخبار من صحيفتين: صحيفة أم القرى وصحيفة الأشراف. والكتاب قصير وليس فيه إضافة مهمة للقاريء غير المتخصص.

٤-ميتتان لرجل واحد- جورج أمادو:

رواية قصيرة تتحدث عن رجل فاضل، تحولت حياته وانقلبت فصار سكيرا عاهرا. وهي مثال لمن انطلق خلف هواه ـ أو ما يحب- تاركا خلفه الخلافات والصراعات حوله وحول مصيره وحاله.

٥- العرنجية- أحمد الغامدي:

كتاب لطيف خفيف. يصلح أن نسميه أدب المترجم سيرا على تسمية ابن قتيبة لكتابه أدب الكاتب. والمؤلف ثائر ناقم على أساليب كثيرة في العربية الدارجة. ونبهني لأخطاء وتعبيرات “أعجمية” استخدمها في كتابتي دون وعي، وهو صادق أن جل هذه التعبيرات هو ترجمة من الإنجليزية. وساق أمثلة كثيرة. وقراءتي للكتاب جعلتني في شك دائم وأنا أكتب فأتحسس الأخطاء اللغوية والتعبيرات الهشة التي اعتاد ذهني على سوقها غفلة وجهلا.

٦- اللقاءات المشرقية في بلاد الشام- ترجمة أحمد الغامدي:

كتاب لطيف لطيف. منذ فترة طويلة لم انته من كتاب في جلسة واحدة. فالتهمت هذا الكتاب التهاما. والمترجم ترجم النص ترجمة عاليا أنقية وإن كانت لا تخلو “في ذوقي” من فلتات فيها تكلف. أوصي كل محب للأدب بقراءة هذا الكتاب وتأمل نهج المترجم في ترجمته.

٧.مكتوب على الجبين-جلال أمين

كتابات جلال أمين جليلة جدا عندي لأسباب منها أنني أشعر تحت بهاء كتابته أنه لا يتكلف ولا يتصنع. وقل أن يقعد كتاب لجلال أمين في يدي أكثر من أيام معدودات. وكتابه هذا كتاب صغير قصير فيه حكايات : مكتوبة على الجبين” لرجل في الثمانين. يقول إنها كلها تشترك في أثرها العميق على نفسه. وأنصحك بالتلذذ بالمقدمة الجميلة التي تستقبلك.

ختبة - شوال ١٤٤٣ هـ

سبعة كتب - ١

سبعة كتب - ٢

سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

سبعة كتب - ٥

سبعة كتب - ٦

٣٦ سؤالا وجوابا عن ضغط الدم

١) لماذا نتحدث عن ارتفاع ضغط الدم؟

الإجابة: لأنه من أسباب الوفاة الرئيسية في العالم. ويسبب أمراض القلب وجلطات الدماغ ويسارع بالقصور الكلوي. وأكثر من ٥٠٪؜ من مرضى الضغط في السعودية يجهلون أن لديهم ارتفاع في الضغط.

٢) هل صحيح أن ارتفاع الضغط لدى كبار السن طبيعي ولا يحتاج إلى علاج؟

الإجابة: خطأ .. خطأ .. خطأ.

الهدف أن يكون الضغط أقل 130/80 في معظم الحالات. مع الأخذ في الاعتبار أن كبار السن تعني من هم أكبر من ٦٥ سنة.

٣) كيف تقيس ضغط الدم في المنزل-إذا طلب منك الطبيب-؟

الإجابة:

- جالسا على كرسي وظهرك مستند عليه واقدامك مستوية على الارض.

- لاحاجة للحمام ولا قريب عهد بتدخين ولا رياضة ولا قهوة.

- مريحا ذراعك الأيسر على شيء. وتضع جهاز الضغط على ذرعك دون كلام. في غرف هادئة خافتة.

٤) هل هناك طريقة أخرى لقياس الضغط غير قياسه من شريان الذراع؟

الجواب: نعم. يمكن أن يقاس الضغط بالأجهزة التي توضع على مفصل الكف، ومن الأصبع، ومن البشرة، وبالأشعة الصوتية .. إلخ. وكلها لها سلبياتها. ويبقى قياس الضغط على الذراع هو الراجح.

٥) كيف يمكن تصنيف ضغط الدم؟

الإجابة: بناء على الجدول التالي

٦) كم مرة يحتاج مريض الضغط المراجعة مع طبيبه؟

الإجابة:

- إذا كان الضغط في حدود الطبيعي ( كل ٣ إلى ستة أشهر)

- بعد شهر من كل تغيير في الخطة العلاجية.

٧) كم مرة يُستحب أن يقاس الضغط للمرضى عند مراجعة العيادة؟

الإجابة: يُستحب أن يقاس الضغط مرتين أو أكثر. واعتبار المتوسط من النتائج. .. إذا شعرت أن الضغط مختلف في القراءة الأولى فاسأل العيادة قياس الضغط مرة أخرى بعد دقيقة او دقيقتين.

٨) هل هناك فرق في قياس الضغط بين الذراع الأيمن والأيسر؟

الإجابة: نعم. يحصل أحيانا. ولذا في الزيارة الأولى يُستحسن أن نقيس الضغط في الذراعين ونأخذ بالقراءة الأعلى.

٩) لماذا نوصي أثناء قياس الضغط أن يكون المريض جالسا معتمدا بظهره على كرسي وألا تكون ساقاه فوق بعض؟

الإجابة: لأن الضغط قد يزيد بأكثر من ١٥ درجة لدى من يضع رجلا على رجل أو يجلس على حافة السرير أثناء قياس الضغط.

١٠) ما هو أكثر الأخطاء شيوعا عند قياس ضغط الدم؟

الإجابة: استخدام لفافة أكبر أو أصغر ولا تتناسب مع محيط الذراع.

ما هو المقياس الصحيح:

الإجابة: ما تراه في الصورة.

المصدر: uptodate

١١) لمراقبة الضغط المنزلي، كم مرة يحتاج المريض لقياس الضغط ولمدة كم؟

الإجابة: سبعة أيام. يحدد وقتا في الصباح ووقتا في المساء يقيس فيه الضغط. ثم يسلم القراءات للطبيب. مع مراعاة القياس بالطريقة المذكورة في التغريدة السابقة.

١٢) كيف تقيس ضغط الدم في المنزل-إذا طلب منك الطبيب-؟

الإجابة:

- جالسا على كرسي وظهرك مستند عليه واقدامك مستوية على الارض.

- لاحاجة للحمام ولا قريب عهد بتدخين ولا رياضة ولا قهوة.

- مريحا ذراعك الأيسر على شيء. وتضع جهاز الضغط على ذرعك دون كلام. في غرف هادئة خافتة.

١٣) هل هناك خطوات عملية للوقاية من ارتفاع ضغط الدم؟

الإجابة: نعم.

- الرياضة

- تخفيف الوزن.

- ترك التدخين.

- تقليل الملح في الطعام.

- تعلم إدارة المشغلات والضغوط

١٤) كيف نشخص ارتفاع ضغط الدم بناء على نتائج قياس ٢٤ ساعة؟

الإجابة: في الصورة. لاحظ :الضغط وقت النوم يجب أن ينخفض.

(صورة)

١٥) هل الأجهزة المنزلية دقيقة في قياس الضغط؟

الإجابة: نعم خصوصا الأجهزة التي تقيس الضغط على شرايين الذراع.

وللاطمئنان أحضر جهازك أو اسمه ونوعه لطبيب للتأكد أنه جهاز معاير ومعتمد

١٦) هل الرياضة وتخفيف الوزن علاج لارتفاع ضغط الدم؟

الإجابة: نعممم

هل يمكن أن يصل مريض ضغط الدم لايقاف الدواء بالرياضة وتخفيف الوزن؟

الإجابة: نعممم

١٧) ماذا يجب أن نفعل إذا كان هناك اختلاف في قراءات الضغط بين قراءات المنزل مثلا وقراءات العيادة أو هناك شك في كون المريض مصاب بارتفاع ضغط الدم أو لا ؟

الإجابة: نستخدم الجهاز الذي يراقب ضغط الدم ٢٤ ساعة.

١٨) هل اللقاء بالأطباء قد يحسن الضغط؟

الإجابة: نعم. هذا ما نسميه ضغط الدم المتستر أو المتخفي ( ترجمتي). وفيه تكون القراءات المنزلية للضغط مرتفعة، وقراءات العيادة طبيعية. نتأكد بمراقبة الضغط ٢٤ ساعة.

١٩) ماذا عن العكس: هل رؤية الاطباء ترفع الضغط ؟

الإجابة: نعم. هناك ظاهرة تسمى ضغط المعطف الأبيض. فيها يرتفع الضغط في العيادة فقط ويكون طبيعي في القراءات خارج المستشفى.

٢٠) هل هناك أمراض قد تسبب ارتفاع ضغط الدم؟

الإجابة نعم. مثل قصور الغدة الدرقية، انقطاع النفس النومي، ضيق شرايين الكلى ، السمنة، اظطرابات الغدة الكظرية ..

٢٢) هل هناك أدوية تسبب ارتفاع ضغط الدم؟

الإجابة: نعم. أشهرها المسكنات كالابروفين والبنادول. بعض الأدوية المناعية. الكورتيزون. بعض أدوية السرطان

٢٣) ماهي أعراض الإصابة بارتفاع ضغط الدم؟

الإجابة: غالبا لا يوجد أعراض ما لم يكن مرتفع جدا جدا.

٢٤) كيف تعمل أدوية الضغط؟

الإجابة: طرق مختلفة منها: إدرار البول، ارخاء الشرايين بما فيها شرايين الكلية.

٢٥) ما الأعراض الجانبية المحتملة لأدوية الضغط قد يعاني منها المريض دون أن يعلم أن لها علاقة بأدوية الضغط؟

الإجابة:

- كحة جافة مزمنة

- إمساك

- انتفاخ في الأقدام

- تورم في الشفاه

- دوخة عند القيام السريع

- كوابيس

اسأل طبيبك ولا توقف الدواء وحدك.

٢٦) ما الرأي في من يوقف دواء الضغط بعد قراءة نشرة الدواء بحجة كثرة الأعراض الجانبية؟

الإجابة: خطأ كبير. تُكتب الأعراض الجانبية لأسباب منها:

- إلزام الجهات المرخصة.

- السلامة من القضايا

- توعية للمريض.

لا يوجد أدوية بلا أعراض. وأدوية الضغط كلها آمنة واسأل طبيبك قبل أن تقرر.

٢٧) هل صحيح أن تناول أدوية الضغط في الليل أفضل من النهار؟

الإجابة: ربما. والأفضل أن يختار المريض الوقت الذي يسهل عليه أخذ الدواء باستمرار، سواء ليلا أو نهارا.

٢٨) هل للتدخل الجراحي أو الأشعية التدخلية أي دور في علاج ارتفاع ضغط الدم ؟

الإجابة: نعم. بعض حالات أورام الغدة الكظرية. حالات ضيق شرايين الكلية الخلقي ( يكتشف نادرا لدى النساء في متوسط العمر ). بعض الاستثناءات لحالات ضيق شرايين الكلية المكتسب.

٢٩) هل تناول الغذاء الغني بالبوتاسيوم يساعد في خفض ضغط الدم؟

الجواب : نعم ، لكن يجب أن لا يكون لدى شخص يعاني من قصور متقدم في الكلى (اسأل طبيبك)

٣٠) هل ارتفاع ضغط الدم لفترة طويلة يسبب قصور في عضلة القلب؟

الإجابة: نعم

٣١) هل أدوية الضغط تسبب قصور كلوي؟

الإجابة: لا.

٣٢) متى يحتاج مريض الضغط إلى فحوصات دقيقة وأشعة ، ومتابعة في عيادة متخصصة لتحديد سبب ارتفاع الضغط؟

الإجابة: ضغط غير متحكم فيه رغم الاستمرار على الدواء، الحاجة لأدوية كثيرة للتحكم في الضغط، اختلال في بعض وظائف الكلى كالبوتاسيم.. ضمن أسباب أخرى

٣٣) هل نجهل السبب الرئيسي للاصابة بضغط الدم في معظم الحالات؟

الإجابة: نعم

- هل هناك تحاليل وفحوصات قد تحدد سبب الإصابة بارتفاع ضغط الدم؟

الإجابة: نعم. بعض الأمراض الهرمونية أو الكلوية قد تسبب ارتفاع ضغط الدم

٣٤) كم كمية الملح التي ينبغي لمريض الضغط أن لا يتجاوزها خلال يومه؟

الجواب: هذه:

٣٥) هل حملات قياس الضغط في الأماكن العامة مجدية؟

الجواب: لا.

والسبب أن قياس الضغط غالبا لايكون بالطريقة الصحيحة. رأيت مرة حملة لقياس ضغط في ممشى عام.

٣٦) لو سأل سائل ما أهم تحليل يجب على مريض الضغط عمله سنويا؟

الإجابة: قد يكون من أهم التحاليل مراقبة الزلال في البول.