أيام في بورتريكو

أيام قليلة قضيناها في بورتريكو. هذه الجزيرة الجنة التي انتقلت من الاستعمار الأسباني إلى الاستعمار الأمريكي وما زالت لا تدري أين تتجه. منحت الجزيرة حق الحكم الذاتي لكنها بقيت أرضا أمريكية. ومع هذا تشعر وأنت فيها أنك لست في أمريكا:  فلوحات الشوارع كلها باللغة الأسبانية والناس لا يكادون يتحدثون الإنجليزية الإ قليلا. ورغم أن الجزيرة لا تبعد سوى أربع ساعات بالطائرة من العاصمة واشنطن إلا إنك تشعر بأن الفارق أعرض بكثير من هذا. فالبساطة تغلب على الناس وعلى الأشياء والشوارع  ضيقة في الغالب. والسيارات ليست كالسيارات التي تراها في المدن الأمريكية الكبيرة. هي أمريكا ولكن الفتى الأمريكي فيها غريب الوجه واليد واللسان كما يقول المتنبي . ومن الطريف أن تجد نفسك تتحدث الإنجليزية في أرض أمريكية أفضل من كل من حولك . ودخلنا مطعما مصريا في عاصمة الجزيرة فما فهمنا حرفا ولا إشارة، ونحن في حيرتنا أقبل علينا وجه مبتسم اسلم علينا سلام المسلمين وعمل معنا مترجما لدقائق ثم ودعنا بالدعاء. وكان وجها من لبنان تعلوه لحية وقورة طيبة وكأنه كان يرمقنا من طرف خفي فلما رأى حيرتنا عطف علينا فترجم. ثم طوته الذاكرة خلف المحيطات ، جمعنا الله به وبالمسلمين في الجنات. وهذه الأرض لا تذكرنا إلا بالجنات ونعيمها. فأهلها يتقلبون بين كرم الغابة وكرم المحيط. والدنيا لا تسلم من بلاء فتبالغ الغابات أحيانا في الكرم مستعينة بالسحاب فيغرق أهلها، وكذلك المحيطات تبالغ في كرمها فيأتي الطوفان. وهم يتنقلون بين هذا وذاك. وكنت أقول أن الجزيرة في حيرة من أمرها لا تدري أين تتجه ، وفي تصويت قريب مالت الكفة لمن يريد الانضمام لأمريكا كولاية، وهذا يمنحها ميزانية سنوية من الحكومة الفيدرالية فتتسع الطرق ويكبر البنيان وتأتي الشركات الكبيرة بالمال فيغتني أناس ويفتقر وآخرون. وكان من قراءتي عن هذه الجزيرة أن التعليم فيها باللغتين الإنجليزية والأسبانية لكن الناس فيها يرون أن الإنجليزية غريبة عليهم وبعضهم من قاومها وترى بعد كل هذه السنوات من الاستعمار كيف لم تستطع الإنجليزية التغلل والتغول "بعد" وأقول "بعد" يقينا لأنها قريبا ستفعل. والإنجليزية إذا أتت لن تأتي وحدها كما يظن الكثير بل سيأتي معها الثقافة والطباع والعادات إلى آخره. وعلى كل حال ليس لدى هذه الشعوب ما تخسره مقارنة بشعوبنا فالأخلاق في غاية النزول، لكنهم قد يخسرون التماسك الأسرى الذي يميز كثيرا من الشعوب اللاتينية. 


https://drive.google.com/uc?export=view&id=1PUjPhF_8yaJ_qEBP6sQDlYcbZYLG6BG4https://drive.google.com/uc?export=view&id=1I7DRbviZCwskjdcvrtM9KiZAUgN65vnghttps://drive.google.com/uc?export=view&id=1no6qlT02Qm2peCo05qmJkb4PWUzeWh1dhttps://drive.google.com/uc?export=view&id=1G61uaxlUCKJ1xFIHLxQQfZT6Z-vo2u0u

https://drive.google.com/uc?export=view&id=1Dyl2_c-fAjyxAA6b-n-LaL4PLxAmJ9bKhttps://drive.google.com/uc?export=view&id=1Al5PJ6au1BHvgdCNCJCtcYwbjx2H7KQ2

صلاة في لاس فيغاس

الصورة التقطتها في رحلة عابر لـلاس فيقاس


حوض سمك مليء بالحياة في الشمال منها ، إضاءة زرقاء خافتة تدعوك للإسترخاء. إنها غرفة أنيقة تستحق الاسم الذي أطلق عليها " meditation room ". خالية أغلب الوقت. وحين أجد فيها أحدا عندما أذهب إليها للصلاة أجده أبعد ما يكون عن التأمل. دخلت ككل يوم وقت صلاة الظهر، غرفة التأمل بإضاءتها الخافتة ، فتاة في صدر الغرفة تعبث بجهاز بين كفيها ، كل ما أراه بوضوح هو جهاز صغير ويدين تمسك به. قلت مستأذنا هل يمكن أن أصلي هنا ؟!  ردت بالإيجاب والتأكيد ،شكرتها وشرعت في صلاتي ، أنا اقرأ الفاتحة وهي تمطرني بعدد من الأسئلة، ثم صمتت، أشعرتني بالحرج وأنا أصلي. سلمت من الصلاة ، بادرتني .. " إنها رائعة .. لقد تابعت صلاتك كاملة .. هل هناك مشكلة في ذلك .. الحقيقة إنني أحببتها ! " ، 

أخبرتها أن هذه الصلاة واحدة من خمس أصليها كمسلم .. وأشعر بالسعادة معها .. 

هذه الحياة المليئة بالركض واللهاث والكدح .. جحيم لا يطاق دون هذه الدقائق من السكينة والهدوء ، وهؤلاء من حولي الذين يملأون المكان يتنافسون على الإنجاز والنجاح .. ما أجمل لو كانت حياتهم مضاءة بهذا التأمل الحقيقي الذي لا يحتاج غرف خاصة ولا حوض سمك ولا إضاءة خافتة .. يحتاج قلبا مؤمنا يحمد الله على هذه النعمة وهذه المنحة وأرضا طاهرة ودقائق قصيرة ! .. إنها واحات غناء في صحراء الحياة القاحلة ، نحن بدونها ظمأى .. حيارى تائهون .. نحن لا شيء بدونها .. 

ساعات قضيتها أسير في شوارع المدينة الصاخبة ، المزدحمة بالحركة والناس والعمران.. أشعر أنني سأختنق ، سأموت.

المادية هنا تطغى على كل شيء ، الصورة والمظهر هي الغاية هنا ومن أجلها تتدفق هذه الأعداد الهائلة ... جريا خلف المتعة المجردة والمال .. أشعر أن هذا المكان قطعة من العذاب ، يضيق صدري .. أجد زاوية هادئة أمام بناية تنشأ ، لا أقدام تطرق هذا المكان .. أتوضأ من علبتي الصغيرة ، .. أردد الأذان بهدوء ، أصلي ... أشعر أني رحلت إلى مكان آخر ، تزول كل السموم الجاثمة على صدري .. وأنصرف من الصلاة  شخصا آخر مختلفا  .. إي والله !




لاس فيقاس ١٤٣٣ هـ 


سبعة كتب - ٥

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.



١) العطر- باتريك وسكيند

هذه رواية شهيرة جدا جدا. وأنا منذ فترة لم أقرأ رواية وأعود للرواية بين فترة وأخرى محاولة للانغماس في كتاب. وهي في الحقيقة رواية جميلة ولطيفة أبدع الرواي في إبتداع ما لا يبتدع في حديثه عن الرائحة. وأذكر تعليقا لعبدالله الهدلق يقول إنها رواية معجزة.


٢) منجنيق العرب - فؤاد الهاشمي

الكتاب مدخل جميل لمعرفة الإمام ابن حزم رحمه، حياته، والسياق المعرفي الذي نشأ فيه، وبعض ملامح شخصيته ومؤلفاته وشيوخه. وأحال كثيرا لكتاب ابن عقيل الظاهري - أمد الله في عمره وعافيته- في سيرة ابن حزم. اقتنيت الكتاب من معرض الرياض للكتاب قبل سنوات ورافقني في تنقلي على مدى خمس سنوات حتى قرأته قريبا. كتاب يستحق القراءة.


٣) : أخلاق الطبيب: رسالة لأبي بكر الرازي إلى بعض تلاميذه:

والكتاب رسالة إلى تلميذ من تلامذته بعد أن علم أن هذا التلميذ وُكّل بأن يكون طبيبا لأحد الأمراء. وفيها نصائح في الأخلاق والتعامل مع الأمراء وغيرهم من الناس. وهي بمثابة كتاب في “الأخلاقيات الطبية” بالاصطلاح المعاصر. فهي يوصي مثلا بعدم إفشاء الأسرار أو كشف ما لايلزم من العورات. وأن يدع الكبر والعجب والترفع عن الناس. وأن يطبب الفقير كما يطبب الغني. وأن لا يتجاوز في العلاج “العرف الطبي” و “أصول الصناعة”. وهي رسالة قصيرة.


4.Doctors For The Kingdom


وهو كتاب فيه يوميات من البعثة التبشيرية الطبية في البحرين وتحديدا زياراتها للسعودية في بداية تأسيس المملكة. والكتاب أشبه ما يكون بتقرير للأحداث أكثر من أي شيء آخر. وقد كنت أرجو أن أجد فيه تفاصيل وأفكار. والكتاب لم يذكر أي شيء عن الأهداف التبشيرية أبدا. وما زال للإرسالية مستشفى قائم في البحرين إلى هذا اليوم إذا لم أكن واهما وقد شاهدته في زيارة عابرة للبحرين قبل سنوات. وفي الكتاب صور للفريق الطبي مع الملك عبدالعزيز والملك سعود وغيرهم.


٥) خواطر الصباح - عبدالله العروي.

الكتاب مذكرات قصيرة يومية كتبها العروي بين ١٩٦٧ إلى ١٩٧٣ م. وفيها أفكار متفرقة غالبها في السياسة وخصوصا ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي. والكاتب في أفكار للمؤلف على هامش الحرب المصرية الإسرائيلية وخيبة المؤلف من كل مشاريع العرب السياسية. وهو كتاب خفيف.


٦) كرة القدم بين الشمس والظل - إدوارد غاليانو

لست مهتما بكرة القدم خارج نطاق الممارسة الشخصية ، وليس لي علاقة بها إلا عن طريق سماع خلافات ونقاشات بعض الأصدقاء الحادة. إلا إنني وجدت نفسي أقتني هذا الكتاب لسببين : وجود الاسم الجميل " صالح علماني " كمترجم للكتاب. هذا الأمر الأول الذي دعاني لاقتناء الكتاب .

أما الأمر الآخر فهو لأن المؤلف ينتمي إلى " الأوروغواي" . وهذا لأن هناك شيء ما يجعلني أشعر بالقرب من الشعوب اللاتينية ، وربما رأيت في الملامح اللاتينية وجوها عربية وسحنات عربية وسمرة عربية.

أذكر إنني قبل سنوات طويلة قرأت مقالا في مجلة عن علاقة الرياضة بالسياسة ، فكان صادما لي حين كنت أظن الكرة مجرد " لعبة " يطاردها اثنان وعشرون مستمتعين عاشقين ، فإذا الأمر مختلف جد مختلف. ومع " طفرة " التعصب الرياضي أدركت بالنظر ، كثيرا مما وقف عليه المؤلف الذكي والمقتنص في تاريخ هذه الكرة وأسرارها وخفاياها وعوالمها المظلمة . أقول رغم أن المتأمل يدرك أن الكرة ليست مجرد كرة ، لكن يبقى للمعلومة الموثقة بهاؤها ورونقها وجمالها . فكيف بالمعلومة إذا رافقها صياغة بديعة وقلم أديب .

وبين دفتي الكتاب سيتفأجا المتابع الرياضي الملح ومن يزعم أنه يعي أسرار الكرة من جماهيرها ، من حجم الزيف والخداع ، ومن عبث رأس المال به وبفريقه وبلاعبه المفضل ..


٧)عسير قبل الحرب العالمية الأولى : كورانساليس

الكتاب مليء بالأخطاء. والمحقق لم يبذل جهدا في التوضيح ولا في التعديل. ومن لديه أوائل معرفة بمنطقة عسير وأسماء القبائل والأعلام لا يمكن ان تمر عليه الأخطاء الفادحة الموجودة في الكتاب. ومع هذا هو شاهد على تغلل الاستشراق وتدوينه للتفاصيل.

هذه سبعة كاملة. ولعلي أستمر في تدوينة مماثلة بين فترة وأخرى إذا كتب الله ويسر.

فيرجينا ١٤٤٢ هـ

سبعة كتب - ١

سبعة كتب - ٢

سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

لو أردت أن أكون شاعرا لفعلت ..


لو أردت أن أكون شاعرا يشار له بالبنان لفعلت لكنني تركت ذلك لعدة أمور. وقبل أن أسير في الحديث أود أن أقولك لك أن هذا الأمر قد لا يهمك فهذه التدوينة قد لا تنفعك وهي حديث عابر مما قد أحكيه لصديق يشاركني حب الأدب والشعر. وقد أعذر من أنذر :)


دخلت على خجل مجامع الشعر والشعراء وكنت أجلس في طرف المجلس اتأمل، وأحيانا أجد نفسي في صدره ألقي ما لدي من شعر لكنني تركت هذا لعدة أمور، أولها: غلبة النفاق والتمادح على الشعراء، والشاعر الجيد هو نرجسي بطبعه. ولن يشاركك الشاعر قصيدته وشعره إلا واثقا من أن لديه ما يستحق أن يسمعه الناس. ولذلك لا يريد منك إلا مدحا وثناء. هذا الشاعر الجيد أما غير الجيد فهو أخذ من هؤلاء نرجسيتهم مع جهله برداءة وخسة شعره. فيجمع عليك ثقل الشعر الرديء والنفس الردئية. وربما استشارك أو استنصحك فإذا صدقته ثار ومار وهاجت نفسه وماجت. وهذا الجو الرديء المريض لا يصلح لي. 


وثانيها أن جل من يسمع الشعر لا يفهمه. وربما ألزمني بعض من أحب من الأصدقاء على إنشاد الشعر فأفعل وأنا على يقين أن شيلة “ردئية” ألذ إلى أكثرهم من قصيدة كتبتها في لحظة صفاء أو حزن أو لوعة .. إلخ. 


وثالثها أن الشعر يُلزمك الاستغراق في التجربة، ومعنى ذلك أن تعيش اللحظة الحالمة، أو تستمطر الحزن أو البؤس أو المعاناة أو الحرمان أو البهجة أو الاندهاش … إلخ. وأنت إذا فعلت ذلك واسلمت قيادك للشعر وما يطلبه منه صار ذلك عادة وطبعا. وهذا شيء لم أعد أطيقه. وهو فوق ذلك يفقدك القدرة على التفكير السليم والنظر النقدي الصحيح. 


على أني مع ذلك أتلذذ بكتابة القصيدة حينما تلح القصيدة علي. ويخرجني مما أنا  فيه قصيدة محلقة، وأطرب لإنشاد الأشعار مع الأصدقاء ممن يفهمون الشعر سواء مما نقول أو ننقل. 

ولو قلتَ: هل هذا هجاء للشعر والشعراء؟ قلتُ لك : لا. بل نظرة شخصية مجردة قد تقبل وقد ترد، وهي كذلك قد تتغير مع الزمن. 


لماذا تتحجر قلوب الأطباء أمام الموت؟

تخرجت من كلية الطب قبل عام ١٤٣٣-٢٠١٢. رأيت الكثير من القصص المحزنة، وضعفت نفسي أمام كثير من الأحداث والمواقف. في زوايا الذاكرة زوايا ما زلت أذكرها حيث دمعت عيني فدافعتها فدفعتها، أو غلبتني عيني فذهبت حيث لا يراني أحد فبكيت حتى ارتويت. لا أنسى الفتاة السمراء في التاسعة من عمرها في مدينة الملك فهد الطبية. جاءت للمستشفى صبحية يوم عيد الأضحى وقد أصابتها جلطة في المخ فصارت يدها هامدة لا تتحرك ورجلها كذلك. كنت أتحدث معها غافلا لكنني تهاويت حين رأيت الحناء على كفيها. كانت تنظر إلى كفها الهامدة دون أن تعي لماذا اختارت يدها ألا تتحرك!. منظر الحناء على اليد الهامدة أصاب تماسكي في مقتل. فبكيت كطفل. مرت السنوات وما زالت صورتها في ذهني تتكرر. مات أمامي بعدها - حال كثير من الأطباء - عشرات وربما مئات. يمر بعض هذه الوفيات مرورا عابرا لا يكاد يبقى في الذاكرة منه شيء. وربما صعب على غير الإطباء إدراك هذا المعنى لكن نعمة “التأقلم” والتعود من فضل الله العظيم على العقل البشري وإلا استحالت حياتنا إلى جحيم لا يُطاق.

أقول تمر بعض الوفيات مرورا عابرا وبعضها يعود كالمفاجأة ، كالتجربة الجديدة، كالشيء الذي لا تعرف!

اتصلت علي ممرضة في مناوبة ما تقول: لدينا مريض توفي قبل ثواني، هل يمكن أن تأتي لتأكيد الوفاة؟. اتجهت للغرفة بلا مشاعر وكانت ساعة متأخرة من الليل. كان الميت يحدق في السماء، وقعت عيني علي عينيه. شعرت أنه يحدق فيّ.. صرفت عيني ووضعت سماعتي على صدره. كنت على يقين تام أنه متوفي لكنني كنت أتوهم أن قلبه ينبض. أعدت السماعة على صدره أكثر من مرة وقد أحاطت بي رهبة عميقة ووحشة قاسية. أدركت بعدها أن قلبي الذي كان ينبض وكان صدى نبضات قلبي يصل لسماعتي. كان ذلك موقفا موحشا ولعل نظراته الميتة التي اخترقت عيني هي ما أحاطني بكل هذه الوحشة.

قل لي ما الذي يربط الأنفس بالأنفس؟ وما الذي يجلعنا نتوقف لنسمع القصص؟ كيف نرى الأسرار في عيون ولا نراها في عيون؟. كنت أرى هذه العجوز الطيبة كل يوم كما أرى غيرها من المرضى. كان الحديث كل يوم عابرا قصيرا فهي مع ألمها وجراحها في شغل. في منتصف يوم اثنين هاديء ساكن كنت أسير بلا هدف، فصادف ذلك مروري بجوار غرفتها فطرقت الباب ودخلت لا أدري لما فعلت ذلك. كانت هادئة ساكنة.

قلت لها : كيف حالك اليوم؟

قالت: أنا في غاية الألم.. لكني بخير. وسأكون بخير.

- اسألي إن كنت بحاجة إلى شيء!

- لا! أبدا. بارك الله فيك! لكن قلي: هل أنت مسلم؟

- نعم!

- عرفت ذلك! هل تدري إن حفيدي في السجن؟!. هو في السجن بسبب جريمة كبيرة. ما كان أشقى ذلك الفتى واقساه! زرته قبل عدة أشهر فرأيته بغير الوجه الذي أعرف. لا أدري كيف أصف لك ماذا حصل. لكنه كان مختلفا تماما. سألته يا فلان. ماذا حل بك؟ تبدو شخصا آخر. قال: عرفت الإسلام فأصبحت مسلما!

لكن قل لي يا دكتور هل لديك أسرة وأطفال؟ أنا متأكدة أن لك زوجة جميلة وأطفال رائعون؟ أليس كذلك؟! بارك الله فيكم. بارك الله فيك. أنت رجل طيب..

- نعم لدي زوجة وطفلان.

- عرفت ذلك. بارك الله فيكم. أتعرف لدينا جميعا هم واحد مشترك. آه أشعر بألم شديد لكنني سأكون بخير أعرف ذلك بل متأكدة.

نظرات هذه العجوز ما زالت تخترق قلبي. صرت أتعمد ألا أزورها لأنني أحاط بغمامة رمادية من الحزن والشفقة كلما اقتربت منها. فالعلم الجاف يقول لي أن مدتها في الحياة قصيرة ومحدودة. اسأل الله لك الشفاء يا سيدة “اتش”. قبل ذلك بفترة قصيرة كانت تتكرر على المستشفى عجوز أخرى طيبة (السيدة دبليو) ، كان لا تمل من الحديث وكانت ظريفة ذات نكتة حاضرة. تكررها على المستشفى بسبب جراح تظهر في مرضى الكلى أحيانا. كانت دائما متفائلة وباسمة وساخرة من الحياة وتبحث عن أي خيط تمسك به ليبدأ حديثها الذي لا ينقطع . تحسنت جراحها بتدرج وبطء فزادها ذلك تفاؤلا ثم اختفت وانشغلت أنا في أقسام أخرى خارج التنويم. رجعتُ للمستشفى فإذا هي في غيبوبة دائمة .. توقف الحديث، ذهبت النكتة، انطفأ التفاؤل.. اختفى كل شيء. وما زال جسدها الضعيف يتعلق بالحياة لكن بعد ان اختفت كل المعاني. حزنت كثيرا حين رأيتها في هذه الصورة. صرت أحاول تشتيت أفكاري حين أقلب ملفها الطبي. إن المستشفيات مليئة بملاحم إنسانية لا تنتهي، وقد كنت بداية معرفتي بالطب أعجب من التحجر العاطفي لدى بعض الأطباء ثم أدركت أن الطبيب يجب أن يتحجر وإلا مات كمدا.

أشياء كثيرة على طاولتي. وهذا تعبير انجليزي كناية عن تراكم الأعمال وكثرتها. وطاولتي مليئة بالأشياء التي لا تكاد تنتهي. أغالبها وتغالبني وتتكاثر علي حتى يكاد رأسي ينفجر ، فأكر عليها فإذا هي من أمس الغابر فارتاح قليلا ثم يعود الأمر كما كان. ولا تزال الحياة كلها كر وفر ومد وجز حتى يلقى الإنسان أجله. وتمر بي لحظات يداهمني فيها سؤال في غاية القسوة: ثم ماذا؟ فأشعر بالضياع. ولعل ذلك بسبب أن لدي - بشكل عام - عزوف عن كثير مما يُتسابق عليه. والحياة لا تزداد إلا قبحا، والشر يزداد غلبة. وهذه مشاعر عابرة لا تغلبني بفضل الله وإن كنت لا أزال أقول ساخرا لبعض من أحب: أنا متشائم في العموم، متفائل على الخصوص. وأعني بذلك إن العالم كله دعوة صارخة للكآبة والتشاؤم. فالقيم تتلاشى. والخير ينحصر في الزوايا والأخبية، والأرض تتهيأ للدجال. ولا يخرجني من لحظة الضياع هذه إلا إيماني أن الحكيم الخبير له حكمة من كل هذا. وان الحياة مليئة بالمباهج والتفاصيل التي إذا تأملها الانسان خرج من ركام الكآبة التي لا أشك أنها لابد أن تمس كل عاقل حكيم. ومن نعمة الله علينا أن عقولنا مفطورة على الغفلة والنسيان. وقد يكون من أحسن ما يحسن الإنسان به إلى نفسه أن يتأمل في الأشياء الجميلة والحسنة، ويتتبع واحات الخير في هذه الصحراء القاحلة. ويلاحق مواقع القطر فيرى العشب الذي ينبت ببطء وبهجة، فيبتهج. وما من عاقل إلا وهو يخدع نفسه كما يقول ابن المقفع.

ربيع الأول ١٤٤٢

سبعة كتب - ٤

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.


١) مذكرات سائح في الشرق: أبو الحسن الندوي

المذكرات من ألذ الكتب. وقد تمنحك قراءة من الحكمة والتجربة ما لا تجده في غالب غيرها من الكتب. غير أن هذا الكتاب ليس من نوع المذكرات التي تعجبني. لا تشدني المذكرات التي تروي الأحداث اليومية فهي إذن يوميات والقيمة فيها قليلة. وكذلك كان هذا الكتاب. أعجبني لقاؤه السريع بمحمود شاكر وباحمد أمين. وصور الكتاب جانب من تدفق الحياة الثقافية والتنوع العميق الذي يتلاشى.


٢) السكك الحديدة السرية: بولسون وايتيهد

إن كنت لا تفهم الصراع العرقي في أمريكا فاقرأ تاريخ العلاقة بين السود والبيض في أمريكا. واقرأ تاريخ العبودية الذي قد يكون من أسوأ الجرائم التي ارتكبها مجتمع كامل في تاريخ الإنسانية، والرواية تبدأ أحداثها في مزرعة سيد أبيض مليئة بالسود العاملين فيها وتحاول أن تحاكي الطقوس اليومية وأصناف العذاب التي تُصب على هؤلاء المساكين الذي أخذوا عنوة من ديارهم. والطفلة - الشخصية البارزة في الرواية - عرفت العالم قبيحا متوحشا وحاولت الهرب من قسوة الأبيض السيد فانفرط عقد من المآسي والأحداث القاسية.

والرواية تبقى رواية لكنها جزء من صورة شاملة تشكل فهم السود للعلاقة الحالية والتاريخية بينهم وبين الأبيض. وإن كنت تظن أن الصراع العرقي في أمريكي مؤقت ومتعلق بالخلافات السياسية بين الأحزاب فتأمل في ظنك هذا وراجعه. فالمسألة شائكة ومعقدة وسيبقى هذا الصراع طويلا. ومهما ارتكب السود في مظاهراتهم من جرائم فالتاريخ والواقع - مع الأسف - مليء بالمبررات ليزدادوا عنفا وجريمة مع أي دافع.


٣) أوراق العمر - سنوات التكوين: لويس عوض:

عرفت لويس عوض عن طريق “أباطيل وأسمار” لمحمود شاكر رحمه الله. وقد سلخه محمود شاكر سلخا وعراه، ورغم العلاقة الحادة بينهما إلا إن لويس عوض لم يذكر محمود شاكر في هذا الكتاب ( أكثر من ٦٠٠ صفحة ) إلا مرة واحدة بتلميحة ناقدة.

ولا أبريء نفسي فقد كنت أقرأ هذا الكتاب وأنا تحت سطوة محمود شاكر ورأيه في لويس عوض وفي كل حال الكتاب ليس أطروحة أدبية بل كان يروى فيه حياته ومذكراته منذ طفولته. وفيه صورة الأسرة المسيحية في المحيط العربي وكيف ينشأ الشاب المسيحي العربي مختلفة عنه. وفيه رصد تاريخ موجز ومتفرق للأحزاب السياسية المصرية والحالة قبل سقوط الملكية. والعلاقة بين البلاط والأحزاب والمثقفين. واستظرفت كثيرا حرص العقاد على دعوة لويس عوض بـ”يا مولانا”، ونفسه لويس عوض كان يستغرب من هذا النداء.

وقبل أن تقرأ هذا الكتاب اقرأ كتاب أباطيل وأسمار لمحمود شاكر وتأمل علو اللغة وروعة البيان وسطوته وخصوصا عندما يكون بيد من رزقه الله العلم والفهم.

٤) قراءة القراءة - فهد الحمود

كتاب خفيف لطيف. وفيه إشارات لطيفة متعلقة بالقراءة. يذكرني بالقراءة المثمرة للبكار. والقراءة السريعة وتنمية الاستيعاب للرفاعي، والمشوق لطلب العلم للعمران. وفيه من الثلاثة.


٥) لماذا نحن هنا؟ - إسماعيل عرفة.

في تصوري أن الكتب التي تتحدث عن مسائل الإيمان والشك ووجود الله .. إلخ. تصلح لمن قد تورط. ولا تصلح لمن لم يُبتلى بهذه التساؤلات. وهذا الكتاب يضاف إلى كتب كثيرة في هذا المجال وقد اجتهد المؤلف جزاه الله خيرا في تقصي أكثر الأسئلة التي تعرض على كثير من الشباب. وكثير منهم يقف ولا يقرأ ولا يبحث عن إجابات. ويميزه عن كثير من غيره من الكتاب المعروفة في هذا المجال هو استدلاله بدراسات وعلماء معاصرين ممن له رأي معارض للتطور وعدم وجود خالق. وله كتاب آخر اسمه الهشاشة النفسية لم اطلع عليه بعد.


٦) العلماء العزاب: عبدالفتاح أبو غدة.

وهو كتاب خفيف ظريف في ١٥٠ صفحة تقريبا. وكان باعث المؤلف على تأليف هو رغبته في تنبيه الشباب على غلاء العلم عند العلماء وحظوته في نفوسهم. وهذا الكتاب أبعثه للأصدقاء العزاب من باب التطمين والتثبيت - والسخرية أحيانا -. وقد قرأته قبل سنوات طويلة وأعدت قراءته قريبا ففيه فرائد وأبيات جميلة وهو متوفر على الشبكة. ومن العجيب أن لويس عوض في كتابه السابق ذكره أعلى هذه السطور، كان يروى عن أحد أساتذته في كامبردج كيف وبخه أشد التوبيخ حين علم برغبته في الزواج ، لأن الجمع بين العلم والزواج لايمكن - أو شيء قريب من هذا-!.


٧) بنات إبراهيم: الفكر النسوي في اليهودية والمسيحية والإسلام

مجموعة مقالات من ترجمة عمر بسيوني وهشام سمير.

أغبط الباحثين في الجامعات الغريبة على ثقتهم المفرطة وتقحمهم مباحث فكرية لا تبلغ معرفة بعضهم بها معرفة طالب علم متوسط المعرفة. لكنها الجرأة على التأليف وحرية الرأي والجلد والاعتداد بالذات. ولو كان لدى بعض من أعرف من أصدقاء وأحباب بعض هذه الثقة، لرأينا نتاجا يفوق جودة ما يكتبه هؤلاء. والكتاب مجموعة مقالات ليس فيها في تصوري إضافة تستحق. ولا أدري ما الذي أعجب المترجمين في هذه المقالات ليترجموها. وقد كانت مقدمتهما أكثر قيمة من مقالات “الباحثات”!.

هذه سبعة كتب. ولعل أستمر في نشر تدوينة مماثلة بتيسير الله وعونه..

صفر ١٤٤٢ هـ

فيرجينيا

____________________________

سبعة كتب - ١

سبعة كتب - ٢

سبعة كتب - ٣

رحلتي إلى الآسكا - ٩ (الأخيرة)

لم يقتحم أحد باب غرفتي وأنا نائم. وإطلاق النار ليلة أمس ذكرني بطبيب سعودي قابلته صدفة في مسجد وسط مدينة شيكاغو. قَدِم هذا الاستشاري غفر الله له حيا أو ميتا لحضور مؤتمر، لكنه حين رآني وعرف أنني من بني جلدته، انطلق في الحديث، ثم استطرد فيه، ثم مشى معي إلى الباب، ثم تغدينا سوية، ثم -ولا أدري كيف فعل- أخذني إلى أخطر أحياء شيكاغو ليشتري هارديسك قرأ في الجريدة أن عليه خصم كبير. دخلت أنا وإياه الحي بالباص وكنت قبله أتجنب ركوب باصات شيكاغو. ثم نزلنا إلى السوق المقصود. وقد كانت الأنظار علينا في الباص، وحين نزلنا منه، وأثناء وجودنا في السوق. ومع بالغ الأسف لم يجد الشيخ مبتغاه. فاستأذن أنه سيذهب للحمام على أن نلتقي في هذه النقطة من السوق. ثم اختفى!. وأنا والله لا أدري أين هو إلى يومي هذا!

بقيت أنتظر وأنتظر لعل الرجل يعود فما عاد. ولم يكن معه من فرط حرصه وشدة قبضه على المال وسيلة للاتصال. فلما طال الأمد طلبت سيارة تعيدني إلى شيكاغو. فجاءت السيارة تقودها سيدة سمراء. فما إن ركبت حتى سألتني: مالذي أتى بك هنا؟ فأجبتها إجابة عامة، وإلا قد كان يليق أن أقول : الحمق والبلاهة!. فقالت ما معناه: والله إنك منت صاحي. أتدري أنك في مكان قد يتخطفك الناس في وضح النهار. فقلت: أدري ولكن! .. ولم أحر جوابا.

عدت بفضل الله إلى شيكاغو لكن العربي بداخلي ما زال يؤنبني ويقرعني على تركي الرجل حيث كنا. فاتصلت على سالم الفيفي. فكان أشد مني عروبة وحمية. وربما ”شيء آخر“ فقال : قابلني الآن!. فنزلت إليه فأخذنا سيارة أخرى إلى وادي الذئاب وقد غربت الشمس. وطلبنا السائق أن ينتظرنا، فقال: ما أنا بمنتظر إلا إن بقي أحدكم معي. فنزلت أبحث عن الرجل وانتظر سالم. فكدت أقلب السوق علبة علبة وكيسا كيسا، فما وجدت له أثرا ولا أدري أهو فوق الأرض أم تحتها!. وإن مات فهو شهيد الهارديسك. غفر الله لنا وله.

خرجت من هذا النُزل الذي كنت فيه. واتجهت جنوبا الى مدينة ” وتيير“ وهي تبعد ساعتين تقريبا من أنكوريج. وكانت في السابق ثكنة عسكرية. وبها سجن قديم. وهي تقع خلف جبال ضخمة ولا يمكن الوصول إليها إلا بنفق كسم الخياط يخترق جبلا أصما عظيما. وطول النفق ما يقارب ٤ كلم. لايمكن أن تعبره سيارتان متقابلتان. فالسير فيه متبادل بين المقبلين والمغادرين. والقطار قد يأتي فيتوقف الجميع. والمدينة صارت وجهة للناس للجمال العجيب والطبيعة الساحرة. وبها سفن ومراكب تأخذ الناس إلى الأماكن المنقطعة.

قضيت في المدينة يومي كله حتى اقترب المساء فعدت ولم أقرر بعد أن سيكون مبيتي هذه الليلة.

وعلى امتداد الطريق ترى البيوت المتنقلة ينام فيها أصحابها، وهي عادة مألوفة ومنتشرة في أمريكا. وهناك محطات مهيأة لأصحاب البيوت المتنقلة تؤجر بمبالغ بسيطة للعابرين والسائحين.

وجدت في الطريق سيدة تبيع ”التشاي“، وهو أقرب ما يكون للكرك - المشروب المعروف -. فقالت إن صاحب المحل من أوروبا الغربية وهذا المشروب منتشر في هذه المنطقة خصوصا في فصل الشتاء. وكانت تبيع معجنات أشبه ما تكون بالمعجنات الشامية والتركية.

وأنا جالس في مقهى هذه السيدة وجدت مكانا بالقرب يملكه شيخ وعجوز، فاتجهت إليه. فكانت دارا في غاية اللطف والرقة. كأنما نما مع الطبيعة حين نمت. وكانا في غاية التدين المسيحي. فتجد الإشارات الدينية في كل زاوية. حييته وحياني. لكنه ما لبث أن أخذني في الحديث حول الأديان والسياسة وإيران واليمن وأسامة بن لادن وداعش. وكأن الرجل خشي على نفسه فأراد أن يطمئن. فطمنته حتى تطمن. لكن لم يزل في شك في ما هو الإسلام الصحيح بين الخيارات الموجودة. سألته إلى أي مدرسة مسيحية ينتمي فتهرب بذكاء وقال أنه لا ينتمي إلى أي مدرس. وقد كذب. وقلت له أن يقرأ القرآن.

كانا لطيفين رغم أنني لم أحتج منهما إلا القهوة في أوقات غير معتادة. مثلا الساعة السابعة مساء. وكانت قهوة طيبة. قضيت في دارهما يومين. وقد وضعا نسخة من الإنجيل على طاولة الغرفة هدية للزائر. ودفترا لتكتب فيه ما تشاء فكتبت لهما آية سورة الحجرات: ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفو، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير“.

كل شيء إلى زوال. وكل الأشياء تنتهي. كل اللحظات تتلاشى. كل المشاعر تختفي. لا شيء يبقى إلا وجه الله سبحانه. رحلتي غدا إلى واشنطن. وكأنما وصلت هنا الأمس. ورغم وضوح حقيقة زوال الأشياء إلا أننا قليلا ما نراها جلية وواضحة. ولذلك نحزن عند الفراق. وتؤلمنا وفاة حبيب. ونفرح باللقاء. ولو أننا نستحضر حتمية الرحيل عندما نلتقي لما سعدنا باجتماع.

وهذه الأرض العجيبة تذكرني بالثراء الذي تملكه أمريكا في كل شيء. وآلاسكا كغيرها من الأراضي الأمريكية أرض من ذهب. والفجوة التي بين أمريكا وغيرها من البلدان ليست فجوة في المعرفة والعقل فقط بل في الثروات والتنوع الذي لا تكاد تجده في مكان آخر. ومن الطريف أن هذه الولاية الفائضة بالثروات، اشترتها أمريكا من روسيا بمبلغ زهيد فهي من أغبى الصفقات في التاريخ. وروسيا أقرب إلى آلاسكا من معظم الأراضي الأمريكية!

على أن الفقر تراه في ملامح الناس في هذه المدينة وبعضه بسبب المخدرات والرغبة في البقاء في عالم الوهم. فوسط المدينة مليء بالسكارى والمشردين. ولا أظن أنني رأيت هذا المنظر في أي مكان آخر في أمريكا.

كانت هذه آخر سطور كتبتها قبل أن تقلع رحلتي إلى واشنطن مرة أخرى.

جربت فيها نمطا من الكتابة لم أجربه من قبل. فإن وجدت فيها خيرا فخير وإن غير ذلك فالعذر عند كرام الناس مقبول!. وسأتبع هذه التدوينة بتدوينة منفصلة في الأيام القادمة لصور التقطتها من أماكن متفرقة.

واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب.

١٠ محرم ١٤٤٢ هـ

رحلتي إلى آلاسكا - ٨

 سألني صديق. ما الذي دفعك للسفر وحدك؟ 

أحمد الله الذي منحني عددا لا ينتهي من الأصدقاء والأحباب. وعدد أكبر ممن أعرف معرفة قريبة. وآنس بالسفر مع الأصدقاء والأحباب. ويساورني الشك في كل من يشتكي من خيانة الأصدقاء لأن الناس الطيبون كثيرون جدا.  لكن الوحدة لها لذتها وطعمها الخاص. لا تٌثقل ولا تَستثقل. وأنا بطبعي لا أحب السياحة - بشكلها المعروف- ولا أحب كثيرا السفر المخطط له. وأكره أن أغدو إلى متحف وأروح إلى حديقة وأبيت في فندق فخم. وأسكن حيثما أتفق ما لم أكن مسافرا في رفقة زوجتي وأبنائي. وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم يدعو أن يعيش مسكينا ويموت مسكينا وأن يحشر في زمرة المساكين، ونمط السفر  هذه الأيام فيه من كل شيء إلا المسكنة. ومن مزايا الوحدة في السفر أنك تنجز ما تريد أن تنجز وتدع ما تريد أن تدع. قد تصحو صباح يوم فتقرر أن تقضي يومك حيث أنت بلا حراك ولا عمل كفقمة ممتلئة على شط المحيط الهاديء. أو تصحو فتجد نفسك تحت رغبة ملحة لقراءة كتاب أو كتابة شيء، ومن يقنع رفاق السفر المتطلعين للعالم بأفكارك الكسولة! 

الكاتب يكتب ليقرأ الناس. ولا تصدق من يقول أنه لا يهتم قرأ الناس أم لم يقرأوا. فهل تتصور أن يخطب خطيب في الفضاء الفسيح ويلقى خطبه كل يوم وهو لا يهتم سمعها أحد أم لم يسمعها؟! 

فالكتابة نشاط اجتماعي متكامل. ولا أجمل من القدرة على الكتابة إلا إدراكك أن هناك قاريء جيد يقرأ كتاباتك في خلوته فتوقد في ذهنه فكرة أو تصنع في يومه أثرا. الكتابة - مرة أخرى - كأبريق من الشاي. تبدأ بتنسيق مكوناته بعناية فائقة للحاضرين، وتتركه أحيانا يتقلب على نار هادئة حتى ينضج. ثم تسقي الحاضرين وتتأمل ملامحهم مع الرشفة الأولى. سيقول لك أحدهم أنه متقن، ويقول لك آخر أن يحتاج إلى قليل من السكر ويقول ثالث أن يحبه أقل تركيزا. ولكل كاتب نكهة مميزة لا تُنسى. وربما قرأت َ نصا للجاحظ غير منسوب في كتاب ضخم فترى روح الجاحظ تتسلل من بين حروفه. وغيره كثير. وسعدت كثيرا بالرسائل التي أتتني تفاعلا مع هذه التدوينات من بعض الأصدقاء وممن يمر على هذه المدونة من قراء كرام. 


وعودا على ما نحن فيه، عدنا برعاية الله ووصلنا للمطار فطن جوالي بطنين اتصال صاحبنا. وكان قد عَقَدَ الأيمان المغلظة أن العشاء سيكون عنده هذا اليوم. ذهبت حيث أنزل وتخففت من ملامح السفر وانطلقت لبيت صاحبي الذي لا يبعد عن مكاني أكثر من عشر دقائق. فإذا سفرة عامرة فيها من كل من لذ وطاب، ومزيج من أطباق سعودية ومحلية.  



صورة للمائدة العامرة


بدأ صديقنا رحلته إلى أمريكا قبل خمس سنوات تقريبا كطالب في إحدى الجامعات حتى تخرج منها مهندسا. انتهى من الجامعة فعمل في شركة في شمال آلاسكا حيث تصل درجة الحرارة إلى ٦٠ تحت الصفر. وبعد أن شعر أنه قادر على البداية في مشاريع تجارية اتجه للتجارة ووجد الشركاء فانطلق. فتح له باب الزرق هنا فاستقر وتزوج وعمره لم يبلغ الثلاثين. عجبت كثيرا من روحه المنطلقة ونهجه المختلف. فالخليجيون في الآسكا منعدمون والحياة هنا رغم إمكانية التعايش فيها قاسية إلى حد ما. فهي بعيدة عن ”أمريكا“ التي نعرف، والمواصلات فيها إما بالبحر أوبالجو. والطقس متقلب تقلبا عجيبا. وهذه الأيام أجد نفسي في صيف وشتاء وربيع وخريف.


تأتي لفحات باردة مع مطر شديد فيطول حتى تظن أنه لن ينتهي وفي لحظات تجد نفسك في صيف منعش فتتخفف من بعض ما عليك. وقصته ذكرتني بقصة خليل الرواف مع فارق الزمان والمكان - كتبت عن الرواف تدوينة قصيرة تجدها ”هنا“ - .

ورغم تقديري لمثل هذه الجرأة، أرى أن المبالغة في الحديث عن الطموح والتغيير ودفع الشباب للاختلاف، هو جريمة في حق الأجيال. وكم من فتى سمع قصة لشيء غير مألوف فسعى لمحاكاتها فظل حياته يلاحق السراب. وكثير من أبناء أجيالنا الحديثة أو ما بعد الحديثة هي ضحية للعيش في العوالم الوهمية. ولا أعدد القصص البائسة غاية البؤس التي كانت بسبب الركض خلف وهم السعي للاستقلال وبناء الذات. ونصف ما نسمع من قصص أناس يحكون كفاحهم ونجاحهم هو كذب ودجل. أو هو كحديث العارفين، فيه قليل من حق وكثير من باطل.       

صاحبنا صنع نفسه بطريقة عجيبة. وكان السير معه في وسط المدينة مضحكا جدا. فهو يعرف كل الناس ويعرفونه كل الناس. وكأنه استطاع الوصول إلى الشفرة الخاصة التي استطاع بها حل الأشياء في هذه المدينة العجيبة. لايمر من جانبنا أحد إلا ويلقي عليه التحية ويصير بينهما حديث عابر. وقد أخجلني بكرمه ولطفه والمبالغة في الإحسان. 


وقصص اليمنيين والصوماليين في هذه المدينة مما يستحق أن يُروى. وأحدهم تنقل في حياته بين ألمانيا وإيطاليا ثم المكسيك. ومن المكسيك دخل عبر الأنفاق إلى أمريكا تسللا. والحياة مليئة بالقصص لمن أراد أن يستمع.


انتهى يومي هذا بعد وجبة دسمة في بيت كريم. وانطلقت لمنزلي. قبل ذلك حدثني مضيفي أن المنطقة التي أسكن فيها قد لا تكون آمنة. فما أعطيت الأمر اهتماما. وما إن ولجت الباب واتجهت إلى غرفتي واغلقت الباب حتى سمعت طلقات نار متتالية من الشارع المقابل. تبع ذلك صمت مريب. نمت منتظرا اليوم التالي وهو إما أن أفرغ مما في يدي من أوراق أو انطلق لمكان آخر.. والعلم عند الله. 



٩ محرم ١٤٤٢ هـ   


رحلتي إلى آلاسكا - ٧

وصلت في الليلة السابقة إلى حين التفت الدب الضخم إلينا ثم عاد إلى حاله في التأمل في الأشياء بلا عبث. فتركنا الهياط وبحثنا عن طريق آخر.

في المنطقة شلال منخفض تلتقي عنده أسماك السلمون في هذا الوقت من السنة وتتقافز بطريقة عجيبة أمام التقاء الشلال بماء النهر. ولسمك السلمون قدرة عجيبة على الترحل لمسافات تصل إلى ٣٠٠٠ ميل. فهي تنشأ في المياه العذبة ثم ترحل إلى المحيط فتعيش فيه حتى تقترب من الموت فتعود إلى البحيرات التي خرجت منها وتبيض ثم تموت. وهذا المكان هو الذي حدثني عنه الفهيد رضي الله عنه. وللسلمون هنا سوق رائجة. وبعض الشركات تأخذك في رحلة للصيد، فتعلمك الصيد، ثم تصيد ما شاء الله أن تصيد، وبعد أن تجمع حصتك، تشحنها لك إلى منزلك حيث كنت في أمريكا إذا أردت.

تقصد الدببة هذه البقعة فتجلس على حافة الشلال فتلتقط ما تستطيع أن تلتقط من هذا الصيد الثمين. وصلنا هناك في اللحظة التي ألتقط دب ضخم سمكة سلمون وبدأ يلتهمها بكل حنان دون مبالاة بنا وكأننا لسنا في الجوار. لم أبحث لأفهم تصرف الدببة بهذه الغرابة لكنها تتعامل بغفلة تامة عنا. حضر للمشهد دب جديد من بين الأشجار واقترب من الدب القابع أمامنا ثم بدأ صراع ناعم تحول إلى اشتباك لمدة لا تقل عن عشر دقائق. كان الصراع كما قالت أحدى العاملات في المكان لعبا وعبثا. والدببة تفعل ذلك دائما. وهذان الدبان غالبا هم أخوان اختارا البقاء سوية بعد أن قررت الأم تركهما لمواجهة الحياة.


في الصورة الأولى: الدبان في بداية الصراع "لاحظ الدب الثاني في زواية الصورة العليا يسارا". 
 الصورة الثانية: دب آخر يتغدى سمكة

قضينا سبع ساعات في المكان نتنقل من مكان إلى آخر أنا ورفيق الرحلة. ويبدو أن رفيقي يشاركني نفس الطبع فهو لم يأكل شيئا منذ قدمنا إلى هذا المكان فقررنا العودة. فأكل هو سنيكرس وأكلت كيسا من الكاجو. ثم بقينا حول المكان استعداد للعودة.

توضأت من هذه البحيرة الممتدة التي تدعوك إلى تأمل كيف ستكون الجنات - اسأل الله الجنة لي ولكم وكل من نحب-. وجلست على الحافة انتظارا لرحلة العودة بعد نصف ساعة. وهذه الرحلة ستكون على طائرة عائمة تأخذنا إلى منطقة أخرى في المنتصف لتأخذنا طائرة صغيرة أكبر من العائمة إلى مدينة أنكوريج مرة أخرى.

هل تعرف صوت الشاص ٨٤ عندما يكون ”الكربيتر“ مليء بالرمل؟

لمن لا يعرف الشاص هو سيارة صلبة من انتاج شركة تايوتا وكانت لها نسخة غاية الصلابة وهي السيارة المعتمدة في جبالنا في الجنوب لصلابتها وقوة عزمها. و“الكربيتير“ هو جزء من السيارة يمر عبره الوقود لتسير السيارة كما يجب أن تسير. من يعرف الشاص سوف يعرف تماما ما أعني.

جاءت الطائرة العائمة التي ستأخذنا إلى المحطة الأولى فكان صوتها كالشاص تماما دون مبالغة ولدي تسجيل مصور لمن يريد الاثبات. قائدها في نهاية الستينات من عمره. وأظن أن الطائرة أكبر منه سنا. سعة الطائرة (٤ ركاب) أحدهم سيكون بجوار الطيار. وكان حظي المقعد الأخير الذي جلست عليه متربعا. وسائل السلامة في هذه الطائرة شبة معدومة. الطيار لم يربط الحزام. أنا لا أدري أين الحزام. ستر النجاة مجمعة تحت مقعد الراكب الذي أمامي. نظرنا الأربعة في بعض وانفجرنا بالضحك. لأنه بقدر ما كانت بداية الرحلة مفزعة ، كانت تدعو للضحك والسخرية من هذا الشي العجيب. قال أحدهم أنه ممرض وقلت لهم أنني طبيب وكأن هذا سيمنعنا من شيء ما لم يحفظنا الله بحفظه. لم يتمكن الطيار من اغلاق الباب إلا بعد عدة محاولات وقد تركه مفتوحا لفترة ونحن نعوم على الماء حتى ظننت أنه ينوي تركه مفتوحا طيلة الرحلة، لكن يسر الله له فانغلق الباب قبل الاقلاع بلحظات. كان سائق الشاص أو الطائر يمازحنا فيقول إنه لم يقد طائرة من سنوات طويلة وأنه سيجرب هذه المرة. كان يقول كذلك إن الطائرة ليس فيها ما يكفي من الوقود لكن سيحاول الاقتصاد. وصل ”الشاص“ الطائر بأمان بعد نصف ساعة تقريبا.


صورة للشاص وسائق الشاص والمنظر من الطائرة .. 


صورة للغابات والبحيرات الممتدة من نافذة الشاص 

سمعت أحدهم يتحدث بعد أن وصلنا للمحطة الأولى عن حادث طائرة مماثلة لطائرتنا قبل عدة أشهر فمات كل من عليها ولم يتمكن الإنقاذ من الوصول إليهم حتى هذه اللحظة لوعورة المكان واستحالة الوصول إليه. رواية القصة كانت في توقيت غير مناسب لأنني على وشك ركوب الطائرة الصغيرة التالية وإن كانت لا تقارن بالشاص الذي نجوت من قبل لحظات.

عدنا إلى أنكوريج بعد ١٢ ساعة من الانفصال عن العالم. وما إن وصلت حتى رن جوالي برقم صاحبنا السعودي الجميل.

٨ محرم ١٤٤٢ هـ

رحلتي إلى الآسكا - ٦

لكل انسان على هذه الأرض قصة طويلة ذات تفاصيل لا تنتهي. وأعني ”كل إنسان“ بما تحمل الجملة من معنى مباشر. كل ما نحتاجه لندرك نذلك أن نتجاوز الطواف حول ذواتنا والانصات لقصص الناس، ومنح من حولك مساحات للحديث والتعبير عن الذات. وقد تدرك أحيانا ما لايدرك الإنسان من نفسه. أحيانا يغلب علي الاستغراق في هذه الفكرة فأرى الناس تتحرك والقصص تسير أمامهم كنوتات موسيقية. وللكلام شهوة كشهوة الطعام والشراب والإنسان لا يقوى دائما على أن يجوع ويظمأ ويصمت ولكن يسدد ويقارب.

أكتب الآن من طائرة صغيرة لا تقل أكثر من تسعة أشخاص متجها إلى حدائق كيتامي الوطنية. قبل سفري بليلتين دلني حبيبنا الدكتور محمد الفهيد على مقطع فيديو لهذا المكان فأضفته على القائمة. والحدائق أو المنتزهات الوطنية في أمريكا ليست حدائق بالمعنى الدرج بل غابات فسيحة تنقطع فيها الركبان. لكن عليها صيانة معقولة وتجرى فيها أبحاث وبها موظفون دائمون أو موسميون.


كما ترى الطائرة كبيرة جدا 


يجاورني على الطائرة صديق تعرفت عليه قبل خمس دقائق، يقصد نفس المقصد وهو غزو الدببة في عقر دارها. السماء تحت الطائرة بيضاء تماما من كثافة الغيوم فلا نرى شيئا إلا الأفق الأبيض. صديق السفر منطلق في الحديث فتحدثنا حول أشياء كثيرة. كان يعمل في عرعر لمدة طويلة عاش خلالها وسط الصحراء. لا يعرف من السعودية إلا الصحراء. قرر هذا الرجل قرارا جميلا وأغبطه عليه. مع بداية أزمة كورونا تحولت كثير من الأعمال إلى العمل عن بعد وتحولت بعض المنازل إلى سجون مصغرة خصوصا في المدن المزدحمة. فكر هو وزوجته في شيء مختلف. عمله كل عن بعد، وزوجته تكمل الدكتوراة ومنشغلة بالرسالة وهما وطفلتهم يسكنون في شقة في العاصمة واشنطن.

قررا أن يلغيا عقد الشقة وأن يتجها للطبيعة فهما يقضيان هذه الفترة من منتزه وطني إلى آخر ويسكنان في شقق airbnb ويترحلان بين المدن بالبر أو بالبحر أو بالجو. وإيجار الشقة العالي في واشنطن تحول إلى سياحة في أرض الله. وهو هنا يلاحق مناظر الدببة والطيور والحيوانات البرية.

ابنته الآن وعمرها خمس سنوات زارت أكثر من ٤٥ ولاية في أمريكا. ومن يعرف أمريكا يعرف مايعني ذلك. فأمريكا قارة ضخمة ومتباعدة الأركان. ولك أن تعلم أن الرحلة من واشنطن العاصمة إلى إلى الاسكا استغرقت عشر ساعات وفارق التوقيت بيننا هنا وبين العاصمة أربع ساعات.

صرنا ”أصدقاء“ في فترة قصيرة. تحدثنا في أشياء كثيرة ولدى ”كرق“ القدرة على فتح أبواب للحديث ومشاركة تجاربه ولعل كثرة أسفاره ومعاشرته للناس في دول وأقطار مختلفة، هي ما منحه هذه القدرة على الاستطراد وفتح أبواب الحديث والاستماع والاهتمام بالناس حوله. والناس ”كلهم“ طيبون لكن قلة من يحسن التعبير عن طيبته وإيصالها للناس بتوسط. فكما أن الانطواء سيء فإن المبالغة في الاقتراب من الناس لا يصلح والتوسط خير في كل شيء ”لمن يحسنه“.

صورة تجمعني بـ"كرق"

نسيت أن أقول انني اتصلت على الرقم الذي أُعطيته الليلة السابقة. فرد علي صوت يمني جميل يرحب ويهلل. قلت له هدفي من الاتصال. فرحب وسهل أكثر وأكثر. ثم قال: أبشر، أكلم الرجّال. بعد عشر دقائق تقريبا جاء الاتصال من صاحبني الخليجي وهو يردد: ” هلا بريحة هلي!“ :). استطردنا في الحديث وأخبرني أنه من السعودية وأنه يعمل هنا تقريبا من عام ٢٠١٤ وأن لم يتلق أي شخص من السعودية من عدة سنوات. ثلاث أو أربع، نسيت. تواعدنا على الساعة السادسة مساء في اليوم التالي. والسادسة مساء هي منتصف العصر هنا وقد أشرت أن أذان المغرب ٩:٣٠. أخذ عنواني لطفا منه قائلا: ” ما تدري وش يصير في الحياة، لا قدر الله“ وقد كنت مطمئنا فأرهبني. لكنه غمرني باهتمامه ولطفه.

ومنذ أن غادرنا المطار صباح اليوم التالي انقطع اتصالنا بالعالم -أو على الأقل اتصالي- فالمنطقة ليس فيها شبكة اتصال. وبقينا كذلك حتى عدنا بعد ١٢ ساعة. ويبدو أن صاحبي كان يتصل طوال اليوم حتى خشي أنني صرت من أمس الغارب.

نزلت طائرتنا الصغيرة بعد أن عبرت جنات وأنهار تسلب الألباب. وهذه الجنات تتحول إلى بياض قاس بمجرد ما يقترب الشتاء. نزلنا في مطار صغير في أرض لا تظن أن فيها مطار. البساطة هنا علامة لكل شيء فأنت تركب الطائرة وكأنك تركب سيارة أجرة في أمواج الخليج أو البطحاء - منطقتان لسيارات الأجرة في أبها والرياض-. لم يسألني أحد عن جواز سفر أو بطاقة هوية. تأكدوا من اسمي كما هو في ورقة الحجز ولا أكثر من ذلك.

انتقلنا من الطائرة الصغيرة إلى ”طائرة عائمة“ أقل حجما وقد رأيت ” ملفا صغيرا“ أمامي فكان طريفا ومخيفا في الوقت ذاته. فقد كُتب عليه ”دليل الطائرة“ لأنني شعرت أنها غسالة قديمة. وحركات يد الطيار أمامي كذلك توحي أنك في غسالة ضخمة. طارت الطائرة بعد سمعنا التعليمات من ”الطيار“ و ”المضيف“ و ”حامل الأمتعة“. وهذه الثالوث حل في شخص واحد وهو القابع أمامي على المقعد يحرك شيئا مثل ” القير ” يرفعه ويبسطه، ومرة أو مرتين كانت يده تطوف في المكان وكأن الرجل لا يدري ما يفعل. لم أخف لكن كان شكله لا يليق.

القائد الموقر ويده الحائرة تبحث عن شيء ما 


هذه الطائرات فيما يبدو تطير على ارتفاعات منخفضة فكان المنظر تحتنا يسلب الألباب، المياه من تحتنا صافية، ثم خضراء، ثم زرقاء وتنوع بيئي لا مثيل له. فأنت بين محيط فجبال فأنهار فبحيرات، ثم سهول ممتدة مد البصر. مررنا بدبة و“ديسمين“ - الديسم صغير الدب- يلعبان حولها. رأيناهم بعيدين على شاطيء البحيرة والطائرة تبتعد عنهما.

وصلنا للمقصد فأُلقيت علينا محاضرة في التعامل مع الدببة. كان العامل في الغابة يقول : إذا رأيت الدب فلا تقترب منه أكثر من خمسين ياردة. وتوقف في مكانك ولا تحدث جلبة غير الحديث المعتاد. تحدث في هذه المنطقة مع نفسك لأن الدب يعرف صوت الإنسان فلا يعتبره عدوا والمشكلة حين لا يدري الدب ما الشيء الذي أمامه فيدفعه فضوله للاقتراب منك ثم قد يحصل ما يحصل كأن تهرب أو تتصرف بحماقة أو يتصرف الدب بحماقة. إذا شعرت أنه يقترب أو يسير باتجاهك فهو غالبا لا يقصدك. حاول أن تحتفظ بمسافة كافية وارجع قليلا قليلا حتى تراه يبتعد. إن اقترب اكثر ابتعد أكثر وهكذا. حفظنا الدرس.

صار بيننا من العلاقة الإنسانية أنا و“كريق“ ما جعلنا نتساير بقية الرحلة منذ بدايتها حتى نهايتها. والرحلة هي ان تسير على قدميك في مسارات غير مسيجة ولا محمية، ويقد يخرج عليك الدب من أي جانب. لكن المنطقة في كل حال آمنة والناس حولك في المنطقة يسيرون كما تسير في أماكن متفرقة.

مشينا ما يقارب عشر دقائق وإذا بسراب بني يسير في الطريق. وقد كان دبا ضخما هائلا. كان رفيقي أكثر شجاعة مني فمشي خلفه يريد أن يقترب أكثر فاقتربنا واقتربنا. حتى توقف الدب البني العظيم في الطريق. وكان جديرا لو أٌستحضرت المقامة البشرية لبديع الزمان ومطلع قصيدة بطل القصة:

أفاطم لو شهدتِ ببطن خبت وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا..

إذا لرأيت ليثا زار ليثا هزبر أغلبا لاقى هزبرا.

التفاتة الدب علينا

٦ محرم ١٤٤٢ هـ

رحلتي إلى آلاسكا - ٥

صليت الفجر فتنفس الصباح وتنفست قهوتي الأولى. وفتحت شنطتي فوجدت الهيل وإبريق القهوة ولم أجد بن القهوة العربية فسخرت من نفسي مرة أخرى. جلست على الكمبيوتر الساعة السابعة والنصف تقريبا وأغلقته الساعة الحادية عشر والنصف تقريبا بعد أن سلمت الورقة إلى الدكتور ويكليكس. ولعلي أتحدث عن ويكليكس في قابل الأيام إذا مد الله في الأعمار. مررت على مطعم لا يؤبه له في زاوية من المدينة فأفطرت ثم توجهت إلى الجبل.

جبل القمة المسطحة من بعيد. ويبدو كأحد جبالنا الجميلة

الطريق يبدو سهلا وممهدا لكن يزداد صعوبة شيئا فشيئا. هون على الأمر أنني أرى أطفالا صغارا عائدين من جهة القمة في رفقة والديهم. أكملت المسير فزاد الجبل حدة والطريق ارتفاعا. الناس هنا يصعدون بأطفالهم هذا الجبل ولا أظنني أتجرأ على فعل ذلك، أعني الصعود بأبنائي إلى قمة هذا الجبل. كدت أن أتوقف أكثر من مرة وأعود من حيث أتيت لكن القروي الجبلي الذي بداخلي كان يدفعني للاستمرار. الجبل خطير جدا خصوصا على الصغار وكبار السن ولا أفهم جرأة الأمريكان على الصعود بأطفالهم إلى هذا المكان. رأيت أطفالا على القمة لا يتجاوزن الخامسة. إحدى النساء انزلقت من على السلم وألتوى كاحلها فسقطت وهي تحمل رضيعا على ظهرها. سَلِمَ الرضيعُ وسلمتْ فيما يبدو. غادرتهما وهي تبكي ومعهما رجل قد يكون زوجها.

على حافة الجبل اختار البعض التقاط التوت البري. لم أكن أدري ماذا يفعلون فسألتهم فأعطاني أحدهم بعضا منه.

عائلة تجمع التوت

حبات من التوت البري هدية من هذه العائلة، وتأمل الاتقان في التصوير :)

الطريق إلى القمة بين مسارات مهيأة وسلالم خشبية قديمة وفي النهاية صخور بلا معالم واضحة.


سلالم قديمة قد يكون أحيانا ضررها أكثر من نفعها. لسهولة الانزلاق عليه إلى الفضاء الفسيح

قبيل القمة

صورة من القمة وتظهر المدينة ثم المحيط الهاديء 

وصلت للقمة وقضيت عليها ماشاء الله ثم اخذت طريقا نازلا. سمعت ثناء من أحدهم لطريقتي في النزول فتحمست فيما يبدو وتشجعت فأسرعت فشققت كفي وأنا أنزلق من على الصخور. ولأن الدورة الدموية في جهد عال بسبب الحركة والجهد لم يتوقف الدم عن النزيف ببطء، حتى ضغطت بكفي على صدري فوق مستوي القلب. ثم بقيت رافعا كفي طوال الطريق حتى وصلت للأرض. هذا بعض ما يمكن فعله خصوصا مع الجروح البسيطة في الأطراف: رفع الطرف فوق مستوى القلب والضغط على المكان.

النهر يبعد تقريبا ٣٠ دقيقة مشيا من أسفل الجبل

وصلت للأرض المستوية فأخذت المسار المتجه للنهر. وهو مسار جميل ولطيف كذلك. ولكن النهر أجمل من كل هذا. توضأت منه فصليت العصر والمغرب وبعثت لأمي توثيقا للمكان وأخبرتها أنني صليت العصر والمغرب هنا لأنني أعلم أنه سيسرها. ثم اتجهت صوب محل من محلات الحلال التي وجدت على الخريطة واسمه ” مركز سلام للحلال“، ومرة أخرى يقابلني الصوماليون الجميلون. وما إن دلفت حتى وقعت قعت عيني مباشرة على أكياس بنية خلف الرجل فكانت قهوة عربية قادمة من جدة كما يقول الرجل فكانت غنيمة ما حسبت حسابها.

مدخل المحل


جارتنا إن غريبان هاهنا.. ولم تكن الجارة ذات جودة عالية


صاحب المحل منشرح الخاطر منطلق الحديث فبادرته فسألته عن المنطقة وعن السؤال السابق: لماذا الصوماليون هنا؟. قال لي: أن الحكومة الأمريكية فتحت باب الهجرة إلى آلاسكا تحديدا لجنسيات أفريقية منها الصومال والسودان. ونحن نتحدث دخل حسن السوداني الذي قدم من دارفور فأكد ما يقول صاحبنا. يعمل معظم هؤلاء في شركات الزيت وشركات الصيد أو في شركات التكسي. وبسبب صعوبة الجو تدفع الشركات أحيانا إلى حدود ٤٥ دولار في الساعة للعمال وهذا مبلغ كبير جدا. والصوماليون يبادرون في الأعمال التجارية ومحلات ”الحلال“. يقول لي: أنه في غاية السعادة في هذه الولاية وأنه أكثر يكون سعادة عندما يأتي الشتاء. جرب حرارة صيف الصومال وحرارة صيف جدة التي عاش فيها سنوات طويلة لكنه الآن لايريد بهذه الأرض بدلا كما يقول. أصبح يحب الشتاء أكثر من الصيف. درجة الحرارة في الشتاء تصل إلى ٣٠ تحت الصفر لكنه يقول إنها محتملة وسهل التعايش معها، وأصدق هذا لأن درجة الحرارة كانت تنخفض جدا في شيكاغو وفي غرب فيرجينيا لكنها تحتمل ما دام لك بيت يؤيك وسيارة تحملك. من الطريف أنه يقول أن الناس القادمين من المناطق الأشد برودة وذكر تحديدا مدينة ”فيربانك“ يتسغربون لماذا يلبس الناس في انكوريج كل هذه الطبقات وبعضهم يطلب تخفيض درجة حرارة المكيف الدافيء في السيارة لأنه الحر لا يُحتمل -ونحن هنا ما زلنا نتحدت عن درجة حرارة ثلاثين تحت الصفر-. يمكن فهم هذا لأن درجة الحرارة في تلك المناطق تصل إلى ٦٠ تحت الصفر!

أتيت هنا للفصل الأشد طرافة - بالنسبة لي - وهو أنني عرفت من خلال حديثي مع الناس هنا في المحل أن في المدينة شاب خليجي مستقر هنا من سنوات ويعمل في التجارة وله محلات تجارية. رغبت في الحديث مع الشاب الخليجي ولكن لا أحد من الموجودين يعرف طريقة للتواصل معه. وحين هممت بالخروج دخل أحدهم فسمع النقاش فأعطاني رقم أحد العاملين مع الشاب الخليجي. أخذت الرقم وانصرفت .

٥ محرم ١٤٤٢ هـ

رحلتي إلى آلاسكا - ٤

قلت آخر التدوينة السابقة أنني في طريق العودة من دينالي انتبهت أنني لم آكل وجبة حقيقية منذ يومين. وأنني أعيش على القهوة والماء! وهذه عادة حسنة لكنها سيئة لعدة أسباب. منها أنني أحيانا أتصور أن الذي معي في السفر مثلا لايريد أن يأكل كذلك. فإن كان ممن يخجل من المبادرة قضى يومه جائعا. زوجتي تعرف ذلك مني جيدا إذا كنا على سفر فتذكرني أن البشر يأكلون فنتوقف فناكل. أذكر صديقي طارق الفلقي عانى من ذلك كثيرا. صديقي علي السنبقي أيضا بعد التدوينة السابقة بعث رسالة تشير إلى أنه قد ذاق مرارة الجوع معي.

ومن مساويء هذه العادة أنني أحيانا أسير في المستشفى في نهاية يوم طويل فأشعر بخمول عام وضعف وصداع، فابدأ بالبحث عن الأسباب فأتذكر كل شيء إلا الجوع! وماهو إلا لقمة أو لقمتين فتختفي كل هذه الأعراض. والأشياء أحيانا تكون من الوضوح بمكان لدرجة أن الانسان لا يراها.

ظهر معي في الخريطة أحد مطاعم الحلال في المدينة وهي ثلاثة أو أربعة فقصدت أحدها، وحين وصلت شعرت أنني في في بقالة في السوق الشعبي في محايل عسير، فالملابس المعلقة، ونوعية العطور، والبهارات، والنسق العام كله كان يشير إلى سوق محايل الشعبي. وما كان والله أجمل لو أضيف إلى هذا ”النسق“ أحد الرجلين: بن عواض أو جابر امريشي. وهذان من أعلام صناعة الحنيذ في العصر الحديث فالحنيذ عندهم بطعم اللحم لكنه في قوامه ولونه كالآيسكريم!

صور متفرقة من المحل 

الله يا أحمد - أحد الأصدقاء -.. أتذكر حين كنت تتعطر بأحد هذه العطور، فتخرج بين الناس تمشي الخيلاء وكأن على رأسك ريشة؟!. أتذكر يوم كانت تفوح هذه الرائحة منك على بعد أمتار عديدة لأنك كنت تفرغ نصف العلبة على شماغ البسام الذي تعرف موديلاته كما تعرف موديل "هايلكوسك“ الجميلة؟ شماغ البسام الذي تبدو حين تسير به وكأنك سمكة قرش تمخر المحيط! والآن يا أحمد لا يرضيك إلا ديور أو شانيل؟.. :)

وجدت كل شيء في هذا الهجين الصغير ( أعني هجين ما بين مطعم وبقالة ) ، لكنني لم أجد قهوة عربية للأسف. ومن المخجل أن أقول أنني أتيت بكل شيء معي هذه المرة مما يخص القهوة العربية: الهيل، دلة صغيرة، خلطة القصيم، التمر … لكنني نسيت القهوة. ولعلي أقضي الأيام القادمة كلها بلا قهوة عربية.

المحل يملكه صوماليون والعاملون فيه كذلك. وقد سألتني الموظفة من أين أنت؟ فقلت من السعودية؟ فقالت: وانتا إيش جابك هنا؟ .. فقلت:الطائرة ، فضحكت. تأملت قائمة الطعام فإذا فيها شورما بلحم البقر!

هل يمكن أن أطلب شورما من مطعم صومالي يا أختي الفاضلة؟

وهذا ليس ذما ولا عيبا. ومثل ذلك لو تطلب مرقوق من مطعم لبناني؟ أو عريكة من مطعم كشري. كلها خيارات لا تتسق مع النسق الذي كنا نتحدث عنه. وليس للإنسان إلا أن يستسلم للأنساق من حوله ولذلك طلبت لحم ماعز مع الرز، وقد كان لذيذا جدا رغم أنني كنت أضطر لاستخدام كل طاقتي مع كل قطعة منه، ثم ألوكه كمطاط. لكنه كان لذيذا وغني بالنكهة و .. البصل.

تمنيت أنني سألت عن سبب وجود الصوماليين الملحوظ في هذه المدينة. لكن لعل الله يأذن بذلك في قادم الأيام.

سأقول لي ولك شيئا: إنني من أقل الناس تخطيطا في حياتي. يتحدث الناس عن الخطط السنوية والخمسية.. إلخ. فأتصور انهم يتحدثون عن خيال. أحاول أن أنجز ما في يدي وأن يكون لدي تصور عما أريد فعله لكن لا أكثر من ذلك. هذه الجداول والخطوط والمربعات التي يحسنها بعض الأصدقاء - كما يقولون!- لم تصلح لي. ولا أدري إن كانت سأحول تجربتها مرة أخرى.

أقول هذا لأن الخطة الوحيدة التي أقدمت عليها بلا تردد قبل سفري إلى هنا أنني حجزت تذكرة ذهاب وعودة. دون أي شيء آخر في المنتصف. ثم بدأت أملأ الفراغات. وأجاهد نفسي من فترة طويلة على أن أتعلم اللامبالاة والرفق بالذات حين تعيش لحظات ”اللاشيء“. اللاشيء هنا مثلا أن تحدق في السقف، أن تقرأ كتابا غير مفيد، أن تقضي وقتا طويلا على وسائل التواصل بين فترة وأخرى.. أن تسافر ساعات طويلة إلى آلاسكا ثم تقضي يومك في الفندق تقرأ كتابا عن تاريخ النسوية في الأديان. هذه "اللأشياء" لا تصلح أن تكون طبعا، فلا شيء أجلب للسعادة ، واطرد للأمراض النفسية من شغل تحبه، وإنجاز تنجزه. لكن لا يصلح أن يقسو الإنسان على نفسه.

وإن كنت في كل حال لا أشجع على السفر إلى هذه المنطقة بلا تخطيط خصوصا لمن يسافر بالأهل والأولاد. لأن المناطق متباعدة ووسائل التنقل محدودة أحيانا. وقد أتحدث عن هذا إذا انطلق الخاطر.

عدت لغرفتي فقابلت ”سام“ القادم من سياتل وهو يسكن في غرفة مقابلة فحدثني عن جبل يبعد ٤٠ دقيقة تقريبا واسمه جبل القمة المسطحة. وكما ذكرتُ لك فيما يتعلق بالتخطيط، عزمت على الذهاب للجبل ووضعته على القائمة لليوم التالي. ومن الطريف أن سام وغيره ، قدموا إلى آلاسكا وتركوا منازلهم واختاروا هدوء هذه المنطقة مع الاستمرار في أعمالهم عن بعد. فهو يعمل حتى الثالثة أو الرابعة ثم يبقى لديه قدر كبير من النهار يفعل فيه ما يشاء. وهذا تعامل ذكي مع الأزمة خصوصا لمن يعيش في المدن الكبيرة. فتكلفة إيجار الشقة في مدينة مزدحمة يغطي تكاليف السفر والعيش في مناطق هادئة. فيسكن أحدهم على هوامش المدن ويمارس العزلة الاجتماعية كما يحب. وإذا انتهى يومه خرج يستكشف المنطقة ويتأمل في الدنيا من حوله.

والنهار هنا طويل والليل قصير، فالشمس تشرق ٦:٣٠ تقريبا وتغرب الساعة ٩:٣٠. وقد كان النهار أطول من هذا بكثير إلى فترة قريبة، والليل أقصر بكثير فلا يتجاوز ٣ ساعات. وقد كان المسلمون هنا يصومون ٢١ ساعة في رمضان الماضي. وبعض المناطق التي لا تبعد أكثر من ٣ ساعات من هنا كانت لا تغرب عليها الشمس مطلقا. وعلى ذكر الصيام خطر في بالي شيئا علمته اليوم وهو أن المركز الإسلامي الذي وضعت صورته قبل أيام كان من بناء الحكومة السعودية قبل عدة سنوات. والمهم أنني سأتجه غدا للجبل الذي حدثني عنه سام!

٤ محرم ١٤٤٢ هـ