سبعة كتب - ١٢

وإن الحياة مارثون ليس له نهاية. وقيد لا ينفك منك. وحلم لا ينتهي إلا بالموت. مارثون لو غفلت بقيت تجري في مساراته الكثيرة متنقلا بينها لا تدري إلى أين. نحن نقرأ حتى نرتاح. نقرأ لنجلس على قارعة المارثون نتأمل الراكضين. ونتنفس بارتاح وسكينة. ونشرب الماء ونحتسي القهوة على مهل. ثم نتابع الركض .. حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. هذه خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.




The psychology of Money 

الكتاب كان من توصية الصديق الذكي القاريء د.حسين الخالدي. والكتاب وإن كان يتحدث بشكل عام عن المال وعلاقة الإنسان به وكيف يفكر الإنسان فيما يتعلق في المال ونمائه إلا أنه بوابة إلى أشياء كثيرة مختلفة في تفكير العقل البشري وكيف يحلل الإنسان الأشياء شعر بذلك أم لم يشعر. منها كيف يظن الإنسان أن قراراتها اليومية واختياراته قائمة على فهم ووعي كامل للواقع بينما الحقيقية أن الواقع أكبر من أن يُدرك. وأهمية هذا النوع من النظر والتأمل يتعدى إلى أمور مثل قرارات الطبيب العلاجية - بصفتي طبيب - وكيف تُبني في أغلب الأحيان على معلومات ناقصة. سواء على مستوى التاريخ المرضى أو معرفتنا البشرية بالمرض وطبيعته. أحيانا يتخذ الطبيب قرارا ما ثم يتحسن المريض في اليوم الذي يليه أو تسوء حالته فيظن الطبيب أن قراره هو الذي فعل هذا بينما هناك أشياء كثيرة أخرى “غير مسجلة”. في مرة من المرات عالجت المريض بطريقة مختلفة - وإن كانت لا تخالف الأعراف العلمية - فرأيت تحسنا كبيرا في الأيام الذي تلي هذا القرار فسررت وحكيت لمن حولي التحسن الذي حصل للمريض بالفعل الذي فعلنا ثم اكتشفت بعد أيام أن الممرضة لم تعط المريض ما أمرتُ به. قراراتنا محدودة لا تقوم في أغلب الأحيان على ما يكفي من المعطيات لكننا نقرر . وهذه نعمة من نعم الله علينا أننا نغفل ولا ننتبه. ولو فكر الإنسان وحسب العواقب لكل شيء ما خطا خطوة واحدة.


٢) قصة الأندلس من الفتح إلى سقوط قرطبة 

كتاب مكتوب بطريقة أكاديمية يروي حكاية الأندلس من البداية لسقوط الخلافة. قرأت جزء منه قريبا من الوادي الكبير الذي يشق قرطبة. حاضرة الخلافة الإسلامية في الأندلس. يحكي قرطبة بني أمية وبعض من الحياة حول جامعها وقصورها. الجامع الجميل العظيم. لا يتحدث عما حصل بعد سقوط الخلافة ولا عن غرناطة وقصورها. 


٣) ديوان الحمراء - صلاح جرار 

الذي دلني إلى هذا الكتاب أنني كنت واقفا في قصر الحمراء فرأيت من بين النقوش نقشا يدل على قصيدة فعرفت بعضها لكن القصر والجنات مليئة بالنقوش والأبيات في كل مكان. فبحثت حتى وجدت هذا الكتاب لمؤلفه. يحكي المؤلف أنه زار الحمراء فعزم على أن يفك رموز هذا النقوش الشعرية في كتاب. وبقيت العزيمة معلقة عشرين سنة حتى فتح الله عليه وعكف على الآثار يصورها أثرا أثرا ويتتبع القصائد في مصادرها ويضع لك صورة للنقش والبيت تحته. وهو عمل مهم وجميل يستحق الاهتمام والتقدير. ونصيحتي لمن عزم على زيارة الحمراء أن يسبقها بقراءة هذا الكتاب الجميل. 


٤) رحلة الأندلس - حديث الفردوس الموعود . حسين مؤنس. 

وصلت لهذا الكتاب صدفة بتوصية من إذاعة مصورة "بودكاست" عن الأندلس. ووصف هذا الكتاب بأنه أقرب ما يكون للدليل السياحي. وجدت نسخة مستخدمة على مكتبة نوادر لكنها وصلت بعد أنا وصلت أنا الأندلس. وفهمت حين قرأته ما يعني المتحدث في الإذاعة المتلفزة بأن الكتاب كتاب تاريخي ودليل سياحي في الوقت ذاته. يبدو أن كاتبه عالم بالجغرافيا ومتضلع بتاريخ المكان. يصف لك الطرق والزوايا والقلاع وكأنما هو يصف راحة يده. ويحسن بالعازم على رحلة الأندلس أن يقرأه مبكرا قبل شد الرحال. فيرى المكان قبل أن يراه ويتأمل الزوايا قبل أن يلامسها ويحفظ بعض النقوش في ذاكرته فيقرأها سريعا. وفهم المؤلف رحمه الله للغة الأسبانية جعلته يرى ما لا يرى غيره ويتنبه لما لا يتنبه له الآخرون. ودلني كتابه هذا على كتاب آخر في تاريخ الأندلسي من ترجمته هو ( حسين مونس) لعالم مستعرب أسباني. على أن كتاب الرحلة هذا كُتب في حدود ١٩٤٠ م فربما اختلفت بعض التفاصيل. والكتاب مكتوب من قلب ممزوج بشجى الروح . تكاد ترى بين كلمات مؤلفه حزنه وشوقه وحنينه. بل تستشعره قريبا حين يقول لك في زوايا الكتاب مرات أنه ربما غرق في اللحظة حتى ظن نفسه في ذلك الزمان وهو يسير في طريق سار فيه ابن رشد وابن حزم وابن طفيل . رحم الله الجميع. 


٥) لاليء لقادة الطب الأكاديمي- مترجم 

اختار المترجمون الترجمة الحرفية لكلمة Pearls إلى لآليء. والكلمة تأتي بمعنى الحكم المستخلصة من تجربة عميقة. فهي عميقة ومختصرة وقصيرة في الوقت ذاته. الكتاب فيه كثير من الحكمة والتجربة. والمترجمان أكاديميان قريبان مما يحكيه الكتاب. وإن كان كثير مما فيه موجه إلى عمداء كليات الطب في أمريكا ممن لديهم صلاحيات أوسع ويتحكمون في ميزانيات كبيرة. 


٦) مباهج الكتابة وأوجاعها - همنغواي 

هذا الكتاب الصغير لم يقصد المؤلف أن يكتبه بهذا الشكل . بل ألفه بعد أحد الصحفيين فجمع ما كتبه الروائي الكبير من رسائل ونصوص تتعلق بالكتابة. وفيه مدونات وأحاديث يبدو أنها شخصية جدا ولم يرد الروائي لها النشر. وربما كان ضد نشرها من الأساس. أعجبني فيها سخريته اللاذعة للنقاد وتكلفهم في استنطاق المؤلفين والشعراء والزعم أنهم أعرف بالكاتب أو المؤلف من نفسه. وهو كتاب قصير ظريف. 


٧. مذكرات الحرب والحب والجوع - عزيز ضياء 

قبل أن ابدأ رحلتي بيومين بعثت رسالة إلى عدد من الأصدقاء تقول: “ اقترح علي كتابا واحدا لسفر طويل”. فاخترت اقتراح الصديق محمد المعربي لهذا الكتاب. والكتاب يبدأ بحياة الكاتب منذ عرف الدنيا. بدأها بمعاناة “السفربرلك”=تهجير أهل المدينة. والأحداث التي أدركها من تأثير الحرب العالمية. وصف بدقة كيف تطحن الحرب الضعفاء كما تطحن الجنود الأقوياء. الحرب في الشمال والناس تموت جوعا في الجنوب. الكتاب أدخلني في دوامات من الحزن والكآبة. وأنا ممن أقول أن الإنسان لابد أن يقرأ كل شيء حتى ما يدعوه للحزن لأن الحياة قاسية. وسرورك بها قد لا يدوم. والأيام دول. الكتاب من جزئين كل جزء يقارب ٣٥٠ صفحة تزيد أو تنقص. ومن أجمل وأقسى ما قرأت من فترة طويلة.


سبعة كتب - ١١

وإن الحياة مارثون ليس له نهاية. وقيد لا ينفك منك. وحلم لا ينتهي إلا بالموت. مارثون لو غفلت بقيت تجري في مساراته الكثيرة متنقلا بينها لا تدري إلى أين. نحن نقرأ حتى نرتاح. نقرأ لنجلس على قارعة المارثون نتأمل الراكضين. ونتنفس بارتاح وسكينة. ونشرب الماء ونحتسي القهوة على مهل. ثم نتابع الركض .. حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. هذه خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.


١) مذكرات وذكريات: عبدالكريم الجهيمان

مذكرات كتبها الجهيمان رحمه الله بلغة بسيطة جدا وسهلة. حكى فيها شيئا من حياته في القرية ونشأته ثم شيئا من عمله في الصحافة والإعلام والأدب. أزمنة مختلفة وأناس مختلفون . رحم الله موتى المسلمين. يهمني في قراءة السيرة محاولة الوصول إلى خلاصة التجربة. والتي يكاد يجمع عليها الكاتبون جميعهم. أن مراحل ومواقف الحياة التي رأيناها يوما ما مفصلية .. هي لاشيء مع مرور السنوات. وأن ما يشغلك الساعة حتى تكاد تشرق به، يتلاشى مع الأيام ويصبح نسيا منسيا.

٢) ثلاثية غرناطة: رضوى عاشور

سمعت كثيرا عن هذه الرواية وتوصيات غير منتهية. الرواية جيدة وأحداثها تدور في الأندلس في فترة تلاشي الدولة العربية والإسلامية من هناك . مجتمع مسلم يعيش تحت الاضطهاد الفكري والسياسي. تفاصيل المجتمع ومعاناته مع الاحتلال. أتصور أن الكاتبة تستحضر مأساة أهل فلسطين وهي تكتب الرواية.

٣) حياتك الثانية تبدأ حين تدرك أن لديك حياة واحدة - رافاييل جيوردانو

رواية قصيرة تدور أحداثها حول سيدة ثلاثينية مصابة بداء “الملل” رغم أنها تعيش حياة طيبة وكريمة. تصادف في موقف عابر رجلا حكيما يعيد تشكيل رؤيتها للحياة وبدأت تكتشف أن المشكلة في فهمها هي للحياة. لطيفة وفيها أفكار ملهمة.

٤) The book of how to get things done

كتاب لطيف وساخر. وفيه مفاتيح جميلة وبسيطة للتعود على الإنجاز الأشياء والانتهاء منها أو التخلص منها. قراءتي لها دفعتني لحذف ٤٠٠ بريد إلكتروني عالق. الكتاب جميل جدا جدا جدا.

صورة من الكتاب
صورة من الكتاب 

٥) فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال- ابن رشد

كتاب قصير . فاجأني فيه ابن رشد بتساهله في تكفير من يخالفه. . والكتاب ظاهر في سياق وزمان مختلفين.

٦) مؤتمر القاهرة ١٩٢١ م: قصة العشرة أيام التي شكلت الشرق الأوسط.

جهد ضخم لمؤلفه الكندي وجهد لا يقل ضخامة للمترجم. المترجم اسمه: أحمد العبدة. من فترة لم أمسك كتابا وأفرغ منه في جلستين أو ثلاث دون انقطاع. لعل هذا من حسنات انقطاع الأنترنت وغياب الإشعارات. يتحدث الكتاب عن تشكل الشرق الأوسط. وتحديدا العراق والأردن وفلسطين. كتاب مهم جدا.

٧) المحاكمة: كافكا.

من زمن يمر علي اسم كافكا. وربما قرأت له متفرقات وقرأت عنه هنا وهناك لكنني لم اقرأ شيئا له حتى وقعت قبل أيام على روايته “ المحاكمة “ وهي رواية عجيبة غريبة. تحكي قصة موظف بنك متوسط المكانة وجد نفسه في غرفة نومه محاصر باثنين يخبرناه أنه متهم في قضية وأنه معتقل. ولا يعلمان ماهي قضيته . وتسير الرواية وهو يكافح من أجل أن يعرف ما هي تهمته. رواية ساخرة وعجيبة ولا اظن أن صاحبها سالم من الأمراض.

سبعة كتب - ١
سبعة كتب - ٢
سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

سبعة كتب - ٥

سبعة كتب - ٦

سبعة كتب - ٧

سبعة كتب - ٨

سبعة كتب - ٩

سبعة كتب - ١٠

أيام في الأرجنتين

 الكرة الأرضية قبل وبعد إيميلاتك المهمة

ليلة العيد ليلة غامضة عجيبة. لا هي رمضان ولا هي عيد. لاهي ليلة هادئة وقورة يعمرها الذكر والصلاة والقيام. ولا ليلة فرح وصخب وبهجة. مشاعري دائما فيها ثقيلة جاثمة. الشعور معلوم والوصف مستعص صعب. وهذا الشعور ليس جديدا علي. أعرفه منذ أدركت. وأظن هذا الأمر عند كثير من الناس. ألا ترى الناس في حيرة من أمر تلك الليلة حتى إنهم لا يدرون هل يتعشون أم يصبرون قليلا فـ يتسحرون ؟! . ثم يصبح الصباح فإذا هم مفطرون؟ وبعضهم يفوته العشاء ويفوته السحور ويفوته حتى الوتر في تلك الليلة. بعد أن كان يركع الركعات ذوات العدد. ذهولا وغفلة.

في مثل هذه الليلة من العام الماضي قبض أبي بيده على صدره، وقال لي وقليلا ما يقول: أحس أني تعبان. أخذته المستشفى وقضى وقضيت معه ليالي العيد في عناية القلب.

ألم أقل أنها ليلة غريبة؟

أنا أعلم ما هو الاكتئاب. أفهم أعراضه وعلاماته. المكتئبون زائرون دائمون لعيادتي. أحيانا أتجرأ وأصف أدوية الاكتئاب لمن أشعر أنهم بحاجة ماسة للدواء، حتى يقابلهم الطبيب النفسي. عرفت ما يقارب أربعين ليلة عيد. بعضها هي يقينا ليالي اكتئاب وحسرة. نوبات اكتئاب حادة وقصيرة. تأتي ثم تنقضي بتيسير الله.

القريب على سفر قد يطول. والحياة عجلة تطحن من لا يصبر عليها. والمشاغل تملأك حتى تقطعك. وأمان تسوقك نحو المنية. وراغب فيك على حرف. وقابل بك على مضض. وبعيد يرجوك وقريب يجفوك. ومسافرون لا يعلمون الوجهة. وسندباد لم ينظر في خريطة الكنز.ولحظات فهم لو استغرقنا فيها لأوردتنا مهالك، أو عرجنا بها إلى مدارج السالكين.

الليالي التي أسعى أواخر رمضان أن أقضيها جوار الحرم تعدل العام كله. مكان كريم. ووقت كريم. ورب كريم. وصحبة زالت معهم الكلفة. بين صيام وقرآن وصلاة وأكل وشرب وسواليف. نعمة عظيمة لا تسهل للناس كلهم. من جميل هذه الأيام أن الوقت ممتليء فلا أكاد أجد لحظة واحدة أفتح فيها البريد الإلكتروني أو أرد على رسالة من زميل أو مريض أو طالب. ولو عقل الإنسان ما تذمر من شغل ولا شكى.

أجمع شتات شملي وعفش رحلتي إلى الأرجنتين. بيني وبين سفارة الأرجنتين ٢٢ بريدا إلكترونيا بدأتها معهم من بداية شهر يناير ونحن الآن في بداية شهر أبريل. ثلاثة أشهر من المراسلات انتهت بمقابلة في فلة صغيرة في العليا يسمونها سفارة الأرجنتين. دخلت السفارة فقابلتني أخت كريمة يبدو أنها هي حارسة بوابة الأرجنتين. موظفة في السفارة على وظيفة “جسر التانغو”. أحضرت كل أوراقي ومستنداتي. أخذتها بلطف وكرم وبعد دقيقتين عادت تقول أن أوراقي ناقصة. تماسكت تماسك من يعلم أنه لابد للغريب من التماسك. وإلا فأنا صائم ومسافر. نازل من الطائرة عجل إلى سيارتي إلى السفارة ، ولم أنس الـ ٢٢ بريدا أنهيها كل مرة:

Please let me know if any further documents are required

ولم يقل أحد منهم أنني بحاجة لمستندات أخرى. لكنني تماسكت وقلت لها أنني سأبعث لكم المطلوب بعد مقابلة القنصل. ووافق جسر الأرجنتين على مضض.

علمتني الأيام أن هناك أشياء وأسرار للبلدان لن تعرفها ما لم تقترب منها بنفسك وجسدك. عند الاضطرار تظهر الأسئلة المهمة التي لا علاقة لها بالفضول المعرفي وحده. الفضول المعرفي يخبرك أن الاقتصاد في الأرجنتين يعاني ويترنح. وأن اليمين “المحافظ” يتولى قيادة البلاد. وأن العاصمة كبيرة بها ما يقارب عشرون مليونا وأن الناس يشربون المتة في الطرقات. وأنهم يقدسون اللحم وماردونا. لكن لا يقول لك أنك بحاجة لدولارات من فئة مئة ليزيد سعر الصرف ما يقارب مئة بيزو عن الفئات الأخرى من الدولار. وأن سعر الصرف الرسمي يختلف عن السعر في الشارع. وأنك قد تجد الناس يصرفون الدولار بالبيزو في الطرقات. لا يقول لك أن بحاجة لطارد بعوض قبل أن تصل ، لأنه منقرض من الأسواق بسبب زيادة حالات حمى الضنك. وأن البخاخ الواحد وصل إلى ٤٠ دولارا في بعض المناطق. هذه الأشياء لا يعلمك إياها الفضول بل تعرفها لأنها تمس يومك وتؤثر فيه. وكذلك الغفلة لا تقول لك أن الأرجنتين بعيدة وأن الرحلة إليها طويلة.

مستقلا الطائرة من فرانكفورت إلى الأرجنتين ثالث أيام عيد الفطر ١٤٤٥ هـ. سبقها طائرة من الرياض إلى فرانكفورت وست ساعات من الانتظار في المطار. ثم هذه الرحلة الطويلة التي تزيد عن ١٣ ساعة. كما ترى. لم أكن أعلم أن الأرجنتين بعيدة بهذا الشكل. أحب في الرحلات الطويلة أن أنام والناس يقظون وأن أستيقظ والناس نائمون. ولهذا الأسلوب مزايا عديدة. لا تتأخر عليك قهوتك. ولا تضطر للانتظار أمام الحمام. ولا تتحرج من التأخر للوضوء. ثم تجد مكانا إذا تيسر للصلاة إذا وافق وقت صلاة. والإرهاق يحرمك متعة القراءة ومتعة الكتابة. وإذا رزقك الله نومة طيبة استيقظت طيب المزاج منشرح الخاطر قادرا على قيادة يومك في البلد الذي تصل إليه. وربما نزلت من الطائرة إلى شغلك مباشرة. وقد كنت أتحسر على الساعات التي تذهب في النوم في السفر ثم صرت أبحث عنها لأنها تبارك لك بعد إذن الله ما أنت مقدم عليه من يومك. والناس نائمون وأن أكتب. ألهمني الله فركعت وتري. ثم صفيت بريدي الإلكتروني من ٤٧٠ رسالة كانت فيه. شجعني على ذلك هذه الصورة من كتاب وجدته في مكتبة في مطار فرانكفورت. وهذا الأمر يندرج على أشياء كثيرة في الحياة. فليس كل ما نمنحه من أهمية مهم.

لم يبتليني الله بحب مشاهدة الأفلام. وأظن أن أثر الأفلام على البشر خطير جدا. لأنه قد يسلب الإنسان عفويته في التعامل مع الأحداث والناس. ولم أر صديقا منغمسا في قراءة الروايات - والروايات والأفلام وجهان لعملة واحدة- إلا وهو مضطرب الحكم على الأشياء. والأفلام في هذا التأثير أسوأ وأخطر. أقول هذا بعد أن جرني تقليب الشاشة التي أمامي إلى مشاهدة فيلم ذي فكرة عميقة جدا جدا. تدور حول حول رجل صارم طيب لا يحسن التعبير عن مشاعره، ماتت عنه زوجته قبل ستة أشهر. وقد عزم على الانتحار حتى أبتلي بعائلة لاتينيه سكنت إلى جواره فغيرت حياته إلى حيث لا يحتسب. أفسد الفيلم المناظر المعتادة في كل الأفلام. ثم حشرهم لقضايا الجندر والشذوذ حشرا كعادتهم قاتلهم الله.

وصلت المطار. أخذتني موظفة الجمارك إلى غرفة قصية في تجربة ليست غريبة علي. قال لي الموظف أنه تأشيرتي غير موجودة على النظام لسبب ما. كنت يجلسني معه على المكتب ويقلب جوزات الناس ومعلوماتهم وأرقامهم بلا تحفظ ولا اهتمام وكأن خصوصية الناس لا تعتبر. أخرج الموظف جواله الخاص أكثر من مرة والتقط صورة لجوازي وتأشيرات وجوازات الناس وتأشيراتهم. هممت أن أنكر عليه ثم تذكرت أن انكار أمر مثل هذا مضيعة للوقت. لاحظت أنه يرسل الصور بالواتساب. الواتساب حكومة متجذرة متعمقة في كل أنحاء العالم. في كل زاوية فيه. بعد ساعتين من الانتظار الذي لا فائدة منه ، تذكرت أن لدي وسيلة للتواصل مع السفارة الأرجنتينية في السعودية. فطلبت منهم تحديث البيانات فحدثوها وانتهى سبب الانتظار الطويل!.

سائق التكسي يحدثني بإنجليزية ضعيفة وعاطفة شديدة عن حبه لميسي. يقول أن ميسي صنم يعبد من دون الله . وهو صادق في هذا. تحدثنا: أنا بإنجليزية أحاول جعلها إنجليزية سهلة قدر الإمكان، وهو بإنجليزية مخلوطة بكلمات أسبانية كثيرة. لكننا تواصلنا: يقول أن وصول رئيس يميني متشدد لحكم الأرجنتين دلالة على تذمر الناس من عقود من الفقر والفشل الاقتصادي. وأن الشعب الأرجنيتني يعاني من الفقر الشديد. يقول أنه درس تجارة الاستيراد والتصدير ثم وجد أنه لا تسمن ولا تغني من جوع فاتجه لسيارت الأجرة. قلت له بفخر أننا فزنا عليهم في كأس العالم. وقال لي أن ميسي يحب السعودية وهو سفير للسياحة فيها. يحاول أن يتحدث أكثر لكن الجهل باللغة عقال لا يمكن الفكاك منه. نصحني بمطعم وبدار للأوبرا. وتفرقنا.

قابلت أصدقاء من مصر ومن الخليج ومن أماكن أخرى من العالم. الخليجيون يعزفون على ذات النوتة. عزفنا سويا في مطعم مقارب عزف الجائعين، على نفس النوته. الأرجنتين تحب اللحم أكثر بقليل من المعتاد. جودة القهوة إلى هذه اللحظة أقل من المعتاد. جربتها في ثلاث أماكن مختلفة. لكنها كلها عادية أقرب ما تكون للقهوة الجاهزة. ستاربكس في كل مكان لكنني لم أزر الأرجنتين لأشرب القهوة في ستاربكس. الرياض وأبها مليئة بستاربكس. استشرنا النادل فيما يمكن أكله عنده فنصحني بطبق “الخبز الحلو”. أعدت عليه السؤال: خبر وماذا؟ قال خبز محلى ولحم بقري. وصل الطبق فلم يكن حلوا ولم يكن لحما. وكان شيئا بين اللحم والخبر. وكان في حقيقته خلطة من البنكرياس والغدة الزعترية للبقرة.

صديقي الخليجي ينظر في الخريطة نظرة واحدة ثم يلقيها ويسير سير الخبير العارف بالمكان. لم يبهرني شيء في هذه الرحلة مثل هذا الصديق الخريت. وأنا الذي ينسى القبلة إذا صعد للدور الثاني. الناس هنا طيبون بشكل عام. ولولا حاجز اللغة بيني وبينهم لطالت بيننا الأحاديث والسواليف. لديهم رغبة للمساعدة والتقدم بخطوة. الموظف في استقبال الفندق يمنحني المنح كل يوم. اسأله أين أجد مظله فيعطيني مظلة معلقة لديه. اسأله عن بقالة قريبة فيسألني إن كان هناك ما يمكن أن يقدمه لي. يقترح علي الاقتراحات والأفكار.

المدن لا تفصح عما فيها مباشرة. أنت تحتاج أشهرا من الانغماس والروتين حتى تتكشف لك المدن والأشياء. والزيارة العابرة التي تشتتها ساعات ساعات عمل أو مؤتمر توهمك بمعرفة المكان وأنت لم تعرف منه إلا القشور والزوايا الظاهرة. ولذلك لا تحاول. لن تعرف في زيارتك القصيرة ما يستحق المعرفة.

زرت مركز الملك فهد الثقافي. منارات عالية ومسجد جميل في وسط العاصمة. تحيط به حديقة جذابة وبجواره مدرسة ومكتبة ومتحف صغير. مساحة كبيرة في موقع جميل. صليت فيه المغرب مع خمسة أو ستة آخرين. شعرت مباشرة بالإنتماء عندما دخلت المسجد. انتماء لبلد عظيم وحضارة عظيمة ودين عظيم.

هذا اليوم الثالث أو الرابع في هذه الأرجنتين. انطباعي - إن كان للانطباعات قيمة - أن هذا الشعب في العاصمة بسيط وطيب. ملتزم بالنظام. هناك تقدير للمحيط والمساحة الشخصية. قلت لهم أكثر من مرة أن المنتخب السعودي فاز عليهم في كأس العالم فكانوا يضحكون. كنت استخدم لغة مزيجا من إنجليزية وأسبانية ولغة إشارة. وشم ميسي منتشر على الأجساد بين الرجال والنساء. أحداهن سألتنا من أين نحن وحين علمت، أظهرت لنا وشم ميسي على عضدها. ماردونا وميسي إلهان يعبدان كما يبدو في هذا المكان.

لا أعرف مالذي يمنح المدن حب الناس أو بغضهم. لكنني لم أشعر بالانسجام في بيونس آيرس. الجو لطيف وجميل هذه الأيام وممطر. والناس طيبون في المجمل والدنيا بخير. والقهوة في كل مكان. والبطون ممتلئة. لكن لم أنسجم مع هذه المدينة. كالعادة. أقضي أغلب وقتي بعد الانتهاء من أعمال النهار في المشي وحيدا في الطرقات. كثيرا من الأحيان بلا هدف محدد. في هذه المرة يرافقني صديقي الخليجي. ثقيل العقل ، خفيف الروح. يكبرني بعشرين سنة. استفدت منه كثيرا. استشرته في أمور متفرقة فكان رأيه مليئا بالحكمة. أقول دائما لأصحابي وأقراني: لا تنسوا العمر. حين يصر من يكبرني سنا وأثق في رجاحة عقله على رأي لا أتفق معه. أعود فأراجع نفسي لأن السنوات لا يمكن تجاهلها. هناك ما يسمى بـ”التعرف على الأنماط”. عقولنا مهيئة لإدراك أنماط متكررة من الأشياء ونتخذ الحكم مباشرة دون وعي منا. عندما أرى في عين من يسبقني خبرة وعمرا، حذرا من أمر ما. يجب أن أحذر أو اتنبه أو أتخذ خطوة للوراء. العلم وحده والقراءة لا تكفي في هذه المواقف. تقول لك الممرضة الممارسة سنوات طويلة أنها لا ترتاح لوضع هذا المريض وأنت لا ترى ما يستدعي عدم الارتياح فلا تشعر بأهمية ما تقول لك… فتسوء حالة المريض. لو عدت فسألت الممرضة ما الذي دفعك لهذا الظن ستقول: لا أعلم. أمر ستسمعه من أي طبيب خبير. اسأل أطباء العنايات المركزة عنه. سيقولون .. هناك شيء ما يشعرنا أن هذا المريض على حافة الوداع.

بين فترة وأخرى أميل للسفر وحيدا. هناك أشياء كثيرة لايمكن التحدث عنها أمام أحد. لست انعزاليا وأظن أنني قادر على التأقلم بسهولة. لكنك قد تحتاج للانغماس في لاشيء، وأن لا تسمع أي نقاش أو جدال ولا تحضر أي اجتماع ذا قيمة. تحتاج إلى مساحة للشحن والتعبئة والامتلاء من جديد. الامتلاء من الصمت والهدوء والمشي في الطرقات والتفكر في نفسك وفيما تفعل. لا تحتاج آلاف الأميال لتمتليء بكل هذا.

الناس هنا يحبون الخبز. وكل الناس تحب الخبز. أمامي الآن على الإفطار عشرات الناس: فطورهم كرواسون محلى بطبقة من السكر وقهوة. عدد من الكرواسونات على كل طاولة. لا أعرف ما هي احصائيات مرض السكر والأمراض المزمنة الأخرى هنا. لكنني لا أرى السمنة الواضحة في الشوارع كما هي في شوارع أمريكا أو السعودية. العامل الجيني وحده يقف خلف كثير من انتشار السمنة والسكري والأمراض الأخرى في شعوب دون أخرى. مثلا لا تكاد ترى السمنة في اليابان أو الشعوب الآسيوية بشكل عام. بعكس أمريكا والعالم العربي. والناس يقولون أن بيونس آيرس عاصمة سياحية بامتياز وأنا لا أكاد أرى في الشوارع إلا لاتينيا أو لاتينية.

هذا اليوم الوحيد الذي أجد لي فيه متنفسا بعد أيام لا تخلو من انشغال. ولست من هواة التسوق أو المشي في الأسواق. وآكل ما يأتي من الطعام عندما أكون وحيدا. ولن أتعنى لحضور مباراة كرة قدم. ولذلك عزمت أن أقضي هذا اليوم ماشيا ، ثم أعود لمرحلة الانتقال وترميم بعض ما تأخرت فيه من أشياء الحياة. واقفا في طابور القهوة. طابور الحياة. نظر إلي ابتسامة العارف بي. ثم قال: من أين أنت؟ بلغة انجليزية بلكنة أسبانية. قلت له: من السعودية.

قال: عرفت ذلك.

- من أين من السعودية؟

- من أبها.

- رائع جدا. عشت في السعودية تسع سنوات. كانت من أجمل السنوات. الناس طيبون والعمل طيب وأرامكو طيبة. ما زلت احتفظ بعلاقات وزملاء إلى هذا اليوم. ما الذي أتى بك إلى هنا…

إلخ

توقف الطابور لحظات. تبادلنا الحكايا العابرة. موقف يعلم كلانا أنه الأول والأخير. ثم تلاشى وتلاشيت …

رافقني في السفر كتابان. كتاب باللغة الإنجليزية عنوانه: كتاب إنجاز الأشياء: إحدى وأربعون أداة للإنجاز. كتاب لطيف جميل وجذاب. وقد كنت جالسا في مكان عام والكتاب أمامي على “الماسة”، فوقف أحدهم: بيني وبينه زجاج المكان. فحدق في وجهي ثم الكتاب. ثم تمعن في العنوان لحظات. ثم أشار لي بأصبعه الإبهام وانصرف. وقلت “ماسة” لأنها تعني طاولة باللغة الأسبانية مع إمالة الميم إمالة بينة. والكتاب الثاني لابن رشد المنطقي وعنوانه فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من اتصال. وشدني فيه تساهله رحمه الله في تكفير الناس. أحب أن يرافقني كتاب في السفر. بعض الكتب تحسن العشرة فتتحملها وتتحملك. وبعض الكتب لا تستطيع معه صبرا. فيكون الفراق بينك وبينه مبكرا. كتب السفر يجب أن تكون خفيفة المحمل. سهلة الهضم.

جالس بانتظار طائرة العودة في مقهى يقابل بقالة صغيرة. عامل البقالة يحاول تغيير الروتين. ما زال يمسح الأرض منذ أكثر من نصف ساعة. يمرر الممسحة مرة باتجاه اليمين ومرة بإتجاه اليسار. يبدو أن زوار البقالة قليل هذا اليوم. أنا سأعود للروتين بعد ساعات. يجب أن يشكر الإنسان الله دائما على نعمة الروتين. نعمة الانشغال. لا تتذمر كثيرا من شغلك ما استطعت. لا شيء أقسى من الشغل القاسي إلا الفراغ.

شدني في أهل الأرجنتين التورع عن فضول النظر. عندي عادة تأمل كيف يرى الناس بعضهم بعضا في الأماكن العامة. فلا تكاد ترى أحدهم يصرف نظره عن شأنه. لا أدري عن دقة هذه الملاحظة لكنه شيء رأيته في أيامي القليلة الماضية. والمدن الكبيرة “العصرية” متشابهة جدا. ليس فيها مختلف. في النهار مطاعم ومقاهي وأسواق. نسخ مكررة. حتى الطبيعة تختفي خلف هذه الأشياء. الجميع يسمع أغان إنجليزية. ولذلك بدأت أعاف المدن الكبيرة وأميل للمدن النائية المنسية. في الليل مطاعم وأسواق وحانات. خيارات كلها لا تصلح لي. لا يسافر العاقل ليأكل. ولا يسافر العاقل ليتسوق. والمسلم -والعاقل كذلك- لا يطرق الحانات. ولذلك أجدني أحيانا حين يطول السفر لسبب ما: أشتاق لروتين العمل ، وللإنشغال بالتفاصيل اليومية. بالنقاشات والأحاديث المفيدة والتي لا تفيد. للجدال العقيم. للمشوار الروتيني الذي بلا هدف. لمقابلة الطلاب والمرضى والزملاء. المطعم الذي على الزاوية يطهو اللحم على الفحم. والذي يليه على شواية كهربائية. والذي بعدهما يقدم اللحم في صحن من رخام. والذي في الزاوية الأخرى في طبق من زجاج.

أعود فأقرأ ما كتبت خلال الأيام الماضية فأجد نفسي كتبت عن أشياء كثيرة ومختلفة. شتات من خواطر وأفكار لم تكن الأرجنتين محورها. أحيانا تجد نفسك بحاجة للكتابة فتبحث عن شيء يدعوك لها. قرأت في سفري هذا ثلاثة كتب. كتابين ذكرتهما والثالث عن تشكل الشرق الأوسط. وتحديدا العراق والأردن وفلسطين. اسم الكتاب: مؤتمر القاهرة ١٩٢١ م: قصة العشرة أيام التي شكلت الشرق الأوسط. جهد ضخم لمؤلفه الكندي وجهد لا يقل ضخامة للمترجم. المترجم اسمه: أحمد العبدة. من فترة لم أمسك كتابا وأفرغ منه في جلستين أو ثلاث دون انقطاع. لعل هذا من حسنات انقطاع الأنترنت وغياب الإشعارات. وتستمر الحياة …

شوال ١٤٤٥ هـ - بيونس آيرس

سبعة كتب - ١٠

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.





١) الدرة اليتيمة - ابن المقفع  

القراءة لهذا الرجل من أمتع المتع. سهل ممتنع وبيان بلا تكلف. وحكمة عظيمة. وله إلى كل مغلق من المعاني مفتاح لا يملكه غيره. سمعت جزءا من الكتاب على بودكاست “منصت” ثم أكملت الباقي قراءة والكتاب متوفر على موقع هنداوي وهو كتاب صغير لكنه مليء بالحكمة والعلم والأدب. 


٢) أنثى لرجل واحد

في السنوات الأخير صرت أقتني الرواية بعناية. ولا يمكن لأي رواية أن تصل إلى يدي بلا فلاتر وتوصيات ممن أثق بهم. اليوم وقعت يدي على هذه الرواية التي وجدتها في ممر المستشفى. وهي رواية من روايات المراهقات لا تصلح لأحد. طبعتها دار مدارك وقد كنت أحسن الظن بالدار. على الأقل في الذوق الأدبي أما القيمة والأخلاق فصعب احسان الظن بأي أحد هذه الأيام. المهم من كل هذا إذا وجدت هذه الرواية في طريقك فأعرض عنها. 


٣) سجن العمر - توفيق الحكيم

مذكرات كتبها توفيق الحكيم عن حياته وأمه وأبيه. قصيرة في ١٣٠ صفحة ومتوفرة على الإنترنت الاقتناء مجانا. فيها كثير مما يشجي وكثير مما يضحك. يضحك ويشجي لأنه ينقل صورة الإنسان لنفسه. حكي قصة أبيه مع البناء والتعديلات في المنزل. وهي حالة متطرفة لما يصيب كل أب من مواهب وميول مؤقتة. وكان لي قريب فعل ذات الشيء أو قريبا منه وكأن توفيق الحكيم يحكي قصته بالتمام. رحمهم الله جميعا. 


٤) لاشيء-جين تيلر

رواية قصيرة لراوئية دنماركية معاصرة. فكرتها تقوم حول طلاب في مدرسة ابتدائية. أحدهم آمن مبكرا بعبثية الحياة وأنه لا شيء يستحق وسكن على شجرة في طريق زملائه السابقين يعيرهم ويثني عزائمهم. قرر الأطفال قرارا بفعل كل شيء لإثبات أن الحياة تستحق وأن هناك معنى نعيش من أجله. فكدسوا الأشياء القيمة لديهم على شكل كومة أسموها كومة المعنى. وانتهت القصة بمقتل الفتى المشاغب لأن حتى الكومة فقدت قيمتها مع مرور الوقت. كأن الرواية تقول أن المعنى غير موجود في عدمية على شكل قصة. 



٥-عِبر التاريخ - ويل ديورانت 

كتاب صغير يكتب فيه ديورانت العبر من التاريخ وأثر الأشياء في التاريخ. كالدين والاقتصاد والآدب والسياسة والأخلاق.. إلخ. والمؤلف هو صاحب قصة الحضارة وقصة تأليفه للكتاب هو وزوجته مثال للجلد والاستمرار العظيم. 


٦-طوق الحمامة - ابن حزم 

من فترة طويلة وهذا الكتاب على قائمة الكتب. وابن حزم رحمه كان صاحب قلب “أخضر” لكنه قلب مؤمن عفيف. ولا يمكن لقلب مثله إلا أن يكون عفيفا. يتنقل في كتابه في فصول حول الحب وأنواعه وأشكاله. والوصل والهجر والعشق والوله. وفيه أشعار جميلة. وابن حزم شاعر كذلك. وشعره شعر فقيه أديب. يغلب الأديب أحيانا فتجد فيه ما يعجبك. 


٧- تهذيب الحيوان للجاحظ - تهذيب عبدالسلام هارون: 

للجاحظ أسلوب يصعب على غيره. سهل ممتنع. اقرأ رسائل الجاحظ والبيان والتبيين لترى علو البيان والفصاحة مع سهولة ويسر. 

وفي هذا التهذيب لكتاب الحيوان الكبير. منفذ إلى أسلوب الجاحظ. ومن للجاحظ غير عبدالسلام هارون. 



أبها - شعبان - ١٤٤٥ هـ 

سبعة كتب - ١
سبعة كتب - ٢
سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

سبعة كتب - ٥

سبعة كتب - ٦

سبعة كتب - ٧

 سبعة كتب - ٨

سبعة كتب - ٩


سبعة كتب - ٩

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.


١) في الكنائس - ابن تيمية:

الكتاب هو نص لابن تيمية يتحدث فيه عن أحكام الكنائس وبنائها في بلاد المسلمين. ويناقش الإبقاء على الكنائس القديمة المبنية في بلاد المسلمين. ومعظمها مسائل ذات سياق مختلف. رحم الله ابن تيمية والمسلمين والمسلمات.

٢) ظل الريح - كارلوس زافون

٣) سجين السماء - كارلوس زافون

٤) لعبة الملاك - كارلوس زافون

٥) متاهة الأرواح-كارلوس زافون

الأسابيع القليلة الماضية هي أسابيع الراوية بعد انقطاع طويل عن قراءات الروايات بهذا الانغماس. وعادة حينما انشغل بأشياء كثيرة أجد أن القراءة السهلة هي أحد المتنفسات القليلة للخروج من أسر التفاصيل اليومية. تدور أحداث الروايات جميعها في برشلونه. وتتشكل أحداثها حول كتب مختلفة “ممقوتة” تلاحق أصحابها المصائب والكوارث وحول مكتبة سرية غامضة لحفظ الكتب من الضياع. الشخصيات تتكرر في كل الروايات ويظهرن أمام وجهك من حيث لا تحتسب ولا تتوقع. الشخصيات تتكرر دون الحاجة إلى قراءة الروايات بتسلل وإن كنت أنصح بالتسلسل حتى تكون الصورة أوضح وأقرب. الترجمة فاخرة وجميلة. وقف عليها معاوية عبدالمجيد. وكما درج عليه الروائيون لم تسلم الروايات جميعا من تفاصيل جنسية يبالغ المؤلف فيها في الوصف. والراويات كلها بشكل عام مليئة بالأحداث والعقد. حافظ فيها بشكل مبهر على إظهار الشخصيات في كل الروايات الأربع باتساق وبنفسيات وأساليب مطردة.


٦) شنين الدموع - د.عبدالعزيز الخويطر

كتيب صغير جمع فيه المؤلف من جميل شعر الرثاء ومواقف الرثاء. وبان في الكتيب الصغير هذا ذائقة الوزير الرفيعة. والكتاب من إصدارات المجلة العربية.


٧) المئة في تراجم من بلغ المئة - أحمد العلاونة.

الكتاب من إصدارات المجلة العربية. وجمع فيه سير مقتضبة جدا لمن بلغ المئة في العصر الحديث ما بين علماء وشعراء وسياسيين.



سبعة كتب - ١
سبعة كتب - ٢
سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

سبعة كتب - ٥

سبعة كتب - ٦

سبعة كتب - ٧

سبعة كتب - ٨

هذه سبعة كاملة. ولعلي أستمر في تدوينة مماثلة بين فترة وأخرى إذا كتب الله ويسر

ذو الحجة ١٤٤٤ هـ

أيام في تايلند

مستقلا الطائرة إلى بانكوك في السادس من رمضان من عام أربعئمة وأربعة وأربعين للهجرة. أشياء كثيرة وهائلة وقعت منذ العام الأول من الهجرة. تخيل أننا الآن في الأربعئمة بعد الألف!. الذي ”وقع“ في سنواتي الثلاثين كثير وكبير. كيف بألف وأربعمئة سنة. وأقول ”وقعت“ و ”وقع“ استحضارا للمعاني التي يحملها هذا الفعل والصوت المهيب الذي تسمعه من ارتبط القاف بالعين. فهي أحداث ووقائع وواقعات ومصائب وتحولات ..إلخ. مرة أخرى متجها إلى مؤتمر مختلف حول أمراض الكلى وما يتعلق بها.

ومن يذهب لبانكوك في رمضان؟ مدينة يعرفها الناس بالعبث والدعارة. وإلى قريب كانت تايلند على قائمة الدول الممنوعة لسكان المملكة منذ حادثة قتل السفير عام ….. لكنها فُتحت قريبا للسياح وسَهُلَ السفر إليها فكأنك مسافر في رحلة داخلية قصيرة. ومن شدة عجبي بسهولة الاجراءات من مطار جدة كررت على الموظفين السؤال إن كان هناك أمر آخر أحتاج إليه قبل ركوب الطائرة. وقد كتبت من قبل فيما كتبت عن اليابان عن هذه المؤتمرات وقلت أنني سأكتب رأيي كاملا إذا أمهلني الله إلى يوما ما ، وألهمني الفكرة.

أستقليت الطائرة بعد انتظار ست ساعات في مطار جدة وما إن بدت الطائرة تهتز حتى استلقيت على جنبي الأيمن ونمت كطفل ولم أستيقظ إلا بعد سبع ساعات. نومة جاءت كالمطر بعد جفاف. لا أذكر متى آخر مرة نمت فيها سبع ساعات متواصلة لا يقطعها شيء. لم تنقطع إلا ثوان قليلة حين أيقظتني المضيفة لطفا منها ظنا أنني أود أن آكل شيئا أو أشرب. ولم تعلم أنني كنت فيما هو ألذ من الأكل والشرب. أمران أتلذذ بهما في رحلات الطائرة الطويلة: النوم والعمل. والثاني أحب إلي في الطائرة. فلا شيء يشغلك ولا جوال يقطع عليك أفكارك وخواطرك. لكن الأول ألذ وأحلى حين يأتي بلا استئذان. وهو كذلك لا يقطعه شيء. لا صغير ينسى أن يطرق الباب. ولا اتصال من مستشفى. ولا رسالة من طالب في وقت عجيب. لكنه قد ينقطع بلطف مضيفة تظن أنها تحسن إليك بقطع نومك الطويل. ولا حرج. وكل جميل لا يخلو من عيب.

علمني السفر وعلمتني الغربة ألا أتكلف كثيرا في لباس وألا أتصنع. وتعلمت أن ملامحك تحمل معها حمولات ثقافية وعرقية ودينية كثيرة. فلا الجينز الذي ترتديه سيغير ملامح وجهك ويجعلك بلا هوية. ولا تركك للباسك وما يظهر من هويتك سيجعلك سائل الهوية Fluid identity. ولذلك تركت ثوبي علي هذه المرة ليس تكلفا بل لأنني خرجت من مطار جدة بثوبي فتركته علي. ولماذا أنزع ثوبي وزوجتي معي ترتدي حجابها الكامل؟. ثم إني ذاهب إلى بلد تمتليء بالعرب في الاجازات فليس لباس شهرة ولا تمييز. وانظر إلى نساء الهند يلتحفن أقمشتهن الملونة في كل مكان وفي كل صقع. ومع هذا لم يستغرب شكلي أحد أو لعلي لم أنتبه لأحد حتى وصلت إلى الفندق وسط بانكوك.

دعني أقول أنني أحب السفر وحيدا بين فترة وأخرى . وكتبتها سابقا وأكتبها الآن. السفر وحيدا يجردك من القيود والالتزامات والمسؤوليات. تأكل متى تريد وتنام حتى تمل من النوم، أو تسهر حتى تخر صريعا نائما ، أو لا هذا ولا ذاك.

والسفر مع الأصدقاء يختلف. لأن الرجل معه حذاؤه وسقاؤه. لا تسل عنه إذا ابتعد ولا تحرص ولا تخاف. وإن ساءك أحدهم بشيء عاتبته فإن ثقل عليك ودعته وانتهى الأمر. وقد سافرت مع أصدقاء كاد اثنان منهم أن يتلاطما بالأحذية في سيارتنا. فقصرنا السفر وعجلنا بالعودة مع اليقين أن الجمع بين هذين من المحال. وعاد الماء إلى مجراه واستوت السفينة. ثم إن العاقل يختار من يصاحبه في السفر. ولي من الأصدقاء كثر والتعايش مع معظمهم سهل. ولي من الأصدقاء من آنس به، وربما يراهم غيري أوحش من وحوش البرية. لكنني لا أسافر معهم ولو محمولا مكفولا. فالعنيد لا يصلح للسفر. ومن يعتد برأيه ويرى أنه لا يخطيء لا يصلح للسفر. والمتطلب المتوحد بحاجاته لا يصلح للسفر. والأناني لا يصلح للسفر. والبخيل الشحيح لا يصلح للسفر. ومن لا يوقر أصحابه لا يصلح للسفر. ومن لا يهتم بنظافة الأشياء حوله لا يصلح للسفر. والشغوف بالتصوير والسناب لا يصلح للسفر. ومن لا يصلي لا يصلح للسفر. ومن يأكل كل عشر دقائق لا يصلح للسفر. ومن لا يعجبه حر ولا برد لا يصلح للسفر. ومن يتذمر من كثر المشي والحركة، لا بصلح للسفر. ومن تكلمه وهو على جواله لا ينزع عنه لا يصلح للسفر. هذه بعض شروطي في السفر. أما في السعة فليس لي شروط ولا قيود. فأصدقاء الوطن كثيرون أكثر من احصيهم أو أعدهم بفضل الله. ثم إن السفر برفقة الناس يمنعني من الكتابة. فأنت في شتات التنقل وشتات الأحاديث وشتات الأشياء. ولا تجتمع الكتابة والناس. واعوذ بالله من الغرور فربما فيّ من الأشياء من لا يطيقها ولا يصبر عليها أحد.

وقد أخذني الكلام بعيدا. أكثر من أعجبني في تايلند كثرة المساجد. وكثرة المطاعم التي تعني بأكل المسلمين. وعلامة الحلال على كل شيء وفي كل مكان. والناس عارفة بطبائع المسلمين وعادتهم. وقد رآني أحدهم أشرب ماء في النهار وأنا على سفر فقال: هل تعرف رمضان؟. سألني بإنجليزية ضعيفة. وأجبته ولكنه لم يفهم. وملامحه تقول يا لهذا المسلم الذي لا يصوم في رمضان.

أخذتنا السفينة إلى قرية صغيرة في عمق البحر. فكتبت في خرائط قوقل: ” مسجد“. كما أكتب دائما في أي مكان أزوره. فظهر لي مسجدان قريبان. فذهبنا وصلينا في أحدهما صلاتي الظهر والعصر. ومررنا في طريقنا على مقابر للمسلمين فسلمنا عليهم. والمسلمون في هذه الجزر النائية في كل مكان. ولله رجال حملوا الدين في قلوبهم وصدورهم حتى بلغوا به هذه الغابات وهذه الزوايا النائية. صليت التراويح في خمسة أو ستة مساجد. وقراءات الأئمة فيها حسنة جيدة. والناس قانتون خشوع لا يتحركون. ولا أعجب من البالغين العاقلين. لكن أعجب من صغارهم لا تهتز لهم شعرة وهم في صلاتهم. وبين كل ركعتين يدعون دعوات يكررونها وصلوات على النبي جميعا يحفظونها كما يحفظون أسماءهم. يجمع بين كل هذه المساجد أنها مطعم للناس وملاذ للفقراء. وكل مرة أحضر لصلاة التراويح في هذه المساجد أجد القدور ممتلئة أو ما يدل على أنها كانت ممتلئة. وجهلا مني لم أكن أعلم بحضور الإسلام في تايلند بهذا الثقل وخصوصا في الولايات الجنوبية منها. ثم تذكرت ولاية فطاني التي كانت مملكة مسلمة منفصلة حتى ضمتها تايلند غصبا قبل قرن من الزمان. والظاهر للسائح البسيط أن المسلمين يعيشون لا مضايقة ولا اضطهاد. ولكل شيء وجهان وربما أوجه مختلفة لا نعلمها.

مستقلا الطائرة عائدة إلى الديار. مستعينا بالله مستعينا به من كل شر. وقد انصرمت تسعة أيام من رمضان غالية عزيزة. حصرت ألا تفوتني في صلاة التراويح مع المسلمين. وقد فاتت علي يوما أو يومين, وحرصت ألا أدع الصيام فيها. وقد أفطرت أربعة أيام. ثلاثة منها أيام كنت فيها على الراحلة. لكنني أنجزت أكثر مما كنت أفعل في قراءتي للقرآن. ولعلي أحجم في قادم الأيام عن سفر كهذا في رمضان. والقرب من الوالدين أحسن وأحلى والأنس بهم من القربة والبر. وإن كنت ذقت حلاوتها مع الناس في صلاوات التراويح هناك وامتلأ قلبي بامتلاء المساجد بالمصلين حتى في أرض فساد وشر مثل بانكوك. وعلى أنها فاسدة قبيحة إلا إنني رأيتها أقل مما حسبت. فالبسطاء في كل مكان ، والكادحون أمامك يفيض العوز من أعينهم، والبائعون على عتبات الطريق يبيعون الفاكهة والسمك والحزن. ومن يتسكع في هزيع الليل في بانكوك لن يجد قارئا يقوم بالقرآن أو ثلة من الصالحين في مجلس ذكر. بل بائعات هوى ووهم ونواد ليلية وما يقرب من هذا من كل شر.

صحوت من النوم هذا اليوم متأخرا حدود الثانية عشر ظهرا. وحرصت أن أنام الصباح كله حتى أذهب للطائرة صائما. ودعني أقول لك إن فعلت فعلي فإنك ستصوم أطول مما يصوم الناس. فإن كان تغرب عليك الشمس في تايلند السادسة والنصف. فلن تغرب عليك في السماء إلا بعد ذلك بساعات. فالشمس لن تغيب وأنت في السماء تلاحقها منطلقا من المغرب إلى المشرق. وكلما عزمتْ الشمس على الغياب عن عينيك انطلقتَ ساعيا خلفها في حلقة لا تكاد تنتهي إلا بأمر الله. وهذا الحال مع كل سفر بالطائرة من الشرق إلى الغرب. وعكس هذا لمن يسافر من الغرب إلى الشرق. فإن كنت بعجلة على الافطار وقد أرهقك الصيام واتعبك فاذهب للمطار وخذ طائرة تاخذ نحو الغرب لعل يومك يقصر ساعة أو ساعتين.

والفكرة تتبع الفكرة. وكثيرا من الأحيان بلا رابط ولا مناسبة. وعقل الإنسان يجول بين الأفكار بلا توقف. ولو جلست دقائق تراقب أفكارك كيف تتقلب وتتحول وتقدم وتحجم لرأيت العجب في نفسك وعقل آلم تكن قد أدركت هذا بعد. أقول هذا لأنني كنت أمشي في ممر الطائرة فخطر في ذهني أن الجزء الأكبر من جاذبية الإنسان وقبول الناس له ليس بماله ولا جماله ولا ملبسه وما يرتديه من أشياء. بل هو من ثقته بنفسه في وضوح عباراته مع تقدير وفهم واع للناس. وتأمل فيمن حولك من الناس المقبولين المحببين لترى هذا واضحا. وإن كانت مداخل الناس على الناس تتفاوت وتتنوع. ومن باب الاستطراد في عالم الأفكار=أجدني دائما مضطرا للمقارنة بالنموذج الأمريكي في كثير مما أرى وأشاهد من أشياء والتجربة والسنوات التي قضيتها هناك لايمكن أن أنساها أو أتصنع التجرد منها أو تصلبي على التأثر بها. الأمريكي لايبالغ في التطلف. سواء حين يستقبلك في مطعم أو فندق ولا يتحنى أو يتثنى كما يفعل الآسيويون. هذا من مشاهدتي في الأيام القليلة الماضية في تايلند وكذلك في اليابان قبل أشهر. والأمريكي يصمت فإذا سألته تكلم بثقة كأنه أعلم الناس بما يقول. وتراه في الاجتماع هادئا صامتا فتقول هذا الذي لايهش ولا ينش فإذا نطق كأنما يغرف من بحر. وإن كان في أحايين يغرف من زبد لا ينفع الناس. لكنه واثق لايهتز. زبد يظن بنفسه أنه يمكث في الأرض وينفع الناس.

رمضان ١٤٤٤ هـ

سبعة كتب - ٨

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.


١)

Mark Masnon- Everything is F*****


الكتاب مكتوب بلغة إنجليزية جميلة وسلسة. واستطاع المؤلف في رأيي أن يتنقل بين الأفكار بسهولة وانسياب. واستطيع تلخيص أفكار الكتاب الرئيسية فيما يلي:

١) أن لدى الإنسان عقلين: عقل عاطفي وعقل منطقي. وهما في نقاش وتدافع دائم. وأن العقل العاطفي هو من يختار والعقل المنطقي هو الذي يبرر الاختيار. وهذه الفكرة تتكرر كثيرا في فيما اطلعت عليه من كتب علم النفس. ولعل من أشهر في هذا : التفكير بسرعة وببطء للحاصل على جائزة نوبل. وقد ذكرتُه في هذا التدوينة إن أردت العودة إليها.

٢) أن حياة البشر قائمة على أمرين الخوف من الواقع والأمل بمستقبل أحسن. وهذا ما يدفع الناس للاستمرار. وفصل في المراحل العمرية المختلفة وكيف أن الأمل وفهم الحياة يختلف من مرحلة عمرية معينة إلى مرحلة.

٣) أن التاريخ الإنساني قائم على التدافع والصراع. فكريا ودينيا وعلميا .. إلى آخره. وملأ نصف الكتاب بالنقد والسخرية من الأديان كلها والكاتب ملحد لايؤمن بشيء إلا بدينه الخاص كما يسميه.

٤) كرر كثيرا معنى أن البشرية لو وصلت للتصالح التام فقد تكون النتائج كارثية وأن التدافع هو جزء من طبيعة البشر. وكرر كثيرا أن الحل أن لا تطمح إلا شيء. وأن الألم هو ما يمنح الحياة جمالها وبهجتها.

ارض فقط بواقعك، التزم بأمر دائم، تحمل الألم وصعوبة الحياة. وركز على العمل!

ثم عاد وملأ الصفحات الأخيرة من الكتاب بالآمال.

استمتعت بالكتاب وقضيت دقائق جميلة معه، ففيه لمحات فكرية ذكية ونوافذ دافئة لفهم الحياة.

رغم تكرار كثير من الأفكار وبداهتها لدى مسلم.


٢) المثل - ديستوفسكي

كعادته في الغوص في أعماق النفس. بين إقدام وإحجام وتقديم وتأخير، وحب وبغض، وتقلب وتردد وحيرة وكر وفر ونكوص. وبطل القصة لا يبعد عن الواحد منا في مشاعره. وربما اقتربت الواقعة المروية حتى تكاد تمسها بروحك فتراها أحداث قريبة من ذاكرتك. وفي غرف الذاكرة لكل واحد منا صورة لإنسان لايدع الوقوع في المخجل والمحرج من الأفعال والأقوال. ثم يدرك الخطأ فيسعى لمحوه فيقع فيما هو أسوأ وأخجل وأحرج … كذلك صاحبنا في كل أحداث الرواية. يخرج من طامة إلى أطم ومن موقف عسير إلى أعسر منه. والرواية خفيفة في المجمل وليست في تعقيد روايات ديستوفسكي الأخرى.


٣) نقل معاني القرآن إلى لغة أخرى- فهد الرومي:

فهد الرومي من الأعلام المعاصرين في علوم القرآن. وهذا كتاب صغير جدا. أو هو ورقة بحثية قُدمت في مؤتمر لعلوم القرآن. وخلاصة الورقة أن الكتاب يرجح استخدام تعبير “تفسير” معاني القرآن فضلا عن ترجمة عند تفسير القرآن باللغات الأجنبية. وفيه سرد قصير لآراء العلوم في المسألة.


٤) الغريب النادر من كتب التراث الإسلامي-محمد يوسف:

كتاب ظريف. جمع في المجّمع متفرقات من كتب الأدب والتراث. وكثير مما نقل مروي متكرر في معظم كتب الأدب. يصلح لكسر الملل ومحفزا للقراءة.


٥) صديقي السيكوباثي - ميرنا الهندي:

كنت أتسكع في جرير فوقعت عيني على هذه الرواية فالتقطتها. وهي راوية مليئة بالمعلومات النفسية الخاطئة لكن حبكتها الأدبية لا بأس بها ويكفي أنني قرأتها في يومين. فيها مبالغة في وصف القبح والجريمة. رواية أقل من المتوسط.

٦) المختار من كتاب “بدائع الزهور في وقائع الدهور” للحنفي:

والكتاب الأصلي كبير من عدة مجلدات وفيه تاريخ من أول الزمان وحتى نهاية الدولة المملوكية وبداية الدولة العثمانية. والكتيب هذا من اصدارات “مهرجان القراءة للجميع” وركز المُختار على الفترة المتأخرة من دولة المماليك وما تبعها من ظهور للدولة العثمانية في مصر. وهو على قصره وصغره يصور الفوضى والفساد والظلم وقلة الدين وشيوع القتل والتساهل بالحقوق في تلك الفترة المظلمة من التاريخ الإسلامي. وإن الأيام دول والحال لا يدوم والحكم كله لله.

٧) ليلة في جاردن سيتي - لابن عقيل الظاهري.

كنت أنفض مكتبتي واقلبها فوجدت هذا الكتاب. ووهمت أنني لم اقرأه حتى وجدت كتابتي عليه أنني قرأته عام ١٤٣٥هـ وأنني اشتريته من سوق الصواريخ لمن يعرف سوق الصواريخ. والكتاب ردا ونقاش مع الملحد عبدالله القصيمي. وأظن أن أهم ما في الكتاب هو الرسالة في آخره ومنها:

“ وأشهد أن القصيمي يتفنن في عرض دعاوى الفلاسفة والعلماء الماديين أمثال بخنر سارتر، ولكنه لم يفهم حججهم. ولم يحذق مناهجهم. كما أنه يجهل الكثير من حجج المؤمنين.

إنك لم تكتب عن نرجسية أبي نواس، وموسقة البحتري، وانطوائية العباس بن الأحنف، ورومانسية إبراهيم ناجي . ولم تكتب عن شمم برج إيفل ، وضفاف برجويه .. وخطوط قوس قزح.. ولو كتبت عن هذه المسليات لكان أسلوبك أليق بذلك. لأنك تغني وتنوح وتسرف في الخيال وتتقن رسم الصورة. إنك فنان متمزق. إنك أديب ساخر ساحر.

أما المادة والوجود وحقيقة الازل وقوانين الفكر وعضل الزمان والتسلسل فأمور تهيض جناحك. لأنك أديب عواطف ولست صيرف فكر” .. وقد صدق.

سبعة كتب - ١
سبعة كتب - ٢
سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

سبعة كتب - ٥

سبعة كتب - ٦

سبعة كتب - ٧

هذه سبعة كاملة. ولعلي أستمر في تدوينة مماثلة بين فترة وأخرى إذا كتب الله ويسر

شعبان ١٤٤٤ هـ