أمريكي في أبها

وإن الحياة لا يوقفها شيء. لا يوقفها صراخك على همومك ولا تصالحك معها. يتكرر علي هذه الأيام معنى ضرورة أن يتصلب الإنسان ويتقوى ولا يجزع ولايتشكى. النعومة لاتصلح وإن كان زمنك ناعما. زمنك الناعم يخادعك حتى تتنعم وتتلوى وتتعطف ثم يلقيك على صخرة مدببة الحواف محاطة بالأشواك. لا أدري إن كان توارد هذا المعنى علي بسبب ما أنا فيه هذه الأيام من مشاغل وهموم وشتات أم أنه باب جديد من الفهم فتحه الله لي. وإني على كل حال كثير الاستنئاس بهذا المعنى سعيد به.


 

زارني قبل أيام أمريكي من فلوريدا، صديق لصديق فأديت واجب الصداقة لصديقي باستقباله وأخذه ورده. في أواخر الأربعين من عمره، وقد زار في حياته أكثر من خمسين دولة. ديموقراطي ذكي العبارة، يحسِب ما يقول. حاله حال كثير من الأمريكيين. وإن كان نفاخر بالصراحة فهم ليسوا كذلك. بل يحسب أحدهم لكل سالفة حسابها. وهو على هذا غريب في بلد، لا يراه معظم قومه إلا محيط أو صحراء من الغموض والأسرار. ومما تحدثنا فيه فصاحة الأمريكيين. واخترت الأمريكيين لمعرفتي بهم وجهلي بغيرهم من الغربيين. وهم فصحاء فصاحة مذهلةً لا تفوت على مطلع. واسمع خطبة للرئيس الأسمر أوباما وتلذذ بوضوح عباراته وجلائها. وأحببت استفزاز ضيفي فقلت له: ألا ترى الفصاحة فيكم عظيمة، انظر أوباما مثلا. بل استمع أحاديث رئيسكم الماضي ترمب وانظر كيف يؤثر في جماهيره الكبيرة ويتلاعب بها!“. فلم يعجب صديقي هذا الكلام لما يحمله في قلبه وكثير من الأمريكيين على ترامب وقال مختلفا بحذر: صحيح أتفق معك أنه متلاعب كبير! ولم يذكر فصاحته بذكر!



تلذذ صاحبي بالحنيذ في مندي بداية وأكل قسمه كاملا وجزأ من قسمي. وأعجبتني بساطته وانطلاقه وعفويته وقبوله بأي شيء. وكان يحرص أن يأكل كما يأكل الناس هنا ويشرب كما يشربون ويجلس كما يجلسون. وتربع مرة على الأرض وطالت تربيعته حتى لم يقم منها إلا زحفا على ظهره ثم حبوا على أربع. ومما عجبت منه أننا لم نكد نمر على مطعم أو مقهى إلا بالغ الناس في الاحتفاء بنا (أو به)، فالقهوة نطلبها فتأتي الحلوى معها بلا ثمن. والشاي نطلبه بالثمن فيأتي كذلك بلا ثمن. ولا أعد من عرض الضيافة علينا بلا مناسبة إلا أن رآني أسير ومعي هذا الصديق الأحمر. بل تجاوز الفضول حده في صدر أحدهم بعد أن رآنا ماشيين في السودة فسأل: من وين الرجال؟ فقلت له: قحطاني! وضحكنا وتركته بلا جواب. على أن في هذا دلالة على سعة صدورنا وكرمنا إلا أن الأمر كذلك لايخلو من إعجاب مضمر بالأبيض وتقدير مبالغ فيه. ولو كان ضيفي من الهند أو باكستان أو مصر أو العراق … إلخ. لما احتفى بنا الناس في الطرقات. وقد قلت لصاحبي لعلي أخذك في كل مكان حتى تتقاطر علينا الأشياء المجانية، والله ذو الفضل العظيم.


ذي القعدة - ١٤٤٣ هـ 

سبعة كتب - ٧

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.

١- العلم الزائف - بن جولديكر

الذي انغرس في ذهني من الكتاب، سخريته أو نقده لمحاضرات البوربوينت. وأتفق معه في جانب كثير منه وخصوصا قضيت نصف عمري لايكاد يمر يوم دون أسمع أو أرى أو تُلقى علي أو ألقي محاضرة باستخدام البوربوينت. غير أن استخدام الشرائح مدعاة لترتيب الأفكار ووضوحها فهو ليس شرا مطلقا إلا لدى من يقرأ المكتوب كما هو دون إضافة أو نقاش أو سؤال.

٢- الأخلاق والسير في مداواة النفوس- ابن حزم:

رسائل وحكم لابن حزم عن أسرار النفس في تهذيب النفوس وكشف معايبها ومحاسنها. تبدو فيه حكمة ابن حزم وفصاحته وحدته.

٣-حصار جدة - عبدالله الثبيتي

وهو كتاب يسرد الاحداث التي حصلت قبيل دخول الإجاز تحت حكم الملك عبدالعزيز - رحمه الله -. والمؤلف نقل الأخبار من صحيفتين: صحيفة أم القرى وصحيفة الأشراف. والكتاب قصير وليس فيه إضافة مهمة للقاريء غير المتخصص.

٤-ميتتان لرجل واحد- جورج أمادو:

رواية قصيرة تتحدث عن رجل فاضل، تحولت حياته وانقلبت فصار سكيرا عاهرا. وهي مثال لمن انطلق خلف هواه ـ أو ما يحب- تاركا خلفه الخلافات والصراعات حوله وحول مصيره وحاله.

٥- العرنجية- أحمد الغامدي:

كتاب لطيف خفيف. يصلح أن نسميه أدب المترجم سيرا على تسمية ابن قتيبة لكتابه أدب الكاتب. والمؤلف ثائر ناقم على أساليب كثيرة في العربية الدارجة. ونبهني لأخطاء وتعبيرات “أعجمية” استخدمها في كتابتي دون وعي، وهو صادق أن جل هذه التعبيرات هو ترجمة من الإنجليزية. وساق أمثلة كثيرة. وقراءتي للكتاب جعلتني في شك دائم وأنا أكتب فأتحسس الأخطاء اللغوية والتعبيرات الهشة التي اعتاد ذهني على سوقها غفلة وجهلا.

٦- اللقاءات المشرقية في بلاد الشام- ترجمة أحمد الغامدي:

كتاب لطيف لطيف. منذ فترة طويلة لم انته من كتاب في جلسة واحدة. فالتهمت هذا الكتاب التهاما. والمترجم ترجم النص ترجمة عاليا أنقية وإن كانت لا تخلو “في ذوقي” من فلتات فيها تكلف. أوصي كل محب للأدب بقراءة هذا الكتاب وتأمل نهج المترجم في ترجمته.

٧.مكتوب على الجبين-جلال أمين

كتابات جلال أمين جليلة جدا عندي لأسباب منها أنني أشعر تحت بهاء كتابته أنه لا يتكلف ولا يتصنع. وقل أن يقعد كتاب لجلال أمين في يدي أكثر من أيام معدودات. وكتابه هذا كتاب صغير قصير فيه حكايات : مكتوبة على الجبين” لرجل في الثمانين. يقول إنها كلها تشترك في أثرها العميق على نفسه. وأنصحك بالتلذذ بالمقدمة الجميلة التي تستقبلك.

ختبة - شوال ١٤٤٣ هـ

سبعة كتب - ١

سبعة كتب - ٢

سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

سبعة كتب - ٥

سبعة كتب - ٦

٣٦ سؤالا وجوابا عن ضغط الدم

١) لماذا نتحدث عن ارتفاع ضغط الدم؟

الإجابة: لأنه من أسباب الوفاة الرئيسية في العالم. ويسبب أمراض القلب وجلطات الدماغ ويسارع بالقصور الكلوي. وأكثر من ٥٠٪؜ من مرضى الضغط في السعودية يجهلون أن لديهم ارتفاع في الضغط.

٢) هل صحيح أن ارتفاع الضغط لدى كبار السن طبيعي ولا يحتاج إلى علاج؟

الإجابة: خطأ .. خطأ .. خطأ.

الهدف أن يكون الضغط أقل 130/80 في معظم الحالات. مع الأخذ في الاعتبار أن كبار السن تعني من هم أكبر من ٦٥ سنة.

٣) كيف تقيس ضغط الدم في المنزل-إذا طلب منك الطبيب-؟

الإجابة:

- جالسا على كرسي وظهرك مستند عليه واقدامك مستوية على الارض.

- لاحاجة للحمام ولا قريب عهد بتدخين ولا رياضة ولا قهوة.

- مريحا ذراعك الأيسر على شيء. وتضع جهاز الضغط على ذرعك دون كلام. في غرف هادئة خافتة.

٤) هل هناك طريقة أخرى لقياس الضغط غير قياسه من شريان الذراع؟

الجواب: نعم. يمكن أن يقاس الضغط بالأجهزة التي توضع على مفصل الكف، ومن الأصبع، ومن البشرة، وبالأشعة الصوتية .. إلخ. وكلها لها سلبياتها. ويبقى قياس الضغط على الذراع هو الراجح.

٥) كيف يمكن تصنيف ضغط الدم؟

الإجابة: بناء على الجدول التالي

٦) كم مرة يحتاج مريض الضغط المراجعة مع طبيبه؟

الإجابة:

- إذا كان الضغط في حدود الطبيعي ( كل ٣ إلى ستة أشهر)

- بعد شهر من كل تغيير في الخطة العلاجية.

٧) كم مرة يُستحب أن يقاس الضغط للمرضى عند مراجعة العيادة؟

الإجابة: يُستحب أن يقاس الضغط مرتين أو أكثر. واعتبار المتوسط من النتائج. .. إذا شعرت أن الضغط مختلف في القراءة الأولى فاسأل العيادة قياس الضغط مرة أخرى بعد دقيقة او دقيقتين.

٨) هل هناك فرق في قياس الضغط بين الذراع الأيمن والأيسر؟

الإجابة: نعم. يحصل أحيانا. ولذا في الزيارة الأولى يُستحسن أن نقيس الضغط في الذراعين ونأخذ بالقراءة الأعلى.

٩) لماذا نوصي أثناء قياس الضغط أن يكون المريض جالسا معتمدا بظهره على كرسي وألا تكون ساقاه فوق بعض؟

الإجابة: لأن الضغط قد يزيد بأكثر من ١٥ درجة لدى من يضع رجلا على رجل أو يجلس على حافة السرير أثناء قياس الضغط.

١٠) ما هو أكثر الأخطاء شيوعا عند قياس ضغط الدم؟

الإجابة: استخدام لفافة أكبر أو أصغر ولا تتناسب مع محيط الذراع.

ما هو المقياس الصحيح:

الإجابة: ما تراه في الصورة.

المصدر: uptodate

١١) لمراقبة الضغط المنزلي، كم مرة يحتاج المريض لقياس الضغط ولمدة كم؟

الإجابة: سبعة أيام. يحدد وقتا في الصباح ووقتا في المساء يقيس فيه الضغط. ثم يسلم القراءات للطبيب. مع مراعاة القياس بالطريقة المذكورة في التغريدة السابقة.

١٢) كيف تقيس ضغط الدم في المنزل-إذا طلب منك الطبيب-؟

الإجابة:

- جالسا على كرسي وظهرك مستند عليه واقدامك مستوية على الارض.

- لاحاجة للحمام ولا قريب عهد بتدخين ولا رياضة ولا قهوة.

- مريحا ذراعك الأيسر على شيء. وتضع جهاز الضغط على ذرعك دون كلام. في غرف هادئة خافتة.

١٣) هل هناك خطوات عملية للوقاية من ارتفاع ضغط الدم؟

الإجابة: نعم.

- الرياضة

- تخفيف الوزن.

- ترك التدخين.

- تقليل الملح في الطعام.

- تعلم إدارة المشغلات والضغوط

١٤) كيف نشخص ارتفاع ضغط الدم بناء على نتائج قياس ٢٤ ساعة؟

الإجابة: في الصورة. لاحظ :الضغط وقت النوم يجب أن ينخفض.

(صورة)

١٥) هل الأجهزة المنزلية دقيقة في قياس الضغط؟

الإجابة: نعم خصوصا الأجهزة التي تقيس الضغط على شرايين الذراع.

وللاطمئنان أحضر جهازك أو اسمه ونوعه لطبيب للتأكد أنه جهاز معاير ومعتمد

١٦) هل الرياضة وتخفيف الوزن علاج لارتفاع ضغط الدم؟

الإجابة: نعممم

هل يمكن أن يصل مريض ضغط الدم لايقاف الدواء بالرياضة وتخفيف الوزن؟

الإجابة: نعممم

١٧) ماذا يجب أن نفعل إذا كان هناك اختلاف في قراءات الضغط بين قراءات المنزل مثلا وقراءات العيادة أو هناك شك في كون المريض مصاب بارتفاع ضغط الدم أو لا ؟

الإجابة: نستخدم الجهاز الذي يراقب ضغط الدم ٢٤ ساعة.

١٨) هل اللقاء بالأطباء قد يحسن الضغط؟

الإجابة: نعم. هذا ما نسميه ضغط الدم المتستر أو المتخفي ( ترجمتي). وفيه تكون القراءات المنزلية للضغط مرتفعة، وقراءات العيادة طبيعية. نتأكد بمراقبة الضغط ٢٤ ساعة.

١٩) ماذا عن العكس: هل رؤية الاطباء ترفع الضغط ؟

الإجابة: نعم. هناك ظاهرة تسمى ضغط المعطف الأبيض. فيها يرتفع الضغط في العيادة فقط ويكون طبيعي في القراءات خارج المستشفى.

٢٠) هل هناك أمراض قد تسبب ارتفاع ضغط الدم؟

الإجابة نعم. مثل قصور الغدة الدرقية، انقطاع النفس النومي، ضيق شرايين الكلى ، السمنة، اظطرابات الغدة الكظرية ..

٢٢) هل هناك أدوية تسبب ارتفاع ضغط الدم؟

الإجابة: نعم. أشهرها المسكنات كالابروفين والبنادول. بعض الأدوية المناعية. الكورتيزون. بعض أدوية السرطان

٢٣) ماهي أعراض الإصابة بارتفاع ضغط الدم؟

الإجابة: غالبا لا يوجد أعراض ما لم يكن مرتفع جدا جدا.

٢٤) كيف تعمل أدوية الضغط؟

الإجابة: طرق مختلفة منها: إدرار البول، ارخاء الشرايين بما فيها شرايين الكلية.

٢٥) ما الأعراض الجانبية المحتملة لأدوية الضغط قد يعاني منها المريض دون أن يعلم أن لها علاقة بأدوية الضغط؟

الإجابة:

- كحة جافة مزمنة

- إمساك

- انتفاخ في الأقدام

- تورم في الشفاه

- دوخة عند القيام السريع

- كوابيس

اسأل طبيبك ولا توقف الدواء وحدك.

٢٦) ما الرأي في من يوقف دواء الضغط بعد قراءة نشرة الدواء بحجة كثرة الأعراض الجانبية؟

الإجابة: خطأ كبير. تُكتب الأعراض الجانبية لأسباب منها:

- إلزام الجهات المرخصة.

- السلامة من القضايا

- توعية للمريض.

لا يوجد أدوية بلا أعراض. وأدوية الضغط كلها آمنة واسأل طبيبك قبل أن تقرر.

٢٧) هل صحيح أن تناول أدوية الضغط في الليل أفضل من النهار؟

الإجابة: ربما. والأفضل أن يختار المريض الوقت الذي يسهل عليه أخذ الدواء باستمرار، سواء ليلا أو نهارا.

٢٨) هل للتدخل الجراحي أو الأشعية التدخلية أي دور في علاج ارتفاع ضغط الدم ؟

الإجابة: نعم. بعض حالات أورام الغدة الكظرية. حالات ضيق شرايين الكلية الخلقي ( يكتشف نادرا لدى النساء في متوسط العمر ). بعض الاستثناءات لحالات ضيق شرايين الكلية المكتسب.

٢٩) هل تناول الغذاء الغني بالبوتاسيوم يساعد في خفض ضغط الدم؟

الجواب : نعم ، لكن يجب أن لا يكون لدى شخص يعاني من قصور متقدم في الكلى (اسأل طبيبك)

٣٠) هل ارتفاع ضغط الدم لفترة طويلة يسبب قصور في عضلة القلب؟

الإجابة: نعم

٣١) هل أدوية الضغط تسبب قصور كلوي؟

الإجابة: لا.

٣٢) متى يحتاج مريض الضغط إلى فحوصات دقيقة وأشعة ، ومتابعة في عيادة متخصصة لتحديد سبب ارتفاع الضغط؟

الإجابة: ضغط غير متحكم فيه رغم الاستمرار على الدواء، الحاجة لأدوية كثيرة للتحكم في الضغط، اختلال في بعض وظائف الكلى كالبوتاسيم.. ضمن أسباب أخرى

٣٣) هل نجهل السبب الرئيسي للاصابة بضغط الدم في معظم الحالات؟

الإجابة: نعم

- هل هناك تحاليل وفحوصات قد تحدد سبب الإصابة بارتفاع ضغط الدم؟

الإجابة: نعم. بعض الأمراض الهرمونية أو الكلوية قد تسبب ارتفاع ضغط الدم

٣٤) كم كمية الملح التي ينبغي لمريض الضغط أن لا يتجاوزها خلال يومه؟

الجواب: هذه:

٣٥) هل حملات قياس الضغط في الأماكن العامة مجدية؟

الجواب: لا.

والسبب أن قياس الضغط غالبا لايكون بالطريقة الصحيحة. رأيت مرة حملة لقياس ضغط في ممشى عام.

٣٦) لو سأل سائل ما أهم تحليل يجب على مريض الضغط عمله سنويا؟

الإجابة: قد يكون من أهم التحاليل مراقبة الزلال في البول.

إن سعيكم لشتى ..

خلقنا الله شتى مختلفين، لكل واحد همه ورأيه وعزيمته، والمشارب أكثر من أن تُعد أو تُحصى. ولو أطاعتني نفسي ما وهّنت عزيمة أحد ولو همسا، ولا خالفت أحدا رأيا ولا حتى في صدري، وقد أرى أو أسمع من عجائب ما يقدم عليه الناس فستنكره نفسي، ثم أعود فأقول وهل شققت عن صدور الناس؟! فربما لا يدفع الإنسان لما ترى إلا فراغ قاتل ، فهو يقتله بوهم العمل، أو هم مشغل، فهو ينشغل عنه باصطناع الشغل. 

وقد أجلس المجلس الذي لابد منه، فأسمع أحاديث وسواليف ليست مني ولست منها، وهي مع ثقلها على صدري ، تكرر وتعاد الليل كله. فأقول في نفسي: ألا يدرك هؤلاء ما يفعلون؟ وأي شيء يرجون برخيص الكلام هذا؟ ثم أقول: أرأيت لو كان كل من ترى حِلس بيته لا يخرج منه، هل يقوى على الخلو بنفسه؟ أليس يفعل هذا فرارا من الفراغ وضجيج البيت، وقنقة العيال؟ وكم ستقتل الوحدة والاكتئاب من أناس ما يثقل على نفسك هو متنفسه الباقي في الحياة؟ وأي ثقة تخدعك بها نفسك،لتظن أنك بمنأى عن كل هذا عندما يقل ما بيدك وما في ذهنك من الأشياء؟ 

ثم إن مسير الأيام يدفعك دفعا للتبلد وأن تتعود قبول الأشياء، وأن تجعل وجهك وظهرك جسرا لما تحب وما لاتحب. فيقل نكيرك واعتراضك، وإلا عافك الناس واستثقلوك، حتى زوجك وبنوك. ولايبقى بينك وبين أحبابك إلاالطبطة و التمرير وقبول الأشياء كيفما اتفق. وإنك إذا حرصت ألا تسمع إلا ما تحب، ولا يقع في حضورك إلا ما تريد، وأن يتشكل الناس بقوالبك وعاداتك، وأن يسلك الناس مسلكك، ويستلذوا مطعمك ومشربك.. لو أردت كل هذا وأمثاله لن تكاد تسمع وترى إلا ما تكره، وخالفك الناس رغبة في الخلاف، وعافوا ما تحب، وبقيت مسالكك مهجورة مقفرة. وكل ما أعنيه هنا هو فيما يمكن الخلاف فيه من الأشياء، وما يمكن التنازل عنه في الحياة. وليست دعوة لهجر الحق ومكارم الأخلاق إرضاء للناس. والعاقل أفهم من أن تساق له الامثله والاستداركات. 

أمريكا التي رأيت أنا

أقتربت سنواتي في أمريكا على الانتهاء. كتبت هذه الجملة وأنا لا أكاد أصدقها. مرت هذه السنوات كالحلم العابر، أو لأكون أدق وصفا: كرحلة قطار من واشنطن إلى فيلادلفيا. أنا لم أعد أنا. نظرتي لأمريكا لم تعد نظرتي الأولى وإشاراتي السلبية السابقة عن أمريكا والشعب الأمريكي ليست كل ما لدي عن هذا البلد العظيم. أشعر بشعور غريب وأنا أقول هذا البلد العظيم. ولكن من جرب تجربتي سيعرف ما أعني!. وعلاقتي بأمريكا بمرت بتقلبات كثيرة، فأنا من جيل فتح عينيه على الحياة أول ما فتحها على حرب الخليج الأولى وعاصفة الصحراء. صوت صافرات الإنذار وتوقف شاشات التلفاز وصوت المذيع: خطر في مدينة الرياض، تركت أثارا منحوتة بعناية في زوايا ذاكرتي. ومأساة حربي العراق وأفغانستان، وحضور أمريكا العميق في القضية الفلسطينية يجعل أمريكا قريبة جدا منا على بعدها. ثم جئت أمريكا للمرة الأولى في زيارة قصيرة عام ٢٠١٢ م، فلم أستوعب شيئا لكنني بقيت حائرا أمام سؤال يقول: كيف بقيت أمريكا كما هي أمريكا بعلومها واختراعاتها وأموالها وثرواتها واتحادها رغم هذا التحلل الأخلاقي الظاهر؟ وأجدني اليوم بعد عشر سنوات من هذا السؤال أجد بعضا مما يكون إجابة لهذا السؤال قد أذكرها لاحقا. 

كانت زيارة ٢٠١٢ جميلة ولطيفة وقصيرة. كان من حسناتها أنها كشفتني أمام نفسي في أشياء كثيرة منها لغتي الإنجليزية. فبعد سبع سنوات من دراسة الطب باللغة الإنجليزية أفشلُ في فهم ما يقوله الأمريكيون في الشارع وفي المستشفى. كان انكشافي لنفسي قاسيا جدا ومن أقساه أن تجد نفسك عاجزا عن التعبير عن ذاتك، وأنت من يراك أصحابك الفصيح البليغ بالعربية. قادتني الصدفة تلك الأيام للعمل مع طبيب أعصاب يبدو أن لديه بعض المعرفة بالتاريخ الإسلامي والثقافة الإسلامية بشكل عام، ففتح معي محاور مختلفة وكان غالب ما سمع مني العيي والتأتأة. تكرر هذا الموقف مرات خلال هذه الزيارة حتى يئست من قدرتي على ادارك هذه اللغة. وقسوة الدرس تبعه قسوة مني على نفسي فأصبحت اقرأ واسمع باللغة الإنجليزية كل يوم وأقضى الساعات وربما الأيام لقراءة مقالة في النيويورك تايمز أو الواشنطن بوست وأمثالهما فتحسنت كثيرا كثيرا حتى ظننت أنني جاوزت القنطرة، ولم يكن ذلك إلا وهما. ومرت الأيام والسنوات ثم يسر الله لي القبول في برنامج التخصص في الطب الباطني في أمريكا، فوجدت أن المشكلة ما زالت كما هي مع تحسن يسير. فكان الناس يتكلمون فأفهم مما يقولون نصف الكلام أو ثلثيه. وأزعم أن لدي قدرة عالية على التخمين والتقدير فكنت أخمن ما بقي من الكلام فأصيب مرة وأخطيء مرات. وأذكر أن الاستشاري طلبني أن استشير أهل الكلى فاستشرت أهل الأعصاب لقرب الكلمتين من بعضهما ولسرعة حديثه. وبقيت على هذه الحالة ما شاء الله أن أبقى، ولم تكن فترة طويلة بفضل الله حتى لان الحديد وفُتح الباب. ومما يعقد الأمر أن العي في اللغة يظنه المستمع عيا في المعرفة، وصاحب اللغة الضعيفة بحاجة إلى جهد ووقت حتى يقتنع من حوله أن لديه ما يستحق الاستماع فكنت أحاول ردم فجوة اللغة بالمعرفة  ما استطعت. وصادف أن قضيت أخر شهر في برنامج الإقامة مع الاستشارية التي قضيت معها أول شهر، فكانت تموقد انبهارا بالتحول الذي حصل خلال سنوات التدريب وقد كان تحولا كبيرا في أشياء كثيرة. 


مما لا أنساه من زيارتي ٢٠١٢ هو الصلاة في المسجد في بلد لايصلي فيه أحد، واستمرت هذه التجربة الجميلة التي زادت أمريكا جمالا وبهاء حتى اليوم، فلا أزور مدينة لعمل أو سائحا إلا زرت مسجدها وصليت فيها. ومن أجمل من عرفت من الأصدقاء في أمريكا هم أصدقاء المساجد: ولا تسألني عن الليبين والمصريين والمغاربة والهنود. الله الله ما أحلى هؤلاء! 

وحين أقول الهنود أعني أهل القارة الهندية من الهنود والباكستان والبنقلاديش. ومن أول ما عرفت في أمريكا من هؤلاء كوثر الدين وابنه شفاعة الإسلام من بنغلاديش. ديّنان تدينا جميلا صادقا. صادفتهما واقفا انتظر الباص على شارع سبيد وي في توسان عام ٢٠١٢، فوقفا وسلما وعزما علي إلا ركبت معهما فركبت. تبع ذلك أن كانا يأخذاني للمسجد كل صلاة عشاء لمدة شهر ما تأخرا فرضا واحدا. وكنا نصلي في المركز الإسلامي في توسان وهو مركز له تاريخ عجيب: من أوله أن ظهر حوله من ادعى النبوة ثم وُجد مقتولا في شقته في أواخر عقد ١٩٨٠ م. ثم بعد سنوات زاره بعض قادة الحرب ضد الاتحاد السوفييتي. وإمامه بعد ذلك لاجيء عراقي تعرض لمحاولة اغتيال قبل أن يفر. وبغض النظر عن كل هذا فقد كنت أصلي وأخرج، جاهلا بهذه التفاصيل. وخرجت من صلاتي فيه بمعرفتي بهذين الصديقين كوثر الدين وابنه. والأب رجل قارب السبعين وأنا أكتب هذه الكلمات الآن. رجل صادق طيب. وحين علم بعودتي لأمريكا أخذ طائرة من تكساس إلى حيث أنا في فيرجينيا وزارني في بيتي محملا بالهدايا للأولاد. وزرته في بيته في تكساس فأقسم علي ألا أنام إلا في بيته فأقمت عنده ثلاثة أيام آكل وأشرب معهم. ويوقظني لصلاة الفجر قبل الفجر بنصف ساعة فنذهب إلى مسجد يبعد عن بيته عشرين دقيقة بالسيارة وهو دأبه كل يوم. وتلومني نفسي على انقطاعي عنه الآن وتقصيري في وصله. لكنه غفر الله له يقرعني أشد التقريع ويعاتبني أشد العتاب إذا لم اتمكن من الرد عليه أو تأخرت في وصله. فكنت أحمل نفسي على الاتصال به حملا، فإذا اتصلت به سمعت منه الدعوات الطيبة يسبقها العتاب ويتبعها العتاب. ثم ثقل علي وصله حتى لم أعد اتصل به. وقد أرسل لي رسالة قبل أسبوعين، فثقل علي حتى الرد عليه. وبأي شيء أعتذر؟. لكني عازم على السفر إليه مسلما بلا مقدمات عسى أن يكون ذلك مما يغفر الذنب لديه. وإني أدعو له كلما ذكرته بطول العمر وأن يجمعنا به في الجنة.

قريب من هذا، تلذذي بالتجربة الإنسانية العميقة التي تأتي من لقاء عابر في مكان عام بشخص تنزل في قلبك له مودة لذيذة لا تدري لها تفسيرا. فقبل أيام كنت نازلا في فندق في مدينة مارتل بيتش وهي مدينة ساحلية في جنوب كارولاينا. ونزلت المقهى وطلبت صانع القهوة قهوة معتادة وسمعني أنادي ابني باسمه. فقال لي: وأنا كذلك اسم ولدي عبدالله. وعرفت أنه من ألبانيا أصلا. وكان حديثا عابرا قصيرا ثم تفرقنا. ثم إني كنت في زواية من زوايا المدينة فوجدت مسجدا فصليت فيه فإذا المجاور لي هو صاحبي صانع القهوة الذي قابلته الصباح، فضحكنا على تكرر اللقاء العابر. ثم جلسنا في مجلسنا نتعارف، فتشاكينا بعض ما نجد في الغربة هنا وهناك، ثم ودعته وقد نزل في قلبي منزلا. قلت له: قد يكون هذا آخر اللقاء بك، لكن نسأل الله أن يجمعنا في الجنة. فابتسم وقال: آمين!


وقد كنت فيما سبق أخشى من أمريكا على نفسي وأهلي، وأجد هذه الخشية لدي اليوم أقل حدة. وهذه الأيام أصلي في مسجد دار العلوم في مدينة صغيرة بجواز أورلاندو في ولاية فلوريدا. فلا تكاد تلتف في المسجد إلا وتجد حافظا للقرآن. مع قراءة سليمة بلسان عربي مبين. وجل من في المسجد يأتي بالثوب وما يغطي الرأس بلا تحرج ولا تردد. وتقام فيه كل يوم دروس القرآن والتوحيد والفقه.. إلخ. وهذه من ملامح الجمال في أمريكا. حدثني أحدهم هنا عن طبيب باكستاني مقيم في البلدة منذ سنوات طويلة، وهو يذهب إلى مستشفاه بلباسه التقليدي المعتاد حتى تعود الناس على رؤيته بثوبه الباكستاني بل يتزاحمون عنده في عيادته، ولا يخجل من إظهار دينه وتدينه وشعائر دينه أمام المرضى أو الزملاء.

سبعة كتب - ٦

الصورة من "كوبر روك بارك" في فيرجينيا الغربية
 

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.


١) كتاب ما يفعله الأطباء والداعون بدفع شر الطاعون - مرعي الكرمي


والكتاب رسالة قصيرة تتحدث عن الآثار الواردة في الطاعون وهل يدفعه العلاج وهل ينبغي التداوي منه. والتنجيم .. إلخ. ولولا أننا نعيش أيام هذا الطاعون كورونا ما ظننت أن يدفعني الفضول إليه. ومن الظريف فيه أن الطاعون ليس شيئا متفقا عليه.. فمثلا كان يذكر المؤلف تعريفا ووصفا للطاعون وأنه مرض يأتي في مواضع معينة من الجسم.. إلخ 


٢) في أدب الصداقة - عبدالرحمن منيف ومروان قصاب 

الكتاب هو مراسلات عفوية بين روائي ورسام. ولم يكن الغرض من كتابتها النشر. وهي أحاديث وسواليف عابرة يتخللها تجليات أدبية باذخة. وأعجبني قلم مروان القصاب الرسام أكثر من قلم منيف. ومن قراءات سابقة لمنيف: أذكره يتميز بالسرد والتفصيل والاستطراد ، أما اللغة فهي عادية جدا. وشدني في الكتاب اهتمام الكاتبين بالصلاة والجمعة والتراويح ، على خلاف ما كنت أتصور خصوصا عن منيف. ولا أدري كيف تسلل إلى ذهني هذا التصور عن منيف. 


٣) الهشاشة النفسية - إسماعيل عرفة 

سمعت عن هذا الكتاب كثيرا وكنت قد قرأت له كتاب سابق يجاوب على سؤال وجودي:

لماذا نحن هنا؟وكتبت انطباعي القصير عنه (هنا). واختلف القارئون للكتاب ممن أعرف في تقييمه. ورأيي أنه كتاب قيم ومهم في هذا الباب. وهذا الكتاب من كتب ليست كثيرة=تفتح للإنسان أبوابا جديدة للمعارف. 

والكتاب يبحث في ظاهرة مشاهدة حول سهولة الانكسار لدى الجيل الحديث، وهذا أمر معلوم بالمشاهدة وبالأرقام. فكثير من الناس لا يقوى على شيء. تهزه الكلمة العابرة. ويقض مضجعه غفلة صديق عن اتصاله أو رسالته.  مع إغراق في الخيال يعمي عن التعايش السليم مع الواقع. 


٤) صفحات مطوية من تاريخنا العربي الحديث - خليل الرواف

هذا الكتاب كان على قائمتي للقراءة لفترة طويلة وكنت قد قرأت مختصرا لرحلة المؤلف ودونت عنه تدوينة قصيرة تجدها هنا. والكتاب لطيف جميل ومثله مثل كثير من أدب السير الذاتية والرحلات. تحكي لك الحياة وتقلباتها، والهمم وهي تتنازع الإنسان وتتناوشه. والإنسان في لحظته الحاضرة ينسى أنه في سفر طويل لا ينتهي إلا بالموت. والرحلة مليئة بالمفاجآت مما يتوقع الإنسان ومما لا يتوقع. ولم يفسد الكتاب إلا استطراد حشر في الكتاب حشرا وزاد من طول الكتاب وحجمه. 

 

٥) قضية الشعر الجاهلي عند ابن سلام - محمود شاكر

رضي الله عن محمود شاكر كل الرضى!. والكتاب على صغره وغفلة الناس عنه مدخل مهم لفهم منهج محمود شاكر المهم في التذوق الذي يراه منهجا مهما وجوهريا في فهم الشعر العربي والثقافة العربية. وكعادة محمود شاكر يقرأ التفاصيل ويغوص في الدقائق فيخرج بما لا يمكن لغيره أن يُخرج. ولا يمكن لغير محمود شاكر - مثلا - أن يجد رابطا بين محمد بن سلام والمحدث يحى بن معين رحمهما الله. 


٦) The fire next Time- James Baldwin 

هذا الكتاب ذكره أوباما عرضا في مقابلة حديثة له في برنامج the daily show

ومؤلفه أمريكي أسود نشأ في هارلم -أحد أحياء نيويورك المشهورة-، ووصف فيه تحولاته ومشاعره في ذروة الأزمة العنصرية الأمريكية. وفيه حديث عن التدين ونشأة الكنيسة السوداء ونظرتها للرجل الأبيض، وحركة أمة الإسلام ومؤسسها. وأوباما يذكر هذا الكتاب ليقول إن أزمة الصراع العرقي في أمريكا باقية لم تتغير رغم مرور هذه السنوات.

ومن تجربتي في المجتمع الأمريكي لا أظن أن هذه المشكلة ستُحل لأسباب منها أن العرق الأفريقي يرأى أن الرجل الأبيض مدين له بدين لايمكن قضاؤه وأن الرجل الأبيض العادي بين خيارين: إما تجاهل المشكلة ونفيها أو أن يتحول إلى ضحية تُبتز كل يوم بأحداث تاريخية قد لا يكون له بها أي صلة. وهذا ما أراه أحيانا في الحياة اليومية من محاولة بعض البيض نفي تهمة العنصرية عن أنفسهم بمناسبة أو بدون مناسبة. وكما يستدل الكاتب في آخر الكتاب بمقطع من الإنجيل وكأنه رسالة إلى نوح: 

لقد ذهب الطوفان، النار في المرة القادمة!” وستبقى نار هذا الصراع العرقي مشتعلة إلى أمد. 

وعودا على الكتاب: هو كتاب مصاغ بلغة إنجليزية عالية، وفي مقدمته رسالة كتبها إلى ابن أخيه الصغير غاية في الجمال. 


هذه سبعة كاملة. ولعلي أستمر في تدوينة مماثلة بين فترة وأخرى إذا كتب الله ويسر.


فلوريدا ١٤٤٣ هـ



سبعة كتب - ٤

سبعة كتب - ٥

لماذا حذفت الوتز أب من جوالي ؟


قبل فترة كتبت ُ مقالا بعنوان : ماذا فعل الوتز أب في حياتنا ؟ ، وأشرت في نهايته إلى أمنية أتمنى أن أقوى عليها وهي أن ألغي هذا البرنامج من قائمة أعمالي اليومية والحمد لله وصلت اليوم لهذه الأمنية وهذا القرار ، وهو نتيجة تراكمات وأسباب كثيرة سألخصها في نقاط ربما قد يجد فيها أحد إضاءة أو إشارة ولو يسيرة . وأستطرد لأقول إن الناس تكتب لأسباب كثيرة : لطلب الراحة من عناء الفكرة ، للمتعة ، للوظيفة وطلب المزيد من المال ، للتحريش بين الناس ، لاستدرار مزيد من الأفكار .. وقائمة تطول . وكتابتي هنا من أحد أسبابها أن يزيد التزامي الأدبي بهذا القرار حتى لا أتراجع فيه ، مثل المدخن الذي ينصحه الأطباء أن يقرر يوما معينا يخبر الناس حوله أنه يومه المشهود لانتهاء علاقته بالتدخين ، فيجد نفسه محاصرا بوعده لنفسه ووعد ألقاه على عشرات الناس حوله ، وهذا ما أفعله الآن ! 



١) كانت البشرية في مرحلة ما تجد صعوبة بالغة في التواصل ، لكن اليوم لم تعد مشكلتنا في عدم القدرة على التواصل بل في كثرة المنافذ التي تنفذ إليك فتسرق وقتك وجهدك وتركيزك ، فتعيش محاصرا بخيوط من حرير وتعيش “ عبودية اختيارية  “ لهذه التكنولوجيا المتوحشة .  



٢) أغيب عن أحد الأصدقاء فترات طويلة جدا جدا ، لكنني في تواصل مستمر معه على هذا البرنامج .. ثم تأتي صدفة فألقاه فلا أجد من نفسي ولا منه حرارة اللقاء السابقة ، بل ربما نغفل أحيانا فيسلم أحدنا على صاحبه سلاما ليس فيه إلا طرف راحة يده ، ثم ننتبه أننا لم نتقابل منذ سنة .. فنعود للعناق المتأخر وتصنع مشاعر غائبة ، وهذا أمر خطير جدا جدا أن نتحول إلى مكائن جافة بهذه السهولة وبهذه البساطة . في هذا العالم المليء بالضجيج = حاجتي لصديق أنظر في عينيه وينظر في عيني ، وأضع يدي في يده أهم من أي وقت مضى ، وحاجات الناس للحديث الصادق الذي تصحبه الزفرات والتوجع في شكوى لصديق صادق ، وللضحكات والابتسامات الصادقة ، أكثر من حاجته لرموز صفراء يزين بها الإنسان عباراته المكتوبة حتى يبعث ذرة من فيض مشاعره عبر هذه الأجهزة القاسية .



٣) هذا المد التقني لاحد له ، وقد بلغ البشاعة والفضول والوحشية ما يقف أمامه المتأمل حائرا يتساءل : كيف وصلنا لهذا الحد ؟ وكيف سمحنا لكل هذه الكماليات أن تشاركنا تفاصيل حياتنا . وفي التحديث الأخير للوتز أب مثال صارخ على انتهاك الخصوصيات ، وتجاوز كل الحدود . فقد تكون في جلسة عائلية حالمة هادئة  ، أو في ضجيج عملك وشغلك ، تعبث بجوالك بصمت ، فتمر على هذا البرنامج اللعين فتأتي إشارة لأحد ما قد بعث إليك رسالة أو طلب بأنك قد اطلعت على رسالته أو طلبه .. وأنت في مكان ووقت لا يأذن لك بالرد ولا بتأمل رسالة جادة أو كتابتها . وما دمت قد اطلعت على الرسالة فأنت ملزم “ أدبيا “ بالرد والتعاطي مع هذا العالم الذي دخلته بقدميك مختارا ، أو فاستعد لاستحضار المبررات عند كل تأخر أو ظرف طاريء . فما الضرورة التي تدعو لكل هذا ؟ .. لا شيء أبدا سوى أننا اخترنا أن نرضخ و نستسلم للتقنية وشبح الرأسمالية الذي يسوقها . 





٤ ) هناك قاعدة تقول : “ إن الإنسان عرضة لأن يعتبر شيئا ما ضروريا لإنه أصبح ممكنا “ ، فكر في هذه القاعدة وحاول إعمالها على غالب الكماليات التي تحاصر حياتنا اليوم ، وكيف أصبحت ضرورية لأنها فقط أصبحت ممكنة . 

 جلست أفكر : ما “ الفائدة “ الفعلية التي أستفيدها من الوتز أب ؟! وما الضرورة التي تجعلني متشبثا به ؟ . لا يوجد ضرورة . وإذا قالت لي نفسي أحيانا أن وسيلة للتواصل وللوصول للخبر أو المعلومة أحيانا . فإني أقول لها : أن لدي طرق كثيرة للتواصل ، الوتز أب ليس أفضلها . وأن لدي طرق كثيرة للوصول للمعلومة ، الوتز أب من أسوأ الحواجز أمامها ، وإن كان مصدرا لها فهو من أكذب وأسوأ مصادرها ، لما يشوب أخذ المعلومة الصافية من ضياع للوقت وتشتيت للذهن فتذهب المعلومة ويبقى الشتات الذهني . 





٥ ) ألستطفت كلاما جميل للمفكر الكبير جلال أمين عن الفراغ في كتابه العميق والمهم جدا “ العولمة “ . فهو يرى أن الفراغ حاجة إنسانية يسعى الإنسان إلى تحقيق أكبر قدر من الفراغ ، فإذا جاء الفراغ بحث عن أي شيء لمليء هذا الوقت الفارغ . وعندما يتوفر الفراغ يحتار الإنسان بأي شيء يملؤه ، وهذه الحيرة هي التي تدفعه إلى الاستسلام السريع لكل ما تلقيه إلى التكنولوجيا الحديثة من ابتكارات . هذا ملخص تحليل جلال أمين “ لمعضلة الفراغ “ أو الحاجة البيولوجية التي اسمها الفراغ . إذا ، كل ما يفعله الوتز أب أحيانا هو مليء هذا الفراغ لدى معظم الناس . فهل العقلاء بحاجة فعلا لأن يملأ فراغهم شيء كالوتز أب وأمور أخرى مشابهة ؟ . أترك الجواب مفتوحا . 





٦ ) “ التقنية تجعلنا أكثر معلومات وأقل معرفة “ : 

هل تتصور أن أحد ما يستطيع أن يقرأ قراءة جادة عميقة أو يكتب بحثا علميا رصينا وبجانبه إشعارات الوتزأب وتويتر والفيس بوك والجوال وشاشة الجزيرة والعربية ؟! .. 

وهذا ما أجده مع نفسي .. فقبل سنوات كنتُ أقضي ثمان ساعات متواصلة في قراءة أو مذاكرة لايقطعها شيء وبقدرة عالية على التركيز والفهم . واليوم أشعر أنني أغالب نفسي على نصفها ولا أكاد بسبب الشتات الذهني والمشغلات ، واليد التي تذهب عفويا لالتقاط الجوال للاطلاع على الجديد من الأخبار والمعلومات .. وكثير من الأصدقاء كذلك . 

ثم ماذا ؟ لاشيء . العالم كما هو ويزداد انحطاطا وتخلفا ووحشية ونحن نزداد ضمورا وضعفا . فماذا أفادتنا ثروة المعلومات ؟ لاشيء أيضا . جدي قبل سبعين سنة كان أكثر نفعا لمجتمعه وبيئته وأعمق حكمة ومعرفة من السواد الأعظم من الناس اليوم ، وكمية المعلومات التي يعرفها عن العالم أقل بكثير مما يعرف تلميذ اليوم في نهاية المرحلة الإبتدائية !

من العار أن تكون الأمريكية طبيبة !

https://www.nlm.nih.gov/exhibition/blackwell/college_life.html


تتشارك المجتمعات الكثير من الرؤى والتصورات ، وتستعمل ذات الأدوات في الحكم والنقد . والذي يصور مجتمعه دائما بأنه المجتمع الجاهل والمتخلف والرافض للجديد ويسوق على ذلك الأمثلة والقصص ، هو في الحقيقة يصنع من نفسه المثال الصريح والبين لصاحب الأحكام المتسرعة والناقصة . وفي واقعنا الطبي العجيب الغريب تسمع وتقرأ كثيرا من هذه الأحكام المتسرعة على مجتمعنا الطيب ، فيوصم بالتخلف والتأخر ورفض التجديد واحتقار المرأة وظلمها ، وزد على هذا ما شئت من المعايب . وكأن هذا المتحدث قادم من عالم آخر وليس جزء من المجتمع " المتخلف " ويشاركه غالب تصوراته وأفكاره شعر بذلك أم لم يشعر . والدراسات المهتمة بنقد المجتمعات تبين حجم المساحة التي تتشارك فيها المجتمعات البشرية عموما ، من رفض للجديد ، والشوق للقديم ، والحذر من المجهول . فهي أمور لا تختص بمجتمع دون مجتمع ولا بأناس دون آخرين .

ومن الطريف أنني وقفت على مذكرات لطبيبات أمريكيات يروين بداية حياتهن مع الطب ، وكيف قررن دخول عالم الطب ومزاحمة الرجال في عالم الطب ، ثم ردة فعل العائلة والمجتمع من حولهن . فالرفض يأتي من الأب والأم والإخوان ، بمبررات مختلفة بعضها كالتي لدينا تماما ، وأخرى تختلف بسبب اختلاف المجتمع والثقافة . ولكنها في كل الأحوال هنا وهناك رفض لما لم يُعهد من قبل وما لم يُعرف .

كان هناك فتاة اسمها إليزابيث كويلا ( 1821 - 1910 ) ، كانت تبحث عن عمل يجعلها تقارع أبناء الجنس الخشن ونفوذهم ، ولم تجد شيئا يلبي رغبة في إثبات نفوذها هي أيضا إلا الدخول لعالم الطب . وهنا نرى كيف تتكرر فكرة الصراع مع الجنس الخشن وتحضر بقوة لدى الأنثى فتتجه لما تحب لتثبت قدرتها على فعل ما يفعل الرجال ، وهذا أمر نراه لدى إليزابيث هذه وفي الواقع أيضا . حين قررت الدخول لعالم الطب بدأت بمراسلة كبار الأطباء وكان سؤالها فيما إذا كان من اللائق للمرأة أن تكون طبيبة أم لا ؟ . وتأتي أكثر الردود مجاملة بأن الفكرة جيدة لكنها غير قابلة للتطبيق . صديقتها التي ماتت تعاني من مرض نسائي وأوحت لها قبل أن تموت بأن تكون طبيبة لتنقذ النساء من الموت والمرض، كان السبب الخفي خلف تقمحها الطب.

في أول لقاء بمقاعد الدراسة رفض وجودها الطلاب ورفض الدكتور كذلك وجودها في بعض المحاضرات ، ورفضتها عدد من المستشفيات في أوروبا وفرنسا وعوملت كقابلة في بعض المستشفيات في أوروبا رغم حصولها شهادة الطب . وفي هذا الطريق الصعب والمر ، عميت إحدى عينيها في أثناء عملها الطبي في أوروبا ، ولم تتزوج أبدا طيلة حياتها ، لكنها كانت تسعى لصناعة جيل من الفتيات يعي الأمومة بشكل جيد . بعد كل هذا وأكثر دخلت هذه الـ"إليزابيث " التاريخ كأول امرأة في أمريكا تنال درجة الطب وتمارسه .

على سرير المعاناة والمرض كان يقول لابنته بسكينة الشيوخ : " أنا لا أريد لابنتي أن تعمل لتكسب مالا ، وليس من الصواب في شيء أن تدخلي في منافسة مع أولئك الذين يشتغلون ليسكبوا ليعولوا أنفسهم . فبنت الرجل المهذب لاتشتغل لتجمع المال ، فالميدان الذي خُلقت له هو أن تعملين على إسعادنا وبعد ذلك تتزوجين رجلا من طبقتك ، وستعملين على تنشئة أولادك على أحسن المثل . وسيكون بيتك مركزا للثقافة والسعادة كمنزلنا هذا . فواجبك الأسمى هو أن تصبحي زوجة وأما صالحة " .

من يقرأ هذا الكلام مجردا من النسبة إلى أي أحد ، قد يظن أنه لأحد الرجال حولنا ، ومن الصعب أن يتصور " البعض " - البعض الذي يصف مجتمعه بالتخلف - كون هذا ما قاله والد الفتاة " روزالي سلوتر 1876 " حين قررت أن تكون طبيبة . قررت أن تكون طبيبة فقابلتها أمها بالرفض وأبوها وإخوتها الأربعة لأن "النظرة إلى اشتغال المرأة بهذه المهنة نظرة تساؤل واستنكار " وهي في ولايات الجنوب الأمريكي تتجاوز الاستنكار إلى التحريم المطلق وكان الحديث عن ذلك في المجتمع الراقي يكاد يعتبر خدشا لآداب السلوك ! . تصور هذه الفتاة التي أصبحت فيما بعد أول جراحة في واشنطن نظرة الناس للمرأة الطبيبة وللطب عموما فتقول : " كانت دراسة أسقام الناس وآلامهم مهنة تثير الاشمئزاز ، لدرجة تجعلها غير لائقة بالمرأة إطلاقا . وكان على طالبة الطب أن تواجه بالعتاب من أسرتها التي لحقها العار والخزي ، كما كانت تقابل بالقطيعة الاجتماعية وبكل ما يخطر على البال من عقبات في سبيل محاربة مهنتها " ! وتبعث إليها أمها رسالة ذات يوم ، وقد توفي أبوها : " إن العار لم يمس اسم والدك من قبل. إذا أصررت على تنفيذ قرارك الجنوني بدراسة الطب فلن أعترف بك ابنة في المستقبل مطلقا " . وتسير الحياة وتصبح الفتاة طبيبة كما أرادت أن تكون .

العجيب أن هذا الرفض الأمريكي لم يكن لدخول الفتاة للطب فقط ، بل كان يمتد ليشمل الفتيان الراغبين في دراسة الطب ، وإن كان بشكل أقل حدة . فحين قرر ماريون سيمس الاتجاه للطب ، بلغت خيبة الأمل بأبيه أقصى مدى : " يا ولدي أصارحك أن أملي قد خاب فيك ولو كنت أعلم ذلك منك لما أرسلتك إلى الجامعة ، أظن أني لا أستطيع منعك رغم أني أزدري مهنة الطب كل الازدراء . ولم يخطر ببالي أن يأتي وقت أرى ابني فيه ينتقل من بيت إلى بيت في هذا البلاد حاملا بيده صندوقا مملوء حبوبا وبيده الأخرى حقنة . كل ذلك لتخفيف ويلات الناس " ..

وأشد من كل هذا غرابة وطرافة ما فعلته البريطانية " James Barry " ، التي ولدت أنثى لكنها اضطرت لممارسة حياتها كرجل لتصبح " جراحا - أو جراحة - ، وكان لها ذلك فقبلت في كلية الطب ، ومارست الطب وصارت جراحة وكل ذلك في صورة رجل ، وعادت أنثى يوم وفاتها !

ومهما حاول أحدنا استقصاء ردة فعل مجتمعنا تجاه الطبيبة أو طالبة الطب والطب عموما ، فلن يجد شيئا يقارب هذه قسوة المجتمع الأمريكي آنذاك في استنكاره لاتجاه الفتاة للطب ولمهنة الطب بشكل عام . وإن كانا الاستنكار والرفض شديدين على مستوى " المؤسسات " قبل المجتمع ، فقد كان أشد قسوة عندما تكون المرأة الدارسة للطب من الأقليات أو الملونين " اللاتين ،, الهنود ، الأفارقة .. إلخ " . وفي تصوري أن جزء كبير من الشكوى من مجتمعنا التي نقرأ ونسمع هنا وهناك ليست إلا من قبيل المبالغات التي يصنعها الإنسان -الإنسان تشمل الذكر والأنثى - حول ذاته .

فإلى هؤلاء وإلى كل من يصف مجتمعنا الطيب العاقل بالتخلف ، والله إن التخلف متدثر في ثيابك !

من المصادر:

https://cfmedicine.nlm.nih.gov

https://www.nlm.nih.gov/exhibition/blackwell/college_life.html

أيام في بورتريكو

أيام قليلة قضيناها في بورتريكو. هذه الجزيرة الجنة التي انتقلت من الاستعمار الأسباني إلى الاستعمار الأمريكي وما زالت لا تدري أين تتجه. منحت الجزيرة حق الحكم الذاتي لكنها بقيت أرضا أمريكية. ومع هذا تشعر وأنت فيها أنك لست في أمريكا:  فلوحات الشوارع كلها باللغة الأسبانية والناس لا يكادون يتحدثون الإنجليزية الإ قليلا. ورغم أن الجزيرة لا تبعد سوى أربع ساعات بالطائرة من العاصمة واشنطن إلا إنك تشعر بأن الفارق أعرض بكثير من هذا. فالبساطة تغلب على الناس وعلى الأشياء والشوارع  ضيقة في الغالب. والسيارات ليست كالسيارات التي تراها في المدن الأمريكية الكبيرة. هي أمريكا ولكن الفتى الأمريكي فيها غريب الوجه واليد واللسان كما يقول المتنبي . ومن الطريف أن تجد نفسك تتحدث الإنجليزية في أرض أمريكية أفضل من كل من حولك . ودخلنا مطعما مصريا في عاصمة الجزيرة فما فهمنا حرفا ولا إشارة، ونحن في حيرتنا أقبل علينا وجه مبتسم اسلم علينا سلام المسلمين وعمل معنا مترجما لدقائق ثم ودعنا بالدعاء. وكان وجها من لبنان تعلوه لحية وقورة طيبة وكأنه كان يرمقنا من طرف خفي فلما رأى حيرتنا عطف علينا فترجم. ثم طوته الذاكرة خلف المحيطات ، جمعنا الله به وبالمسلمين في الجنات. وهذه الأرض لا تذكرنا إلا بالجنات ونعيمها. فأهلها يتقلبون بين كرم الغابة وكرم المحيط. والدنيا لا تسلم من بلاء فتبالغ الغابات أحيانا في الكرم مستعينة بالسحاب فيغرق أهلها، وكذلك المحيطات تبالغ في كرمها فيأتي الطوفان. وهم يتنقلون بين هذا وذاك. وكنت أقول أن الجزيرة في حيرة من أمرها لا تدري أين تتجه ، وفي تصويت قريب مالت الكفة لمن يريد الانضمام لأمريكا كولاية، وهذا يمنحها ميزانية سنوية من الحكومة الفيدرالية فتتسع الطرق ويكبر البنيان وتأتي الشركات الكبيرة بالمال فيغتني أناس ويفتقر وآخرون. وكان من قراءتي عن هذه الجزيرة أن التعليم فيها باللغتين الإنجليزية والأسبانية لكن الناس فيها يرون أن الإنجليزية غريبة عليهم وبعضهم من قاومها وترى بعد كل هذه السنوات من الاستعمار كيف لم تستطع الإنجليزية التغلل والتغول "بعد" وأقول "بعد" يقينا لأنها قريبا ستفعل. والإنجليزية إذا أتت لن تأتي وحدها كما يظن الكثير بل سيأتي معها الثقافة والطباع والعادات إلى آخره. وعلى كل حال ليس لدى هذه الشعوب ما تخسره مقارنة بشعوبنا فالأخلاق في غاية النزول، لكنهم قد يخسرون التماسك الأسرى الذي يميز كثيرا من الشعوب اللاتينية. 


https://drive.google.com/uc?export=view&id=1PUjPhF_8yaJ_qEBP6sQDlYcbZYLG6BG4https://drive.google.com/uc?export=view&id=1I7DRbviZCwskjdcvrtM9KiZAUgN65vnghttps://drive.google.com/uc?export=view&id=1no6qlT02Qm2peCo05qmJkb4PWUzeWh1dhttps://drive.google.com/uc?export=view&id=1G61uaxlUCKJ1xFIHLxQQfZT6Z-vo2u0u

https://drive.google.com/uc?export=view&id=1Dyl2_c-fAjyxAA6b-n-LaL4PLxAmJ9bKhttps://drive.google.com/uc?export=view&id=1Al5PJ6au1BHvgdCNCJCtcYwbjx2H7KQ2

صلاة في لاس فيغاس

الصورة التقطتها في رحلة عابر لـلاس فيقاس


حوض سمك مليء بالحياة في الشمال منها ، إضاءة زرقاء خافتة تدعوك للإسترخاء. إنها غرفة أنيقة تستحق الاسم الذي أطلق عليها " meditation room ". خالية أغلب الوقت. وحين أجد فيها أحدا عندما أذهب إليها للصلاة أجده أبعد ما يكون عن التأمل. دخلت ككل يوم وقت صلاة الظهر، غرفة التأمل بإضاءتها الخافتة ، فتاة في صدر الغرفة تعبث بجهاز بين كفيها ، كل ما أراه بوضوح هو جهاز صغير ويدين تمسك به. قلت مستأذنا هل يمكن أن أصلي هنا ؟!  ردت بالإيجاب والتأكيد ،شكرتها وشرعت في صلاتي ، أنا اقرأ الفاتحة وهي تمطرني بعدد من الأسئلة، ثم صمتت، أشعرتني بالحرج وأنا أصلي. سلمت من الصلاة ، بادرتني .. " إنها رائعة .. لقد تابعت صلاتك كاملة .. هل هناك مشكلة في ذلك .. الحقيقة إنني أحببتها ! " ، 

أخبرتها أن هذه الصلاة واحدة من خمس أصليها كمسلم .. وأشعر بالسعادة معها .. 

هذه الحياة المليئة بالركض واللهاث والكدح .. جحيم لا يطاق دون هذه الدقائق من السكينة والهدوء ، وهؤلاء من حولي الذين يملأون المكان يتنافسون على الإنجاز والنجاح .. ما أجمل لو كانت حياتهم مضاءة بهذا التأمل الحقيقي الذي لا يحتاج غرف خاصة ولا حوض سمك ولا إضاءة خافتة .. يحتاج قلبا مؤمنا يحمد الله على هذه النعمة وهذه المنحة وأرضا طاهرة ودقائق قصيرة ! .. إنها واحات غناء في صحراء الحياة القاحلة ، نحن بدونها ظمأى .. حيارى تائهون .. نحن لا شيء بدونها .. 

ساعات قضيتها أسير في شوارع المدينة الصاخبة ، المزدحمة بالحركة والناس والعمران.. أشعر أنني سأختنق ، سأموت.

المادية هنا تطغى على كل شيء ، الصورة والمظهر هي الغاية هنا ومن أجلها تتدفق هذه الأعداد الهائلة ... جريا خلف المتعة المجردة والمال .. أشعر أن هذا المكان قطعة من العذاب ، يضيق صدري .. أجد زاوية هادئة أمام بناية تنشأ ، لا أقدام تطرق هذا المكان .. أتوضأ من علبتي الصغيرة ، .. أردد الأذان بهدوء ، أصلي ... أشعر أني رحلت إلى مكان آخر ، تزول كل السموم الجاثمة على صدري .. وأنصرف من الصلاة  شخصا آخر مختلفا  .. إي والله !




لاس فيقاس ١٤٣٣ هـ 


سبعة كتب - ٥

خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.



١) العطر- باتريك وسكيند

هذه رواية شهيرة جدا جدا. وأنا منذ فترة لم أقرأ رواية وأعود للرواية بين فترة وأخرى محاولة للانغماس في كتاب. وهي في الحقيقة رواية جميلة ولطيفة أبدع الرواي في إبتداع ما لا يبتدع في حديثه عن الرائحة. وأذكر تعليقا لعبدالله الهدلق يقول إنها رواية معجزة.


٢) منجنيق العرب - فؤاد الهاشمي

الكتاب مدخل جميل لمعرفة الإمام ابن حزم رحمه، حياته، والسياق المعرفي الذي نشأ فيه، وبعض ملامح شخصيته ومؤلفاته وشيوخه. وأحال كثيرا لكتاب ابن عقيل الظاهري - أمد الله في عمره وعافيته- في سيرة ابن حزم. اقتنيت الكتاب من معرض الرياض للكتاب قبل سنوات ورافقني في تنقلي على مدى خمس سنوات حتى قرأته قريبا. كتاب يستحق القراءة.


٣) : أخلاق الطبيب: رسالة لأبي بكر الرازي إلى بعض تلاميذه:

والكتاب رسالة إلى تلميذ من تلامذته بعد أن علم أن هذا التلميذ وُكّل بأن يكون طبيبا لأحد الأمراء. وفيها نصائح في الأخلاق والتعامل مع الأمراء وغيرهم من الناس. وهي بمثابة كتاب في “الأخلاقيات الطبية” بالاصطلاح المعاصر. فهي يوصي مثلا بعدم إفشاء الأسرار أو كشف ما لايلزم من العورات. وأن يدع الكبر والعجب والترفع عن الناس. وأن يطبب الفقير كما يطبب الغني. وأن لا يتجاوز في العلاج “العرف الطبي” و “أصول الصناعة”. وهي رسالة قصيرة.


4.Doctors For The Kingdom


وهو كتاب فيه يوميات من البعثة التبشيرية الطبية في البحرين وتحديدا زياراتها للسعودية في بداية تأسيس المملكة. والكتاب أشبه ما يكون بتقرير للأحداث أكثر من أي شيء آخر. وقد كنت أرجو أن أجد فيه تفاصيل وأفكار. والكتاب لم يذكر أي شيء عن الأهداف التبشيرية أبدا. وما زال للإرسالية مستشفى قائم في البحرين إلى هذا اليوم إذا لم أكن واهما وقد شاهدته في زيارة عابرة للبحرين قبل سنوات. وفي الكتاب صور للفريق الطبي مع الملك عبدالعزيز والملك سعود وغيرهم.


٥) خواطر الصباح - عبدالله العروي.

الكتاب مذكرات قصيرة يومية كتبها العروي بين ١٩٦٧ إلى ١٩٧٣ م. وفيها أفكار متفرقة غالبها في السياسة وخصوصا ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي. والكاتب في أفكار للمؤلف على هامش الحرب المصرية الإسرائيلية وخيبة المؤلف من كل مشاريع العرب السياسية. وهو كتاب خفيف.


٦) كرة القدم بين الشمس والظل - إدوارد غاليانو

لست مهتما بكرة القدم خارج نطاق الممارسة الشخصية ، وليس لي علاقة بها إلا عن طريق سماع خلافات ونقاشات بعض الأصدقاء الحادة. إلا إنني وجدت نفسي أقتني هذا الكتاب لسببين : وجود الاسم الجميل " صالح علماني " كمترجم للكتاب. هذا الأمر الأول الذي دعاني لاقتناء الكتاب .

أما الأمر الآخر فهو لأن المؤلف ينتمي إلى " الأوروغواي" . وهذا لأن هناك شيء ما يجعلني أشعر بالقرب من الشعوب اللاتينية ، وربما رأيت في الملامح اللاتينية وجوها عربية وسحنات عربية وسمرة عربية.

أذكر إنني قبل سنوات طويلة قرأت مقالا في مجلة عن علاقة الرياضة بالسياسة ، فكان صادما لي حين كنت أظن الكرة مجرد " لعبة " يطاردها اثنان وعشرون مستمتعين عاشقين ، فإذا الأمر مختلف جد مختلف. ومع " طفرة " التعصب الرياضي أدركت بالنظر ، كثيرا مما وقف عليه المؤلف الذكي والمقتنص في تاريخ هذه الكرة وأسرارها وخفاياها وعوالمها المظلمة . أقول رغم أن المتأمل يدرك أن الكرة ليست مجرد كرة ، لكن يبقى للمعلومة الموثقة بهاؤها ورونقها وجمالها . فكيف بالمعلومة إذا رافقها صياغة بديعة وقلم أديب .

وبين دفتي الكتاب سيتفأجا المتابع الرياضي الملح ومن يزعم أنه يعي أسرار الكرة من جماهيرها ، من حجم الزيف والخداع ، ومن عبث رأس المال به وبفريقه وبلاعبه المفضل ..


٧)عسير قبل الحرب العالمية الأولى : كورانساليس

الكتاب مليء بالأخطاء. والمحقق لم يبذل جهدا في التوضيح ولا في التعديل. ومن لديه أوائل معرفة بمنطقة عسير وأسماء القبائل والأعلام لا يمكن ان تمر عليه الأخطاء الفادحة الموجودة في الكتاب. ومع هذا هو شاهد على تغلل الاستشراق وتدوينه للتفاصيل.

هذه سبعة كاملة. ولعلي أستمر في تدوينة مماثلة بين فترة وأخرى إذا كتب الله ويسر.

فيرجينا ١٤٤٢ هـ

سبعة كتب - ١

سبعة كتب - ٢

سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

لو أردت أن أكون شاعرا لفعلت ..


لو أردت أن أكون شاعرا يشار له بالبنان لفعلت لكنني تركت ذلك لعدة أمور. وقبل أن أسير في الحديث أود أن أقولك لك أن هذا الأمر قد لا يهمك فهذه التدوينة قد لا تنفعك وهي حديث عابر مما قد أحكيه لصديق يشاركني حب الأدب والشعر. وقد أعذر من أنذر :)


دخلت على خجل مجامع الشعر والشعراء وكنت أجلس في طرف المجلس اتأمل، وأحيانا أجد نفسي في صدره ألقي ما لدي من شعر لكنني تركت هذا لعدة أمور، أولها: غلبة النفاق والتمادح على الشعراء، والشاعر الجيد هو نرجسي بطبعه. ولن يشاركك الشاعر قصيدته وشعره إلا واثقا من أن لديه ما يستحق أن يسمعه الناس. ولذلك لا يريد منك إلا مدحا وثناء. هذا الشاعر الجيد أما غير الجيد فهو أخذ من هؤلاء نرجسيتهم مع جهله برداءة وخسة شعره. فيجمع عليك ثقل الشعر الرديء والنفس الردئية. وربما استشارك أو استنصحك فإذا صدقته ثار ومار وهاجت نفسه وماجت. وهذا الجو الرديء المريض لا يصلح لي. 


وثانيها أن جل من يسمع الشعر لا يفهمه. وربما ألزمني بعض من أحب من الأصدقاء على إنشاد الشعر فأفعل وأنا على يقين أن شيلة ردئية ألذ إلى أكثرهم من قصيدة كتبتها في لحظة صفاء أو حزن أو لوعة .. إلخ. 


وثالثها أن الشعر يُلزمك الاستغراق في التجربة، ومعنى ذلك أن تعيش اللحظة الحالمة، أو تستمطر الحزن أو البؤس أو المعاناة أو الحرمان أو البهجة أو الاندهاش … إلخ. وأنت إذا فعلت ذلك واسلمت قيادك للشعر وما يطلبه منه صار ذلك عادة وطبعا. وهذا شيء لم أعد أطيقه. وهو فوق ذلك يفقدك القدرة على التفكير السليم والنظر النقدي الصحيح. 


على أني مع ذلك أتلذذ بكتابة القصيدة حينما تلح القصيدة علي. ويخرجني مما أنا  فيه قصيدة محلقة، وأطرب لإنشاد الأشعار مع الأصدقاء ممن يفهمون الشعر سواء مما نقول أو ننقل. 

ولو قلتَ: هل هذا هجاء للشعر والشعراء؟ قلتُ لك : لا. بل نظرة شخصية مجردة قد تقبل وقد ترد، وهي كذلك قد تتغير مع الزمن.