كم لتر ماء تحتاج كليتك فعلًا؟

من أكثر الأسئلة التي تتكرر في العيادة: «دكتور، كم لتر ماء يجب أن أشرب يوميًا حتى أحمي كليتي؟» والجواب الصادق أن الرقم السحري الذي يسمعه الناس - ثمانية أكواب، أو ثلاثة لترات، أو غيرها - ليس قاعدة طبية ثابتة، بل تقدير عام لا يناسب الجميع. كليتك ليست خزانًا يُملأ، بل عضو ذكي يُنظّم نفسه ضمن مجال واسع من كميات الماء، طالما أن وظيفتها سليمة.

خرافات شائعة تستحق التصحيح

  • «كلما شربت أكثر كانت كليتك أسلم»: غير صحيح. الكلى السليمة قادرة على تركيز البول أو تخفيفه حسب حاجة الجسم، وشرب كميات مفرطة من الماء لا يمنحها «راحة» إضافية، بل قد يرهقها في حالات نادرة ويسبب اضطرابًا في أملاح الجسم، خصوصًا الصوديوم.
  • «لون البول الصافي تمامًا دائمًا مؤشر صحة»: الصفاء الشديد المستمر قد يعني أنك تشرب أكثر مما يحتاجه جسمك، لا أنك في أفضل حالاتك. اللون الأصفر الفاتح هو المؤشر الطبيعي المطلوب، لا الشفافية الكاملة.
  • «الجميع يحتاجون الكمية نفسها»: احتياجك من الماء يتغير مع الطقس، والمجهود البدني، وحجم جسمك، وما تأكله، وما إذا كنت تعاني من أمراض في القلب أو الكلى تستدعي تقييد السوائل بدلًا من الإكثار منها.
  • «شرب الماء الكثير يمنع كل أنواع حصوات الكلى»: الترطيب الجيد يقلل فرصة تكوّن أغلب أنواع الحصوات فعلًا، لكنه ليس ضمانًا مطلقًا، فبعض أنواع الحصوات ترتبط بعوامل غذائية أو استقلابية لا علاقة لها بكمية الماء وحدها.
  • «العطش علامة متأخرة يجب تجنبها دائمًا»: عند معظم الأصحاء، الشعور بالعطش هو مؤشر الجسم الطبيعي والدقيق لتنظيم شرب الماء، وليس خللًا يجب الاحتراس منه.

فمتى يكون الماء مهمًا فعلًا؟

الترطيب المهم عمليًا هو ذاك الذي يتناسب مع الفقد الفعلي: التعرق في الحر أو أثناء الرياضة، الإسهال أو القيء، أو الحُمّى. في هذه الحالات فعلًا تحتاج جسدك ماءً إضافيًا لتعويض ما خسره. أما في يوم عادي معتدل، فالجسم غالبًا يخبرك بما يكفيه عبر العطش، ولون البول، وعمومًا مقدار البول الذي تخرجه، دون حاجة لحساب دقيق باللتر.

القاعدة الأبسط والأصدق: اشرب حين تعطش، ولاحظ لون بولك، ولا تفرض على جسمك رقمًا واحدًا يُقال إنه يناسب الجميع. من يعاني من أمراض كلى أو قلب أو كبد فاحتياجه للماء يُحدَّد فرديًا مع طبيبه، فقد يكون التقييد لا الإكثار هو المطلوب.

حصوات الكلى: كيف تمنع رجوعها؟

من مرّ بحصوة كلى مرة واحدة يعرف أنها ألم لا يُنسى، والخبر الذي يزعج أكثر من الألم نفسه أن الحصوة إذا تكوّنت مرة، فاحتمال أن تتكرر ليس ضئيلًا. الخبر الجيد أن أغلب الوقاية بسيطة، وتبدأ من المطبخ لا من الصيدلية.

الماء أولًا وقبل كل شيء

أكثر إجراء وقائي فاعلية هو ببساطة شرب ماء كافٍ على مدار اليوم، بحيث يكون البول فاتح اللون تقريبًا طوال الوقت لا مركّزًا داكنًا. البول المخفف يمنع الأملاح من التبلور والتكتل. من يتعرّق كثيرًا، أو يعيش في مناخ حار كأبها وما حولها في الصيف، يحتاج كمية أكبر ليعوّض ما يفقده.

قلّل الملح، لا الكالسيوم

كثير من الناس يظنون أن الحل هو تجنّب الكالسيوم لأن أغلب الحصوات نوعها «حصوة كالسيوم». هذا خطأ شائع، والعكس هو الصحيح غالبًا؛ فالكالسيوم في الطعام يرتبط بمادة الأوكسالات داخل الأمعاء ويمنعها من الوصول إلى الكلى أصلًا. المطلوب فعلًا هو تقليل الملح، لأن الصوديوم الزائد يرفع كمية الكالسيوم التي تطرحها الكلى في البول، وهذا ما يزيد فرصة تكوّن الحصوة.

عن اللحوم والأوكسالات وفيتامين سي

الإكثار من اللحوم الحمراء والبروتين الحيواني يرفع حمضية البول ويزيد بعض المواد المسبّبة للحصوات، فالاعتدال هنا مفيد دون حاجة للتخلي عن اللحم كليًا. أما الأطعمة الغنية بالأوكسالات كالسبانخ والمكسرات والشوكولاتة، فتقليلها مفيد لمن تثبت أن حصواته من نوع أوكسالات الكالسيوم تحديدًا، لا لكل الناس. وينصح أيضًا بعدم الإفراط في مكملات فيتامين سي بجرعات عالية، لأن الجسم يحوّل الفائض منها إلى أوكسالات.

اعرف نوع حصوتك

الوقاية المثالية ليست عامة بل مبنية على نوع الحصوة: كالسيوم، أو حمض يوريك، أو أنواع أخرى أقل شيوعًا، ولكل نوع أسبابه وطريقة وقايته الخاصة. لذلك من المفيد جدًا، إن أمكن، تحليل الحصوة نفسها بعد خروجها أو استخراجها، وأحيانًا يطلب الطبيب تجميع بول ٢٤ ساعة لمعرفة أي الأملاح مرتفعة تحديدًا، بدل التخمين.

  • اشرب ماءً كافيًا يجعل لون البول فاتحًا باستمرار
  • قلّل الملح في طعامك اليومي
  • لا تتجنب الكالسيوم في الطعام دون سبب طبي
  • اعتدل في اللحوم، وتجنّب جرعات فيتامين سي العالية
  • حاول معرفة نوع حصوتك ليكون العلاج والوقاية موجّهَين

الزلال في البول.. ماذا يعني ومتى يقلق؟

حين يقول لك الطبيب "عندك زلال في البول"، أول ما يخطر ببالك: هل كليتاي بخير؟ سؤال مشروع، لكن الجواب ليس دائمًا مقلقًا كما يبدو للوهلة الأولى.

ما هو الزلال أصلًا؟

الزلال (الألبومين) بروتين يسبح في الدم بكميات كبيرة، ووظيفته الأساسية أن يبقى فيه، لا أن يتسرب إلى البول. الكلية السليمة تعمل كمصفاة دقيقة تمنع مرور هذا البروتين الكبير نسبيًا، وتسمح فقط بمرور الماء والأملاح الزائدة والفضلات. حين تظهر كمية من الزلال في البول، فهذا يعني أن هذه المصفاة، في مكان ما، بدأت تفقد بعض دقتها.

كيف يُكتشف؟

غالبًا عبر تحليل بول بسيط، إما بشريط الكشف السريع أو بفحص أدق يقيس نسبة الزلال إلى الكرياتينين في عينة بول واحدة. هذا الفحص الثاني تحديدًا هو ما يعتمد عليه الأطباء لتقييم الكلى في مرضى السكري والضغط، لأنه يكشف تسربًا بسيطًا قد لا يظهر في التحليل العادي.

هل كل زلال يعني مرضًا؟

لا. هناك حالات مؤقتة تمامًا لا علاقة لها بمرض كلوي حقيقي:

  • الحمى أو الجهد البدني الشديد قبل التحليل مباشرة
  • الوقوف لفترة طويلة قبل أخذ العينة عند بعض الشباب، وهو ما يُعرف بالزلال الوضعي
  • الجفاف الخفيف أو التهاب بسيط في المسالك البولية

في هذه الحالات يُعاد التحليل بعد الراحة وشرب الماء، وغالبًا يعود طبيعيًا.

متى يستحق القلق؟

يصبح الزلال إشارة تستحق المتابعة الجادة حين:

  • يتكرر ظهوره في أكثر من فحص، على فترات متباعدة
  • يترافق مع تورم في القدمين أو حول العينين
  • يوجد مرض سكري أو ضغط دم مرتفع غير منضبط
  • ترتفع معه نسبة الكرياتينين أو تنخفض كفاءة الترشيح الكلوي

في هذه الصورة، الزلال ليس مجرد رقم، بل أحيانًا أول إشارة تسبق أي أعراض أخرى بأشهر أو سنوات. وهذا بالضبط ما يجعله مفيدًا: فحص بسيط يكشف مشكلة قبل أن تتفاقم، ويمنح فرصة حقيقية للعلاج المبكر وحماية الكلى من تدهور لاحق.


هل المسكنات تؤذي الكلى؟

لا يخلو بيت من علبة إيبوبروفين أو ما يشبهه من مسكنات الألم التي نلجأ إليها عند الصداع أو ألم الظهر أو الحمّى. هذه الأدوية آمنة في الغالب حين تُستخدم كما ينبغي، لكن المشكلة ليست في الدواء نفسه بقدر ما هي في الطريقة التي نتعامل بها معه.

كيف تؤذي هذه المسكنات الكلى؟

تعمل الكلى جزئيًا بمساعدة مواد كيميائية تُسمى البروستاغلاندينات، تحافظ على تدفق الدم إليها بشكل جيد خصوصًا في الظروف الصعبة كالجفاف أو انخفاض ضغط الدم. هذا النوع من المسكنات يثبّط إنتاج هذه المواد، فإذا كانت الكلى تعتمد عليها في تلك اللحظة لتحافظ على توازنها، يقل تدفق الدم إليها فجأة، وقد يحدث ضرر حاد قد يكون قابلًا للتراجع إن اكتُشف مبكرًا، أو مزمنًا إن تكرر دون انتباه.

متى يتحول الاستخدام إلى خطأ؟

  • تناول الدواء يوميًا لأسابيع أو أشهر لألم مزمن دون متابعة طبية.
  • استخدامه في حالات الجفاف، كالإسهال أو التقيؤ أو الجهد الشديد في الحر دون تعويض السوائل.
  • الجمع بينه وبين أدوية ضغط الدم التي تؤثر على الكلى، أو مدرّات البول، دون استشارة الطبيب.
  • تجاوز الجرعة الموصى بها ظنًا أن ذلك يعجّل بزوال الألم.
  • استخدامه من قبل من يعاني أصلًا من ضعف في وظائف الكلى دون علم بذلك.

من الأكثر عرضة؟

كبار السن، ومرضى السكري وضغط الدم، ومن لديهم أصلًا قصور في وظائف الكلى، والأشخاص المعرضون للجفاف، هم الفئات التي ينبغي أن تتعامل مع هذه المسكنات بحذر أكبر، وربما تحتاج لبديل آخر بعد استشارة الطبيب.

كيف تستخدمها بأمان؟

  • اجعلها للاستخدام القصير والمتقطع، لا للألم المزمن اليومي.
  • احرص على شرب الماء الكافي أثناء استخدامها، خصوصًا في الجو الحار.
  • إن كنت تتناول أدوية ضغط أو مدرّات بول، اسأل طبيبك قبل إضافة أي مسكن من هذا النوع.
  • لا تتجاوز الجرعة أو المدة الموصى بها على العبوة.
  • إذا احتجت مسكنًا لفترة طويلة، ناقش مع طبيبك البدائل الأنسب لحالتك.

أمراض الكلى — ما الذي يجب أن تعرفه؟

السلام عليكم ورحمة الله ..

صبّحكم الله بالخير!

الكلى عضوان صغيران بحجم قبضة اليد، لكنهما يعملان بصمت لا يكاد يتوقف. يصفّيان الدم، ويوازنان الماء والأملاح، وينظّمان الضغط، ويصنعان جزءًا من الهرمونات التي تحفظ صحة العظام والدم. والمشكلة أن هذا العمل الصامت هو نفسه سبب الخطر: فالكلى قد تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها دون أن يشعر صاحبها بأي شيء تقريبًا.

ولهذا يسمّون مرض الكلى المزمن أحيانًا «القاتل الصامت». كثير من المرضى يصلون إليّ في مراحل متأخرة، وهم لم يشتكوا طوال السنوات الماضية من شيء يذكر. لا ألم، ولا تغيّر واضح، حتى تتراجع الوظيفة كثيرًا.

من هو الأكثر عرضة؟

على رأس القائمة اثنان: مرضى السكري، ومرضى ارتفاع ضغط الدم. هذان وحدهما وراء أغلب حالات الفشل الكلوي التي نراها. يضاف إليهما من في العائلة تاريخ لأمراض الكلى، ومن تقدّم بهم العمر، ومن اعتاد على الإكثار من المسكّنات دون حاجة حقيقية.

وكيف أطمئن على كلاي؟

الأمر أبسط مما يظنّ الناس. فحصان بسيطان يكشفان الكثير:

١) تحليل دم بسيط لقياس «الكرياتينين»، ومنه يُحسب معدّل الترشيح الكلوي (eGFR) الذي يقدّر كفاءة عمل الكلى.

٢) تحليل بول للبحث عن تسرّب الزلال (البروتين)، فهو من أبكر العلامات على تضرر الكلى، وقد يظهر قبل أن يتغيّر تحليل الدم.

ومريض السكري أو الضغط ينبغي أن يجري هذين الفحصين بشكل دوري، لأنهما يمسكان المشكلة في بدايتها حين يكون التصرّف ممكنًا ومجديًا.

وما الذي يحفظ الكلى بإذن الله؟

ليست وصفات معقّدة، بل أمور يعرفها الجميع لكن قليلًا من يلتزم بها:

— ضبط السكر والضغط أولًا وقبل كل شيء، فهذا نصف الطريق.

— شرب الماء باعتدال دون إفراط ولا تفريط.

— التقليل من الملح والأطعمة المصنّعة.

— الحذر من كثرة المسكّنات (مثل مضادات الالتهاب) دون استشارة، فبعضها يرهق الكلى مع الوقت.

— الحركة والرياضة والابتعاد عن التدخين.

وأودّ أن أطمئن من يقرأ هذا وهو خائف: ليس كل ارتفاع في وظائف الكلى فشلًا كلويًا، وليس كل مرض في الكلى مصيره الغسيل. كثير من الحالات تُضبط وتستقر لسنوات طويلة إذا اكتشفت مبكرًا وتابع صاحبها مع طبيبه. المهم ألّا نهمل، وألّا نفزع، وأن نوازن بين الأمرين.

خلاصة القول: الكليتان تعملان لك بصمت، فبادلهما بفحص بسيط بين الحين والآخر، خصوصًا إن كنت من أصحاب السكري أو الضغط. الاطمئنان المبكر أرحم بكثير من العلاج المتأخر.

وشفى الله مرضى المسلمين.

هل صبغة الأشعة تسبب الفشل الكلوي؟

السلام عليكم ورحمة الله ..

صبحكم الله بالخير!

هذا موضوع شائك ويكثر الوهم فيه. والجواب المختصر: صبغة الأشعة الحديثة آمنة في الغالب، ولا ينبغي أن يمنع الخوف منها فحصًا أو قسطرةً مهمة. لكن الصبغات ليست نوعًا واحدًا، والخطر يختلف باختلاف نوع الفحص ووظائف الكلى وحالة المريض.

أولًا: ليست كل «صبغة» مثل الأخرى

أهم الأنواع التي يسمع عنها المريض:

  • الصبغة المحتوية على اليود: تُستخدم في بعض فحوص الأشعة المقطعية، وفي تصوير الشرايين وقسطرة القلب.
  • صبغة الغادولينيوم: تُستخدم في بعض فحوص الرنين المغناطيسي، ولها اعتبارات مختلفة عن صبغة الأشعة المقطعية.
  • صبغة الرحم والأنابيب: تُوضع داخل الرحم عبر عنق الرحم، ولا تُحقن في الوريد أو الشريان بالطريقة نفسها.

هل صبغة الأشعة المقطعية تسبب الفشل الكلوي؟

الصبغة المحتوية على اليود التي تُعطى في الوريد مع الأشعة المقطعية غالبًا آمنة جدًا. وقد بالغت الدراسات القديمة في تقدير خطرها؛ لأنها نسبت كل ارتفاع في الكرياتينين بعد الفحص إلى الصبغة، مع أن المريض قد يكون مصابًا في الوقت نفسه بجفاف أو التهاب شديد أو انخفاض في الضغط، أو يتناول دواء يؤثر على الكلى.

ولهذا يفرّق الأطباء اليوم بين أمرين:

  • إصابة كلوية حدثت بعد الصبغة: أي إن ارتفاع الكرياتينين جاء بعدها زمنيًا، من غير أن يثبت أنها السبب.
  • إصابة سببتها الصبغة فعلًا: وهذه أقل بكثير مما كان يُعتقد، ويصعب إثباتها في مريض لديه أسباب أخرى لتدهور وظائف الكلى.

يصبح الاحتياط أهم إذا كان لدى المريض فشل كلوي حاد، أو كان معدل الترشيح الكلوي منخفضًا جدًا — وخصوصًا إذا كان أقل من 30 — أو كانت حالته العامة غير مستقرة. أما وجود كلية واحدة وحده، مع كون وظيفتها جيدة، فليس سببًا مستقلًا لمنع الصبغة.

من يحتاج احتياطات إضافية؟

قبل الفحص أخبر الطبيب أو قسم الأشعة إذا كان لديك مرض مزمن في الكلى، أو زراعة كلى، أو غسيل كلى، أو ارتفاع حديث في الكرياتينين، أو جفاف شديد، أو حساسية سابقة من صبغة الأشعة.

قد يطلب الفريق تحليل الكرياتينين وحساب معدل الترشيح الكلوي قبل الفحص. وفي بعض المرضى مرتفعي الخطورة قد تُستخدم السوائل الوريدية المناسبة، إذا لم يكن لديهم مانع مثل هبوط القلب أو احتباس السوائل. كما يراجع الطبيب الأدوية التي قد تحتاج إلى تعديل مؤقت. لا توقف دواءً ولا تبدأ شرب كميات كبيرة من الماء من نفسك؛ فالاحتياط المناسب لمريض قد يضر مريضًا آخر.

الأشعة المقطعية بالصبغة على شرايين القلب وقسطرة القلب

تصوير شرايين القلب بالأشعة المقطعية يستخدم صبغة يودية في الوريد. أما القسطرة القلبية فتُدخل الصبغة عبر الشريان، ولها اعتبارات إضافية تختلف عن الأشعة المقطعية العادية؛ لذلك يُقدّر طبيب القلب كمية الصبغة، ووظائف الكلى، والحاجة إلى السوائل والاحتياطات الأخرى.

ومع ذلك، إذا كانت القسطرة ضرورية لعلاج جلطة أو ذبحة خطرة، فلا يصح أن يكون الخوف من الصبغة سببًا لتأخير علاج قد ينقذ القلب والحياة. من أسوأ ما يمر عليّ أن يأتي مريض بذبحة صدرية ويمتنع عن القسطرة التي تنقذ حياته حتى لا يأخذ الصبغة. هنا تُوزن الفائدة الكبيرة مقابل الضرر المحتمل، وتُتخذ الاحتياطات بدل إلغاء الإجراء الضروري.

هل أشعة الصبغة على الرحم تضر الكلى؟

أشعة الرحم والأنابيب فحص مختلف: تُوضع الصبغة داخل الرحم والأنابيب عبر عنق الرحم، وليست حقنًا وريديًا أو شريانيًا مثل صبغة الأشعة المقطعية أو القسطرة. لذلك لا ينطبق عليها نقاش إصابة الكلى بالطريقة نفسها. أهم ما يُسأل عنه قبلها هو احتمال الحمل، ووجود التهاب في الحوض، والحساسية السابقة من الصبغة. ومن لديها مرض كلوي شديد أو حساسية معروفة فعليها إخبار الطبيبة وقسم الأشعة قبل الفحص، ليختار الفريق النوع والإجراء الأنسب.

وماذا عن صبغة الرنين المغناطيسي؟

صبغة الرنين غالبًا من الغادولينيوم وليست الصبغة اليودية نفسها. بعض أنواع الغادولينيوم الحديثة منخفضة الخطورة جدًا حتى لدى كثير من مرضى الكلى، لكن اختيار النوع والجرعة مهمان في القصور الكلوي الشديد ومرضى الغسيل. لذلك أخبر قسم الأشعة بمرض الكلى قبل الرنين، ولا تفترض أن تعليمات الأشعة المقطعية تنطبق عليه حرفيًا.

الخلاصة

إذا طلب الطبيب فحصًا بالصبغة وكان مهمًا في التشخيص أو العلاج، فلا ترفضه لمجرد الخوف من «الفشل الكلوي». اسأل عن نوع الصبغة، وأخبر الفريق بتاريخك المرضي وآخر وظائف للكلى، ودعهم يوازنون الفائدة والضرر ويضعون الاحتياطات المناسبة. الصبغة ليست بلا مخاطر، لكن خطرها على الكلى أقل بكثير من الصورة الشائعة عنها، وتأخير التشخيص أو العلاج قد يكون هو الخطر الأكبر.

وشفى الله مرضى المسلمين.

مصادر للاستزادة

أيام في مراكش

أحاول ما استطعت أن أدون أسفاري وخواطري العابرة في الرحلات الطويلة. وكل مرة يتأكد عندي أن الكتابة مهمة صعبة. ويتأكد عندي ان صاحب المجلدات الطويلة والانتاج العلمي أو الأدبي المتتابع هو بل شك صاحب نفس ملتزمة وثبات دائم وصبر عظيم. أكتب أحيانا السطر والسطرين ثم أقف. يغلبني العجز ويأخذ بقلمي العي كأنني لم اكتب حرفا من قبل. زرت أسبانيا قبل فترة وتنقلت في أراضي العرب العظيمة وقفت على أطلالنا الدراسة الباكية. وبكيت على مدخل الحمراء وأغرقتني سحابة حزن وأنا أسير في أروقة جامع قرطبة.

قطعت جسر قرطبة عشرات المرات ووقفت أتأمل النهر العظيم والمآذن الساحرة. ووقفت على سواحل مالقة. وتعلق قلبي بنقوش بني الأحمر تصرخ صادقة : ”لا غالب إلا الله“ في كل زاوية وعلى كل سارية، لكنني أعود فلا أقوى على كتابة شيء. الكتابة تأتيك أحيانا بلا استئذان ولا خبر فتجد نفسك منطلقا كالنهر. وأحيانا تتقصد مواضع القطر فلا تجد إلا الجفاف القاسي والحجارة الصماء. ومن جرب الكتابة يعرف ما أعني. أكتب أحيانا مرغما نفسي على الكتابة. آخذها بالعزيمة والصبر والتجلد. فأجد سطورا ثقيلة سامجة. العدم عندي أحسن منها. فأمحو أو أقدم وأؤخر لعل الله يفتح بفتح من عنده.

جالس في مقعدي في الطائرة بين اسطنبول ومراكش. تختلط في أذني الأصوات: صوت محرك الطائرة الرتيب. وضحكات السيدة المزعجة خلفي. وخطوات المضيفة تتنقل بين المقاعد. ولوحة المفاتيح المتكاسلة. بين لحظة وأخرى أسمع صوت الشفاط الذي تعرف. يقذف ما أكله الناس في مكان ما. مررت في طريقي على اسطنبول. تشجعت لطول وقت الانتظار على الخروج إلى منطقة السلطان أحمد. شجعني كذلك صديق تعرفت عليه في المطار. مشينا كثيرا كثيرا بعد أن ألقانا سائق الأجرة أمام المسجد الأزرق. تقهوينا ومشينا وأكلنا وتقهوينا مرة أخرى ثم عدنا للمطار لنتقهوى ونأكل مرة أخرى قبل أن نركب الطائرة. لا أريد أن أقول لك أننا تذاكرنا هذه النعم التي نحن فيها والجوع الذي هم فيه أطفال غزة. ثم نسينا كل شيء وعدنا للأكل والقهوة. وإنا لله وإنا إليه راجعون. كنت في أسطنبول في بداية الصيف قبل أشهر ولم نكن بهذه الحرارة. مررنا كذلك بالمسجد الازرق والزحام عليه من كل الناس = مسلمهم وكافرهم. التعري أفسد وقار المسجد وصار المنظر مقززا غريبا. وهكذا هو المال يفسد كل شيء. ويصير كل شيء سلعه تباع وتشترى حتى المساجد أطهر بقاع الله. لكن لعل الله يخرج من أصلاب هؤلاء من يؤمن بالله واليوم الآخر.

متجه كما قلت للمغرب وكلما علم أحد أنني ذاهب للمغرب ضحك ضحكة غريبة أو أطلق مزحة ساخرة. أفسد بعض نساء المغرب تصور الناس عن المغرب العربي وأهله ودينه ودين رجاله ونسائه الطيبين والطيبات. صار الناس لايذكرون عن المغرب إلا الجانب الذي تعلم وهم قلة قليلة من شرارها. والرحلة طويلة جدا. لك أن تعلم انني خرجت من بيتي في أبها الساعة ١٢ ليلا. والآن الساعة ٨ ليلا من اليوم التالي ولما أصل بعد. رفيقي في الرحلة : ”هروبي إلى الحرية“ لعلي عزت بغوفيتش. ولم أكن أعلم أن الكتاب فقرات وخواطر مفرقة لايربط بين كثير منها رابط. شدني منها أشياء كثيرة. منها رأي بدأت أميل إليه من قريب وأجد نفسي أحيانا أمارسه - وأستغفر الله -. ذكر ما معناه أن الكذب شر. لكنه أحيانا ضروري لتسير الحياة الإجتماعية بسلام دون خصام أو خلافات. ولا أوصيك هنا بالكذب والخداع. لكن أوصيك أن تحسن القول حال القول. وان تتعلم الصمت فلا تفصح عن كثير مما تعلم. والثرثرة قرينة البراءة أو قرينة الخبث. فلا تبادر إلى قول ما يفتح عليك باب أسئلة ليس لها نهاية. وربما اضطررت أحيانا إلى التورية والتعريض ، فيما تظن أن الصراحة فيه باب إلى الخلاف والجدل العقيم. هذا الأمر يسير على حديثك مع أصحابك في عملك ومع مديريك ومع أهل بيتك. ولو قال الإنسان كل ما يعلم لما بقي له صديق. ولو صدق الأنسان الناس فأسمعهم ما يحبون وما يكرهون لتقاتل الناس في الشوراع. بل تعلم الصمت والهدوء والإجابات المتأنية كما تتعلم حروف الهجاء. ودعك ممن يقول لك كن صريحا ولا تخف من أحد. فالصراحة باب عداوة وحنق. فلست ملتزما للإفصاح عن مالك وعن نفاصيل حياتك وماذا طعمت وماذا شربت وكيف حالك مع أهلك. وتحفظ ما استطعت التحفظ. على أن الإنسان بحاجة للافصاح لمن يثق به. إفصاحا يشتكي همه ويشارك الناس بعض أفكاره مما يخجل من ذكره أو يخشى من ذكره أو يرى أنها أفكار لم تنضج بعد. وتخير لكل حديث صديق. فما يصلح أن تقوله لفلان لايصلح لغيره. وقد تعرف في بعض أصدقائك حبا للتنافس وربما حسد يخفيه ويبديه. فلا تقل في حضرته ما يفسد نفسه وربما أفسد عليك صحبتك. ولا تغرق في المثالية وتقول ليس لي أصدقاء حسدة ، أو أصدقائي لا يطرق الحسد قلوبهم. بل إن الحسد والتنافس قد يكثر من المتقاربين. ولا تخلو نفس من حسد كما يقول الحسن البصري رحمه الله. فالكريم يخفيه والكريم يبديه.

قضيت أربعة أيام قصيرة في مراكش. ما انطبع في نفسي منها أن الناس طيبون كرام مضيافون. والصدق فيهم بارز والصراحة بينة. والمدينة قديمة ويظهر الفقر على أهلها في كل زاوية. مررت بسوق الكتب المستعملة فوجدت أكثرها كتبا مدرسية وفهمت أن الفقراء يقصدونها ليشتروا الكتب المدرسية المستعملة بأقل من نصف القيمة. ووجدت كتب حسن أوريد كاملة ويبدو أنها رائجة في المغرب. واتكيت تكوة مع صاحب إحدى هذه الدور. شاب فصيح مليح مريح. فأخرج مخطوطات قديمة بعضها لأجزاء من القرآن يبدو أنها من قرن ١٢٠٠ للهجرة. سقاني كوبا من الشاي الأخضر المغربي. ودعا أصحابا له وزملاء وتساقينا الشاي الأخضر والأحاديث في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم الطاقة. ووضعنا نظريات مهمة تحل كثيرا من مشاكل العالم. كانت نصف ساعة وسط الشمس لكنها كانت غنية بالحياة. دعك من النظريات التي نظرناها. لكنها كانت مليئة بالتواصل الإنساني البسيط. وهذا المجلس بأصحابه لن يتكرر في هذه الدنيا إلا بمعجزة. ولذلك أدعو الله سبحانه أن يجمعنا بهؤلاء الناس في الجنة.

من أجمل ما في السفر عندي هذه العلاقات الإنسانية الهامشية. علاقات بلا مصالح ولا أهداف مشتركة. بريئة نقية. يحييها الإيمان بالله سبحانه ومرؤة العرب وفطرة الإنسان. وإلا لما يضيع الإنسان من وقته ونفسه وجهده دقائق مع من لا يراه بعد هذه اللحظة. ولحظات تنشغل فيها عن زبائنك لتعد كوب شاي لغريب لن تراه بعد اليوم لا يزينها إلا اعتقاد بإن هناك أبعاد في هذه الحياة أهم من التعاقد المادي المجرد. ولذلك تنتعش روحي بالجلوس مع من لا أعرف. نتبادل الأحاديث العميقة وربما العناق الساخن. ندعو لبعض بالسعادة والتوفيق والحياة المطمئنة. تغرقني هذه اللحظات وتملؤني بالبهجة لأنني كل يوم أصبحت أرى الجحود في الناس كثير. والامتنان يضمحل. والأنانية المفرطة تطغى. ومشاعر ”الاستحقاق“ تسطير على كثير من تعاملك اليومي مع الناس. في كل مكان بلا استثناء. يثقل علي والله أن يأخذ مني موظف الفندق شنطتي في الاستقبال ، أو يتولى السائق حمل حقيبتي عند باب المطار. وأجد نفسي أحمل الأشياء مع عامل المحل. أشعر أنهم يمتنون علي بفضل لا أقوى على رده بسهولة. وأقول والله لأنني أسمع كثيرا من يقول: وظيفته وشغله. هو هنا من أجل هذا! . ولعل من يقول هذا لايستحضر أن كل ما يجنيه هؤلاء المساكين في سنة يحصله في أيام معدودة. وأن هذه الوظيفة أو هذا الشغل هي ليبقى متماسكا أمامك يسد جوعته وجوع من خلفه من زوج وولد. والعشاء الذي تتناوله أنت وأسرتك في المطعم الفاخر يفوق نصف ما يجنيه هذا المسكين في شهر. والمناسبة التي تقدمها لضيوفك هي ما يجنيه عدة أشهر. صدقت! هي وظيفته وشغله لكنني لا أطلب منك إلا قليلا من الإنسانية والإمتنان. لذلك آنس كثيرا بالغرباء البسطاء. يكفيه منك لتملأ يومه ابتسامة صادقة ودعوة صالحة وأحيانا زيادة بسيطة على السعر المتفق عليه. ومن حولك من الناس ينهشونك ولا يشكرونك. ويستهلكون وقتك وعمرك وصحتك ونفسك ولا تجد منهم إلا قليل شكر عند السعة أو عند الرضى. ولذلك: اسوأ الخواطر الذي يداهمك يقول : أنت تضيع وقتك مع من لا يستحق. وأنت لا تنال من بعض من حولك إلا الخسران الذي لن يتبين لك إلا بعد سنين. وسنواتك العابرة لا تغير الحجر. وبعض الناس أقسى من الحجر.

١٤٤٧ هـ

سبعة كتب - ١٣

وإن الحياة مارثون ليس له نهاية. وقيد لا ينفك منك. وحلم لا ينتهي إلا بالموت. مارثون لو غفلت بقيت تجري في مساراته الكثيرة متنقلا بينها لا تدري إلى أين. نحن نقرأ حتى نرتاح. نقرأ لنجلس على قارعة المارثون نتأمل الراكضين. ونتنفس بارتاح وسكينة. ونشرب الماء ونحتسي القهوة على مهل. ثم نتابع الركض .. حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. هذه خواطر وانطباعات عن كتب قرأتها في الفترة القريبة وليس بين هذه الكتب من رابط إلا الفترة الزمنية أو قربها من الذاكرة. وتعمدت أن تكون من الذاكرة دون أن أعود للكتاب حتى تكون صورة عامة مما انطبع في الذاكرة عن هذا الكتاب أو ذاك. وإن عدت فإنما أعود لمقتطفات دونتها أثناء قراءتي الأولى للكتاب. آمل أن يجد القاريء فيها ما يستحق.



١) من لندن إلى مكة : إيفلين كوبولود

تجذبني كثيرا كتب الرحلات. ورحلات الحج غالبا مليئة بالمشاعر والمعاني العظيمة. هذه الرحلة لسيدة وجدت نفسها مسلمة كما تقول. لكن نشأتها في المغرب العربي كطفلة تلغي عنصر المفأجاة من الموضوع. وصلت لمكة أيام الملك عبدالعزيز وزات مكة والمدينة. والكتاب هذه المرة عادي جدا ولم أجد فيه شيئا يستحق. وكعادة الغربيين الذين يزوون المنطقة هناك رسائل في الكتابة حول أهمية الواحد منهم وكونه يتلقى معاملة خاصة. ونحن نخطيء في المبالغة في تقدير الغربي لشكله ولونه. الكاتبة كذلك لديها فهم مختلف للنصوص وشيء من النسوية الخفية. أكثر الأمور جمالا في قصتها هو ما حصل بعد موتها حين وصت بأن تدفن في قمة من قمم سكوتلندا. وحين بحثت عنه وجدت أن مجموعة من المسلمين ذهبوا لزيارة القبر الوحيد النائي في مكان بعيد. رحمها الله وغفر لها وتقبلها في الصالحين. وجدت لعدد من المؤسسات العالمية تقريرا عنها.

٢) حياتي الفكرية - عبدالوهاب المسيري

هذا الكتاب اقتنيته قبل سنوات طويلة جدا. تزيد عن خمسة عشرة سنة. أقول ١٥ وأنا أشعر بثقلها على لساني ونفسي. فالأعمار تمر سريعا سريعا دون أن نشعر. والكتاب على أنه من المفترض أن يكون كتابا للذكريات والتجربة الفكرية إلا أنه لا يخلو من ثقل وتعقيد أسلوب المسيري ومصطلحاته الصعبة. والكتاب اختصر لي تجربة العيش في أمريكا بطريقة أكاديمية عميقة جدا. مفسرا ما يصعب على العابر فهمه وتفسيره بسهولة بل حتى مجرد إدراكه. ولكل من يسألني عن أمريكا وتجربة الحياة فيها وصعوبة فهم المجتمع وتناقضاته الكبيرة أحيله مباشرة لكتاب المسيري “حياتي الفكرية”.

٣) البومة العمياء وقصص أخرى - صادق هدايات

الرواية في قدر كبير من الكآبة والحيرة والضياع. ومؤلفها كان صادق في كآبته وحيرته وضياعه حتى قتل نفسه بعد ذلك بسنوات.

٤) الماء في الحضارة الإسلامية - خالد عزب

كتاب لطيف صغير حول المياه وتاريخ المياه في الحضارة الإسلامية وبعض الفنون والطرق في معرفة الماء وتخزينه وحفظه.

٥) - The art of the good life رولف دوبيلي

يمكن تجربة العنوان إلى : “ فن الحياة المطمئنة”؟ من أجمل ما قرأت منذ فترة طويلة في فن التعامل مع الحياة وضغوط الحياة والعمل. والكتاب فيه مفاتيح كثيرة لفهم الحياة والناس والعمل والتعامل مع مشاكل الحياة اليومية والأفكار العابرة. واستفدت من الكتاب كثيرا في محاولة فهم جديد لعلاقاتي بالناس من حولي وبعلاقتي بالمال والعمل. أنصح كل من يحسن الإنجليزية أن يقرأ هذا الكتاب.


٦) ميال - عبدالله ثابت.

أعوذ بالله من ضياع الأعمار والأوراق.


٧) نحو الجنوب - حسن أوريد

اقتنيت هذا الكتاب من مكتبة مستعملة في إحدى شوارع مراكش القديمة. ضمن مجموعة أخرى لحسن أوريد. والكتاب رواية تحكي شابا قرويا متدينا انتقل إلى الجامعة والمدينة فكان التحول في الافكار والمجتمع حوله أسرع من قدرته على التكيف والإدراك فجرفه التيار. والرواية تعبر عن مجتمعات لم تستوعب حجم التغير الذي حصل ويحصل على مستوى الأفكار والأخلاق وقيم المجتمع فلم تستعد له جيدا.


٨) الصمت في عصر الصخب - إيرلنغ كيغ

كتاب لطيف جميل قصير. والكاتب يعني بالصمت العودة للذات والهدوء والانعزال عن ضجيج العالم والأخبار ومواقع التواصل. وهو صاحب تجربة في الانعزال الطويل عن العالم. ويعتبر ذلك علاجا لأمراض العصر الصاخب. كتاب جميل ويقرأ على كوب من القهوة.


٩) ليس لدى الكولونيل من يكاتبه - غابرييل غارسيا ماركيز

قصة طويلة للمؤلف الشهير عن محارب قديم حارب بكل اخلاص ونزاهة ثم تقاعد وبقي ينتظر راتبه التقاعدي خمسة عشرة سنة. كل أسبوع يتجه للميناء ينتظر الرسائل القادمة لعل أحد القادمين يبشره بحقوقه الضايعة. لم يبق له من الحياة إلا ديك كان يشارك به ابنه القتيل في مصارعة الديوك. بقي له في الحياة شيئان: الديك والأمل في الشيك المنتظر الذي لم يصل.

سبعة كتب - ١

سبعة كتب - ٢

سبعة كتب - ٣

سبعة كتب - ٤

سبعة كتب - ٥

سبعة كتب - ٦

سبعة كتب - ٧

سبعة كتب - ٨

سبعة كتب - ٩

سبعة كتب - ١٠

سبعة كتب - ١١

سبعة كتب - ١٢

ماذا يأكل مريض القصور الكلوي؟ الأطعمة المسموحة والممنوعة بالتفصيل

قائمة عملية لمريض القصور الكلوي الشديد: المسموح والممنوع من النشويات والبروتين والخضار والفواكه والحلويات — لماذا يُمنع الموز والتمر والطماطم والشوكولاتة، وكيف تُنقع البطاطا والخضار لتقليل البوتاسيوم، وكم غرام ملح مسموح في اليوم.

مع مراعاة تقليل ملح الطعام وتقليل السوائل بحسب نصيحة الطبيب وبحسب كمية البول.


🥖 أولًا: النشويات (مصدر آمن للطاقة)

✅ مسموح بها:

  • خبز أبيض أو عربي بدون نخالة

  • أرز أبيض مسلوق بدون ملح

  • مكرونة عادية بدون صلصة جاهزة

  • شعيرية

  • بطاطا مسلوقة بعد تقطيعها ونقعها لتقليل البوتاسيوم

  • بسكويت سادة


🍗 ثانيًا: البروتينات الحيوانية (باعتدال وتحت إشراف)

✅ مسموح بها:

  • بياض البيض

  • دجاج منزوع الجلد مشوي أو مسلوق

  • سمك مشوي أو مطبوخ

  • لحم غنم هبر (قليل الدهن) مشوي أو مسلوق، مرة أو مرتين في الأسبوع، وبكمية لا تتجاوز 60–90 غرام في الوجبة.

❌ تُمنع أو تُحد بشدة:

  • الكبدة، الطحال، الكلاوي

  • اللحوم المالحة أو المعالجة (نقانق، لانشون)

  • اللحوم المطهية بمرق جاهز أو مكعبات ماجي


🥬 ثالثًا: الخضار (قليلة البوتاسيوم + تحضير خاص)

✅ مسموح بها بعد النقع والسلق:

  • كوسة

  • خيار

  • خس

  • فاصوليا خضراء

  • جزر (بكمية محدودة)

  • ملفوف

🔁 تُنقع وتُغلى ثم يُرمى الماء لتقليل البوتاسيوم.

❌ يُقلل من:

  • طماطم

  • سبانخ

  • بطاطا غير منقوعة

  • بامية

  • بروكلي


🍎 رابعًا: الفواكه (منخفضة البوتاسيوم)

✅ مسموح بها:

  • تفاح

  • كمثرى

  • توت

  • خوخ (غير معلب)

  • عنب

❌ تُمنع:

  • موز

  • برتقال

  • مانجو

  • شمام

  • تمر

  • أفوكادو


🧂 خامسًا: الصوديوم (الملح)

🔴 التوصية العامة: تقليل الصوديوم إلى أقل من 2 غرام يوميًا

(أي أقل من ملعقة صغيرة ملح)

✅ مسموح:

  • طهو الأكل بدون ملح

  • استخدام الليمون، الخل، الأعشاب الطازجة (نعناع، زعتر، بقدونس)

  • الثوم، الكركم، الكمون بكميات معتدلة

❌ يُمنع:

  • الملح الزائد

  • مكعبات مرق الدجاج

  • المعلبات

  • المخللات والزيتون

  • الشيبس

  • الصلصات الجاهزة

  • بدائل الملح (لأنها تحتوي غالبًا على البوتاسيوم)


🧁 سادسًا: الحلويات

✅ مسموح:

  • جيلي

  • مربى منخفضة السكر

  • سكر أو عسل بكميات صغيرة

  • حلى بالنشا

  • بسكويت غير مالح

❌ يُمنع:

  • شوكولاتة

  • حلاوة طحينية

  • حلويات فيها مكسرات أو حليب مركز


🧊 سابعًا: السوائل

✅ يُحدد حسب حالة المريض (كمية البول + التورم)

  • يجب حساب جميع السوائل: ماء، شاي، عصير، شوربة، وحتى الثلج

  • القهوة الخفيفة أو الشاي باعتدال

❌ يُمنع:

  • مشروبات الطاقة

  • مشروبات غازية داكنة

  • العصائر المركزة

  • الشوربات الجاهزة

الصلابة النفسية

من فترة طويلة وأنا بعيد عن تفاصيل الأخبار وما يحدث في العالم. أتابع أخبار المحيط من فترة إلى أخرى حتى لا أتبلد أو أتحجر. لكن دون انغماس في التفاصيل أو المبالغة في الأحداث أو الزعم أنني أفهم جيدا ما يحدث العالم. أنا لا أفهم معظم ما يحدث في هذا العالم. أنا لا أفهم معظم ما يحدث في الحي ولا أعلم من يموت أو يمرض أو يصاب من الجيران في الحي. بل أحيانا لا أعلم ما تفاصيل ما يحدث في عائلتي القريبة. كثيرون مثلي. بل إنني أظن أن غفلة الناس عن المحيط القريب صارت أغلب وأعم مما كانت عليه. نحن الآن مشغولون بالمشاهير وتفاصيل حياتهم اليومية ومشغولون بأخبار الجديد في السوق من مطاعم ومقاهي ومشغولون بالوجهات السياحية المرتقبة. أعلم أن هذا تعميم شديد لكنني أرجو أن تفهم ما أعني بهذا. أعني أن انشغال الناس بما لا نفع فيه ولا تأثير لهم عليه صار الأغلب والأعلم.

قلت أنني فترة طويلة وأنا بعيد عن الأخبار وعن السياسة. لكنني من فترة قريبة صار لا يشدني في السياسة شيء مثل قدر الصلابة النفسية التي يحتاجها السياسي أو رئيس الدولة أو الملك .. إلخ.

وسط اهتماماتي ومشاغلي اليومية وما أنا مسؤول عنه من اعمال كثيرة تشتتني = أجد نفسي في لحظة أود فيها لو أتخلص من كل ما في يدي حتى أحافظ على ما تأخذه هذه الأشياء من استقراري النفسي وسلامة روحي من الشتات. الملك أو رئيس الدولة محاط بعدد لا محدود من المهام. هل تستطيع أن تتخيل؟ أنا لا يمكنني أن أتخيل. صحيح أن هناك عدد لا محدود من الموظفين والوزراء والعاملين والأجهزة والمؤسسات .. إلخ. لكن المسؤوليات كبيرة جدا جدا. قد تضطرب أنت بسبب خلاف بسيط في المنشأة وربما يصعب على بعضنا التركيز بسبب هم عابر في بيته أو عمله أو مستشفاه. وصاحب الأمر على شفا جرف حرب أو مأساة اقتصادية أو ثورة مضادة أو اتهامات لا تنتهي من حزب أو تهديد قومي. كيف ينام هذا الليل؟. ولذلك لا تستغرب أن تجد كثيرا في أدبنا الثناء على الشخص بالصلابة ورباطة الجأش وعدم المبالاة بالحوادث. اسمع المتنبي:

وَقَفتَ وَما في المَوتِ شَكٌّ لِواقِفٍ - كَأَنَّكَ في جَفنِ الرَدى وَهوَ نائِمُ

تَمُرُّ بِكَ الأَبطالُ كَلمى هَزيمَة - وَوَجهُكَ وَضّاحٌ وَثَغرُكَ باسِم

والناس يقفون أمام الملذات خائفين من المرض قلقين من المستقبل، وجلين من المجهول. لا تمر بهم الأبطال. بل تمر بهم النعم والخيرات. وهم بوجوه مكتئبة حزينة. وثغور عابسة مضطربة.

ولعل مما يهون هموم الإنسان على نفسه أن يذكرها بعظائم الأمور وما يقبل عليه الناس من مصايب وأحزان، وما على مكتب المسؤول من قضايا شائكة ليس لها حل. فتصغر المشكلة وتهون ثم إن الدنيا كلها بما فيها ومن فيها لا تستحق الحسرة ولا أن يتلوى أحدنا في الفراش يطارد الأفكار المتلاحقة ويدافع الهموم المتتابعة. فكل شيء بأمر الله سيمر ويعبر. ولن يبقى من التفاصيل شيء يذكر. وتأمل ما يحصل عندما يموت أحد من الناس ممن عاش كما يعيش الناس بصواب وخطأ. فترى أن كل حياته تتقلص إلى دعوات الناس له وثنائهم عليه. وقد عرفت من يبالغ في ذم رجل في كل مجلس. وذهب الرجل إلى ربه. فرأيت الذام يدعو له ويعدد محاسنه وخيراته وكأنه لم يذكره يوما بشر. ولذلك يجب ألا يقسو الإنسان على نفسه ، ويبالغ في لومها على الكلمة العبرة التي قد تفلت، أو الخلاف الذي أتى بلا حساب ،أو على التجاوز في العمل أو البيت. وليسع الإنسان إلى أن يكون إنسانا صالحا طيبا في الغالب. يسدد ويقارب ويصلح عيوبه الظاهرة ما استطاع. وستبقى العيوب تظهر وتختفي مهما سعى الإنسان واجتهد وعمل. لإنك إن ذهبت ستذهب إلى رب كريم عفو غفور يعلم نواياك واسرارك. ثم إن الناس ينسون التفاصيل والأخطاء العابرة إلا الحمقى وأهل الحقد والجهل. وسيدعون لك بالخير ويرجون لك رحمة الله الواسعة ويقولون: ”اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس“!. والثوب الأبيض في يومك تدافع عنه القهوة والغبار وما يسقط من أكل، وزيت السيارة، والجدار المتسخ، والبقعة التي على المكتب التي لم تنتبه لها، وبقعة تأتي من عجلتك في عمل أمر ما، أو ظنك أنك تستيطع المرور بين سيارتين سالما من الغبار. لكنك تجد أنك مسحت السيارة بثوبك الأبيض. والاتكاء العابر بعد يوم طويل على جدار الممر. والعرق الذي لا تقوى على دفعه في يوم حار. كل هذه وغيره أعداء ثوبك الأبيض النظيف. تدعو الله أن ينقي ثوبك من الدنس حيا وميتا. وتسأل الله كما يسر لك وأعانك أن ترتدي هذا البياض كل يوم وتجعله جزء من حياتك، أن يزيل عنك الأذى ويطهرك حيا وميتا وأن يجعلك في الأبرار الصالحين.

صفر ١٤٤٧

العودة سائحا إلى أمريكا!

قلبت الصفحة الأخيرة من كتاب العودة سائحا إلى كالفورنيا لغازي القصيبي. لم يعجبني فيه إلا ثلاث صفحات أو أربع في آخره. وهو كتيب قصير جدا. اليوم أعود سائحا إلى أمريكا بعد سنتين من الغياب. قلت: سنتان؟. بل هي ثلاث أو تزيد. مرت سريعة جدا جدا. لا يصقل الإنسان مثل التجارب. ولا يعرفك بالحياة مثل تقحم زحام الحياة. ولا يعرفك بنفسك مثل كشفك لنفسك في المواقف. والناس كلهم صناديق مغلقة حتى يفتحها لك العمل والتنافس في الدنيا والتسابق على الحياة.

ولولا التنافس ما أنكر إنسان من إنسان شيئا ولصافحتنا الملائكة في الطرقات. وأظن أنني ”تفقهت“ و“أبصرت“ و“أدركت“ من أسرار الحياة وفهمها وفهم الناس في السنوات الثلاث الأخيرة ما لم أدرك قبل ذلك. وحين ” بلغ أشده“ فهم حق الله عليه وفضل الناس عليه وواجباته للناس ولذريته من بعده. فقال: ”ربي أوزعني ان أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه. وأصلح لي في ذريتي إن تبت إليك وإن من المسلمين“.

جالس في صالة الأعمال أحتسي القهوة. أنتظر اقلاع الرحلة. متأبطا مذكرات عزيز ضياء ”حياتي مع الجوع والحب والحرب“. قطعت قلبي صفحاته المئة الأولى. حزن على حزن، إذا أخرجت الفرحة من بين ركامه تلاشت فلا تكاد تراها. كعادتي في كل سفر. أصحب كتابا أو كتابين. وربما زاد العدد. ولا أنصحك أن تقرأ هذا الكتاب في فترة حزن او كآبة تمر بها نفسك. ومفارقة أن اقرأه وأنا جالس في صالة الأعمال. أحتسي القهوة بعد القهوة وأتخير أطايب الثمر والشكولاته. وكل مرة أجد نفسي في هذه الصالات=أشعر انني في سجن كبير. وربما أجد نفسي إذا طال الانتظار أخرج من هذا السجن للحياة والحركة والانطلاق خارج هذه الأسوار المذهبة. فأمشي وأتحرك وأبحث عن زاوية أجلس فيها وسط الزحام. مرغما الشعور الموحي بالتميز والاختلاف والعلو. أحتسي القهوة بعد القهوة وأشعر بتخمة بعد لوح من الشكولاته، ويتساقط أمام عيني المهجرون من المدينة إلى الشام. مات عبدالغفور بالحصبة. وداوود بالتيفيود. ثم مات الطفل الثاني بالكوليرا. والشيخ يهرب من الفقر ويقاتله في شوارع حلب. وعساكر السلطان تتهاوى أمام الكفار. وفخري باشا لا يسلم المدينة. وأنا هنا أكافح دموعي. جالس على أريكة ناعمة. وأكواب القهوة تتهاوى بين يدي واحدا تلو الآخر. العربات تمر في حلب تفيض بالجثث الممزقة للجنود والمرضى. والمقابر الجماعية تحفر أمام ناظري. وأنا هنا أحزن وأتأثر وأمسح دمعة متطفلة بمنديل رقيق. أحسو القهوة أسرع وأسرع وأسرع. وأقلب الصفحة التالية ويدي تتحسس القطعة التالية من الشكولاته.

وصلت إلى مورقانتاون بعد رحلة طويلة. أصر أنس أن يأخذني من مطار واشنطن. أنس الحربي صديق من أصدقاء الغربة. من أذكى وألطف وأصدق من عرفت. تغيب عنه سنوات وتعود فتجد صاحبك الأول. تتشاركان الهموم والأفكار. وما ألذ تشارك الأفكار مع الأذكياء. أحيانا توهمك نفسك أنك جالس مع من يفهم فتبحر في أسرار نفسك، تبثها للناس، ثم في منتصف إبحارك تكتشف أنك اخطات خطأ كبيرا بفعلك هذا. تعيد السفينة إلى الشاطيء بأشرعة ممزقة. أخطأ السندباد الطريق هذه المرة. غادرت مورقانتاون ٢٠١٩ م. ولم أعد إليها من ذلك الوقت إلا اليوم. عقد من الزمان. تغيرت أشياء كثيرة في حياتي. تغيرت أنا كثيرا. أرتكبت أخطاء فادحة وارتكبت اخطاء صغيرة ووفقني الله لكثير من الصواب. عقد من الزمان؟ لا أكاد أصدق. ما زال ذهني يقول لي أن ٢٠١٦ م كان البارحة. غزا بعدها الشيب لحيتي. وغزا أجزاء كثيرة من شعر رأسي وأنا لست أنا. دائما نقول أن الزمان يمر سريعا والسنوات تسير كالريح. لكنني شعرت هذه المرة بقسوة المفاجأة الجديدة القاسية. لم يبق في مورقانتاون إلا القليل من الأحبة والأصدقاء. شوارعها تعرفني جيدا. في كل زاوية من زواياها ذكرى وقصة. المباني ما زالت كما هي لم تتغير كثيرا. المسجد مليء بالوجوه الجديدة. فُتح بين ذاكرتي وبين الزمن فتحا مبينا. فبدأت أسرد الأسماء لأصدقاء وأعداء ومعارف ومرضى. وإن الحياة لا تستقر على حال. مشيت أنا وأنس على Cheat lake ما يقارب الساعتين. أخذنا الحديث كل مأخذ. كان الجو أبرد من المتوقع وممطرا. دخل البرد أحشائي. ثم خرجت من مورقانتاون ولا أدري هل أعود مرة أخرى. دعني أقول لك: هذه المدينة صغيرة جدا. لاتصلح إلا لأولئك المسافرين إلى الداخل. المنسجمين مع الهدوء. المتناغمين مع الطبيعة. العاشقين للرتابة. الآلفين للاعتياد. المتفرجين على مسرح الحياة. ليست مثل واشنطن أو الرياض أو جدة. حيث الحركة لا تتوقف والأشياء تتغير والأحداث تتسارع. ولو اخترت مدينة مثالية لحياة هادئة لما اخترت إلا مثل هذه.

أمريكا صعبة على الفهم ومستعصية على الإدراك. دائما أردد هذا لكل من يسألني عن أمريكا وتجربتي فيها. أمريكا ليست ما تراه في الأخبار كل يوم ، وليست دونالد ترامب وليست بايدن. وليست المشردون في الشوراع وليست وادي السليكون. وليست المساجد الممتلئة بالمصلين، وليست المثلية وقضايا الجندر، وليست التعصب المسيحي اليميني، ولا اليسار المتطرف. ولا الفضاء واحتلاله. هي خليط من أشياء كثيرة يصعب تصور أن تكون في مكان واحد أو في وقت واحد. خرجت في زيارتي القصيرة إلى بيتسبرغ فصلينا في المسجد الأول. المسجد اسمه هكذا ” المسجد الاول“. مكتبة المسجد مليئة بكتب ابن تيمية وابن عثيمين وابن باز وكتب الحديث. في زاوية المسجد يجلس مسلم من أصول أفريقية يقرأ الأصول الثلاثة لابن عبدالوهاب. في الزاوية الأخرى مسلم بملامح صينية يقرأ في كتاب آخر لم أنتبه له. بارات الشواذ لا تبتعد قليلا عن هذا المكان الطاهر. في آخر الشارع أمريكية بيضاء تقدم المعسل ”الهوكة“ والشاي الأسود بالنعناع بمهارة عربي في إحدى شوارع الشام أو جدة. وتقول لي أن أمريكا يمكن فهمها؟.

زائر لأمريكا هذه المرة في وسط الشحن الإعلامي حول التطورات الجديدة في تعامل أمريكا مع المهاجرين والمسلمين. بعض أصدقائي المتابعين للأخبار كان يتوجس مما قد ألقاه في مطار واشنطن. وصلت مطار واشنطن فلم يستغرق جوازي مع موظف الحدود الأمريكية أكثر من ثلاثين ثانية. أمريكا في الشارع كما هي رغم كل الضجيج والصراخ في الإعلام. أمريكا ليست ما تراه في الأخبار كل يوم. أمريكا شيء آخر مختلف. شيء يستعصي على الفهم.

عد للأماكن القديمة. لكن تذكر أن الناس لن يعانقوك في الطرقات. لا ترفع سقف مشاعرك فقد تصدمك الوحشة ويسيطر عليك الاغتراب. لا أحد يعرفك. أنت رقم أتى وذهب. أنت رقم زائد أو ناقص في تعداد السكان. المدن لا تدري من أنت ولا في أي واد هلكت. عد للأماكن القديمة لتتأكد لك الفكرة. أنت لاشيء وإن الدنيا لا تحفل بك. لم يعلق أحدا لوحة يحتفل بوصولي حين ممرت بشارع جورج ميسون في أرلنغتون. لم تُطلق أبواق السيارات عندما قطعت شارع وسكونسن في جورج تاون. حارس الأمن أوقفني عند الباب عند مدخل المستشفى الذي كنت أقضي معظم يومي فيه. يسألني: كيف يمكنني أن أساعدك؟. بمعنى: ماذا أتى بك أيها الغريب. شرحت له فأعطاني ملصقا صغيرا عليه اسمي وصورة لا تدوم، وزيارة قصيرة لا تتجاوز الساعات. والأمريكان أكثر عملية في التعامل مع المشاعر. وليس في هذا الأمر ذرة ثناء. لن يتوقف أحد لتحيتك أو لدعوتك لكوب قهوة على عجل. الناس مطحونون في مكينة العمل والإنتاج. قابلت مجموعة من الزملاء في المستشفى. كان السلام باردا أبرد من الشتاء هذه السنة. السيد ”اكس“ الممرض الذي كنت أقابله كل يوم ونتحدث في أشياء كثيرة. صافحني بطريقة بارد جدا. بعد ثانية من اللقاء بدأ يحدثني عن انجازات ترمب. لم يسألني عن حالي أو كيف تسير الحياة. سألته سريعا عن منتجاته الزراعية ماذا فعل الله بها. فعرض لي ما أنتج هذه السنة من طماطم وفلفل وكوسة وبامية. حدثني عن أحلامه الفنتازية بالالتقاء بفتاة أسيوية تصغره بعشرين سنة. مميز في افتزاز من حوله من الناس. البقية ذهبوا. نائب البرنامح أعتذر أنه غير موجود وأنه لن يستطيع مقابلتي الليلة. زيارتي للمكان كانت مفاجئة ولذلك لم أتوقع استقبالا يختلف عن هذا. نحن نشعر بالإلتزام حتى مع من لا نحب والغريب يتفاجأ بحفاوة الاستقبال التي نمنحها الناس بعفوية. لم أطل المكوث في واشنطن وانطلقت إلى بوسطن حيث حضرت الكثير من المحاضرات وقابلت شيخي مايكل تشوي. تعانقنا بحرارة. تحدثنا في أشياء كثيرة. كان يحدثني عن أشياء لم يكن يحدثني عنها أثناء الطلب. عن أسرته وأبنائه وعن تفاصيل شخصية لا يذكرها الأمريكان كثيرا. تحدثنا في مواضيع الساحة والتغيرات التي حصلت في أمريكا السنوات الأخيرة. ولم يكن يتحدث أبدا في السياسة قبل هذا أبدا. كل من قابلت من الأمريكان وجدته متوجسا من مستوى حرية التعبير في أمريكا والحريات الفردية. لم ألحظ شيئا مختلفا بل كان دخولي لأمريكا سلسا سهلا. والأيام حبلى بكل جديد.

أنا في استغلاق شديد هذه الأيام. عقلي لايكاد يتحرك من مكانه. أشعر ببلادة شديدة. واستغلاق على الكتابة والتفكير وعلى الإنجاز. ”إنتاجيتي“ انخفضت بشكل هائل في الأشهر الأخيرة. أصارع نفسي على الكتابة والبحث والإنجاز فلا أكاد أنجز شيئا إلا حبوا. مكلف بعدة أعمال وبعضه اقترب أوانه وأنا عالق في وحل من التسويف والكسل والاستغلاق. اللهم افتح لنا فتحا من عندك. اللهم بارك فيما نملك. وزدنا من علمك وفضلك. لا تلكني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك. على هامش المدينة أنا. أتنعم بالصمت. وأحاصر نفسي بالجوع حتى يقرقر بطني. آخذ نفسي بالمشي حتى تكل قدماي. أسهر حتى تأخذ بي عيني. أنام حتى أجد ما يدعوني لليقظة. اقرأ حتى أمل. وأحاول أن أكتب فلا أجد من ذلك إلا آلام التفكير وشتات الخواطر. كل يوم يتبين لي أن الإنجاز يأتي مع الاستمرار. وأن الانضباط أساس الإنتاج. وأن الذكاء وحدة لا يصنع منك شيئا ما لم يصحبه الجد والصبر والإلتزام. وسلحفاة لا تتوقف أسرع من أرنب يقطعه الشتات. أفهمُ هذا جيدا، لكنه أمر صعب جدا جدا. ومعاناتي مع نفسي منذ سنوات أنني أحب في العلم أشياء كثيرة، وفي التخصص أشياء كثيرة ، وأحب السهر وأحب الصباح. ويعجبني الأدب والشعر وبعض الفقه وبعض الفلسفة. وتشدني القراءة في كتب الأصول والحديث. وأميل للفكر والسياسة والسير الذاتية. وأحب في تخصص الكلى غالب فروعه وأقسامه. ثم ماذا؟. تجد نفسك غارقا في أكوام من المهام والاهتمامات فلا أرضا قطعت ولاظهرا أبقيت. وأسأل الله الهداية والرشد والسداد.

فهمت اليوم سر انتشار محلات الدخان في أمريكا ووجودها في كل زاوية. وان تعجب فعجب أن تجد غالب من يملك هذه المحلات يمنيين من اليمن الشقيق الذي تعرف. قابلت يمنيا في المطار. فأغرقني بعفويته فتحدثنا قي كل شيء وعرفت من حديثه أن شريك مؤسس في عدد من محلات الدخان في أمريكا. ما اجرأ ”أبي يمن“ على تقحم الحياة. أو ما أقسى اليمن على أبنائها فشردوا في الأرض يبيعون الدخان والسجائر الإلكترونية للأمريكان!. ولأنني لست منافسا ولا أرجو أن أكون منافسا يوما ما. نشر بين يدي الأرباح الشهرية والسنوية وهي أرقام يسيل لها لعاب أهل الدنيا. رزقنا الله الرزق الحلال وبارك لنا فيما نملك. والغربة تظهر لك لذة المواطنة والتناسب. ومن الطريف أنني اليوم قبل أن ألقى صاحبي اليمني في المطار وقعت على هذا النص لعزيز ضياء في كتابه الذي ذكرته قبل أسطر. يقول: في الحب لابد من باعث هو في الغالب التعلق بالجمال وما يدخل في معناه من الرقة، والوداعة، وحلاوة المعشر .. إلخ. والحب بهذا المفهوم، أو هذا المعنى محكوم بالضعف والضمور، ثم بالزوال.. بغض النظر عن رومانسية قصص الحب التي ملأت رحاب الدنيا كلها، فلا مجال للشك في أن لها نهاية ما. وهذا ما تتميز به علاقة المواطنة إذ يستحيل أن يطرأ عليها الضعف والضمور وهي مشاعر لا تنحصر في إنسان بعينه. وأغرب وأعظم ما في خصائصها أن لها المقدرة على ان تحتوي الجميع. تحتوي من تربطك به علاقة معرفة، ومن لم يسبق أن رأيته قط. وقد تكون مرتحلا في بلد فتسمع وأن تتسوق أو تتنزه أو تقف في انتظار الحالفة التي تنتقل بها=تسمع من يتحدث إلى آخر ، وتدرك على الفور أنه من مواطنيك. فإذا بك تمد يدك إليه تصافحه وترحب به. ليرحب هو أيضا بك. وكل منهما لم يسبق له أن رأى الآخر قط. إنها المواطنة: مشاعرها التي تنطق من مكامن في النفس لا ترتبط بمكان أو زمان. وهي أشبه بالغريزة التي تحكم النفس متجاوزة حدود العقل والمنطق والإرادة“. والمعنى واضح صريح وإن اختلفنا في تسمية ما يصف الكتابُ هنا. ويحضر ذهني عددٌ من الأصدقاء الذين جمعتني بهم الصدفة في تقاطع مزدحم، أو بهو فندق بعيد. ثم تصافحنا ثم أخذ الحديث منا الوقت ثم تبادلنا الأرقام. ثم ألتقينا. تم تصاحبنا. وما زلنا حتى اليوم. وهذا أمر تدفعك إليه الغربة و ”كل غريب للغريب نسيبُ“.

عندما أركب الطائرة في الرحلات الطويلة أشعر في كثير منها بالرغبة في أن تطول الرحلة. فتدخل نفسي في حالة من غياب الزمان والمكان. صوت الطائرة الرتيب والانقطاع عن كثير من الحياة والانطلاق في الفضاء الرحب يدخلني في حالة شعورية أود أحيانا أن تطول. وأتعجب من هذا الشعور من نفسي حين استيقظ بعد نومة طويلة فأجد الشاشة تقول أن الهبوط سيكون بعد ساعة أو ساعتين. هل هو رهبة من العودة للحياة والروتين. خشية من الالتزامات والمشاغل اليومية المعتادة. هروب نحو اللاشيء في هذا الفضاء الواسع؟. ومع هذا أقول في نفسي اللهم لا تجعلني ممن يقول: ”ربنا باعد بين أسفارنا“.

أردد دائما كما ذكرتُ هنا أن أمريكا تستعصي على الفهم والإدراك. فهي خليط من تناقضات عجيبة. أظن أن من أدق ما وقعت عليه في توصيف أمريكا توصيفا دقيقا هو ما كتبه المسيري في أجزاء كثيرة من كتابه: ”رحلتي الفكرية“. زيارتي الأخيرة لأمريكا هذا العام ١٤٤٦ هـ بعد غياب لم يكن قصيرا جعلتني اتساءل مرة أخرة وأتأمل وأتفحص هذا البلد العجيب المتناقض. وخصوصا مع التغيرات المجتمعية والثقافية الأخيرة المصاحبة لظاهرة ترمب وصعود نسخة مختلفة من اليمين. والأيام دول. والحضارات تتوالى وتتساقط. ”وتلك الأيام نداولها بين الناس“!

بوسطن - شوال ١٤٤٦ هـ

كتاب: من على بوابة الأربعين



صدر لي قبل أيام هذا الكتاب القصير. أرسلته للمطبعة وأنا أرجو من القاريء أن يعتبرها أحاديث طريق وسواليف مقهى. مما نقطع به الأوقات. وربما وجدنا في أحاديثنا العابرة ما يفيد. 

الكتاب لدى مقهى ودار تشكيل. وسيكون في المكتبات قريبا! 

https://tashkeell.com/ar/ZYDmrXm


وفقنا الله وإياكم لكل خير